الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

البعد التاريخي والجغرافي للوجود الكوردي في محافظة نينوى

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

تحتل محافظة نينوى موقعاً جغرافياً إستراتيجياً غايةً في الأهمية، ليس لكونها حلقة وصل بين محافظات إقليم كوردستان العراق ومحافظات الوسط والجنوب العراقي فحسب، بل لأنها تُعدّ أيضاً الجسر الذي يربط العراق بجارتيه سوريا وتركيا. وهي كذلك من أهم المحافظات في الإنتاج الزراعي والحيواني، وتقوم على بحيرة واسعة من النفط، إلى جانب أهميتها الإثنوغرافية؛ فهي ملتقى للقوميات الكوردية والعربية والتركمانية وللمسيحيين، وموطن لطوائف وأديان شتى. وقد قال عنها قسطنطين زريق(1): «لقد جمع الله على أرضها مزيجاً من الطوائف والشعوب، قد لا تجد له مثيلاً في أية بقعة من بقاع الأرض».

وحين وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، كانت ولاية الموصل، ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية)، المشكلةَ الأكثر خطورة بين الدولة العثمانية والحكومة البريطانية المنتدبة على العراق العربي الجديد. ولا تزال تركيا الحديثة تنظر إلى هذه المنطقة (ولاية الموصل/كوردستان العراق) على أنها جزء من ممتلكاتها العثمانية السابقة، وامتداد جغرافي وتاريخي لها. وبعد تشكيل الدولة العراقية الجديدة في 23 آب 1921، وفي ظل مصالح الحكومة البريطانية في المنطقة، أُلحقت ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية/كوردستان العراق) بهذه الدولة (العراق العربي)، وقُسّمت وفقاً للتشكيلات الإدارية الجديدة إلى ألوية: أربيل، والسليمانية، ودهوك، وكركوك، وأجزاء من ديالى، ولواء الموصل. وكان هذا الأخير يضم يومها أقضية: الموصل، وسنجار/شنكال، ودهوك، وزاخو، والعمادية، وعقرة/ئاكري (انظر الجدول (1))، وهي، باستثناء مدينة الموصل، لا تزال تضم أغلبية كوردية حتى الوقت الحاضر.

إلا أن سياسة التعريب التي نفذتها الحكومات العراقية المتعاقبة على امتداد القرن الماضي أدت إلى تغيّر شامل في التكوين القومي لسكانها لصالح الأقلية العربية. ومن أبرز مشاريع التوطين العربي في المنطقة مشروع الجزيرة غرب مدينة الموصل، الذي بات يمثل جسراً لتعريب مدينة الموصل نفسها، فضلاً عن منطقة الجزيرة الكوردية.

جدول (1): (سنجق) لواء الموصل بحسب التشكيلات الإدارية (أواخر العهد العثماني)(2)

القضاء الناحية
الموصل الشيخان
سنجار تلعفر
دهوك مزوري
زاخو —
عقرة الزيبار
العمادية داودية، برواري بالا، برواري زير، ريكان، نيروه

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أهالي الموصل كانوا كورداً يتكلمون اللغة الكوردية، كما كانوا يعرفون العربية والتركية والفارسية. فقد جاء في كتاب «بلدان الخلافة» للسترنج ما نصه: «إن جلّ أهل الموصل في المئة الرابعة للهجرة (العاشر الميلادي) من الكورد». وأكد لونكريك في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» «أن الموصل كانت العاصمة الصيفية للجزيرة الكوردية وقاعدة كوردستان الوسطى»، وأضاف: «إن منطقة الجزيرة كانت مجمعاً للكورد الجبليين وقلة من البدو العرب، إلا أن السيطرة كانت للكورد، كما كانت تجارة المنتوجات الرعوية بيد التجار الكورد المتوطنين فيها».

من جانب آخر، أفرز التاريخ الحديث للعراق ظاهرة زحف عشائر شمّر العربية إلى منطقة الجزيرة الكوردية، ولا سيما خلال القرن السابع عشر الميلادي. كما ظهرت عشرات المستوطنات العربية في المنطقة الواقعة بين سنجار/شنكال وتلعفر بين عامي 1850 و1918. وتواصلت عمليات توطين العرب بعد إنشاء شبكات النقل واستخراج النفط، إلى جانب ما أقامته السلطات العراقية من مستوطنات للعشائر العربية الرحّالة في الفترة 1918–1942 في المثلث الممتد بين سنجار وتلعفر والحضر.

وفي النصف الثاني من القرن الماضي توسعت عمليات التعريب هذه، إذ أقامت الحكومة العراقية بين عامي 1951 و1965 ما يزيد على (726) قرية وتجمّعاً سكنياً عربياً غرب مدينة الموصل، واستمرت بعد ذلك عمليات توطين العرب في منطقة غرب الموصل على قدم وساق، وبكثافة أعلى.

وفي ضوء ما سبق، شهدت منطقة الجزيرة الكوردية ارتفاعاً غير مسبوق في نسب نمو سكان الأرياف، على خلاف اتجاهات نمو سكان القطاع الريفي في باقي مناطق الموصل. ففي أرياف قضاء البعاج بلغت نسبة نمو السكان (17%) سنوياً، وفي أرياف قضاء الحضر (3.4%) سنوياً، ونحو (2.4%) في أرياف قضاء تلعفر، في حين كانت نسب الزيادة تميل إلى الانخفاض في أرياف الوحدات الإدارية ذات الأغلبية الكوردية في محافظة الموصل.

وبهدف الإسراع في سياسة تغيير الهوية القومية الكوردية لسكان محافظة الموصل، عمدت الحكومة العراقية إلى تغيير شامل في تشكيلاتها الإدارية، إذ جرى:

1- استقطاع الأقضية والنواحي الكوردية من محافظة الموصل، وتشكيل محافظة منها باسم محافظة دهوك سنة 1969، ضمّت أقضية: دهوك، وزاخو، والعمادية، وعقرة.

2- إلحاق قضاء الزيبار الكوردي، الذي يشكل الكورد (100%) من سكانه، بمحافظة أربيل.

3- التوسع في التشكيلات الإدارية في منطقة الجزيرة بعد عمليات التوطين التي أشرنا إليها، ومنها أقضية: الحضر، والبعاج، والشرقاط (انظر الخارطة أدناه).

خارطة محافظة الموصل بعد تحويل اسمها إلى نينوى

خارطة محافظة الموصل بعد تحويل اسمها إلى نينوى

هذا إلى جانب حملات الترحيل والتهجير القسري للكورد التي توسعت بعد اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975، وقد طالت هذه الحملات كافة الوحدات الإدارية ذات الكثافة السكانية الكوردية في كوردستان العراق. ففي قضاء سنجار/شنكال بلغت نسبة القرى التي شملتها حملات الترحيل والتهجير القسري نحو (43%) من مجموع القرى المرحّلة في محافظة الموصل، وتجاوزت (31%) في قضاء الشيخان، كما شملت أقضية تلعفر وعقرة وتلكيف (انظر الجدول (2)).

جدول (2): القرى المرحّلة في محافظة نينوى

القضاء عدد القرى المرحّلة %
سنجار 146 42.8
الشيخان 106 31.1
تلعفر 39 11.4
عقرة 35 10.3
تلكيف 15 4.4
المجموع 341 100

ومن الملاحظ أن لجاناً كانت قد شُكّلت لـ«هدم دور المرحّلين والمهجّرين قسراً للكورد كافة» ونقل سجلات نفوسهم إلى خارج محافظة الموصل، كما ورد في كتاب محافظة نينوى المرقم (1741) في نيسان 1990، والكتاب المرقم (2868) في مايس 1994. وقد حدّد الكتاب الأخير محاور التعريب، ولا سيما محور الموصل–الشيخان، بوصفه «أحد المحاور الأساسية المشمولة بالتعريب وتكثيف التواجد العربي الدائم فيه». كما كشف كتاب المحافظة المرقم (2334) في 24/11/1994، المرسل من قائمقاميات الشيخان وتلكيف ومخمور وناحية فايدة، عن محاور أخرى، مثل محور (مخمور–الموصل) ومحور (مخمور–كَوير–ديبكَه)، فضلاً عن قضاء الشيخان وناحية فايدة التي جرت تهيئتها لتوطين العشائر العربية فيها.

وتأسيساً على ما سبق، كشفت نتائج إحصاءات السكان في العراق عن انخفاض مستمر في حجم السكان الكورد ونسبهم في محافظة نينوى، مقابل ارتفاع في نسب السكان العرب. ورغم ذلك، فإن انهيار النظام السابق في 9 نيسان 2003، ثم انتخابات البرلمان العراقي عام 2005 وانتخابات مجالس المحافظات عام 2009، كشفت عمق جذور الوجود الكوردي في محافظة نينوى، وفشل سياسة التعريب آنفة الذكر فيها، وأظهرت أن الكورد لا يزالون يمثلون نسباً عالية في المناطق الكوردية الممتدة من سنجار/شنكال إلى مخمور.

راجع كتابنا: (ولاية الموصل والحقوق الكوردية فيها).

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) قسطنطين زريق، اليزيدية قديماً وحديثاً، المصدر السابق، ص58.

(2) علي شاكر علي، التشكيلات الإدارية العثمانية، موسوعة الموصل الحضارية، ج4، ص168.