الدكتور عبدالعزيز المفتي الاطماع الاستعمارية بكوردستان (الجزء الرابع) المالبسات الدولية، للقضية الكوردية والسياسة السوفيتية قبل الحربين العالميتين وما بعدهما من القضية الكوردية وتركيز بريطانيا على كوردستان العراق والمصلحة الروسية في كوردستان ومصالح الواليات المتحدة وفرنسا وايطاليا وألمانيا في كوردستان وألمانيا وايطاليا وسويس ار هي الدول الاوروبية الاخرى التي لها مصالح في كوردستان
أ -المالبسات الدولية، للقضية الكوردية يقول قنصل روسيا في إيران سابقاً ومؤلف كتاب "الألكراد" باسيل نيكيتين مختتماً الفصل العاشر عن "الحركة الكردية الوطنية": "....وفي نتيجة هذه التجربة الكوردية ال ارمية إلى تركيز المعضلة السياسية الكوردية ال يسعنا إخفاء تمنياتنا إلى الألكراد، كما أنه ليس بمستطاعنا، من جهة أخرى، إنكار الفائدة الناتجة عن تتبع التجدد وتكون الروح الوطنية الجادة في أثره منذ الحرب الكونية الألولى بين العجم وتركيا وغيرهما من بلدان الشرق الألوسط. "وهنا تقع المشكلة: فتطور الجانبين كليهما جعل الاتفاق بعيد المنال، والخروج من هذا المأزق لن يصير (يصبح) إال نتيجة انقالب سياسي في مفهوم التعاون.فالبادرة الضرورية يجب أن تنبثق، بادئ ذي بدء، من الحكومات المعنية.وعلى الزعماء الألكراد المسؤولين، من جهتهم، أن يبرهنوا عن حسن نية وثقة.إذ أنه ما دام العالج الناجح متأخ اًر فسيظل الحقل مبسوطاً أمام الدسائس". من الكلمة الألخيرة في هذا المقطع، كلمة "دسائس"، ننطلق لنرى ما وراءها... ب -السياسة السوفيتية قبل الحربين العالميتين وبعدهما من القضية الكوردية نرمي من هذا البحث إلى عرض السياسة السوفيتية قبل الحربين العالميين الألولى والثانية وبعدهما بالنسبة إلى البالد العربية.وسنلخص من ذلك إلى تبين موقف السوفيت من القضية الكردية ودورهم في تحريك بعض القبائل الكوردية.
بدأ العرب في القرن العشرين يتحسسون بالسياسة الروسية منذ العام،1917عندما حرص السوفييت على استرضاء الألقليات المسلحة التي كانت تتبرم بالنير القيصري فأنشأوا من 1917إلى 1920جمهوريات مستقلة في القفقاس المسلم وتظاهروا باحترام الشعائر الإلسالمية ولم يتعرضوا للمشايخ الدينية بأذى، بينما كان اضطهاد رجال الكنيسة الألرثوذكسية للمسلمين قائماً على قدم وساق. ثم مرت السياسة السوفيتية في مرحلة ثانية من 1921إلى،1928عندما قرر السوفيت إخضاع الجمهوريات المسلمة للنظام الشيوعي وبدؤوا بتنفيذ المنهاج الآلتي: .1توزيع الألراضي الموات على صغار الفالحين المسلمين. .2حل الهيئات الدينية. .3القضاء على الحركة الطورانية. .4منع مسلمي الاتحاد السوفيتي من أداء فريضة الحج العتبارات وطنية. إال أن موسكو لم تسفر عن نياتها كاملة قبل عام 1929م، ففي هذا العام خطت خطوة حاسمة نحو بلشفة المسلمين غير ملتفتة إلى احتجاجات رجال الدين المسلمين الذين وضعتهم في معسكرات الاعتقال وحولت جامعة سمرقند إلى ناد يغشاه الملحدون. وكان لهذا التصرف صداه عند زعماء الألقوام الإلسالمية الذين عهدوا إلى (المفتي الألكبر رازوليف) بأن يتفاهم مع البالشفة، فتمكن (المفتي الاكبر رازوليف) من إقناع موسكو بأن بلشفة المؤمنين المسلمين ال يمكن أن تتم دفعة واحدة، وأخذ على عاتقه تحقيق هذا الهدف تدريجياً.
وسارت الألمور على ما يشتهي الفريقان إلى أن شعر السوفيت بأن هبوب العاصفة وشيك، فعدلوا سياستهم حيال مسلمي الاتحاد السوفيتي (حوالي العام )1938بأن أطلقوا المعتقلين المسلمين ورفعوا الرقابة عن الألوقاف الإلسالمية.وبعدما أعملوا في أنصار الوحدة الطورانية بالسيف، وعدوا الجمهورية المسلمة بتوزيع صالحياتها بعد انتهاء النزاع بحيث يكون ممثلوها الدبلوماسيون في الخارج. وقد أرادت موسكو بهذا أن تبعث إلى الدول الإلسالمية بممثلين يعملون على توجيه السواد بما يتفق ومصلحة الاتحاد السوفيتي. تلك كانت، بإيجاز، سياسة الاتحاد السوفيتي حيال المسلمين رعايا الاتحاد السوفيتي.أما سياسته حيال الإلسالم عموما فقد أملتها مصالحه الدولية واستوحى الكرملين خططها من أضبارات العهد القيصري وأدرك السوفييت أن إلحادهم قد يفسد خططهم في ديار الإلسالم وفي الألوساط المسيحية التي كان القياصرة الروس يتدخلون في شؤون الإلمبراطورية العثمانية بحجة حمايتها، فأعلنوا أن البلشفية ليست مادة للتصدير وأن الاتحاد السوفيتي يتتبع بعطف الحركات التحررية في البلدان الخاضعة للسيطرة. ورسم (تشيشرين) لمواطنيه خطة العمل فقال أن الشعوب الشرقية المستعبدة ستجد في روسيا الحمراء حليفاً طبيعياً لها إذا عرف السوفيت كيف يستميلوا هذه الشعوب وأن يثيروها ضد الاستعمار والألجانب وعملت روسيا بادئ بدء بهذه النصيحة، وحمل الرأي العام الإلسالمي للروس الحمر بوادر طيبة منها إعادة بعض المناطق القفقاسية إلى تركيا والتنازل عن الامتيازات الروسية في إيران وتشجيع الحركات الاستقاللية في أفريقيا الشمالية الفرنسية ومصر والهند والألفغان.
وعقد في باكو وموسكو بين أعوام 1920و 1924أربعة مؤتمرات إسالمية اتخذت فيها قررات ضد الفرنسيين والإلنكليز. ويقول (الفونس غوبي) في كتابه "الاستعمار في ديار الإلسالم" /: وفي هذه الألثناء (أي بين أعوام 1920و )1924كانت "الدولة الثالثة" (الكومنترن) وممثلو روسيا الدبلوماسيون يمهدون السبيل في الخارج أمام الاستعمار السوفيتي أو المطامع القيصرية بشكلها الجديد.وقد تمكن رسل الدولة الثالثة من تأليف أحزاب شيوعية في أربعة أقطار من العالم، تتولى قيادة الحركات العمالية وتقف بالمرصاد للمطامع الإلنكليزية وغيرها، وتخدم قدر طاقتها المشاريع السوفيتية.إال أن اللعبة البولشفية ما ان عتمت حتى اتضحت لكل ذي عينين وأدركت الألقوام الإلسالمية التي خدعتها الظواهر وغرر بها رسل موسكو أن العطف الذي أبداه الروس على أمانيها القومية كان ذ اًر للرماد في العيون، وأن السوفيت يطمحون بعد تحررها إلى الحلول محل المستعمر السابق (وهو ما وقع لمقاطعة تركستان الصينية التي شجعها السوفيت على تحطيم النير الصيني.")... كان ذلك قبل الحرب العالمية الألولى وبعدها.وفي الحرب العالمية الثانية لم يكتف الروس بخوض الحرب ضد ألمانية وانما استخدموا الألحزاب الشيوعية في البلدان "التي حرروها" في تحقيق أهدافهم التوسعية وكادت لعبتهم في شمال إيران أن تطيح بالاستقالل هذه الدولة (ايران). واذا كان السوفيت قبل الحرب العالمية الاولى قد أوغروا صدور المسلمين ضد "الرأسمالية مستعبدة الشعوب"، فإنهم اليوم يضربون على وتر القومية.ولكن الصراع الجديد الذي نشب، على أثر الخطاب الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر وفضح فيه محاولة الحزب الشيوعي السوري عرقلة الوحدة بين سوريا ومصر، جعل العرب يرون وجه السوفيت ساف اًر من هذه الناحية وجعلهم يتأكدون أن الشيوعية ال تؤمن بالقومية ومنها العربية كما أنها ال تؤمن بالألديان ومنها الاسالم.والواقع أن الشيوعية تستعمل الدين والقومية لمصلحتها، فإذا ما بدأ أن الظهور بمظهر الملحد يعرقل خطتها التوسعية سترت وجهها حيناً لتظلل الاخرين.وقد رأي الكرملين أن شعوب آسيا، والشعوب العربية بوجه خاص، تتفتق عن نهضة قومية وتحس بأمان قومية، فأخذ يشيع السوفيت أنه نصير القوميات إلى درجة أفلح معها، إلى حين، في إيهام العرب والاكراد بصحة ما يدعي. في محاضرة ألقاها ستالين عام 1924في جامعة سفردلوف، قال": يجب أن تدرس الحركات القومية من الزاوية التي تكمن فيها مصالح الاتجاه نحو الثورة ال من زاوية الحقوق المجردة".وهذا بالفعل ما فعلته الشيوعية وموسكو.فقد لمست موسكو رغبة العرب والاكراد في التحرر من السيطرة الألجنبية، وبعدما نقرت لهم على وتر الدين، رأت أن النقر على وتر القومية العربية بات أجدى وشرعت تحالف "البورجوازية الوطنية" والهيئات الناقمة والمعارضة وتوغر صدور الفئات الألقلية مستترة برداء القومية تمهيداً للدخول بين الصفوف، وهذا ما فعله الشيوعيون في سوريا...وعندما نادى السوريون بالوحدة مع مصر كان الشيوعيون في طليعة المنادين أول الألمر ظناً منهم أن الوحدة لن تتم وأنهم سيكسبون بمناداتهم عطف الجميع وال يخسرون شيئاً.وعندما أروا أن الوحدة على وشك التمام تحولوا إلى المطالبة باتحاد...ثم إلى عرقلة الوحدة بجميع قواهم...وأخي اًر، وبعد خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في ذكرى الوحدة، انكشفت نياتهم (السوفيت) ونقلوا نشاطهم إلى العراق.
وفي العراق كان يعمل الشيوعيون على تحريك عدد من القوميات في طليعتها القومية الكوردية فالقومية اليزيدية الكوردية والآلشورية (الآلثوريين) المسيحيين والصابئية!. ج -تركيز بريطاني على كوردستان الجنوبي (العراق) تعود محاوالت بريطانيا إليجاد نفوذ لها في الدولة العثمانية إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر، حيث أرسل (انتوني جنكنسون) كأول رجل في تاريخ بريطاني عام 1553م للحصول على الامتيازات من الدولة العثمانية، وفي عام 1575قام (إدوارد أسبورن وريجارد ستاير) بزيارة استنبول للتهيئة للزيارة التي سيقوم بها ممثل الحكومة البريطانية (وليم هاربورن) إلى الدولة العثمانية، حيث وصل استنبول عام 1578م وكان يهدف خالل زيارته الحصول على أمر السلطان العثملني مراد الثالث (1595 – 1574م) لفتح بالده أمام التجار البريطانيين، ونجح في مسعاه حيث منحته الدولة العثمانية الامتيازات عام 1580م(.)1وفي أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر جرت مفاوضات بين الجانبين لفتح طريق بري يمتد من أوروبا إلى الشرق الألدنى ويصل الهند، ووضعت أسس الامتيازات البريطانية في معاهدة عام 1675م بين الدولتين العثمانية والبريطانية(، )2وفي عام 1782م عرض )1( Zaki Saleh, Origins of Britihs influence in Mesopotamia. Co-Ombia, University Press, New York, 1941, pp. 1-2 ريدر بوالرد، بريطانيا والشرق الألوسط من أقدم العصور حتى،1952ت.حسن أحمد السلمان، بغـداد،1957 ص.10 – 9 ( )2للتفاصيل ينظر: عبد العزيز سليمان نوار، المصالح البريطانية في انهار العراق 1914 – 1600م القاهرة،1968، ص.26 – 25
البريطاني (جون سوليفان) تصميم طريق بري ليصل الغرب بالشرق ما ار باسيا الصغرى وبين النهرين(، )3 ثم جاءت اتفاقية (بلطة ليمان) التجارية عام 1838م بين الدولتين حيث أعطت الرعايا البريطانيين امتيازات تجارية واسعة، وذلك بسبب حاجة الدولة العثمانية حينذاك إلى المساعدات العسكرية والدعم السياسي من بريطانيا(.)4 تمهيدا لقيام بريطانيا بتوسيع نفوذها في كوردستان فقد مهدت الألوضاع وقامت بجمع المعلومات الكثيرة من خالل زيارة الكثير من الوكالء أو المبشرين أو الدبلوماسيين أو علماء الآلثار والسواح وسواهم لكردستان، حيث أعدوا دراسات مفصلة عن كوردستان والكوورد( )5للدوائر الحاكمة في بريطانيا أو إلدارة شركة الهند الشرقية، فمنذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر أخذ رجال الشركة يزورون كوردستان ومنها مثالً، الرحلة التي قام بها أحد أطبائها إلى ماردين عن طريق كركوك، وبعد فترة قام عدد من موظفي الشركة (شركة الهند الشرقية) بجوالت في مناطق كردستان، حيث بدأت بريطانيا تركز اهتمامها على كوردستان مع بداية القرن التاسع عشر(.)6 ( )3توريانتز، المصدر السابق، ص.74 – 73 ( )4جورج خوري، المصالح الاستعمارية البريطانية والحفاظ على الإلمبراطورية العثمانية، مجلة دراسات تاريخية جامعة دمشق، العددان،1992،42 – 41ص.89 ( )Every, Cit. Op P. 524. ( )6كاوس قه فتان، بابان...سوران...بوتان، ص.63
بدا موظفو شركة الهند الشرقية بجوالتهم في كردستان مثل (د.كامبيل وت.هاول)( )7وبعد فتح مقر إقامة للشركة (شركة الهند الشرقية) في بغداد عام 1806م اختير (هارفورد جونز)( )8مقيماً لها وأعقبه كمقيم للشركة في بغداد (كلوديوس جيمس ريج) الملقب ب مستر ريج والذي كان تعيينه في بغداد عام 1808م يهدف إلى توسيع النفوذ البريطاني بالإلضافة إلى مقاومة النشاط الفرنسي( )9وقام المسترريج وبدعم من مساعده (هاين) بمساعدة الضباط البريطانيين المتوجهين إلى كوردستان ومنهم الكابتن (ماكدونالد كينير) الوكيل السياسي لشركة الهند الشرقية الذي قام برحالت عديدة إلى كوردستان بين عامي 1814 – 1813م(.)10 كانت بريطانيا تظهر إن سبب نشاطها في تلك المناطق يعود إلى اهتمامها بالهند والطرق ()11 المؤدية إليها، بينما كانت تهدف إلى إيجاد مناطق نفوذ ومستعمرات جديدة وأسواق لبضاعتها فمثالً قدم (ماكدونالد كينير) بعد عودته إلى الهند صورة مفصلة عن كوردستان إلدارة شركة الهند الشرقية. ( )7كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الألولى، ص.33 ( )8هارفورد جونز ( 1794 – 1764م) دخل في خدمة الشركة ككاتب في حكومة بومباي وخدم كمساعد للمقيم في البصرة للفترة ( 1794 – 1784م) صالح محمد العابد، موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي .1810 – 1798بغداد،1979، ص:98وللتفاصيل ينظر: باسم حطاب الطعمة، تغلغل النفوذ البريطاني في= =العراق:1831 – 1798رسالة ماجستير مقدمة لمجلس كلية الآلداب، جامعة بغداد،1985، ص 50وما بعدها. ( )9عالء موسى كاظم نورس، الدبلوماسية البريطانية في العراق (1823 – 1808م) مجلة أفاق عربية، العدد،12 ،1980ص.105 ( )10خالفين، المصدر السابق، ص 28 (11)Glubb, Cit Op, 40 – 41.
واصل البريطانيون تلك الجهود حيث قام المقدم (هيد) عام 1817م برحلة من بغداد إلى السليمانية ومن إربيل إلى الموصل، وقام (بوتر) برحلة أخرى من بغداد إلى كركوك والسليمانية ثم إيران خالل عامي 1819 – 1818م، وقام ريج برحلته إلى كوردستان عام 1820م، واستمرت زيارات البريطانيين إلى كوردستان حيث قام (ميغنان) المقدم في الجيش الهندي بزيارة كوردستان ومنها توجه إلى روسيا ثم بريطانيا عام 1828م وعاد من نفس الطريق عام 1830م وهناك معلومات عن جهود أثنين من الضباط البريطانيين أرسلتهما شركة الهند الشرقية إلى السليمانية لتدريب الفرسان الكورد عام 1829م، كما قام المبشر (غروفس) بزيارة السليمانية عام 1828م قادماً من تبريز لجمع المعلومات عن كردستان(.)12 شهدت الثالثينات من القرن التاسع عشر احتدام الصراع بين بريطانيا وروسيا لتوسيع نفوذهما في إيران والدولة العثمانية، لذلك ازداد نشاط بريطانيا في كوردستان، حيث شهدت الفترة بين (1840 – 1837م) زيارات عديدة للبريطانيين لكوردستان منها زيارة العقيد (شيل) أحد رؤساء البعثة العسكرية البريطانية في طهران والفيكونت بولينجتون ورسام الذي حل محل مستر ريج بعد وفاته، و(أبوت) و(سائر) نائبي القنصل البريطاني في (ترابزون) و(راولنسون) وغيرهم كما قام (جيمس برانت) القنصل البريطاني في ارضروم برحلة طويلة في كوردستان عام 1833م ثم قام عام 1838م برحلة أخرى إلى مدن (موش ـ خربوت ـ بدليس ـ بايزيد وغيرها) ورافقه الضابط البريطاني (كالسكوت) الذي ( )12خالفين المصدر السابق، ص.30 – 29
كلفه برسم الخرائط(.)13وال بد من الإلشارة إلى جهود الدبلوماسيين البريطانيين في كردستان وخاصة جهود (ريجارد وود) قنصل بريطانيا في حلب.كما أصبح منصب السفير البريطاني في استنبول من المناصب المهمة في الدولة العثمانية وخاصة بعد أن أصبحت بريطانيا الحليف الرئيسي للدولة العثمانية بحلول القرن التاسع عشر، وخير مثال على ذلك هو السفير (ستراتفورد كاننغ) الذي عمل في منصبه بين عامي (1827 – 1825م) ثم عاد ثانية عام 1841م، وأصبح اسمه مهيباً ومعروفاً في الدولة العثمانية(.)14 بدأت بريطانيا بدراسة تنفيذ (مشروع جيسني) حول إمكانية إقامة صالت تجارية وخاصة عبر الطرق النهرية مع الهند عبر أسيا الصغرى(.)15لذلك قام جيسني( )16بعدة زيارات للمنطقة ومنها كوردستان، وكان المشروع جزء من خطة بريطانية لتوسيع تجارتها مع الشرق الألوسط وذلك طلبا للمواد الخام لصناعتها وأسواق لتصريف بضائعها(، )17فبعد تأسيس القنصلية البريطانية في ترابزون عام 1830م فإنها نجحت في زيادة معدالت التجارة مع الشرق، دون بقية الدول الألوربية. ( )13المصدر نفسه، ص.32 ( )14نو ار كوبي، الطريق إلى نينوى، ت: سلسل محمد العاني، بغداد،1998، ص.208 ( )15للت فاصيل ينظر: فواز مصطر نصيف الدليمي، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق ( )1914 – 1869رسالة ماجستير مقدمة لمجلس كلية الآلداب، جامعة بغداد،1989، ص 41وما بعدها. ( )16فرنسيس رودون جيسني (1872 – 1789م) وصل الدولة العثمانية ضمن بعثة حكومته للمشاركة في حرب سنة 1839م ضد روسيا، وبوصوله انتهت الحرب فكلفه السير (روبرت كوردون) سفير بريطانيا في استنبول للقيام بعدة دراسات حول طريق الوصول إلى الهند ومنها دراسة إمكانية المالحة في نهر دجلة والفرات. Affairs British in Study 1600 – 1914, A, (Iraq) Mesopotamia, Saleh Zaki Baghdad, 1957, P. 150. ( )17خالفين، المصدر السابق، ص.34
قام جيسني عام 1835م مع مجموعة من المهندسين والفنيين بدراسة شاملة عن المالحة في نهري دجلة والفرات وقاموا بدراسة الوضع الاقتصادي والسياسي في كوردستان أيضا، وحدد في كتابه (حملة مسح ودراسة نهري دجلة والفرات) أهداف السياسة البريطانية في كوردستان ومنها تأكيده على الألهمية الاقتصادية لكوردستان وخاصة طرق التجارة التي تمر عبر كوردستان، واتخاذ والية الموصل نقطة انطالق لتوسيع نفوذها الاقتصادي في كوردستان(، )18ويؤكد البريطاني (راولنسون) تلك الألهمية لكوردستان حيث يذكر "إن نهر دجلة الذي يمر من ديار بكر الكوردية هو طريق جيد للسفن وقد بني عليه حصن على جبل بركاني ومن الممكن أن يستخدم كقاعدة عسكرية مهمة ولكن الجزيرة الكوردية تبقي المكان الألكثر مالئمة ألن النهر دجلة هناك أوسع وأن المسافة من أرضروم أقل"( )19إال أنه وبسبب الظروف الاقتصادية التي عاشتها بريطانيا فقد تأخر عن كتابة تقاريره عن المشروع حتى أواخر الألربعينات حيث صرف النظر عن المشروع، إال أن المعلومات التي جمعت ومنها ما جمع عن كوردستان، استفاد منها البريطانيون فيما بعد لتوسيع نفوذهم وتنفيذ مخططاتهم في المنطقة وعند انتصاف القرن التاسع عشر كانت لدى بريطانيا معلومات مفصلة عن كل كوردستان الجنوبي(.)20 ال بد من الإلشارة إلى النشاطات الكبيرة للسياسي وعالم الآلثار البريطاني (هنري إليارد) الذي قام بالتنقيب عن الآلثار في الدولة العثمانية بين عامي 1851 – 1845م، فإن البريطانيين استغلوا عمل لجنة الحدود الرباعية التي تشكلت بعد معاهدة أرضروم الثانية عام 1847م لتوسيع نطاق تجارتهم ( )18المصدر نفسه، ص.36 ( )19نقالً عنP265.Cit. Op, Kelly: ( )20للتفاصيل عن بعثته ينظر 157 pp 151, … Mesopotami, Saleh
في كوردستان من خالل قيام ممثلها في اللجنة (وليامز) بجمع المعلومات عن الرموز الكوردية المؤثرة بناء على توجيهات السفير (سترتفورد كاننغ)(.)21أرسل البريطانيون المبشرين إلى كوردستان وخاصة المناطق التي يسكنها المسيحيين واستغلوا التبشير المسيحي لتوسيع نفوذهم في الدولة العثمانية بشكل عام وفي كوردستان بشكل خاص، وكانت تخفي وراء تلك البعثات التبشيرية أهدافاً اقتصادية واستعمارية أخرى(، )22كما استهدفت تلك البعثات بث الفرقة واثارة المشاكل بين المسيحيين والسكان المسلمين وخاصة بين الكورد والاثوريين لتحقيق مآربهم الألخرى(، )23وألن "المبشر المسيحي يسبق الجيش إلى كل مكان"(، )24فإنه بالإلضافة إلى السواح والعلماء والدبلوماسيين والعسكريين وغيرهم، فقد عمدت بريطانيا بإرسال جماعات باسم التبشير المسيحي لجر المسيحيين إلى أحضان الكنيسة الإلنكليزية حيث نجحوا خالل السنوات الألولى من القرن التاسع عشر في كسب الكثير منهم(، )25وكانت الخطوة الألولى في هذا الاتجاه تشكيل منظمة في لندن عام 1779م باسم (الجمعية الكنسية التبشيرية)(، )26كما أسس المستر (كاري) عام 1795م (جمعية لندن التبشيرية)(.)27 أعدت كل من (الجمعية الجغرافية الملكية) و(جمعية ترقية المعرفة المسيحية) خطة للعمل في عامي 1837و1838م، ومهمة تلك الحملة ّ مشروع (حملة استكشاف كوردستان) وذلك خالل ( )21خالفين، المصدر السابق، ص.66 – 65 ( )22نعيم اليافي وخليل موسى، نضال العرب والألرمن ضد الاستعمار العثماني، الالذقية،1995، ص.28 ( )23بارمتي، تاريخ الآلثوريين، ص:20جليل، من تاريخ الإلمارات، ...ص.116 ( )24مصطفى خالدي وعمر فروخ، التبشير والاستعمار في البالد العربية، بيروت،1986، ص.116 )Shaw, Cit, Op 126 P. (25 ( )26جليل، من تاريخ الإلمارات...ص 126 ( )27ريبوار عبد الرحمن، هل بدأ التنصير بين الألكراد، مجلة ثالاي ئيسالم، العددان،1999،4 – 3ص.25
استكشاف الأل ناضول الوسطى والشرقية والمناطق الجنوبية من كوردستان وتضمنت التعليمات، جمع المعلومات عن الحالة السياسية والخالفية للعشائر الكوردية وكذلك لغتهم الكوردية، وأساطيرهم، والمميزات الألخرى لالكراد(.)28 بدأت البعثات التبشيرية تلك بفتح المدارس في المناطق التي يسكنها الآلثوريين وعينوا لهم المدرسين( )29كما أرسل (هاولي) رئيس أساقفة كانتربري بعثة إلى كوردستان عام 1840م برئاسة (ج. ب.بادجر) حيث أقام بين الآلثوريين عاماً كامالً وكتب عنهم الكثير، ولكن بعثته اضطرت إلى إيقاف عملها لمقاطعة الآلثوريين لها(.)30كما قامت بعثة أخرى برئاسة وليم أينسورث (1840 – 1839م) بدراسة كوردستان وكيفية نشر المسيحية فيها، وكان قد قام بزيارة أخرى إلى عشائر الملي الكوردية عام 1834م(. )31لم تكن مهمة تلك البعثات التبشير فقط بل عملت على إبعاد المنافسين من المبشرين الآلخرين وخاصة الألمريكان من خالل مهاجمة تفسيراتهم للمبادئ المسيحية(، )32حسب ما يشير أحد الكتاب والمؤرخين الغربيين، فإن التنافس بين البعثات أحدث شرخاً كبي اًر في العمل التبشيري في كوردستان(.)33فيذكر بادجر عن لقائه مع المار شمعون "إنني لم أخف عنه اي أنه من غير المقبول والمرضي لنا أبدا تواجد المدارس الألمريكية بين شعبه إلى جانب مدارسنا، وأرشدته إلى البرنامج الذي (28) Blincoe, Cit. Op, P38 ( )29هومي، المصدر السابق، ص.43 ( )30بارمتي، الآلشوريين، ....ص.69 ( )31أبو بكر، أكراد الملي، .....ص 9 ( )32أيشو مالك خليل جوراو، الآلشوريين في التاريخ، ت: سليم واكيم، بيروت،1962، وللتفاصيل ينظر: صالح خضر محمد الدليمي، المصدر السابق، ص.44 (33) Blincoe, Cit. Op. P26
عليه إتباعه في الظرف الراهن"(.)34وتطورت تلك العالقة بين الجانبين حتى إن بطريرك النساطرة طلب عام 1843م من رئيس أساقفة كنتر بري (هاولي) تقديم المساعدة للشعب النسطوري المسيحي(.)35 مهما يكن الألمر فإن السائح البريطاني (المسترلينج) يصف عمل البعثات التبشيرية في منطقة وأن بالقول "أنه بقدر ما أذكر فإن تحويل الناس إلى مسيحيين لم يشكل هدفاً خاصاً أو أساسياً"(.)36لقد كان هذا النشاط البريطاني الذي يرمي إلى توسيع نفوذه في الدولة العثمانية جزءاً من إستراتيجيتها التي تقوم على الحفاظ على الدولة العثمانية وعدم تجزئتها والوقوف بوجه الألطماع الروسية التي تهدف إلى تحويل البحر الألسود إلى بحيرة روسية والسيطرة على المضائق التركية، وأن تلعب دو اًر ممي اًز في منطقة البلقان(، )37إن مصالح الدول الألوروبية في الدولة العثمانية لم تقود إلى الصراع بينها فحسب، بل كانت تترك أثارها على السياسة الداخلية لها أيضاً.وضمن الصراع بين روسيا وبريطانيا، حولت كوردستان ِ تكتف بدعم الدولة العثمانية ضد روسيا و(محمد إلى مجال مالئمة لهما للتغلغل فيها، وأن بريطانيا لم علي باشا) والي مصر، بل تعدت في ذلك لدعم الدولة العثمانية لقمع الثورات والانتفاضات الكوردية ألن ذلك من وجهة نظرهم ستشكل خطوة مهمة النهيار الدولة العثمانية وتفككها وبالتالي المستفيد الألول من تلك الألوضاع ستكون روسيا، لذلك وللحد من الألطماع الروسية في الدولة العثمانية قدمت بريطانيا الدعم للقوات العثمانية ضد الثورات الكردية وبالتالي الحصول على المزيد من الامتيازات(.)38 ال عن: جليل، تاريخ الإلسمارات....ص،131جوارو، المصدر السابق، ص.163 ( )34نق ً ( )35أحمد سوسة، مالمح من التاريخ ليهود الع ارق، بغداد،1978، ص.120 ال عن: خالفين، المصدر السابق، ص.70 ( )36نق ً ( )37محمد حسن العلية، أواسط أسيا الإلسالمية بين الألنقاض الروسي والحذر البريطاني، الدوحة،1986، ص.25 ( )38عثمان علي، المصدر السابق، ص.23
كما أصبحت من العادة تجنيد ضباط بريطانيين في تدريب الجيش العثماني إلى جانب الضباط الآلخرين من الدول الألوروبية الألخرى وخاصة في الفترة التي أقدمت فيها الدولة العثمانية على إصالح الجيش وتحديداً في فترة حكم السلطان محمود الثاني (1839 – 1808م).
د -المصلحة الروسية في كوردستان كان سياسة روسيا ترتكز منذ عدة قرون على ضرورة توسيع نفوذها نحو منطقة البلقان وجنوب القفقاس والمياه الدافئة، فكان ال بد لها أن تجد لها نفوذ في كردستان أيضاً، حيث سبق الص ارع العسكري الروسي مع الدولة العثمانية وقيام الرحالة الروس بزيارة المنطقة بما فيها كوردستان إلعداد الدراسات عامي ّ عامي 1461 – 1465ورحلة (فاسيلي كاكارا) بين ّ وجمع المعلومات ومنها زيارة (فاسيلي) ، )39(1637 – 1634واستمرت روسيا في اعتبار كوردستان مم اًر لتجارتها مع إيران والدولة العثمانية، ولكن بالرغم من ذلك كانت هناك مصالح اقتصادية لروسيا في كوردستان أيضاً، حيث كانوا ينظرون إليها كسوق لتصريف بضائعهم الروسية والحصول على المواد الخام منها، بالرغم من أن نفوذهم (روسيا) التجاري كان في كوردستان العثمانية أقل من نفوذها (الروسي) في كوردستان الإليرانية ألنها كانت تواجه منافسة من البضائع الألوروبية الألرخص منها، وكانت روسيا تهدف إلى إيجاد نفوذ سياسي من خالل نفوذها التجاري(.)40 أرادت روسيا كسب الكورد إلى جانبها بعد نجاحها في كسب الألرمن والآلثوريين( )41وكان أول اتصال للروس مع الكورد والاهتمام بهم أثناء الحرب الروسية -الإليرانية، والروسية العثمانية بداية القرن ( )39دانتسيغ، المصدر السابق، ص.56 – 51،36 ( )40ال ازريف، جه ند كيشه يه كي، .....ص.406 – 405 ( )41نارام علي، به يوه ندى له نيوان كورد وروسيا (كردستاني قه فقاز يا سوفيتي) جا بخانه ي ليره، سليمان،1999، ص.44
التاسع عشر خالل 1805 – 1804م(، )42حيث اشتركت كتائب الفرسان الكورد تحت إمرة قادتهم المحليين إلى جانب إيران والعثمانيين ضد روسيا في بداية القرن التاسع عشر. وعندما لم يهتم الروس اهتماما كبي ار بالقبائل الكوردية خالل حربها الروس مع إيران 1826 – 1828م، فقد نجح العثمانيون من جانبهم في استخدام قسم من الفرسان الكورد ضد الجيوش الروسية، ونتج عن تلك الحروب إلحاق خانة يريفان بروسيا حيث ازداد عدد الكورد الخاضعين للسيطرة الروسية، وخالل الحرب الروسية ـ العثمانية 1829 – 1828م أبدت روسيا اهتماما كبي ار بالكورد(، )43 ووقفت الكثير من القبائل الكوردية وحتى الإلمارات الكوردية موقف الحياد من الحرب ولم تشترك إلى جانب العثمانيين وذلك رداً على سياسة القمع والاضطهاد والتعصب القومي وفقدان الألمن والظلم الذي تعرضوا له الكورد على أيدي السلطات العثمانية(، )44ومن جانب أخر وقف بعض الكورد الأليزديين إلى جانب روسيا أما الكورد الذين تحولت مناطقهم الكوردية إلى ساحة للمعارك فأنهم اضطروا إلى التفاوض مع الجانبين (الروسي-العثماني) للمحافظة على حياتهم وممتلكاتهم، لم يكتف الكورد بالوقوف موقف الحياد من الحرب بين روسيا والدولة العثمانية بل اتصل بعض زعمائهم بالروس للتخلص من الظلم والسيطرة العثمانية، ومنها الجهود التي بذلها (بهلول باشا) حاكم بايزيد الذي كان يتحكم بالقبائل الكوردية بين جبال اهلل داغ وبحيرة وأن، حيث أرسل المبعوثين إلى القادة الروس يعرض عليهم التوجه إلى بايزيد حتى قبل الحرب الروسية -العثمانية 1829 – 1828م إال أن عدم توفر القوات الروسية الكافية لدى ( )42زكي، خالصة، ....ص 266 ( )43قاسملو، المصدر السابق، ص.51 ( )44عثمان علي المصدر، المصدر السابق، ص.21
أجل توجه قواته الي بايزيد، وبعد شهرين الجنرال (باسكيفيج) القائد العام للقوات الروسية في القفقاس ّ من بدء الحرب وفي أب 1828م سلم بهلول باشا (حاكم بايزيد) إلى الجيش الروسي دون قتال، ومن ثم استطاعت الجيوش الروسية أن تقوم بحملة على (باشلك موش)، حيث سيطرت القوات الروسية على سنجقي (الشكرد وبايزيد) نتيجة تلك العمليات العسكرية، وأقدم الجنرال الروسي باسكيفيج القائد العام ود رؤساء العشائر الكوردية إلى جانب روسيا استعداداً للقوات الروسية على بعض الخطوات لكسب ّ للهجوم على أرضروم(.)45 عملت القوات الروسية على تحريض الكرد وارسالهم إلى آمد وسيواس وذلك لمشاغلة قسم من القوات العثمانية، ومن أجل تخفيف الضغط على قواتهم الروسية، ومن الخطوات الألخرى التي حاول فيها الروس كسب الزعماء الكرد هو الاتصال بكل من (أمين باشا) حاكم موش (وحسين أغا) رئيس عشيرة زيالني و(سليمان أغا) رئيس عشيرة سبكي للتعاون معهم (الروس) مقابل التعهد بمنحهم مناصب جيدة في (بايزيد أو يريفان)، إال أنه لم يتم الاتفاق بين الجانبين، ولكن نجح الروس في إبقاء جزء من الكورد على الحياد، حيث اعتبر ذلك مكسباً مهماً للروس، ومن جانبه نجح الجنرال (باسكيفيج) القائد العام للقوات الروسية من الحصول على موافقة القيصر وتخويله بتوزيع (مئة ألف روبل ذهب) كمكافآت لرؤساء العشائر الكوردية عند تحولهم إلى جانب الروس(.)46 ( )45خالفين، المصدر السابق، ص،44عثمان علي، المصدر السابق، ص.22 ( )46المصدر نفسه، ص،45ثارام علي، المصدر السابق، ص.45
احتلت القوات الروسية مالذكرد وخنس بنهاية أيلول 1829م ودخلت موش بعد شهر، حيث لم يبد السكان الكورد أية مقاومة تذكر خالل تلك العمليات العسكرية.ويرى محمد أمين زكي: أن التوغل الروسي في كوردستان أتاح الفرصة أمام الروس لدراسة أحوال الكورد، وعندما اقتنع الروس من مقدرتهم (الكورد) العسكرية ومن أهميتهم في الصراع فأنهم حالوا كسبهم وتشجيعهم على الهجرة إلى روسيا، وفعالً هاجرت بعض القبائل الكردية إلى القفقاس(.)47وهكذا أصبحت روسيا التي اقتربت من كوردستان بداية القرن التاسع عشر تضم جزءاً منها بنهاية العقد الثالث من ذلك القرن(.)48 عندما أوشكت الحرب الروسية ـ العثمانية على نهايتها فإن الجنرال (باسكيفيج) القائد العام للقوات الروسية وأكد للقيادة الروسية في مذكرتين في تموز عام 1828م وحزيران عام 1829م على ضرورة الاحتفاظ بمنطقة بايزيد الكوردية وعدم الانسحاب منها، ألنها ستؤمن لروسيا "ضمان نفوذ واسع بين الكورد...ويقوي نفوذ روسيا في كوردستان الشمالية (تركيا).وفي حالة وقوع الحرب يمكن الحصول على جيش إضافي كبير من الفرسان الكورد المعتبرين افظل وأحسن فرسان أسيا"(.)49 وقعت روسيا والدولة العثمانية على معاهدة (أدرنه) في كانون الألول عام 1829م وبموجبها انسحبت الجيوش الروسية من المناطق التي احتلتها من كوردستان العثمانية وعادت السلطة العثمانية إليها من جديد، كما سمحت الدولة العثمانية بموجبها للروس بحماية المسيحيين الألرثدوكس في الواليات العثمانية(، )50وبذلك يتبين أنه خالل الصراع الروسي ـ العثماني حاول كل من الجانبين كسب الكورد ( )47خالصة، ....ص.267 ( )48ال ازريف، كيشه ي كورد، ...ص.47 ( )49نقال عن: خالفين، المصدر السابق، ص.147 ( )50للتفاصيل ينظر: كوكجه، المصدر السابق، ص:307 – 306خيرية قاسيمة، روسية القيصرية والمشرق العربي، مجلة دراسات تاريخية، العددان،10 – 9جامعة دمشق،1982، ص.46
إلى جانبه واستغاللهم في الصراع ضد الجانب الآلخر، بينما حول الكورد استغالل الصراع بين الدولتين لصالحهم(.)51ويصف (أفريانوف) أهمية الكورد بالنسبة لروسيا وخاصة في صراعهم مع العثمانيين فيذكر "اشتراك الألكراد دوماً في ميادين القفقاس...جاء اشتراكهم في البداية كأعداء لنا، وفيما بعد كحلفاء أيضاً.وما من شك في أنه خالل حروبنا المقبلة في أسيا الصغرى سنضطر لالحتكاك م ار اًر بهذا الشعب الكوردي الكبير التواق للحرية"(.)52 في الثالثينات من القرن التاسع عشر قدمت روسيا مساعدات عسكرية إليران إلنهاء حكم الألمير السوراني (محمد باشا) في رواندوز(.)53كما أن الروس استمروا في جهودهم إلعداد الدراسات حول الكورد ومنها جهود الضابط الروسي (س.بروسكورياكوف) والذي أعد خرائط تفصيلية عن منطقة أرضروم منذ عام 1842م.في السنة نفسها قام (وليام ديتيل) و(أيليا بيريزين) بجوالت في الشرق ودوناً معلومات مهمة ودقيقة عن حياة الكورد وعاداتهم وعالقاتهم بجيرانهم(.)54 ( )51عثمان علي، المصدر السابق، ص.20 ال عن: كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الألولى، ص.49 ( )52نق ً ( )53للتفاصيل ينظر: الفصل الثاني، المبحث الثالث ( )54كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الألولى، ص.59 – 58،45
هـ -مصالح الواليات المتحدة وفرنسا وايطاليا وألمانيا في كوردستان تأخر تغلغل نفوذ الواليات المتحدة الألمريكية في الدولة العثمانية حتى أوائل القرن التاسع عشر، ولم يبلغ نفوذها ما بلغه نفوذ الدول الألوروبية العظمى (بريطانيا وروسيا) وذلك لعدم حاجة التجارة الألمريكية آنذاك إلى أسواق الدولة العثمانية، وكانت تواجه منافسة قوية من الدول الألوروبية.ويمكن إضافة عامل البعد الجغرافي ألمريكا عن الدولة العثمانية وعدم وجود وسائل المواصالت المتطورة في ذلك الوقت، بالإلضافة إلى أن الواليات المتحدة الألمريكية كانت حينذاك ال تزال دولة ناشئة وتتبع مبدأ العزلة السياسية والدبلوماسية، فأقامت أمريكا العالقات الدبلوماسية مع الدولة العثمانية عام 1824م(، )55 ولكن بعد ست سنوات أي عام 1830م وقعت واشنطن واسطنبول معاهدة للتبادل التجاري سميت (بالمعاهدة التجارية البحرية) حيث أصبحت أمريكا بموجبها تتمتع بنظام الامتيازات(، )56وبدأت النشاطات الألمريكية في محال التبشير والمؤسسات الخيرية أوائل القرن التاسع عشر وتطورت تلك النشاطات ببطء بسبب المعارضة القوية لها من الدول الألوربية الاستعمارية وخاصة روسيا وفرنسا(.)57 لعبت المؤسسات والإلرساليات التبشيرية الألمريكية دو اًر كبي اًر في إيجاد المجال المالئم ألمريكا بالتوغل في الشرق، ففي حزيران عام 1810م تم تنظيم (المكتب الألمريكي لشؤون الإلرساليات الألجنبية) ( )55كمال مظهر أحمد، أضواء على قضايا دولية في الشرق الألوسط، بغداد،1978، ص 32 – 31وكردستان في سنوات الحرب العالمية الألولى، ص.68 ( )56توريانتز، المصدر السابق، ص.79 ( )57كمال مظهر أحمد، حول تغلغل النفوذ الألمريكي في الشرق الألوسط وبنود الرئيس ولسن، مجلة أفاق عربية، العدد ،3تشرين الثاني،1978ص،106وأضواء على قضايا، .....ص.32
وقرر المكتب إرسال المبشرين (ل.بارسون وفاك) إلى الدولة العثمانية لرصد الألمور ودراسة الألوضاع كما قام المكتب بإيفاد الألطباء إلى بعثاتهم المتوجهة إلى الشرق(، )58وكان من أهم تلك الإلرساليات (الإلرسالية الإلنجيلية الألمريكية) التي عملت في الشرق منذ عام 1816م، وال شك إن عمل تلك الإلرساليات كان عامالً مساعداً لتقوية النفوذ الألمريكي في الشرق، فقد بعثت إحدى المؤسسات الألمريكية (ليفي بارسنز) و(بليني فسك) عام 1818م إلى الشرق لدراسة القضايا المتعلقة بنشاط المؤسسات الألمريكية(.)59 قطعت أمريكا شوطا كبي ار في مجال التبشير وسبقت نشاط معظم الدول الألوروبية ما عدا فرنسا(، )60وفي هذا الاتجاه أرسلت أمريكا المبشرين (دوايت) و(سميث) إلى كوردستان، لزيارة المناطق التي يسكنها الاثوريون المسيحيين للعمل على إقامة بعثات دائمة في مناطقهم حيث استمرت مهمتها عامي1831 – 1830م.وأرسلت بعثة أخرى برئاسة (جوستن بيركنس) إلى أورمية وارضروم الكوردية ّ وذلك عام 1838م(، )61ومن البعثات الألمريكية الألخرى تلك التي ترأسها الطبيب والمبشر (كرانت) والتي أوفدها (مجلس البعثات البروتستانتية الألمريكية) عام 1835م، حيث توغل كرانت بين القبائل المسيحية والكوردية واتخذ من أورمية مق اًر لعمله واستمر هو وعائلته ستة سنوات في كوردستان حيث أقام عالقات ( )58بار متي، الآلشوريين، ....ص.67 – 66 ( )59توريانتر، المصدر السابق، ص.76 ( )60محمد خليل أمير، المصدر السابق، ص.34 ( )61كانون، المصدر السابق، ص:111أحمد سوسة، المصدر السابق، ص:122ويقول سيار الجميل بأن عمل في المنطقة للفترة 1869 – 1833م.بيركتس، المصدر السابق، ص:190 – 169بينما يؤكد بلينكو أن بيركنس وزوجته أبح ار من استنبول باتجاه كردستان سنة 1834م P31. Cit, Op, Blincoe
صداقة مع المار شمعون وحاكم هكاري نور اهلل بك أثناء زيارته للمنطقة سنة 1839م(، )62وفي الزيارة الثانية له عام 1842م ناقش معهم خططه في بناء عدة مراكز للتبشير وأنه سيلتحق به مجموعة أخرى من المبشرين الألمريكان، وقام الطبيب المبشر (كرانت) ببناء مركز تبشيري في قرية (آشيتا) في منطقة تياري والذي أصبح مركز خالف وأثار مخاوف الكورد(.)63 استغل المبشرون الألمريكيون نشاطاتهم التبشيرية لتحقيق أهدافهم الاقتصادية والسياسية الألخرى، ويؤكد (بارمتي) ذلك فيذكر أنه "لم يقتصر نشاط المبشرين الألمريكيين على الديانة والإليديولوجية فقط، بل كانوا مثلهم مثل بقية المبشرين الألوروبيين يعملون كوكالء لشركات ومصانع روجوا لبضائعها في البلدان المرتبطة اقتصاديا بها"(.)64 كانت المنظمات الألمريكية تقوم بالدور القيادي في مجال التبشير وأصبحت تلك المنظمات تمهد لتوسيع النفوذ الألمريكي في المنطقة، وذلك ألن أمريكا لم تكن تملك قاعدة عسكرية واقتصادية لدعم نشاطها الاستعماري في المنطقة، حيث كانت الجمعيات التبشيرية الألمريكية تصرف أموالاً هائلة لتحقيق أهدافها، وعندما استقر الكثير من المبشرين الألمريكيين في المناطق التي يسكنها المسيحيين في الدولة العثمانية فأصبح عند ذلك بالإلمكان مشاهدتهم في مدن كوردستان المختلفة مثل (وان وارضروم وماردين وبدليس وغيرها)، بالإلضافة إلى انتشار مواد الدعاية الألمريكية بشكل واسع من كردستان( )65ويمكننا )Joseph, Cit, Op. P63. (62 سوسة، المصدر السابق، ص:69 – 68جوارو، المصدر السابق، ص 165 - 164 ( )63جليل، من تاريخ الإلمارات، ...ص 129 ( )64الآلشوريين، .....ص 68 ( )65خالفين المصدر السابق.70،31، مالحظة ازدياد النشاط التبشيري للمبشرين الألمريكيين في كوردستان خالل القرن التاسع عشر من الجدول أدناه(: )66 "مدارس التبشير الألمريكية في كوردستان" عدد الطلبة عدد المدارس السنوات 530 24 1847 – 1837 498 50 1857 – 1847 1096 51 1867 – 1857 2024 58 1877 – 1867 1833 81 1887 – 1877 4210 117 1895 - 1887 كان الص ارع الرئيسي على النفوذ في الدولة العثمانية بين الدول الألوروبية يدور بين بريطانيا وروسيا وفرنسا، إال أن الدول الألخرى حاولت أيضاً أن تجد لها نفوذاً في الدولة العثمانية ونصيباً في (66) Blincoe, Cit. Op. P40
ممتلكات الإلمبراطورية، لذلك سعت كل حسب إمكانياتها لتوسيع نفوذها في الممتلكات العثمانية والتغلغل في مختلف المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية ومنها فرنسا وايطاليا وغيرها. أما فرنسا، فقد تكون عالقاتها بالدولة العثمانية قد بدأت في القرن السادس عشر الميالدي حيث أرسلت فرنسا أول سفير لها إلى الدولة العثمانية عام 1525م(، )67وتطورت العالقات بينهما حين اشترك الخبراء الفرنسيين في تحديث الجيش العثماني(، )68ورغم العالقات الفرنسية ـ العثمانية الجيدة، إال أن ذلك لم يمنع فرنسا من احتالل مصر عام 1798م، وكجزء من صراعها مع بريطانيا ولقطع الطريق بين بريطانيا والهند(.)69 أما في كوردستان فقد فتحت البعثات التبشيرية الفرنسية مراكز لها في مختلف مناطق كوردستان حيث كانت بعثاتها الكاثوليكية من أنشط البعثات العاملة في (الموصل وأرضروم وآمد وخربوط وسيرت) وغيرها من المدن وكان أنشط تلك المراكز التبشيرية الفرنسية هو المركز الموجود في مدينة الموصل(.)70فمنذ القرن السابع عشر جاءت بعثة تبشيرية فرنسية برئاسة الدكتور (جان باتيست) وأقامت مراكز تبشيرية في مدن الموصل وحلب والنقاط الواقعة بينهما، وكان (جان باتيست ) يقدم الخدمات الطبية أيضاً حيث استفاد من ذلك في فتح مركز تبشيري في (آمد)، فبينما كان يسير على الطريق بين الموصل وحلب استوقفه الكورد وطلبوا منه معالجة باشا هو وأخيه، وعندما نجح في ) (67محمد فريد بك، المصدر السابق، ص 84 ( )68العدل، المصدر السابق، ص.164 )69( E. H. Dance, New Europe and the new world (Sixteenth to eighteenth centuries), London 1956, P. 180 ( )70ال ازريف، جه ند كيبشه يه كي ديموكرافي، ...ص.412
مهمته، كرمه الباشا بالسماح له بفتح مركز تبشيري، ونتيجة لخدماته الكبيرة التي قام بها جان باتيست فقد عينه البابا عام 1668م مدي اًر على جميع المبشرين في الشرق وكان ضمن بعثته الألب (جوستنيان) الذي كا ن يتقن اللغة العربية ويفهم بعض الكوردية حيث ساعده الألرمن للقيام بنشاطه بين الكورد الأليزديين قرب حلب(.)71 (71) Blincoe, Cit. Op, P 24
و -ألمانيا وايطاليا وسويس ار هي الدول الألوروبية الألخرى التي لها مصالح في كوردستان منذ القرن الثامن عشر حيث اهتم الأللمان أيضاً بجمع المعلومات عن الكورد وكوردستان، حيث كتب الكثير من الرحالة والمستشرقون الأللمان عن الألمور المتعلقة بالكورد، وكان هذا الاهتمام يتزايد ضمن سياق زيادة نفوذهم وتوسعهم في الدولة العثمانية فمع بداية القرن التاسع عشر بدأ الاحتكاك المباشر بالخبراء والمسؤولين الأللمان الذين كانوا يشرفون على أجهزة ومؤسسات الدولة العثمانية، وبالشعب الكوردي، ويكفي الإلشارة إلى الخبير العسكري المعروف (هلموت فون مولتكه) (– 1800 1891م) الذي عمل على تنظيم الجيش العثماني للفترة من 1839 – 1834م واضطر إلى خوض المعارك ضد الكورد كمفتش في جيش العثماني و(حافظ باشا) القائد العثماني وقد نقل صو اًر حية عن معاناة الشعب الكوردي في ظل الحكم العثماني(.)72 من جانب أخر فإن الإلرساليات التبشيرية الإليطالية كانت هي الألخرى تعمل بجد ونشاط إليجاد نفوذ لها حيث كانت تجلب الألطباء معها، وكانوا يقيمون عن طريق الخدمات الطبية التي يقدمونها والعالقات مع الزعماء الكورد، وهكذا كانت الإلرسالية التبشيرية الإليطالية في الموصل والتي تأسست عام 1750م، وكان يتقدم الإلرسالية طبيبان مبشران هما (فرنسيسكو تورياتي ودومينكو كوديلنشيني) حيث قام الألول بتقديم خدماته ألحد أقرباء حاكم ئاميدي عام 1753م، وزاد نشاطهم بين النساطرة في ئاميدي ( )72كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الألولى، ص:29 – 28جه مال نه به ز، كورته ميزويه كي كورنادسي له نه لمانيا، كوفاري زانياري كورد، به ركي،1974،2ص P82, Cit. Op, Lewis:422
بين 1779 – 1759م(.)73وبالرغم من مشاكلهم المالية، إال أنهم استمروا بالعمل حتى عام 1815م حيث غادروا الموصل ولكنهم عادوا عام 1840وكان من أنشط مبشريهم حينذاك الألب (أوغسطين ماركيي)(.)74ومن جانب أخر فإن منظمة (بعثة باسيل) السويسرية قامت هي الألخرى بإرسال بعثة إلى كوردستان عام 1834م مؤلفة من (كريستيان كوتليب هورنل وف.ي.شنايدر) ثم انضم إليهم المبشر (كريستيان فردريك هيس) فقاموا بدراسة اللهجات الكوردية والبدء بمشروع ترجمة الكتاب المقدس(.)75 الدكتور عبد العزيز المفتي
( )73ميريال غاليتي، التراث الكردي في مؤلفات الإليطاليين، ت: يوسف حبي، كوفاري كوري زانياري عيراق (ده سته كورد)، مجلس،8سنة،1981ص.239 ( )74إبراهيم خليل أحمد، النشاطات الطبية، ...ص،258للتفاصيل ينظر: سالمة حسين كاظم، التبشير في العراق، رسالة ماجستير مقدمة لمجلس كلية /الشريعة بغداد،1985، ص.138 – 137 (75) Blincoe, Cit. Op, P37
العودة إلى المقالات