إن أصل الأكراد لا يبدو واضحاً تماماً رغم المناقشات اللغوية والمجادلات التاريخية، والأبحاث العلمية في علم أصل الإنسان لا تأتي بحجج مقنعة تماماً، ولكنها توفّر قدراً من الإشارات للاستدلال.

فالسيد آرينز كابرز (Ariens Kappers)، الذي درس أكراد دمشق عام 1931م، أخذ في حسابه امتزاجهم بأصول أخرى، وأقرّ بأنهم من أصول مميّزة. كما لا يمكن إغفال النتائج التي توصّل إليها السيد هوسي (Houssaye) الفيزيائي الأرجنتيني عام 1887، الذي اعتمد القياسات الجسمانية لأكراد كوردستان تركيا ومنطقة يريفان (Erivan)، عاصمة أرمينيا حالياً؛ إذ بدا له أن الكوردي الشمالي رجل ضخم مخيف (والسمنة معدومة تماماً بين الأكراد)، أنفه طويل وغالباً معقوف قليلاً، والفم صغير والوجه بيضوي، والرجال يتحلّون بشوارب طويلة ويحلقون ذقونهم، ويبدو في سيماهم العزم والتصميم والشخصية الخارقة، وأكثرهم شُقر الوجوه بعيون زرقاء، وأولاد الأكراد من هذا النوع يتشابهون مع أولاد الإنكليز ويصعب تمييزهم منهم بسبب بياض البشرة. أما في الجنوب فإن الوجه أحياناً أعرض قليلاً والجسم أثقل. تلك هي ملاحظات الميجر سون (Major Soane) عام 1912م في المناطق الكوردية أيضاً، وهي تجعل المرء يعتقد أن الأكراد ليسوا من شكل واحد معيّن. فإذا أمعنّا النظر في الكوردي الجبلي والكوردي ساكن السهول، والكوردي المقيم والرحّال، وقارنّا شخصاً ينحدر من سلالة كوردية صافية بآخر انصهر بأصول مجاورة أخرى، تبيّنت اختلافات واضحة تماماً؛ إذ إن هناك مفارقات طبيعية في أشكال البشر: الشكل العربي، وشكل اليهودي التوراتي، والنسطوري (نسطور: من أبطال إلياذة هوميروس، ملك بيلوس الأسطوري؛ ونسطور بطريرك القسطنطينية سنة 428م، حرمه مجمع أفسس سنة 431م، وأتباعه هم النساطرة).

كما يشير العالمان مينورسكي وهنري فيلد، بدراسات فيلد عام 1952 في علم أصل الإنسان، ودراسته التي قام بها عام 1958 على أكراد كوردستان العراق، وخصوصاً على الذين يقيمون في زاخو وراوندوز وكركوك والسليمانية؛ إذ قادته دراساته إلى النتيجة نفسها، ولكن بمنهج علمي أعمق، فيظهر لنا ما يأتي: «متوسط طول الكوردي هو (5–6) أقدام، والجذع طويل نسبياً، والأرجل قصيرة نوعاً ما، والجبهة عريضة، والرأس كبير ومستدير، وغالباً ما يكون قصيراً برقبته. وطول الوجه معتدل. وقد جرى فحص الأشخاص، فكان أقلّ من ربعهم عريضي الأنف (EURYRRHINE)، والباقون متوسّطي الأنف (MESORRHINE) أو دقيقي الأنف (LEPTORRHINE)، وأنف هؤلاء الأخيرين غالباً ما يكون معقوفاً. والشعر مموّج قليلاً وناعم، ولونه عادةً كستنائي غامق، والعيون سوداء، أما الشعر الأشقر والعيون الزرقاء فكثيرة جداً، ولا سيما في المناطق الغربية. ولون البشرة أنصع من البشرة العربية، ولكنها ليست بصفاء بشرة الآثوريين. والأسنان عادية ومنتظمة جداً، أما عضلات الذين جرت دراستهم فهي بشكل عام تتوافق مع صحتهم الجيدة». ولدراسة صورهم بعناية اختار السيد هنري فيلد مجموعة من العروق المختلفة: الأرمني، والبلقاني، وعرق حوض المتوسط، والأناضولي، والألبي (نسبة إلى جبال الألب). ولكن بالرغم من تلك الصفات الجسمانية المتباينة، فقد أثبت الأكراد وجودهم شعباً متميّزاً، وإن كانوا كغيرهم من الشعوب لا ينحدرون جميعاً من أصل واحد صافٍ. على أنهم من غير شك يشكّلون مجتمعاً فريداً متميّزاً بالشعور والإحساس المرهف الواضح المتأصّل في طباعهم.

كوردستان في العصر الحجري القديم

يتّفق العصر الحجري القديم مع العصر الجليدي المسمّى بعصر البلايستوسين، وهو العصر الذي غطّى فيه الجليد مناطق واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية على شكل أربع موجات جليدية، تخلّلتها ثلاث فترات امتازت بالدفء النسبي وبتراجع الجليد. حدث ذلك قبل أكثر من نصف مليون سنة، وانتهى في حوالي سنة 20 ألف ق.م. وقد أثّر هذا الانقلاب المناخي الخطير في مناخ العالم بأكمله؛ ففي الفترات الجليدية كان يسود المناطق الصحراوية، كصحراء أفريقيا والجزيرة العربية، فصلٌ غزير المطر، كما شهدت كوردستان العراق وسائر كوردستان مثل هذه الفصول الممطرة، أما في الفترات الدافئة فكان يسود المناطق المذكورة جفاف نسبي.

في مثل تلك الظروف عاش الإنسان القديم، وكان مجبراً على أن يعيش فترات طويلة داخل الكهوف تارة وفي العراء تارة أخرى، معتمداً في عيشه على النباتات البرية وجذورها، وعلى بعض الحيوانات التي كان يصطادها، مما اضطرّه إلى اختراع بعض الآلات والأدوات لتساعده في تحصيل غذائه. فالتفت إلى الطبيعة المحيطة به، فلم يجد أسهل وأوفر من الصخور، فاستعان بها لصنع الآلة وفق حاجته وقدرته على التفنّن، إضافة إلى استفادته من بعض العظام. لذلك سُمّيت تلك الآلات والأدوات والعظام التي صنعها الإنسان القديم في الوقت الحاضر بصناعة العصر الحجري القديم أو حضارته.

وينقسم العصر الحجري القديم إلى ثلاثة أدوار (مراحل) هي:

أ. مرحلة العصر الحجري القديم الأسفل: وهي الأقدم، وقد سادت فيها الحضارة الشيلية والأشولية (سُمّيتا بهذين الاسمين نسبة إلى أول مكان اكتُشفتا فيه، وكل حضارة مشابهة لهما في أيّ مكان آخر تسمّى بالاسم نفسه). استمرّت هذه الفترة حوالي 350 ألف سنة، ومن آلاتها الفأس اليدوية الحجرية وبعض الشظايا، أما إنسان هذه الفترة الحضارية فهو الإنسان الشبيه بالقرد.

ب. مرحلة العصر الحجري القديم الأوسط: وقد سادت فيها الحضارة الموستيرية، وصاحبها إنسان نياندرتال الذي سكن الكهوف، وقد عُثر على هذا الإنسان وعلى حضارته في جبال كوردستان (اكتُشفت أولى جماجمه في وادي نياندر بالقرب من دوسلدورف في ألمانيا سنة 1856، فسُمّي إنسان نياندرتال نسبة إلى أول مكان اكتُشف فيه).

ج. مرحلة العصر الحجري الأعلى أو الحديث: بدأ هذا العصر قبل 35 ألف سنة، وتميّز بتنوّع الصناعة الحجرية وتقدّمها، كما ازدهرت فيه صناعة الأدوات المصنوعة من العظام والقرون والعاج، وتمثّله الحضارات الأورينياسية والسوليترية والمجدلينية. ويمتاز هذا العصر بظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens) الذي انتشر في آسيا وأوروبا، وإنسان هذه الحضارة هو إنسان كرومانيون.

حضارات العصر الحجري في كوردستان

كانت كوردستان في العصر الحجري القديم موطناً مهمّاً للإنسان القديم، فقد دلّت الأبحاث الأركيولوجية التي قام بها علماء الآثار في بعض أجزاء كوردستان على وجود حضارات العصر الحجري القديم بأدوارها الثلاثة المذكورة أعلاه، وهي:

  1. حضارة العصر الحجري القديم الأسفل: لم يعثر العلماء في كوردستان على آلات وأدوات كافية لهذا العصر، ويعود السبب في ذلك إلى قلّة التنقيبات واقتصارها على بعض المناطق الكوردية. وقد اكتُشف أقدم أثر لوجود هذه الحضارة عام 1949 في موقع برده بلكه، على بعد كيلومتر أو نصف ميل شمال شرق مدينة جمجمال القريبة من السليمانية. وفي سنة 1951 أُعيد التنقيب في هذه المنطقة لمعرفة أصل تلك الأدوات، فعُثر على موضع لصناعتها تحت طبقة من التراب والحصى بلغ سمكها من 3 إلى 5 أقدام، احتوت على فأس يدوية على شكل قلب، وعلى بعض المكاشط، ونوع من الحصى المنحوت الجانب أو الجانبين، ربما استُعمل آلةً للقطع. ووُجد أن لهذه الأدوات شبهاً كبيراً بالصناعة الأشولية والموستيرية، ويرجع تاريخها إلى أواخر العصر الحجري القديم الأسفل وأوائل الأوسط.

  2. حضارة العصر الحجري القديم الأوسط: عُثر على حضارة هذا العصر في كوردستان في كهف شانيدر على يد الدكتور رالف سوليكي عام 1951، ويقع هذا الكهف في الطرف الجنوبي لجبال برادوست، مطلّاً على الزاب الأعلى في كوردستان العراق، وعلى مسافة قريبة من مدينة راوندوز. وقد نقّب الدكتور رالف سوليكي في أرضية الكهف، واستطاع أن يحفر إلى عمق 45 قدماً، وأن يكشف عن أربع طبقات حضارية مهمّة فيه، وهي من الأسفل إلى الأعلى كما يلي:

أ. الطبقة الرابعة: وهي الطبقة السفلى، ويبلغ سمكها 28 قدماً، عُثر فيها على بعض المواقد، وعلى رماد مختلط بالعظام، مما يدلّ على أن الإنسان قد اكتشف النار، إضافة إلى عدد من الأدوات الحجرية كالفؤوس والمكاشط والمثاقب، وإلى بعض العظام من بقايا الثيران والأغنام. وهذه الأدوات تُنسب إلى الحضارة الموستيرية، كما اكتُشفت فيها عدة هياكل عظمية لإنسان نياندرتال، ويمكن إرجاع بداية هذه الفترة إلى ما قبل سبعين ألف سنة.

عُثر في كهف شانيدر القريب من مدينة راوندوز على أربعة هياكل عظمية، كان أحدها لطفل عمره ستة أشهر اكتُشف عام 1953، أما الثلاثة الأخرى فكانت هياكل رجال اكتُشفت سنة 1956–1957. وكانت عظام الطفل واثنين من الرجال محفوظة بصورة غير جيدة، أما جمجمة الرجل الرابع فقد أظهرت سمات إنسان نياندرتال وصفاته بوضوح لا يقبل الشك، إذ كانت تبدو عليها ضخامة العظام، وبروز عظمَي الحاجبين، وضخامة الفك، وتراجع الجبهة. وقد قُدّر عمر هذا الرجل النياندرتالي بحوالي 35 سنة، وبلغ طوله خمسة أقدام وثلاث بوصات، أما الهياكل الثلاثة الأخرى فيُعتقد أنها تعود لإنسان نياندرتال كذلك. ويُعزى وجود هؤلاء الأربعة في هذا الكهف إلى موتهم بسبب انهيار في سقف الكهف وقع عليهم وأودى بحياتهم، وقد قُدّر عمر إنسان نياندرتال في كوردستان بستين ألف سنة.

ب. الطبقة الثالثة: احتوت هذه الطبقة في كهف شانيدر على آلات وأدوات صوّانية أورينياسية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، وقد قُدّر عمرها بثلاثين ألف سنة، وسُمّيت هذه الأدوات باسم صناعة برادوست، نسبة إلى جبال برادوست.

ج. الطبقة الثانية: وتحتوي هذه الطبقة على آلات العصر الحجري القديم الأوسط وأدواته، وتضمّ سكاكين ومكاشط وهراوات وأسلحة صخرية، إضافة إلى بعض الأدوات الدقيقة. وقد عُثر على هذه الحضارة في مواقع متعدّدة من كوردستان؛ إذ اكتُشفت آلات من هذا النوع في كهف زرزي قرب مدينة السليمانية، وفي الكهف المظلم في هزارمرد (12 ميلاً، أي 20 كم، جنوب السليمانية)، كما اكتُشفت هذه الحضارة في كهف بالي كوره (12 ميلاً، أي 20 كم، شرق جمجمال قرب السليمانية)، وفي كهفَي كيوانيان وباداك غرب راوندوز وجنوبها على يد البروفسور برايدوود ومساعديه في عامي 1954–1955. كما كان لبعض الآلات والأدوات التي اكتُشفت في شانيدر وهزارمرد ما يشابهها في كهف بيستون في كوردستان إيران، وفي كهف كورين في كوردستان تركيا.

د. الطبقة الأولى: وكانت تحوي أدوات حديثة. وقد انتهى العصر الحجري القديم الأوسط بتعلّم الإنسان صناعة الآلات والأدوات الحجرية الدقيقة الأكثر إتقاناً وتفنّناً، وهي التي ظهرت في أواخر هذا العصر وبداية العصر الذي تلاه، وهو العصر الحجري القديم الأعلى أو الحديث، الذي انتهى بدوره بتعلّم الإنسان استعمال المعادن.

  1. حضارة العصر الحجري الأعلى أو الحديث: استعمل الإنسان في هذه الفترة في كوردستان آلات وأدوات أكثر دقّة من العصرين السابقين (الأدوات الميكروليثية)، إضافة إلى انتقاله من مرحلة الجمع والالتقاط إلى مرحلة إنتاج الغذاء، كالصيد وتربية الحيوان والزراعة؛ إذ تعلّم في هذه الفترة الأساليب البدائية للزراعة، واستعمال الفأس اليدوية الحجرية في الحرث والقلع، وعرف استعمال الأصباغ في الرسم، واستأنس بعض الحيوانات كالأغنام والماعز. وهكذا تحوّل الإنسان من حالة الترحّل والانتقال وراء الحيوانات إلى حالة الاستقرار قرب المزارع. أما صاحب هذه الفترة الحضارية فهو إنسان كرومانيون، الذي يعتقد العلماء أنه الأصل الأول للمجموعة القوقازية.

توجد في كوردستان أربعة مواقع حضارية تبيّن كيفية انتقال الإنسان من مرحلة الجمع والالتقاط إلى مرحلة تعلّم الزراعة، وهذه المواقع هي:

أ. موقع كهف شانيدر (الطبقة الثالثة): الذي احتوى على أدوات من حجر الصوّان كالفؤوس والشظايا، وبعض الأدوات المصنوعة من الزجاج البركاني، دون أن تكون هناك أيّ علامة على تعلّم الإنسان الزراعة، وهو نموذج لحضارة العصر الحجري القديم الأوسط.

ب. موقع كريم شهر: الواقع على بعد ستة أميال (عشرة كيلومترات) شرق جمجمال قرب السليمانية، والذي احتوى على آلات صوّانية ومناجل حجرية وفؤوس وشظايا، إضافة إلى بقعة أرضية مرصوفة بالحصى يُعتقد أنها كانت منطقة تعسكر فيها جماعات بشرية شبيهة بالرحّل آنذاك، وهو يمثّل مرحلة ما قبل الاستقرار.

ج. موقع ملفعات: الواقع قرب الطريق الواصل بين كركوك وأربيل، ويحتوي على أدوات الجرش والطحن (الهاونات) وعلى بعض الأدوات الحجرية، ويمثّل هذا الموقع مرحلة المجتمع الزراعي البدائي.

د. موقع جرمو قرب السليمانية: عُثر في هذا الموقع على اثنتي عشرة طبقة حضارية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، احتوت على أدوات فخارية وتماثيل من الطين وتماثيل لبعض الحيوانات، كما عُثر على بعض المغازل. أما البيوت فكانت مربّعة الشكل، وتحتوي على عدة غرف. وعُثر كذلك على بعض الحبوب المتحجّرة كالحنطة والشعير، التي لا تترك أدنى شك في أن الإنسان في كوردستان قد تعلّم الزراعة، كما أن 95% من عظام الحيوانات التي عُثر عليها كانت لحيوانات أليفة دجّنها الإنسان. وقد رسم الإنسان نفسه في هذه المرحلة من تاريخ حياته، كما صوّر الحيوانات التي كان يخشاها، ونقش صورها على الصخور وجدران الكهوف، وعرف دفن الموتى. وعُثر كذلك في موقع جرمو على دمية لامرأة حامل، ربما كانت تمثّل عندهم آلهة الأمومة أو آلهة الإخصاب، وقد حدّد البروفسور برايدوود انتهاء عمر هذه الحضارة في 6500 ق.م.

أصبحت كوردستان مسرحاً لحضارة العصر الحجري القديم الأعلى أو الحديث قبل أوروبا بـ3500 سنة، إذ أنهى الإنسان فيها حياة الصيد وأصبح فلّاحاً مستقرّاً في الأرض التي ضمنت له موارد رزقه، ودجّن الحيوانات التي أصبحت المصدر الدائم للحومه وألبانه وكسائه كذلك، وبنى لنفسه بيوتاً. كما تبدّلت ميوله الاجتماعية هي الأخرى، لأن ظروف الزراعة دعته إلى التعاون مع غيره، إذ كانت لكل عائلة أرضها وحيواناتها، وكان تجمّع عدد من العوائل في منطقة معيّنة الأساس الأول لتكوين القرية، وهي نواة التعاون الاجتماعي الأوسع للحياة الاجتماعية الجديدة. وقد انتشر الإنسان في سهول المناطق الجبلية، وأخذ يزاول الزراعة بعد أن تعلّمها، وعُثر في جرمو (قرب جمجمال) على أقدم قرية زراعية في العالم، يرجع تاريخها إلى 6000 ق.م. وينتهي العصر الحجري الحديث بظهور عصر المعادن.

يتّضح مما تقدّم أن كوردستان كانت لها أهمية عظيمة بالنسبة للإنسان القديم الذي اتّخذ منها وطناً له، فسكن في كهوفها وقت اشتداد البرد وفي حالات الطوارئ، وانتشر فوق سفوحها وفي بطون أوديتها وقت الدفء، متنقّلاً من وادٍ إلى وادٍ، متقصّياً أثر الحيوانات ليصطادها طوراً، ومستقرّاً عند سهولها المعطاءة تارة أخرى، تاركاً معظم آثاره ومخلّفاته الحضارية في كل موضع حطّ فيه. وهذا ما يدعونا إلى الاهتمام المتزايد بالمواقع الأثرية والحضارية في كوردستان، وزيادة البحث والتنقيب عنها لكشف التاريخ القديم للإنسان في هذه البقعة الجغرافية المهمّة من العالم.

إن كوردستان مسكونة منذ القدم، وذلك ما كشفته التنقيبات التي قام بها فريق من جامعة شيكاغو سنة 1961 في مغارتي برده بلكه وهزارمرد قرب السليمانية، اللتين تعودان إلى العصور القديمة، وفي شانيدر قرب راوندوز، وفي جرمو في جمجمال قرب السليمانية، وهي أقدم قرية في الشرق الأوسط، حوالي 3000 سنة ق.م. وكذلك وجود آثار من الحضارة الأكدية في كركوك (عرفه/لافا)، وفي جبل ترير من جبل بيره مكرون حيث رست سفينة كلكامش، ووجدوا فيها قنطرة كلكامش. وكذلك رفع الملك نارام سين، ملك أكد، سنة 3400 ق.م راية النصر (مسلّة النصر) على ساقوين ملك لولو الكوردي في دربندي گاور. وكذلك تعرّض الكاشيون لابن حمورابي، ودخل الكاشيون بابل بسلام، واحتلّوا المنطقة المعروفة باسم لورستان الكوردية، وتحكّموا في بابل طوال ستة قرون إلى حوالي القرن 117 ق.م.

المجموعات البشرية

يتّفق معظم علماء الأنثروبولوجيا على أن الإنسان نشأ نشأة واحدة وفي مكان واحد، وأن سكان الكرة الأرضية جميعاً، مهما اختلفوا فيما بينهم في صورهم وسحناتهم وألوانهم، وأيّاً كان موطنهم اليوم وفي أيّ من القارات الخمس، ينحدرون من أصل مشترك، وينتمون إلى نوع واحد هو الإنسان العاقل الذي نما وتدرّج في وطن واحد، ومنه انتشر إلى مختلف بقاع الأرض. ويتّفق معظم العلماء أيضاً على أن قارة آسيا هي الوطن الأول والأكثر احتمالاً للإنسان الأول، فيها نشأ ومنها هاجر إلى بقية القارات. ويُعزى هذا الاعتقاد إلى كثرة الاكتشافات الأثرية وتعدّد المواقع الحضارية القديمة التي وُجدت فيها، إضافة إلى اكتشاف هياكل عظمية متعدّدة للإنسان القديم، كإنسان «جاوه» الذي قُدّر عمره بحوالي ربع مليون سنة، وإنسان «بكين» الذي بلغ عمره نصف مليون سنة، وإنسان «نياندرتال» الذي بلغ عمره حوالي خمسين ألف سنة، والذي أشرنا سابقاً إلى اكتشاف هيكل منه في كوردستان؛ ولأن قارة آسيا هي القارة الوحيدة التي تمسّ أطراف العالم القديم كله (آسيا وأوروبا وأفريقيا)، وربما كانت تتّصل بقارة أمريكا أيضاً عبر ممرّ أرضي عند مضيق بيرنغ؛ ولأن معظم الهجرات البشرية خرجت من قارة آسيا.

أما كيف ظهرت المجموعات والسلالات البشرية وتنوّعت إذا كانت من أصل واحد، فيقول الأستاذ إيكشتد بهذا الخصوص إن الإنسان العاقل نشأ في وطن واحد، ويحدّد مكانه في سهول تركستان السوفياتية حول بحيرة بلخاش في آسيا الوسطى، ومنه انتشر إلى جهات العالم الأخرى. وكان الإنسان الأول في هذه التخوم عندما حدث العصر الجليدي في الزمن الجيولوجي الرابع من عمر الأرض، المسمّى بعصر البلايستوسين، حين غطّى الجليد مناطق واسعة من شمال أوروبا، كما امتدّت ألسنته إلى الوديان والممرّات المحصورة بين السلاسل الجبلية في المناطق الوسطى والشمالية كذلك. حدث ذلك قبل حوالي 600,000 سنة، وانتهى قبل 20,000 سنة خلت. وقد غطّى الجليد معظم جبال قارة آسيا من الشرق إلى الغرب، بما فيها جبال البامير وتفرّعاتها وجبال إيران والقفقاس. ونتيجة لتراكم الجليد فوق هذه الجبال وفي الوديان والممرّات، انعزل الناس بعضهم عن بعض. ولعلّ حدوث الطفرة، أي التغيّر الفجائي في المورّثات الناقلة للصفات الوراثية، الذي يعطي صفة جديدة للمولود الجديد، كان له أثره الفعّال في تكوين الأجناس في ذلك التاريخ. فإذا افترضنا أن الإنسان الأول كان أسمر البشرة، وأن المورّثات التي أعطته لون بشرته الأسمر طفرت في مرحلة ما (أي تغيّرت)، فأنجبت أبناء أكثر سمرة أو أفتح لوناً أو أكثر صفرة، ثم أصبح هؤلاء بدورهم آباء ونقلوا لون بشرتهم الجديد إلى أبنائهم، فإنه بمضيّ الزمن، وبسبب بُعد المسافات التي تفصل بين الجماعات من جرّاء التنقّل والهجرة، أصبح يسود كلَّ مجموعة لونٌ يختلف عن سواها. وكذلك الحال بالنسبة لبقية الصفات كالشعر وشكل العين، إذ أصبحت الصفات التي أوجدتها الطفرة متميّزة في المجموعات البشرية. وبعد ظهور الطفرة يدخل عامل العزلة الجغرافية في الميدان.

يقول البروفسور دَن: «لا شك أن العزلة الجغرافية كانت الصانعة العظيمة للأجناس»، ويمضي قائلاً إن «المعين» المشترك للمورّثات (Genes، ناقلات الوراثة)، الذي استمدّ منه نسل الإنسان الأول صفاته المتشابهة، قد تحطّم بالتدريج؛ إذ هاجر بنو البشر جماعاتٍ جماعات، وظهرت صفات جديدة في الجماعات المختلفة بالطفرة والتكيّف مع البيئات المختلفة، فتكوّنت بذلك عيّنات جديدة من المورّثات. وكلما أصبحت المسافات أبعد، صار التزاوج بين الجماعات أقلّ حدوثاً، وأنتجت المورّثات الجديدة صوراً من نفسها من جيل إلى آخر، وأصبحت أكثر تمييزاً للأقوام المنفصلة. وهكذا تكوّنت المجموعات البشرية الرئيسية، لا ببساطة، بل نتيجة لتطوّر في عمليات معقّدة استمرّت آلاف السنين؛ فنشأ إلى الشمال من جبال الهملايا أسلاف المغول، وإلى غربها أسلاف القوقاز، وفي جنوبها أسلاف الزنوج.

بعد انتهاء العصر الجليدي قبل 20 ألف سنة تغيّرت الأحوال المناخية في العالم، فذاب معظم الجليد واعتدل المناخ، وتمكّنت تلك المجموعات البشرية من التحرّك والانتقال إلى مناطق بعيدة وشاسعة طلباً للصيد وجمع الغذاء، بعد أن تكوّنت لكل مجموعة منها صفاتها الجنسية الرئيسية التي تميّزها عن غيرها من المجموعات، والتي اكتسبتها في مواطنها التي نشأت فيها، وحملتها معها بعد هجرتها إلى مواطنها الجديدة.

وهكذا انقسم الجنس البشري إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي:

  1. المجموعة المغولية: وتنتشر الآن في شرق قارة آسيا ووسطها وشمالها، وتمتاز بلون بشرتها الأصفر، لذلك تسمّى أحياناً بالمجموعة الصفراء. ويمتاز أفرادها بقامة متوسطة، وشعر أسود مسترسل خشن النسيج، ووجه مسطّح، وعيون ضيّقة مائلة، ومنهم أيضاً الهنود الحمر والتركمان سكان أواسط آسيا.

  2. المجموعة الزنجية: وتنتشر في قارة أفريقيا جنوب الصحراء وفي بعض جزر المحيط الهادي، ويمتاز أفرادها بقامة تتراوح بين الطويلة والقزمية (أقزام الكونغو وجنوب شرق آسيا)، وبشعر مفلفل خشن، وببشرة سمراء داكنة إلى سوداء، وأنف عريض، وشفاه غليظة.

  3. المجموعة القوقازية: وهي أوسع المجموعات الثلاث انتشاراً على سطح الأرض، ويغلب على بشرة أهل القوقاز اللون الأبيض، إلا أن هذا اللون يتفاوت من الأبيض المشرب بحمرة، كما في سكان غرب أوروبا، إلى اللون الأسمر الداكن كما عند الهنود. كما أن طول القامة يتراوح بين الطويلة والمتوسطة، ويختلف عندهم كذلك شكل الرأس والشعر وغيرهما من الصفات، لذلك تُقسم هذه المجموعة إلى ثلاث سلالات هي:

أ. سلالة البحر المتوسط: وتنتشر هذه السلالة حول سواحل البحر المتوسط، ويغلب عند أفرادها اللون الأسمر، والشعر المموّج، والرأس الطويل، والعيون العسلية أو السوداء، والقامة المتوسطة.

ب. السلالة الألبية: ويغلب عند أفرادها البشرة الزيتونية، والشعر الكستنائي أو الأسود الكثيف، والرأس المكوّر، والأنف الضيّق، والعيون العسلية الفاتحة، ويُنسب الأرمن إلى هذه السلالة.

ج. السلالة النوردية أو الآرية: ويغلب على أفرادها اللون الأبيض أو الأشقر، وذلك في غرب أوروبا، وتزداد السمرة كلما اتّجهنا شرقاً حتى نصل إلى الهند. وتمتاز أيضاً بالشعر المسترسل أو المموّج، والعيون الزرقاء، والأنف الضيّق، والقامة الطويلة. وتختلف هذه الصفات كما في الصفة الأولى.

حين تفرّق شمل المجموعات البشرية بالتنقّل والترحّل شرقاً وغرباً وجنوباً، سلكت كل مجموعة طريقاً لها؛ فاتّجهت المجموعة الزنجية جنوباً واستقرّ بها المطاف في قارة أفريقيا، في حين ذهبت فصيلة منها نحو جنوب شرق آسيا. واتّجهت المجموعة المغولية شرقاً، وتركّزت في وسط قارة آسيا وشرقها وشمالها الشرقي، وعبرت فصيلة منها إلى قارة أمريكا، فكوّنت فيما بعد شعب الهنود الحمر. أما المجموعة القوقازية فقد اتّجهت شرقاً وغرباً وجنوباً، وسلكت كل سلالة من سلالاتها طريقاً معيّناً؛ فتركّزت السلالة الألبية في وسط أوروبا حيث كتلة جبال الألب، وانتشرت سلالة البحر المتوسط حول سواحل ذلك البحر وشرق البحر الأحمر، أما السلالة الآرية فقد اتّجهت قبائلها نحو جهات متعدّدة فاقت مناطق السلالتين الألبية والمتوسطية.

كانت القبائل الآرية (الهندو-أوروبية) في موطنها الأول الواقع في السهول الممتدّة إلى الشرق والشمال الشرقي من بحر قزوين، ولمّا كان مجموع تلك القبائل يكوّن شعباً واحداً، فقد كانوا يتكلّمون لغة واحدة تفرّعت منها جميع اللغات التي تتكلّم بها اليوم الشعوب الناطقة باللغات الآرية. وكانت هذه القبائل تتكاثر بسرعة، حتى غدت الأرض التي هم عليها غير قادرة على إعالتهم، مما اضطرّهم إلى الهجرة نحو مواطن جديدة، إضافة إلى حرفة الصيد التي أجبرتهم على الترحال والتنقّل. وهكذا بدأت الهجرات الآرية نحو مناطق جديدة من العالم القديم، إذ انقسم الآريون إلى قبائل متعدّدة تنتقل مع قطعانها ومواشيها من مكان إلى آخر نحو جهات عديدة؛ فذهب قسم منهم عبر نهر الدانوب إلى البلقان، وهم أسلاف اليونان والرومان، في حين توجّه قسم آخر نحو الجنوب الشرقي للرعي حتى وصلوا حدود الهند، واستقرّوا في السند والبنجاب، وهم آريّو جنوب آسيا، في حين توجّه قسم ثالث عبر جبال القفقاس إلى آسيا الصغرى وجبال زاغروس، وانتشروا في إيران وكوردستان. وكان في مقدّمة من وصل إلى كوردستان قبائل الكوتو (الكوتيون) الكورد، ثم أعقبهم الشعب المادي (الميديون) الكوردي، كما توجّه البارث والفرس إلى شمال إيران وجنوبها (أي البارث في الشمال والفرس في الجنوب).

ومن الجدير بالذكر أن لفظ «آري» استُعمل خطأً ليدلّ على أسلاف الشعب الهندو-أوروبي، والحقيقة أن لفظ «آري» مشتقّ من الاسم اليوناني الذي أطلقوه على هضبة إيران الممتدّة من جبال زاغروس الكوردية غرباً حتى نهر السند شرقاً، إذ كانت هذه المنطقة معروفة في أيام اليونان والرومان باسم «أريانا»، الذي اشتُقّ منه فيما بعد اسم إيران. وعلى الرغم من شيوع اسم «آري»، فإن استعماله يُعدّ خطأً من الوجهة التاريخية، وبعيداً كل البعد عن الصفة العلمية؛ إذ إن اصطلاح «آري» لا يتعدّى كونه مجرد اصطلاح لغوي يُطلق على الشعوب الناطقة باللغات الآرية، كاللاتينية والجرمانية والهندية والسلافية والكوردية والفارسية، وليس له أيّ مدلول جنسي.

لقد انتشرت تلك الشعوب الناطقة بالآرية في مناطق شاسعة، وعلى خط يمتدّ من الهند شرقاً حتى سواحل أوروبا الغربية غرباً، لذلك أُطلق عليها اسم «الشعوب الهندو-أوروبية»، نظراً لامتدادها الواسع من الهند حتى غرب أوروبا، وهي تسمية أكثر علمية من كلمة «آري».

ومع هذه الانتقالات للسلالات التي سكنت أرض كوردستان، ومع ما كشفته التنقيبات الأثرية، فقد كان للمؤرّخين الأجانب والعرب رأيهم في أصول الكورد؛ فهذا المؤرّخ الروسي مينورسكي يقول، بعيداً عن الشك، إن بلاد «الكاردوخوي» هي نفسها بلاد «الكارد»، وتشكّل هذه البلاد مع شعوبها الأصل والأساس لأكراد اليوم وموطنهم، كما أن كلمتي «خالدي» و«كردايي» تسميتان لشعب واحد هو الشعب الكوردي.