الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
التأثير والسيطرة البريطانية على سياسة العراق 1941–1945م (الجزء الثاني)
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2017
تشويه سمعة الجيش العراقي وتصفية رموزه الوطنية
اتسمت العلاقة بين الجيش العراقي والسفارة البريطانية في بغداد، بعد توقيع اتفاقية الهدنة العراقية البريطانية عام 1941، بشيء من التوتر في بدايتها. وتشير الكثير من الحقائق إلى أن بريطانيا انتهجت، بعد احتلال العراق في نهاية حرب مايس 1941م، سياسة إضعاف اعتزاز العراقيين، ولا سيما العسكريين، بجيشهم وبالحياة العسكرية بشكل عام. فقد ذُكر «أن قادة الجيش البريطاني والعناصر الموالية لهم كانوا يروّجون بين أفراد الجيش العراقي أن قرارات خطيرة قد صدرت بحلّ الجيش العراقي وتسريح ضباطه وأفراده، وأن على هؤلاء أن يعودوا إلى أهلهم وذويهم في مختلف قراهم وبلداتهم. فصدّقت أعداد كبيرة من الجنود تلك الإشاعات وتركت ثكناتها، فيما قامت الجهات العسكرية المسؤولة بسدّ المنافذ المؤدية إلى العاصمة وإذاعة البيانات لتدارك الأمر» (29).
ويذكر الكاتب العسكري محمود الدرة «أن بريطانيا أرادت حلّ الجيش العراقي، لكن جميل المدفعي، الذي شكّل الوزارة بعد انتهاء الحرب العراقية البريطانية 1941، رفض الطلب، كما رفضه من بعده نوري السعيد» (30).
وبدا للرموز الوطنية أن هناك معضلة اسمها حلّ الجيش، إلا أن الخطورة كانت في ردّة الفعل التي قد لا يتخطاها الوصي عبد الإله والسفير البريطاني كورنواليس مرة أخرى. وتقرّر على أثر الإشاعات اتخاذ الإجراءات الكافية للحيلولة دون وقوع أية محاولة انقلابية داخل الجيش مؤيدة للألمان، أو حمل السلاح والتمرد ضد الوجود البريطاني في العراق (31).
ولضمان تلك الإجراءات تقرّر القيام بإعادة تنظيم الجيش العراقي، والتخلص من جميع العناصر الوطنية من الضباط الذين كانت بريطانيا تتهمهم بالنازية، بناءً على التوصيات التي وضعها (مركز المخابرات المشترك) البريطاني في العراق، حين كتب إلى وزارة الخارجية البريطانية بهذا الصدد ما يأتي:
من المشاكل التي نواجهها نحن والوصي عبد الإله اتخاذ القرار بشأن الطريقة المثلى للتعامل مع الجيش العراقي.
بيان الرأي حول الخطوات الواجب اتخاذها إزاء مخاطر احتمال قيام الجيش، في أي وقت، بدعم انقلاب آخر موالٍ للألمان وإسناده، أو حمل السلاح ضدنا مرة أخرى. ويتوجب وضع الضباط الذين يُعتمد عليهم في جميع القيادات العليا، ولا يمكن أن نحصل على مثل هذه الفرصة المواتية مرة أخرى، كما أُبلغ الوصي ألّا يدع هذه الفرصة تفلت من يديه.
قد يكون لديكم رأي في تصفية شاملة وتقليص حجم الجيش تماماً والتخلص من العناصر التي لا نعتمد عليها.
وعبّر كورنواليس عن سروره بأن تطّلع لندن على الآراء والتوصيات، وهو يريد أن يعرف بشكل خاص ما إذا كانت لندن تعتقد بوجود أية إجراءات يمكن اتخاذها لتحويل الجيش إلى قوة قادرة على تنفيذ بعض الواجبات المفيدة لقضيتنا في المستقبل (32).
كان توجّه نوري السعيد منذ أول يوم من توليه الوزارة اتباعَ سياسة (عدم التساهل) مع أولئك الذين تعاونوا أو اشتركوا مع رشيد عالي الكيلاني، ثم تعرّض بعد ذلك لتصفية الجيش العراقي بصورة تكاد تكون كاملة بعد حرب مايس 1941م. وكان البريطانيون يصرّون على (حلّ الجيش العراقي) أو إضعافه، إلا أن نوري السعيد تمكّن من إقناعهم بعدم حلّه والاكتفاء بتصفيته من العناصر الوطنية والمشكوك في ولائها لهم. فأحال عدداً كبيراً من الضباط الشباب على التقاعد، واقتيد بعضهم إلى المعتقلات، وجُرّد الجيش من القيادة الكفوءة وروح القتال والوسائل المادية التي يحتاجها لخوض معارك نظامية مع أي خصم قادم (33).
بلغ عدد المحالين على التقاعد (53) ضابطاً بعد انتهاء حرب مايس 1941م، كما شُرع منذ (9) تشرين الأول 1941م في إحالة آخرين على التقاعد وفق فقرة (عدم الكفاءة) ليصبح عددهم (34). أما المعتقلون الذين أُرسلوا إلى معتقل الفاو، وهو مجموعة من الدور المحاطة بالأسلاك، فكان عددهم (120) معتقلاً (34).
وازداد عدد المعتقلين في الفاو إلى (750) معتقلاً، ولم يتّسع المكان لهم، فنقلتهم السلطات المحلية إلى معتقل العمارة، الذي كان خليطاً من السياسيين والنواب والوزراء والموظفين الكبار، بالإضافة إلى أشخاص متهمين بالسرقة والقتل وجرائم أخرى لم تثبت إدانتهم في المحاكم لنقص الأدلة ضدهم (35). وهكذا تمكّن نوري السعيد منذ تسلّمه الوزارة من إضعاف الجيش العراقي وتقليصه وتحويله إلى قوة أمن داخلية تحمي الحكم من ثورة الشعب، وتحقق للساسة العراقيين الجدد الأمن والهدوء والاستقرار (36). ويشير محمود الدرة، سكرتير مجلس الدفاع الأعلى إبان حرب مايس 1941م، إلى «أن حلّ الجيش قد يكون الثمن الذي أراد أن يقدّمه عبد الإله للبريطانيين مقابل إعادته إلى السلطة».
ويبدو أن القرار الصعب بحلّ الجيش العراقي، الذي أراده الوصي عبد الإله، تمثّل في تحويله إلى مجرد جيش للاستعراض. وشهدت الأشهر التي أعقبت الاحتلال البريطاني الثاني للعراق عمليات تطهير واسعة في صفوف الجيش، عبّر عنها (اللواء إسماعيل نامق)، رئيس أركان الجيش وكالةً، بقوله: «والآن فقد نظّفنا المسدس وزيّتناه»، وكان منها إلغاء إحدى فرقه الأربع (37). وكان عدد أفراد الجيش العراقي العامل في بداية عام 1941م كبيراً (38)، كما يبيّن الجدول الآتي:
أفراد الجيش العراقي العامل في عام 1941م
| ضابط | مراتب (ضابط صف وجندي) | |
|---|---|---|
| الجيش العامل (في الخدمة) | 1745 | 44217 |
| جيش الاحتياط (النفير) | 3027 | 250000 |
| ضباط الشرطة ومراتبها | 1266 | ضابط وضابط صف وشرطي، مسؤولون عن الأمن الداخلي، ومجهزون بالبنادق والرشاشات والسيارات المسلحة |
واستمرت عمليات تقليص الجيش وتطهيره من العناصر الوطنية طيلة السنوات السبع التي أعقبت حركة مايس 1941م، «فقد أُخرج من الجيش، من مجموع ضباطه البالغ (2879)، عددٌ يزيد على 1419 ضابطاً لم يكملوا الخدمة التقاعدية، وجلّهم من الضباط الأحداث، والباقون وعددهم 1460 ضابطاً هم من كانوا يؤلفون العمود الفقري للجيش العراقي» (39).
وفي هذا الإطار أصدر وزير الداخلية في وزارة نوري السعيد (صالح جبر)، بناءً على الصلاحيات المخوّلة له، أوامر القبض على عدد من المفصولين والمحالين على التقاعد من العسكريين والمدنيين، بتهمة الإخلال بالأمن العام أو إقلاق الرأي العام وتشويشه. وقد تضمنت الدفعات الأربع الأولى (خمسة وثلاثين) ضابطاً، إضافة إلى آخرين أودعوا المعتقلات بعد انتهاء مدة سجنهم، منهم الزعيم قاسم مقصود والعقيد سعيد يحيى والمقدم صالح زكي بن محمد الطائي (40). كما أُحيل عدد من الوزراء والقادة والضباط إلى المجلس العرفي العسكري المنعقد في معسكر الرشيد في بغداد (41) لمحاكمتهم، وجاهياً للحاضرين وغيابياً لمن غادر العراق، حتى أصدر في السادس من كانون الثاني 1942م، ذكرى تأسيس الجيش العراقي سنة 1921، أحكامه الغيابية الآتية (42):
الحكم شنقاً على رشيد عالي الكيلاني، وعلي محمود الشيخ علي، ومحمد يونس السبعاوي، والفريق أمين زكي سلمان، والعقيد الركن صلاح الدين الصباغ، والعقيد الركن محمد فهمي سعيد، والعقيد الطيار محمود سلمان. ثم أُبدل حكم الإعدام على أمين زكي سلمان بالأشغال الشاقة المؤبدة.
الحكم على ناجي شوكت والدكتور محمد حسن سلمان بالسجن خمس عشرة سنة.
وسعى نوري السعيد لدى الجهات البريطانية لاستقدام المعتقلين من قادة حركة مايس 1941م من (ساليسبوري) في جنوب إفريقيا، وفي الثاني من نيسان 1942م أُعيدت محاكمتهم، لتصدر الأحكام الوجاهية عليهم يوم الاثنين الرابع من مايس 1942م: بالإعدام على كل من العقيد الركن محمد فهمي سعيد، والعقيد الطيار محمود سلمان، ومحمد يونس السبعاوي، وبالحبس الشديد خمس سنوات على الفريق أمين زكي، وأربع سنوات على علي محمود الشيخ علي (43).
ونفّذ نوري السعيد حكم الإعدام شنقاً بمن صدرت عليهم الأحكام، وهم محمود سلمان ومحمد يونس السبعاوي، فجر يوم الثلاثاء الخامس من مايس 1942م. أما الباقون فقد أُحيلوا إلى المجلس العرفي العسكري. وفي السادس عشر من آب 1944م صدر الحكم بإعدام العقيد الركن كامل شبيب، ونُفّذ فيه الحكم في العشرين من آب 1944م (44)، وحُكم على محمد علي محمود وموسى الشاهبندر بالحبس الشديد خمس سنوات، وعلى الشريف شرف بالحبس ثلاث سنوات. أما العقيد الركن صلاح الدين الصباغ فقد هرب من إيران واستقر في تركيا، وبإشارة من السفارة البريطانية في أنقرة سلّمته السلطات التركية إلى الحكومة العراقية، فنُفّذ فيه حكم الإعدام عام 1945م (45).
كان لإعدام العقداء الأربعة القادة، ومعهم يونس السبعاوي، أثر عميق في نفوس العراقيين، وكان شعب العراق مغلوباً على أمره ينتظر الفرصة المناسبة (46). وأدت تلك السياسة إلى نوع من الانكماش السياسي، وأثارت بعض قطاعات الرأي العام، وحتى بعض الوزراء (47)، مما اضطر نوري السعيد إلى تقديم استقالته في الثالث من تشرين الأول 1942م، إلا أنه أعاد تشكيل وزارته السابعة بعد خمسة أيام من تقديم استقالته، ليقوم بتخفيف الإجراءات التعسفية ضد العناصر القومية وإطلاق سراح مجموعات منهم (48).
أجزاء «التأثير والسيطرة البريطانية على سياسة العراق 1941–1945م» (3 أجزاء):
- الجزء الأول
- الجزء الثاني (هذا الجزء)
- الجزء الثالث