الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الإطار التاريخي والاجتماعي للكورد
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2017
إن جمع الكورد في أمة واحدة وضمن حدود معلومة صار لعبة مسلية بين قوى الإمبراطوريات على مر الزمن منذ القدم، كما هو قصة حزينة يتداولها شيخ العشيرة والسياسي وابن القرية الكوردي، ومن يجلس معهم لنيل قسط من أشعة الشمس في نهار شتائي بارد، أو حول نار موقدة من حطب الأشجار للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة. وعندما يدنو الفجر، يكون الرجال قد خزنوا في قلوبهم أفكاراً للكفاح والثورة ضد المحتل العثماني أو الفارسي أو البريطاني، لنيل الحكم الذاتي أو الاستقلال لكوردستان، ورفع شأن الكورد أمةً جديرة بالاحترام شأنها شأن الأمم الأخرى.
ولكن تمنيات الكورد في جمع الشتات شيء، والإمكانيات المتوفرة لإجبار المحتل شيء آخر. وربما كان للحديث المسموع عن كفاح الشعوب من أجل الاستقلال عبر الزمن صوت يتسلل إلى قلوب صناع القرار، وهم يضمرون في قلوبهم ما لا تقوله ألسنتهم بشكل مباشر، وخيرهم من أفاض في الحديث بالقول: انظروا إلى الموقع الجغرافي، وانظروا إلى النزعة القومية المتوارثة لدى أصحاب النفوذ والقوة الذين يحيطون بكم. وربما كان من سوء حظ الكورد أن المقايضة السياسية كانت دوماً حاضرة في أذهان ساسة المحتل، لبيع أبناء الأمة الكوردية بثمن سياسي بخس، عندما لا يريد الحاكم العنصري لكرسيه أن يضعف أو تعصف به الريح.
وربما هي مزاجية الحاكم أو الملك أو السلطان المرفّه على كرسي الحكم، أن يقول للزائر: نعم، هناك شعب كوردي، ثم ينكر عليه حقه في تقرير مصيره. أو أن بعضهم يرفض حتى الاعتراف بوجوده، ويرى أن اختلاف لغته وملبسه عن عامة الناس قد أملته ظروف معيشة الأقليات، ومنهم الكورد، في مناطق جبلية وعرة، جعلت منهم أمة تمتهن حرفة القتال للدفاع عن وجودها ودينها وزراعتها أكثر من الأمم التي تملك النفط على أرضها.
ولكن من هم الكورد الذين يطالبون بدولة كوردية مستقلة؟ علينا أن نجيب عن ذلك.
1. أصل الكورد
إن الشعب الكوردي، وهو قبائل كوردية أسوةً بغيره من الشعوب، عريق في العيش على أرض كوردستان الممتدة على أطراف حدود دول إيران والعراق وتركيا وسورية الحالية، التي صنعها الاستعمار البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى. وتشير التنقيبات الأثرية المكتشفة من عهد الملك الآشوري «توكولتي - ننورتا» في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد إلى وجود قبائل كوردية كانت تقطن المنطقة الشمالية من العراق (كوردستان العراق)، وقد كُتب على أحد ألواحها «كوتي». وهذه القبائل الكوردية المتداخلة في عيشها انحدرت من جبال زاغروس الكبرى أثناء العهد السومري، والملك السومري لوكال الكوردي - زاكيزي الكوتي هو الذي حكم أوروك (الوركاء) في جنوب العراق، كما حكم الملك «أنو بانيني» منطقة قصر شيرين وكرمنشاه (كوردستان إيران) على حدود العراق الشمالية الشرقية.
ويرى بعض المستشرقين أن تلك الأسماء إن هي إلا كلمات متشابهة تدل، على سبيل الترادف اللفظي، إما على مجموع الشعب الكوردي مباشرة، أو على تلك العشائر الكوردية العديدة التي كانت ولا تزال تعيش تحت اسم الكورد بأسماء وعناوين مختلفة. فهم في الأزمان القديمة الغابرة عُرفوا في زمن السومريين باسم (كوتي، جوتي، جودي)، وفي زمن الآشوريين والآراميين باسم (جوتي، كوتي، كورتي، كارتي، كاردو، كارداكا، كاردان، كاردك)، وفي زمن الإيرانيين القدماء باسم (كورتيوي، سيرتي، كوردراها)، أما في زمن اليونانيين والرومان فعُرفوا باسم (كاردوسوي، كاردوخي، كاردوك، كردوكي، كردوخي، كاردويكاي). ويقول البروفسور «سبايزر» إن تشابه الأسماء يدل على أن العنصر «الجوتي الكوردي» دخل بلاد سومر في عهد الحكومات القديمة، وإن هؤلاء الجوتيين الكورد، بعد أن قوي نفوذهم وزاد سلطانهم، استولوا على بلاد الأكديين، وإن عام (2600 ق.م) الذي يمثل عنصر التقدم والنهضة هو التاريخ الذي كان فيه حكم الجوتيين الكورد.
وإذا ما ذهبنا إلى سكان المنطقة الجبلية الوعرة الكوردية في بلاد فارس الحالية، فقد يأخذنا الحديث إلى عام (612 ق.م)، وفيه تمكنت القبائل الميدية الكوردية والبابلية من هزيمة القبائل الآشورية، الأمر الذي أدى إلى توزيع أملاكها بين القوى الكوردية (ميديا) والبابلية. فكانت حصة البابليين سورية وفلسطين وجنوب بلاد ما بين النهرين، وكانت حصة الميديين الكورد القسم الأكبر من كوردستان إيران، وشمال بلاد ما بين النهرين (كوردستان العراق)، وكبادوكيا (كيليكيا) وأرمينيا. وفي ذلك الوقت كانت كوردستان جزءاً من أرمينيا، حتى تمكن القائد الفارسي كورش من القضاء على القبائل الميدية الكوردية وإقامة الإمبراطورية الفارسية التي حكمت شعوب الشرقين الأدنى والأوسط، بما في ذلك الشعب الكوردي.
وما دمنا نبحث عن أصل الكورد، فقد بيّن القائد اليوناني «أكسينوفون» (Xenophon) أنه تنقل أثناء حملته على بلاد فارس عام (401 ق.م)، هو وجيشه البالغ (10,000) مقاتل يوناني، في مناطق البحر الأسود وجبال راوندوز في كوردستان العراق وجبال درسيم في كوردستان تركيا، وشاهد أقواماً ذوي قوة وبأس شديد يعيشون في الجبال يُطلق عليهم «كاردوخي» (الكورد). وهو ما ذهب إليه عالم الاجتماع الأمريكي «مار» بالقول إن الكورد شعب صعب المراس، وهم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى (كوردستان تركيا)، وأكد وجود صلة قرابة ومصاهرة بين الكورد والشعب المردوخي (الكوردي)، غير أنه أفصح بأن اللغة الكوردية المستعملة، التي تنتمي إلى أصول اللغات الهندو - أوروبية، ليست هي اللغة الفارسية، بل هي لغة مستقلة بحد ذاتها.
وقد لا يبدو في تكرار الحديث عن جبال زاغروس الكوردية هدر للوقت، إذ يبيّن لنا الدكتور جاسم محمد الخلف في كتابه «جغرافية العراق الطبيعية» أن الكورد يرجعون إلى أجناس البحر الأبيض المتوسط، ذات الوجوه العريضة والرؤوس الضخمة وضخامة الجسم، وأنهم جاؤوا من جبال زاغروس الكوردية جنوب بحيرة «وان» (كوردستان تركيا) موطن الكورد. ونحتكم كذلك إلى المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي وهو يقول إن منطقة كوردستان كان يقطنها عبر التاريخ شعوب جبال زاغروس الكوردية، وكان الشعب العيلامي الفارسي يسكن في القسم الجنوبي الشرقي من هذه الجبال، وعلى جوارهم يسكن الشعب الكوردي الذي نزح من شرق بحر قزوين (الشمال الغربي من هضبة إيران)، وهذا يدل على أن الكورد والفرس شعبان مختلفان. ثم تمكن الإسكندر الكبير من دارا الثالث، ملك الفرس، عام (331 ق.م)، وضم كل الأراضي إلى الإمبراطورية اليونانية، ومن ضمنها أرمينيا وكوردستان.
الحملة اليونانية (الإسكندر المقدوني)
وبزوال أسباب الحملة اليونانية، بموت الإسكندر الكبير المقدوني عام (323 ق.م) وقتل زوجته الكوردية «روكسانا» وابنه على يد القائد «سلوقس»، عادت العشائر الكوردية إلى منطقة جبال زاغروس الكوردية لممارسة أعمالها وإدارة شؤونها بنفسها، دون مقومات الدولة الكاملة. وفي عام (226م) تمكن القائد الفارسي «أردشير» من القضاء على النفوذ الأرمني، واستولى على أرمينيا وكوردستان، وأجبر السكان على اعتناق الديانة الزرادشتية، السائدة آنذاك، لمدة أربعة قرون.
ولعل البحث عن الذات الكوردية قد وجد له سبيلاً لدى العالم الروسي «مينورسكي» وهو يقول إن الكورد ينحدرون من أصل آري، أي «النبيل»، ولكنهم ما لبثوا أن امتزجوا بأقوام كوردية أخرى. ويشير واقعهم إلى أنهم على صلة بالقبائل الفارسية الذين سكنوا، ولا يزالون، في بلاد فارس والقوقاز وكوردستان تركيا وكوردستان سورية وكوردستان العراق، بسبب الطبيعة الجغرافية لمناطقهم الكوردية في كوردستان. وقد مارسوا الديانة الزرادشتية قبل الإسلام، وتمسكوا بعيد «النوروز» عيداً قومياً لهم في الحادي والعشرين من شهر آذار سنوياً، كما هو حال شعوب أفغانستان الحالية الذين يتكلمون اللغة الأفغانية القريبة من الفارسية، باختلافات بسيطة في اللهجة عما يتكلمه الإيرانيون (الفرس) في الوقت الحاضر.
إن ما أثاره العالم مينورسكي حول الكورد من أفكار كان في مؤتمر دولي للمستشرقين عُقد في بروكسل ببلجيكا عام 1938، وفيه قال إن الكورد ينحدرون من «البختانيين» الكورد، الذين أشار إليهم المؤرخ هيرودوت بالقول إنهم يشكلون مع أبناء القومية الأرمنية جزءاً من إمبراطورية الفرس. ولعل مينورسكي استند في أقواله إلى أسلوب حياة الكورد وملابسهم المختلفة عن الآخرين ولغتهم التي ترجع إلى أصول غير فارسية. وربما بدت الخواص الثلاث التي أشار إليها العالم الروسي مينورسكي ذات بعد سياسي وسط مستشرقين يهمّهم فصل الكورد عن العرب والآخرين.
وهو ما لم يؤيده المؤرخ العربي المسعودي في كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، إذ قال إن الكورد، شأنهم شأن الأقوام الأخرى، تنازعوا على أرض للسكن يتوفر فيها الماء والكلأ، وقد تفرقوا في سنوات القحط وندرة الأمطار، وهم في ترحالهم جاوروا الأمم الساكنة من الفرس، فصارت لغتهم أعجمية. وإذا ما أخذنا برأي المسعودي أن الكورد قبائل عاشت في السهول ثم هاجرت إلى الجبال طلباً للماء والكلأ والهواء البارد، فإن المسعودي يرى أنهم من نسل قبيلة «ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان». وقد أيده المؤرخ المقريزي بالقول إن بعض القبائل الكوردية ذاتها تقول إنها من أسر عربية، مثل قبيلة المروانية التي يعود نسبها إلى مروان بن الحكم الأموي، وعشيرة الهكارية التي يعود نسبها إلى عتبة بن أبي سفيان بن صخر بن حرب، وإن عدم التحدث باللغة العربية قد أملته ظروف معيشتهم للبقاء وديمومة المودة والتفاهم دون نزاع، والزواج الذي هيأ الأرضية المناسبة للبقاء قريباً من النساء المتزوجات بدلاً من النزوح إلى أرض أخرى (وهذا غير صحيح وغير منطقي).
وهي فرصة أخرى تتيح لنا القول بعدم ظهور فوارق كبيرة بين معيشة أبناء الشعب الكوردي وهمومهم في كوردستان إيران وكوردستان تركيا وكوردستان العراق، أو أنها أقل من الفوارق القائمة بين الشعوب العربية التي تقطن أرض شرق الوطن العربي وغربه؛ فقد بات صدى المشاكل والهموم التي يعانيها عرب المشرق بلا صوت مسموع لدى عرب المغرب، ودول أوروبا تتبرع بالخيام والمستشفيات الميدانية للاجئين السوريين إبان ثورتهم التي بدأت في السابع عشر من آذار 2011 ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد، فيما لاذت معظم دول المغرب العربي بالصمت دون مشاركة معنوية أو مادية لدرء برد الشتاء عن اللاجئين السوريين، الذين يتكلمون لغة عربية مفهومة بالفصحى للجميع.
وهي تختلف عن كلمة «كورتو» التي استخدمها القائد اليوناني أكسينوفون لشعب الجبل الكوردي، أو «كاردو» (Karto) البابلية، التي تعطي معنى الشجاع أو الباسل أو المحارب الذي يجود بالنفس عند الحاجة. وكلمة الله عند الكوردي «خودا»، يؤمن بها الكورد تماماً، ويؤمن بها من يتكلم اللهجات الكوردية المختلفة: اللهجة الكرمانجية الشمالية لأكراد كوردستان تركيا وسورية وروسيا، واللهجة السورانية الجنوبية لأكراد كوردستان العراق وإيران؛ لتصبح بمرور الزمن لغة التسابق بين كل المشردين من الكورد، وهم بلا دولة، لإنجاز التواصل الخفي والعلني بما يخدم القضية الكوردية. وأخذ دين الإسلام وتعاليمه القرآنية «إنما المؤمنون إخوة» في القرن السابع الميلادي مداه في عقول الكورد من الشيوخ والقبائل ورجال الدين الأكراد قبل السياسيين.
2. دخول الكورد في الإسلام
وضع خليفة المسلمين أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) خطته الأولى لتحرير أراضي العراق وبلاد الشام من قبضتي الروم والفرس في عام (632م)، غير أن وفاة أبي بكر الصديق في وقت مبكر من العمليات العسكرية قد أتاحت لقائد الفرس «كسرى» وقائد الروم «هرقل» حشد المزيد من قواتهما في بلاد الشام والعراق، في استراتيجية كتمها الطرفان لإنهاك الجيش العربي واستنزافه عن طريق دويلة المناذرة في جنوب العراق، ودويلة الغساسنة على أطراف بادية الشام، قبل المواجهة المباشرة. وتحت قيادة الخليفة الراشد القوي الشكيمة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) (634 - 644م) هُزم الروم في بلاد الشام في معركة اليرموك الفاصلة عام 636م، وهُزم الفرس في معركة نهاوند «فتح الفتوح» عام 638م.
وبغض النظر عن دور القائدين هاشم بن عتبة، الذي تمكن من احتلال «جلولاء»، والقعقاع بن عمرو، الذي سيطر على منطقة «حلوان» جنوب كوردستان عام 637م، فإن ذلك لم يقلل من تعصب الكورد وتشبثهم بدين زرادشت، الذي ألفه أجدادهم وآباؤهم، وعدم قبولهم الدين الجديد بسهولة. وفي هذا الصدد وصفت الكاتبة الأمريكية «جغالينا» عناد الكورد وحقيقة مقاومتهم القوية للفتوحات العربية الإسلامية، بالرغم من أن دين الإسلام قد راق للمحاربين الكورد وأعجبهم، كما أعجب من قبلهم الكورد القاطنين على أراضي القبائل العربية. وأصبح الإسلام يحاصر تدريجياً المعتقدات الدينية التي كانت سائدة في الأوساط الكوردية قبل ذلك، مثل الديانة اليزيدية والمانوية. وعبر عمليات وإجراءات كثيرة بذلها قادة الجيوش الإسلامية دخلت النسبة الأكبر من الكورد في الدين الإسلامي، بعد أن كانت تدين بالزرادشتية التي سادت مناطق إيران وأجزاء من العراق قبل دخول الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. ويذهب المؤرخ الإيراني «رشيد ياسمي» إلى أن الكثير من التقاليد التي يتميز بها الزرادشتيون، والتي ترتبط بعبادة النار، لا تزال موجودة في الأوساط الكوردية، كما أن غالبية السكان في المناطق الكوردية في إيران لا تراودها الشكوك في الطابع المقدس لمثل هذه الأمكنة.
الدولة العباسية
في ظل حكم الدولة العباسية (750 - 1258م) ولّى أبو جعفر المنصور ولاية كوردستان وأذربيجان، أما الخليفة المهدي فنصّب هارون الرشيد والياً على كوردستان وأذربيجان وسائر البلاد الغربية. ويذهب كتاب «شرفنامه» إلى أن تمرد الكورد على الخليفة العباسي وولاته لم يكن بهدف الحصول على الاستقلال فحسب، بل لرغبتهم في عدم دفع الضرائب التي كانت ترهق كاهلهم. وعندما لم يكن الوالي العباسي على دراية بأحوال الكورد المسلمين، صار بعضهم يقطعون الطرق على المارة بين بغداد والموصل، أو بين مختلف المدن الكوردستانية، أو باتجاه بلاد فارس أو تركيا، الأمر الذي أغرى القبائل العربية، وهي مجبرة على دفع الضرائب، بأن تقوم بالأعمال ذاتها التي اتبعها الكورد. وتذكر المصادر التاريخية الغربية، التي يقودها جماعة المستشرقين، أن الكورد ثاروا في عهد الخليفة المعتصم (833 - 842م)، وهو آخر الخلفاء العباسيين الأقوياء، في المناطق القريبة من ولاية الموصل (كوردستان العراق) بقيادة جعفر بن مهر حسن (مير حسن) عام 840م، وفي عهد الخليفة «المقتدر بالله» للسبب المالي ذاته.
ولكن ذلك كان دون تأليب كوردي لإنشاء إمارات كوردية مستقلة عن عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، كما فعلت دويلات كوردية مثل السامانية والطاهرية والصفارية بين (820 - 903م) في مناطق خراسان وأفغانستان. وهي نقطة مركزية في عقول رجال الدين وشيوخ عشائر الكورد: عدم إضعاف سلطة الخليفة العباسي في بغداد ما دام يحتكم إلى عدل قرآن المسلمين في معاملة الرعية بالحق. وربما هو ما أزعج دولتي السلاجقة (الأتراك) والبويهيين (الفرس)، وهما تتبادلان الأدوار للسيطرة على مقدرات الدولة العباسية العربية، وكل منهما يطلب من الخليفة العباسي الزواج من تركية أو فارسية لكي ينجب ولياً للعهد تؤول إليه الخلافة فيما بعد، وكان ذلك ترضيةً لأن يبقى اسم الخليفة العباسي يُذكر في صلاة الجمعة.
الدولة البويهية (الفارسية الشيعية)
ولعل من يتتبع الدراسات الخاصة بحكم الدولة البويهية يجد حالة من عدم الاستقرار والأمن أصابت المنطقة الكوردية (كوردستان)، بسبب الاختلاف المذهبي بين البويهيين الشيعة والكورد السنة، والانتقادات التي وُجهت لجماعات «علي اللهية» أو «الشبكية» ودعوتهم إلى رفع منزلة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وتقديسه إلى حد الكفر. وفي هذا الصدد يشير الكاتب الكوردي محمد أمين زكي، نقلاً عن ابن الأثير، إلى أن معز الدولة هو من أرسل جيشاً بقيادة سُبُكتكين (Swbuktigin) إلى مقاطعة شهرزور الكوردية، الواقعة حالياً ضمن محافظة السليمانية، لمحاصرتها عام (955م). وتكرر إرسال الجيوش إلى كوردستان للاستيلاء على مدنها في عام 978م، والتنكيل بجيش «فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان» وقتله عام 979م، وذلك من أجل الفصل بين الكورد وقبيلة بني شيبان العربية المتحالفة معهم.
وأصول حوادث البويهيين، وهم فرس، لم تنكرها كتب التاريخ الإسلامي، منذ أن غضب الملك الفارسي «كسرى أبرويز» على هانئ بن مسعود الشيباني لأنه استضاف النعمان بن المنذر، وكانت تلك الحادثة سبباً لمعركة ذي قار عام 612م بين الفرس وقبائل بني شيبان بعد قتل النعمان بن المنذر. ثم أعادها عضد الدولة عام 980م في محاصرة ولاية حكاري الكوردية (كوردستان تركيا)، إذ حاصر الناس وفاوض المحاصرين، وأعطاهم الأمان والمواثيق للتسليم، وحين صدّقوا القول وسلّموا حسب الشروط غدر بهم وقتلهم عن آخرهم.
وربما كان ما أخذه عامة الكورد المسلمين أن دين الإسلام، الذي دخلوه أفواجاً وأخلصوا له كل الإخلاص، لم يكن هو تماماً ما في عقول البويهيين (الفرس) والسلاجقة (الأتراك) للتخلص من النعرة القومية، وقد يكون من فسّر لهم قول القرآن الكريم ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قد فسّره في غير محله. الأمر الذي جذب العرب والكورد إلى توثيق علاقاتهم، فهاجر الكورد إلى بلاد العرب للتعرف على أصول تطبيق الشريعة الإسلامية بشكلها الصحيح، وكانوا في بعض المراحل يشكلون القيادة وزخم القاعدة في حروب الإسلام وتحرير أرض العرب وصد موجات الغزو المغولي والصليبي.
صلاح الدين الأيوبي
إن مرحلة القائد الكوردي المسلم صلاح الدين الأيوبي (531 - 589هـ) تتوّج التاريخين العربي والكوردي على حد سواء؛ فقد كان صلاح الدين الأيوبي أبرز القادة الكورد الذين دافعوا عن العالم الإسلامي، واتجهت جهوده، عندما أقام الدولة الأيوبية (567 - 648هـ) في مصر والشام والجزيرة العربية، نحو تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى من الفرات إلى النيل. وقد وضع صلاح الدين الأيوبي، الذي اتخذ مدينة دمشق مقراً لتنظيم قواته، في حساباته وصول المقاتلين من مصر وحلب والموصل والجزيرة وديار بكر، ومنهم الكورد، للدفاع عن بيت المقدس ضد القوات الصليبية في معركة حطين التي دارت أحداثها على أرض فلسطين (المحتلة) في الرابع من تموز عام 1187م. ولم يجد الصليبيون مخرجاً، بعد أن أحاط بهم المسلمون، إلا التراجع، فقُتل وأُسر فرسانهم حتى قُتل معظمهم وانهارت قوتهم، ومن نجا منهم استسلم للمسلمين. وهي من دون مواربة نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ الحروب الصليبية التي أودت بزهرة فرسانهم، وقادت الكثير من شعوب أوروبا إلى التنصل من الكنيسة الكاثوليكية، وتخلّى آخرون عن الإيمان بالله بعد أن خُذلوا في «الحرب المقدسة».
لقد كان جيش صلاح الدين الأيوبي، الذي حقق به النصر للعالم الإسلامي، مؤلفاً من معظم العشائر الكوردية، أمثال الكورد الحكارية والمهرانية والميرانية والسهرانية والسورانية والحميدية والزراية، حتى أصبحت السلطنة التي أقامها صلاح الدين الأيوبي تشمل مصر وسورية والعراق والجزيرة وكوردستان، وتضم الحجاز واليمن وبرقة وطرابلس الغرب. هذا هو ما نؤمن به تماماً، ويؤمن به أكثر من مليار من العرب والمسلمين.
ونجد أنه ليس من الحكمة الحديث عن ذلك الحوار الذي أجراه بدران أحمد حبيب مع الدكتور محسن محمد حسين، الذي يعمل في جامعة صلاح الدين (أربيل)، وفيه يسأل السؤال الأول: «في أحيان كثيرة نجد مسؤولين سياسيين أو مثقفين عرباً يحاولون تعريب صلاح الدين الأيوبي ووصفه بالبطل العربي، فما الدافع وراء ذلك؟ يبدو أن صلاح الدين الأيوبي بات عقدة للكورد والعرب على حد سواء، فالكورد ينتقدونه والعرب يريدون تعريبه، فما أصل هذه العقدة؟ مع العلم أنه تردد كثيراً أن صلاح الدين الأيوبي كان مقاتلاً كوردياً وبطلاً عربياً، كما قيل إن صلاح الدين لما انتصر أضحى ذلك البطل العربي، ولو أنه هُزم لقيل عنه إنه قاطع طريق كوردي خائن».
والحقيقة التي أروّج لها أن هناك خيالاً خصباً لدى بعض الكتّاب لاستفزاز الآخرين، وهو ما يقود بالضرورة إلى ترخيص الأقلام، بعد أن رخصت تماماً من قبل في الحديث عن الخلفاء الراشدين الأربعة وتفضيل أحدهم على الآخرين بحجة انتسابه إلى آل البيت. كما أجد أن صلاح الدين الأيوبي قائد مسلم نقي، وهو لا ينسجم مع طرح السؤال الآخر: إنه لم يخدم العرب من خلال الإسلام، بل خدم بكل تأكيد الكورد من خلال الإسلام. فهو قد خدم الإسلام بالكورد، بأسرته الكبيرة وبشعبه الباسل.
الإمارات الكوردية المستقلة
لقد ظلت كوردستان جزءاً من الدولة الإسلامية، ولما ضعفت الدولة الفارسية في أواخر العصر العباسي (1253م) تحولت كوردستان إلى إمارات كوردية مستقلة، أهمها: الأسرة السلارية في أذربيجان (300 - 420هـ)، والأسرة الحسنوية في همدان (320 - 405هـ)، والدولة المروانية «الدوستكية» في كوردستان الشمالية (تركيا) (530 - 476هـ)، وأسرة بني عيار (380 - 510هـ).
شكلت هذه الإمارات الكوردية جزءاً من التاريخ الكوردي في العصر الإسلامي. أما «بقردى»، كما يقول ياقوت الحموي نقلاً عن ابن الأثير، فإن بلاد «بقردى» قسم من بلاد جزيرة ابن عمر الكوردية (كوردستان تركيا)، وكان بها مائتا قرية ومدينة تتمتع بموقعها وأهميتها داخل العالم الإسلامي. وهذا لا ينفي وجودها، حتى وإن اندثر اسم «باكردا - بقردى» وحلّ محله في الكتب الإسلامية اسم جزيرة ابن عمر أو «بوهتان» أو «بوتان». كما ورد في أخبار أبي حنيفة الدينوري ما نصه: «وكان جنوح سفينة النبي نوح عليه السلام واستقرارها على جبل الجودي (كوردستان تركيا)، جبل بقردى وبازبدى»، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
وقال الطبري: خرج هارون الرشيد عام (174هـ) إلى بقردى وبازبدى، فقال الشاعر في ذلك:
بقردى وبازبدى مصيفٌ ومربعُ
وعذبٌ يحاكي السلسبيلَ برودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أما ترابُها
فجمرٌ وأما حرُّها فشديدُ
وإذا كانت الإمارات الكوردية المنوه عنها تدين بدين الإسلام، فإن ذلك لم يمنع السلاجقة الأتراك القادمين من جبال زاغروس من غزو كوردستان بعد انهيار الدولة العباسية عام 1258م، وكانت نزعتهم هذه المرة إعلان الجهاد لطرد الروم الشرقيين. وكانت فرصة اغتنمها الكورد لإعلان إخلاصهم للإسلام، حين اشتركوا جنباً إلى جنب مع السلاجقة الأتراك وهزموا خصمهم الإمبراطور البيزنطي «رومانوس» الرابع في معركة «ملاذكرد» عام 1071م على أرض كوردستان، قبل أن تزول دولة السلاجقة عام 1194م على يد المغول، وتظهر الدولة العثمانية لتبدأ صفحة جديدة في علاقة الكورد بالعثمانيين. وقد خضعت كوردستان للحكم العثماني قرابة أربعمائة سنة، وكان الكورد قوة إسلامية عسكرية لمناصرة الدولة الإسلامية الجديدة على أيدي السلاطين العثمانيين منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي (1514م).
والواقع الذي فرض نفسه أن جيوش الدول والإمبراطوريات لم تمهل كوردستان وأمراءها الكورد للعيش بأمان واستقرار، قبل ظهور الإسلام وبعده؛ فقد كان الفرس في مواجهة الروم أو العكس في بداية ظهور الإسلام، وكان الإغريق في مواجهة الفرس أو العكس، وكان العرب في مواجهة الروم أو العكس. وفي ضوء هذا الواقع الجيوسياسي كان من المحتم على جيوش الفرس والروم والترك اختراق أراضي كوردستان، ولكل منها الرغبة في استمالة الكورد لقتال الخصم في ظل طبيعة جبلية معقدة، بغرض إنهاكه.