الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الأمم المتحدة ومشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها وفق المادة (140) الدستورية
من محاضرات «المادة (140) الدستورية»
حين تأسست الأمم المتحدة سنة 1945 بديلاً عن عصبة الأمم، وانتقل المقر من جنيف إلى نيويورك، تنفست شعوب العالم الصعداء، وهي تخرج من حربين عالميتين لم يفصل بينهما سوى عقدين من الزمن، جلبتا الخراب والدمار لمعظم دول العالم، وأفرزتا الكثير من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يزال عدد غير قليل من تلك الأقطار يعاني من نتائجهما حتى اليوم.
ولا شك في أن ظهور الأمم المتحدة في ذلك الوقت، بعد الحرب العالمية الثانية، كان الأمل الذي راود تلك الشعوب في وضع حدٍّ للصراعات الإقليمية والمنافسات الدولية، وفي العمل المشترك بين أعضاء هذه الهيئة الدولية لبناء ما خربته الحروب. بل إن مثل هذه التوجهات راودت العديد من الساسة والمفكرين، ومنهم الأمريكي سبايكمان (N. J. Spykman) في كتابه «جغرافية السلام» (The Geography of Peace)، الذي دعا إلى واحد من ثلاثة سبل لضمان الأمن العالمي:
1- القوة الذاتية للدولة وتطويرها.
2- التعاون الثنائي بين الدول.
3- إقامة منظمة دولية على غرار عصبة الأمم.
إلا أن مسيرة الأحداث التي رافقت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي عُرفت بـ«الحرب الباردة»، لم تجلب سوى المزيد من الكوارث لشعوب العالم، ولا سيما في الأقطار النامية؛ فبدلاً من أن تقوم الحرب بين محاور القوى الكبرى، توزعت على العديد من تلك الأقطار، ولم تسلم منها حتى الأقطار الأوروبية.
وبدلاً من أن تسعى الأمم المتحدة إلى نزع فتيل تلك الحرب أو الحدّ من تصاعد الأزمات في العالم، تسببت في تعقيد الكثير منها أو إطالة عمرها، والأمثلة على ذلك كثيرة: ففي القارة الآسيوية لا تزال مشكلات الكوريتين وكشمير وأفغانستان، والمشكلة الفلسطينية، ولبنان ملتهبة؛ وفي إفريقيا لا تزال مشكلات جنوب السودان والصحراء الغربية والصومال قائمة؛ مثلما تصاعدت حدة المشكلات بين دول أمريكا اللاتينية وفي شرق أوروبا، دون أن تنجح الأمم المتحدة في وضع الحلول النهائية لها.
ولم يكن إقليم كوردستان العراق (ولاية الموصل سابقاً، ذات الأغلبية الكوردية) بعيداً عن نتائج تدخلات الأمم المتحدة، سواء باعتباره جزءاً من الدولة العراقية العربية الجديدة التي تشكلت في 23 آب 1921، والتي تخضع الآن للبند السابع من قرارات الأمم المتحدة منذ سنة 2003، أو من خلال دخول الأمم المتحدة على الخط الساخن في مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق، بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد، وهي المشكلة التي تضمنتها المادة (140) من دستور العراق لسنة 2005.
لقد سبقت المادةَ (140) المادةُ (58) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت لسنة 2004، التي نصت على ضرورة إعادة المرحَّلين والمهجَّرين الكورد إلى أماكنهم الأصلية في كوردستان العراق، وإعادة العرب الوافدين إلى محافظاتهم في وسط العراق وجنوبه، وتعويض المتضررين من الكورد، ومعالجة التغييرات التي أُجريت على الحدود الإدارية للمناطق الكوردية التي جرى تعريبها وتهجير أهلها، ثم إجراء إحصاء للسكان في تلك المناطق، يُصار بعده إلى استفتاء سكانها وسكان المناطق الكوردية المتنازع عليها.
وورد في المادة (58) نفسها أنه عند ظهور خلافات في تنفيذها يُصار إلى محكِّم محايد، وإن تعذّر ذلك يُطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرموقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
لقد كان ذلك أول إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الأمم المتحدة في حل مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها. وحين نُقلت المادة (58) إلى الدستور العراقي لسنة 2005 تحت رقم المادة (140)، اتخذت صيغة أكثر وضوحاً؛ إذ حُدّدت في ثلاث مراحل (التطبيع، الإحصاء، الاستفتاء)، وبسقف زمني لا يتجاوز 31 كانون الأول 2007.
ويمكن القول إن أغلب التوقعات يومذاك، سنة 2005، كانت تشير إلى إمكانية تنفيذ المادة (140) في موعدها الدستوري، ولا سيما بعد تصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سنة 2006، التي حدّد فيها شهر تموز 2007 موعداً للانتهاء من المرحلة الأولى (التطبيع)، وشهر تشرين الأول 2007 موعداً للتعداد السكاني، وهو الشهر المقرر قانوناً لإجراء التعداد كل عشر سنوات، على أن يُجرى استفتاء سكان كركوك والمناطق الكوردية الأخرى في كوردستان العراق في شهر تشرين الثاني من العام نفسه 2007.
ويبدو أن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر! فقد تأجّل التعداد العام للسكان، واقترب الموعد النهائي المقرر لتنفيذ المادة (140)، دون أن يبدو في الأفق ما يدل على جدية السلطة التنفيذية في الحكومة العراقية في الوفاء بتعهداتها.
ومع إصرار الجانب الكوردي، في الوقت الضائع، على ضرورة الالتزام بالدستور وتنفيذ المادة (140) في موعدها، تصاعدت حدة التوتر بين الجانبين: حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، مما فتح الطريق لتدخل الأمم المتحدة حَكَماً بين طرفي النزاع. واستجاب الكورد للأمر الواقع، وربما لأول مرة منذ انهيار النظام السابق في 9 نيسان 2003، وذلك بتمديد المدة ستة أشهر فقط! وصادق برلمان كوردستان على ذلك على مضض، وتنفّس الطرف الآخر، الحكومة الاتحادية في بغداد، الصعداء؛ لأنها كانت على يقين بأن دخول الأمم المتحدة سيفتح المجال على مصراعيه لتمديد آخر وآخر، ولا سيما أن العراق يمر بأزمات سياسية واقتصادية وأمنية لا تشجع على التوصل إلى حلول للمشكلات الأساسية مع الطرف الكوردي.
وكما كان متوقعاً، انتهت الأشهر الستة التي وافق عليها برلمان كوردستان دون أن تخطو الأمم المتحدة خطوة واحدة إلى الأمام. كما أن السنوات التالية لم تشهد ما يشير إلى اجتياز المادة (140) مرحلتها الأولى (التطبيع)، ناهيك عن التأجيلات المستمرة للتعداد العام للسكان، الذي لا يمكن بدونه الوصول إلى مرحلة الاستفتاء.
ويبدو أن الضغوط الإقليمية والدولية، إلى جانب المتغيرات المحلية، أدّت دورها في رسم العلاقات بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وربما كانت من بين المبررات التي دفعت حكومة الإقليم إلى الموافقة على بقاء السقف الزمني للمادة (140) مفتوحاً!!
ولمتابعة دور الأمم المتحدة في حل مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها، من المناسب استعراض الدور الذي قامت به هذه المنظمة الدولية، والمتغيرات التي آلت إليها مسيرة تنفيذ المادة (140)، وفي مقدمتها بقاء السقف الزمني دون تحديد، والمماطلة التي ميّزت مراحل التنفيذ من قبل الحكومة الاتحادية، وما يترتب على ذلك مستقبلاً في العلاقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، ولا سيما في عهد ممثلَي الأمين العام للأمم المتحدة السيدين دي ميستورا وميلكرت.
الدكتور عبد العزيز المفتي