الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
البعد التاريخي للموقع الجغرافي لكوردستان
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
من المعروف أن الأرض تعدّ العنصر الأساس في تكوين الشخصية القومية لأي شعب من الشعوب، فالمكان أو الحيّز الجغرافي يمثل القاعدة التي تقوم عليها نشاطات الأفراد أو الجماعات وفعالياتهم، وما ينجم عن ذلك من وحدة في الأهداف والمصالح والثقافات. من هنا كان الشعور بالانتماء القومي الكوردي في كوردستان موجوداً منذ أقدم العصور، ما دامت الأرض التي يقيمون عليها أرضهم، واللغة لغتهم، والتاريخ تراثهم، وهي بمجموعها تشكل الأركان الفعلية لأية قومية.
لقد سبقت الإشارة إلى أن للموقع الجغرافي للعراق القديم وكوردستان أثره الفاعل، ولا يزال، في كونه حلقة ربط بين دول الشرق ودول الغرب. وكان يومها طريقاً للفاتحين والغزاة، مثلما كان مستقراً للتجار والزوار والسائحين، بحيث ترك بصماته على التكوين القومي والديني لسكانه الكورد. فما من أمة أو جماعة مرت بالعراق وكوردستان إلا واتخذتهما مستقراً لها، وتفاعلت مع أهلهما وأبنائهما، وأضافت إلى حضارتهما خصائص وسمات جديدة، بدءاً من ظهور السومريين والموجات السامية، ومروراً بحملات كورش الفارسي والإسكندر المقدوني، إلى جانب السلوقيين والبارثيين ثم الساسانيين، قبل أن تدفع الفتوحات العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي بموجات متتالية من القبائل والعشائر العربية إلى البلاد، مثلما شهدت موجات مماثلة من الزحف المغولي منذ سقوط الدولة العباسية سنة 1258م، وإلى انتهاء الحكم العثماني للعراق سنة 1918.
ومن الملاحظ أن منطقة الدراسة (العراق القديم وكوردستان) كانت في كل تلك الأحداث قواعد للحكم ومراكز للإدارة والاستقرار؛ فقد اتخذ الفرس بابل عاصمة ثانية لهم، وجعل السلوقيون سلوقية مركزاً لحكمهم، وكانت طيسفون عاصمة للبارثيين، والمدائن عاصمة للساسانيين، وما كادت الفتوحات العربية الإسلامية تستقر حتى انتقلت عاصمتهم إلى الكوفة ثم إلى بغداد.
العراق العربي الجديد وكوردستان الجنوبية
بعد أن ألحقت بريطانيا المنطقة الجغرافية لكوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) بالدولة العراقية العربية الجديدة في 16 كانون الأول/ديسمبر 1925، وهي الدولة التي شكلتها إثر انتصارها مع حلفائها على الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى سنة 1918، أصبحت الدولة العراقية العربية الجديدة تدّعي أن شمال العراق، أي هذا الجزء من كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، جزء من العراق العربي الجديد وجزء من البلاد العربية، وأخذت تضرب الثورات والانتفاضات التي يقوم بها الشعب الكوردي في كوردستان للمطالبة بحقوقه القومية الكوردية المشروعة.
وكلما ازدادت لدى الحكومة العراقية العربية الجديدة النزعة الشوفينية العنصرية القومية العربية، زاد اضطهادها للشعب الكوردي، واشتدت أساليب قمعها للحركة التحررية القومية الكوردية، حتى وصلت إلى استخدام الحكومة العراقية ونظام حزب البعث السلاح الكيميائي الفتاك ضد الأكراد، بالقنابل الكيميائية، وخاصة في مدينة حلبجة في 16 آذار 1988، حيث قتلت خمسة آلاف من سكانها الكورد، وانتشر نبأ هذه الجريمة في أرجاء العالم.
وابتدعت أسلوب قمع آخر مرعباً، غير الأسلحة التقليدية والكيميائية، لم يكن معروفاً سابقاً، وسمّته باسم «الأنفال»، حيث كانت تطارد المدنيين الأكراد في مناطقهم الكوردية والقروية بعشرات الألوف من قوات الجيش العراقي ومن المسلحين المرتزقة من الخونة الأكراد المسمَّين «الجحوش»، الذين كانوا يعملون ضمن القوات المسلحة العراقية لمحاربة شعبهم الكوردي ووطنهم كوردستان. فقبضت على الرجال والنساء والأطفال الأكراد في مناطق سكناهم، وقُدّر عددهم بمئة واثنين وثمانين ألف شخص كوردي، فقتلتهم بأساليب بشعة، ودفنت الكثيرين منهم في خنادق في الصحراء، وخاصة صحراء السماوة، وهم أحياء، دون أن يستنكر العالم العربي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي جرائم النظام السابق وحزب البعث.
واستخدمت الحكومة السابقة بقيادة نظام حزب البعث سياسة التغيير العرقي للشعب الكوردي، وذلك بتعريب المناطق الكوردية بإجلاء الأكراد من ديارهم، وجلب العرب من جنوب العراق ووسطه وإسكانهم في مدنهم وقراهم، بصورة أقوى وأعنف مما كان في عهد الحكومات السابقة، وخاصة في مدينتي كركوك وخانقين وسهولهما، أي كافة السهول الواقعة خلف سلسلة حمرين، وكذلك سهول شرقي نهر دجلة في محافظات أربيل ودهوك والموصل، والسهول في المناطق الكوردية الواقعة غرب دجلة وغرب الموصل، وفي سنجار/شنكال.
وكانت في ذلك تطبّق المواد (7 و8 و10 و11) من دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، على ما ورد نصه في ص305 من كتاب «تاريخ الأحزاب السياسية العراقية» للمؤرخ العراقي الشهير عبد الرزاق الحسني. وتعدّ هذه المواد كوردستان التي تحت السيطرة التركية، وكافة المناطق الكوردية الواقعة في سفوح زاكروس والسفوح الغربية لجبال بشتكوه، جزءاً من الوطن العربي، يُجلى منها السكان الأكراد أو يُعتبرون عرباً. وهذه المناطق زراعية خصبة وغنية بحقول النفط، مثل قره جوغ (في كوردستان الملحقة بديالى) ونفط زمار وكركوك وخانقين، وتقع فيها كثير من المدن الكوردية، مثل مرعش وعينتاب وآديمان وأورفا وديار بكر والحسكة وماردين ونصيبين والجزيرة (جزيرة بهتان/بوتان) وسلوبي وزاخو ودهوك وسنجار، إلى أربيل وكركوك وخانقين ومندلي وبدرة. وهي تكوّن عشر محافظات كوردية، مع أجزاء كوردية تقع في ولاية الإسكندرونة من تركيا، ومحافظتي حلب والرقة من سوريا، ومحافظات الموصل وديالى والكوت من العراق. وهذا نص المواد في دستور حزب البعث:
(المادة 7) الوطن العربي هو هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية، والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكوه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.
(المادة 11) يُجلى عن الوطن العربي كل من دعا أو انضم إلى تكتل عنصري ضد العرب، وكل من هاجر إلى الوطن العربي لغاية استعمارية.
(المادة 8) اللغة الرسمية ولغة المواطنين المعترف بها في الكتابة والتعليم هي اللغة العربية.
(المادة 10) العربي هو من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية.
وتطبيقاً لهذا الدستور الشوفيني باشرت الحكومة السابقة وحزب البعث في العراق بتغيير الواقع القومي والجغرافي للشعب الكوردي في كوردستان العراق، وذلك بتعريب أغنى المناطق الكوردية بإجلاء الأكراد منها وإسكان العرب القادمين من جنوب العراق ووسطه فيها. وقد قدّمت القيادات الكوردية، قبل انتفاضة 1991 وبعدها، عشرات المذكرات والاحتجاجات ضد التعريب إلى المحافل الدولية وإلى الأمم المتحدة أيضاً.
إن ادعاءات الحكومة العراقية بأن كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق/ولاية الموصل سابقاً) جزء من الوطن العربي، وكذلك ما ورد في دستور حزب البعث كما في أعلاه، لا تستند إلى الدلائل التاريخية والجغرافية والواقع القومي للكورد، الذي أكده التاريخ منذ آلاف السنين، وأكده علماء الجغرافيا (البلدانيون) والمؤرخون في أزهى العهود العربية، وهو العهد العباسي نفسه، وكذلك المؤرخون والهيئات الدولية المعاصرة للدولة العراقية الحديثة. فهذا الجزء من كوردستان، وكذا ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى حدود مدينة تكريت، لم يكن جزءاً من العراق القديم والحديث تاريخياً وجغرافياً.
فمثلاً جاء في تقرير لجنة عصبة الأمم الموفدة سنة 1925 إلى ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) لتحري الحقائق عن الولاية (أي كوردستان الجنوبية، ما عدا مدينة الموصل العربية، إلى حد مدينة تكريت)، للبت في مصيرها فيما إذا كانت تُسلَّم إلى تركيا أو تُلحق بالعراق العربي الجديد، ما يلي نصه، على ما ورد في كتاب «مشكلة ولاية الموصل» (ص76–77) للمؤرخ العربي الدكتور فاضل حسين، وكان رحمه الله من عرب مدينة الموصل، منصفاً وأميناً:
«ذكرت الحجة التركية أن ولاية الموصل العثمانية غير داخلة في العراق العربي، ولكنها جزء من الجزيرة الكوردية، وأن اتفاقية سايكس بيكو 1916 فصلت بين ولاية الموصل وولاية بغداد. وفي المطاليب الخاصة بكوردستان، التي قدمها شريف باشا السليماني الكوردي في عام 1919 إلى مؤتمر الصلح في باريس بناءً على طلب الحلفاء، ذُكرت ولاية الموصل (كوردستان العراق ذات الأغلبية الكوردية) منفصلة عن العراق العربي. أما سكان ولاية الموصل فلم يعتبروا أنفسهم يوماً ما جزءاً من العراق (القديم والجديد). ولأجل تأييد وجهة نظرها اقتبست تعريف العراق من دائرة المعارف البريطانية ومن دائرة المعارف الفرنسية الكبرى… ادّعت بريطانيا أنها احتلت جميع ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، وشمل ذلك ولايتي بغداد والبصرة، أثناء الحرب العالمية الأولى، وأطلقت اسم العراق على القطر الذي كان يسمى فيما مضى ميزوبوتاميا… ولايتي البصرة وبغداد».
وجاء في تقرير لجنة عصبة الأمم أيضاً، بعد أن أظهرت اللجنة شكواها من المعلومات الناقصة التي أعطتها كل من تركيا وبريطانيا، ما يلي، على ما ورد في ص78 من «مشكلة ولاية الموصل»:
«ولهذه الغاية راجعت اللجنة المؤرخين والجغرافيين العرب القدماء، وعدداً كبيراً من الخرائط العربية، ومئات الخرائط الأوروبية التي رُسمت بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، وكتب الأسفار لجميع الفترات، والمراجع الجغرافية المدرسية في المدارس الثانوية العربية في مصر، فتوصلت إلى ثلاث مناطق واضحة: العراق العربي، والجزيرة وكوردستان الكورديتان. لا يمتد العراق العربي أبعد من هيت–تكريت، أو منطقة جبل حمرين». وأكدت اللجنة الأممية أنه في جميع الأدبيات الجغرافية، منذ الفتح العربي الإسلامي حتى تاريخ تحقيق اللجنة عام 1925، لم توصف الأراضي الكوردية المتنازع عليها (كوردستان العراق) يوماً، ولم تظهر، «كجزء من العراق العربي الحديث والقديم».
وقالت لجنة تقصي الحقائق الأممية، كما جاء في ص102: «إذا اعتُبرت الحجة العنصرية والقومية عاملاً حاسماً، فيجب إيجاد دولة كوردية مستقلة في كوردستان (ولاية الموصل الكوردية)، وفي هذه الحالة يمكن دمج الأتراك واليزيديين بالأكراد إذا انضموا إليهم، ويؤلف الأكراد حينئذٍ سبعة أثمان السكان. يبلغ عدد الأكراد في الأراضي المتنازع عليها 500.000 في ذلك الوقت، ولكن هذا العدد قليل بالنسبة لنفوس العراق. ويرتبط الأكراد الساكنون شمال الزاب الكبير (كوردستان العراق) مع أكراد هكاري وماردين في كوردستان تركيا، بينما يرتبط الأكراد القاطنون جنوب الزاب الصغير مع أكراد كوردستان إيران».
ورداً على ادعاءات الحكومات العراقية والفكر العنصري الشوفيني، ودفاعاً عن الشعب الكوردي ووطنه كوردستان، فإن هذا الفصل (المحاضرة) يضم بين دفتيه معلومات جغرافية وتاريخية غزيرة على امتداد خمسة آلاف سنة، أي منذ فجر التاريخ، موثقة بعشرات الوثائق والمستندات المختلفة لفترات عديدة من التاريخ، مع ذكر آراء كثير من المؤلفين العرب والأجانب بخصوص حدود كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، وبالنسبة للخصوصية الجغرافية والقومية لهذا الجزء من الوطن الكوردي في عهد الدول العراقية القديمة: الدول السومرية والأكدية والبابلية الأولى والكشية والبابلية الحديثة، وكذا الدول الكوردية التي نشأت في كوردستان، كالدولة الكوتية والدولة الحورية (الميتانية الشرقية)، وكذلك الدولة الآشورية. لقد استندتُ إلى مصادر التاريخ القديم المعتمدة على ما اكتُشف من آثار الإنسان ومخلفاته في العصور الحجرية القديمة والحديثة وعصور ما قبل التاريخ، وعلى الكتابات المسمارية في عهد الدول المذكورة، التي تتضح منها مناطق نفوذها والمناطق التي لم يصل إليها نفوذها، ومن هذا يمكن تحديد حدود جغرافية كوردستان الجنوبية في تلك العهود.
أما في العهد العباسي، الذي بلغ فيه العرب أوج قوتهم، فقد اعتمدتُ في تحديد الحدود على ما كتبه الجغرافيون (البلدانيون) المسلمون من العرب وغير العرب، وعلى خرائطهم بخصوص إقليم العراق العربي وإقليم الجزيرة الكوردية وحدود العرب في العراق، وتلك الخرائط وثائق مهمة جداً. ومن أولئك الجغرافيين: اليعقوبي والبلخي وابن خرداذبه والإصطخري وابن حوقل والمقدسي والهمداني والجيهاني وابن سعيد المغربي والشريف الإدريسي. وكذلك اعتمدتُ على كثير من المصادر التاريخية ومصادر جغرافية العراق الحديث، وعلى كثير من الوثائق العثمانية، وعلى عدد غير قليل من وثائق الدولة العراقية المتعلقة بتعريب كوردستان واضطهاد الشعب الكوردي، مع مجموعة صور أُخذت لمجمعات التعريب ولتخريب حوالي 4500 قرية ومدينة كوردية، ولكارثة مدينة حلبجة، وكذا صور للمقابر الجماعية للأكراد وغيرها.
نشوء اسم العراق ومعناه اللغوي
لم يكن للبلاد التي أُطلق عليها اسم العراق، الممتدة من الأُبُلّة في منطقة عبادان جنوباً حتى ما وراء سامراء أو حتى تكريت شمالاً، اسم معين في عهد حضارات العراق القديمة، من عهد سومر إلى العهد البابلي الحديث، وإنما أُطلقت عليها تعبيرات وأسماء متعددة؛ فقد أُطلق اسم «بلاد سومر» على القسم الجنوبي من العراق، و«بلاد أكد» على القسم الأوسط من العراق القديم، وبعدها اسم «بلاد بابل» في العهد البابلي القديم، واسما «كاردونياش» و«بلاد كشو» في العهد الكشي الكوردي. وكان كل من «دونياش» و«كشو» اسماً لأحد آلهة الكشيين الآريين، من أجداد الأكراد، أما كلمة «كار» فبمعنى المكان والموطن، أي أن اسم «كاردونياش» بمعنى موطن الإله دونياش من الآلهة الآرية الكوردية. وكذلك سمّى العرب العراق «السواد» قبل الإسلام، وبعده بعدة قرون.
أما تعبير «بلاد آشور» فلم يشمل وسط العراق القديم وجنوبه، وإنما أُطلق على المناطق الواقعة شمال سامراء أو تكريت. وكانت منطقة الموصل وسهولها، والمناطق الكوردية مثل بهدينان وسنجار وسهول أربيل وكركوك أيضاً، جزءاً من بلاد سوبارتو الكوردية، وبقي اسم «سوبارتو» حياً إلى العهد الآشوري، لكن الآشوريين استنكفوا من تسمية أنفسهم بالسوباريين، إلا في نصوص مسمارية قليلة، لأن سوبارتو كانت مشهورة ببلاد العبيد، كما قال طه باقر في كتابه «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» (ص473).
أما مصطلح «ميزوبوتاميا» فهو مصطلح إغريقي أُطلق على الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات، ويرادفه مصطلح «بين النهرين» الحديث، وهو الترجمة العربية للمصطلح الإغريقي، وكان يشمل كوردستان تركيا الحالية، لأن دجلة والفرات ينبعان منها. وقد قال عالم الآثار العراقي الأول طه باقر في (ص11–12) من كتابه المذكور أعلاه إن مصطلح «ميزوبوتاميا» الإغريقي ظهر ما بين القرن الرابع والقرن الثاني قبل الميلاد، وشاع استعماله عند الكتّاب الأوروبيين، واستعمله المؤرخ بوليبيوس (202–120 ق.م) والجغرافي سترابو (64 ق.م–19م)، وأُطلق على ذلك الجزء من العراق المحصور بين دجلة والفرات من الشمال إلى حدود بغداد تقريباً جنوباً، أي أنه كان يرادف تقريباً مصطلح «الجزيرة» الكوردية الذي أطلقه البلدانيون العرب على القسم الشمالي من وادي الرافدين.
أما اسم العراق قديماً فقد ظهر في أواخر العهد الساساني، وكان العرب قد «أطلقوا اسم العراق على الأقسام الوسطى والجنوبية مما يسمى العراق الحالي». وكان العراق يمتد إلى العلث، الواقع جنوب شرق سامراء في شرقي دجلة، ماراً بشمال الخالص من أرض الغرفة، أي السهل العظيم الفسيح الذي يمتد من الخالص شمال غرب بعقوبة إلى جبل حمرين.
في أصل كلمة العراق ومعناها
وفي أصل كلمة العراق ومعناها الآراء التالية:
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي، المتوفى سنة 175هـ (791–792م)، وهو من اللغويين الأوائل، وواضع علم العروض وأول قاموس عربي، في قاموسه «كتاب العين» (ج1، ص153): «العراق ساحل البحر على طوله، وبه سُمّي العراق، لأنه على شاطئ دجلة والفرات».
قال ابن خرداذبه، المتوفى حدود سنة 300هـ (912م)، في «المسالك والممالك» (ص5): إن ملوك الفرس كانوا يسمّون السواد (أي وسط العراق وجنوبه) «دل إيرانشهر». وكذلك قال قدامة بن جعفر، المتوفى سنة 320هـ (932م)، في «كتاب الخراج وصنعة الكتابة» (ص234)، وأضاف أن العرب سمّت العراق بهذا الاسم تعريباً لما وجدت الفرس قد سمّته، وهو «إيران»، ومعنى إيران نسبة إلى «إير»، وهم القوم الذين اختارهم إير بن أفريدون، القائد الكوردي الثائر على الطاغية الضحاك (زحاك).
ومن المعلوم أن المقصود بقوم «إير» الآريون، أي أن الساسانيين هم الذين سمّوا البلاد باسم «غيران»، بمعنى الآري أو الآريين، الذي أصبح تعريبه «عراق».
العراق بمعنى الأرض الواطئة، لأنه أسفل من نجد، أي من الأرض المرتفعة، ودنا من البحر، كعراق القِربة، وهو الخرز المثنّى في أسفلها. وقد رُوي هذا الأصل العربي وهذا المعنى للاسم عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، من أئمة اللغة العربية القدامى، المتوفى في البصرة سنة 825م. واتفق معه الأصمعي، من أئمة اللغة والمعاصر لأبي عبيدة، فقد جاء بهذا الخصوص في «كتاب البلدان» (ص161) لابن الفقيه الهمداني ما نصه: «قال أبو عبيدة: سُمّي العراق عراقاً لأنه سَفُل عن نجد ودنا من البحر، كعراق القِربة، وهو الخرز المثنّى الذي في أسفلها، وهو الذي يضعه السقّاء في صدره. وقال الأصمعي: ما دون الرمل عراق».
العراق بمعنى الأرض المستوية، على ما ذكره الرحبي في كتاب «الرتاج» (ج1، ص204).
العراق كلمة بهلوية من «إيرك»، وهي الأرض المنخفضة، على ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية، مادة: العراق.
العراق اسم معرّب من إحدى اللغات الآسيوية، وأصله «إيراه»، أي ساحل البحر، على ما جاء في «دليل الجمهورية العراقية» (ص107)، تأليف الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة ومحمود فهمي درويش، بإشراف وزارة الإرشاد العراقية، وبقرار من مجلس الوزراء سنة 1960.
العراق بلاد الشمس، من «أراكي»، على ما جاء في المادة الثانية من قانون شعار الجمهورية العراقية رقم 57 لسنة 1959، الذي صدر في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، مؤسس النظام الجمهوري في العراق. وعلى هذا يكون اسم العراق قد جاء من اسم المدينة السومرية أوروك (الوركاء)، التي تقع آثارها بقرب مدينة الناصرية في جنوب العراق، ولكن القدماء لم يطلقوا هذا الاسم على البلاد كلها. علماً أن اسم «أوروك» لهذه المدينة يعود إلى لغة قوم سبقوا السومريين في استيطان العراق، أطلق عليهم علماء الآثار اسم «القوم المجهولين»، وكذا «الفراتيين الأوائل»، الذين تعود إلى لغتهم أسماء معظم المدن العراقية القديمة، وكذلك أسماء كثير من الصناعات والحرف القديمة، وحتى اسما دجلة والفرات أيضاً. وقد قدم هؤلاء القوم المجهولون من كوردستان إلى العراق، على ما سنذكره.
لقد كتب الآثاري الراحل الأستاذ طه باقر في (ص7–8) معلومات جيدة بخصوص اسم العراق، فقال إن هناك ثلاثة احتمالات: (1) كون الاسم عربي الأصل، (2) كونه معرباً من أصل فارسي، (3) كونه من لغة القوم المجهولين (القادمين من كوردستان). وقال: ذهب هرتسفيلد إلى أنه من «إيرك» الفارسية التي تعني البلاد السفلى، ويرى المؤرخ أومستد أن أول استعمال لكلمة عراق يعود إلى العهد الكشي، حيث ورد في وثيقة ترقى إلى حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد اسم إقليم «أريقا»، الذي صار، حسب رأي أومستد، أصل الاسم العربي لبلاد بابل. وأضاف أن استعمال مصطلح «عراق» شاع في أواخر العهد الساساني، ما بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين.
ويُعلم مما تقدم كله أن مصطلح العراق لم يُطلق، حتى في معناه اللغوي، إلا على الأراضي الواطئة (بالنسبة لمنطقة كوردستان)، وهي القسم الأوسط والجنوبي من أراضي الدولة العراقية الحالية، ولم يتجاوز في مدلوله الجغرافي بلاد بابل إلى ما وراء سلسلة جبل حمرين، ولم يشمل منطقة الجزيرة الكوردية، التي تقع فيها ولاية الموصل أو مدينتها، والتي تمتد من حدود مدينة تكريت حتى شمال مدينة ديار بكر (آمد). ولم تكن كوردستان الجنوبية (العراق) جزءاً من العراق الحالي تاريخياً وجغرافياً في يوم من الأيام.