الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

التبعية السياسية للكورد

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2012

إن الوصول إلى الغاية من البحث في التاريخ السياسي للشعب الكوردي لا يتم بسهولة إلا باستعراض هذا التاريخ السياسي قبل الحرب العالمية الأولى، وما تضمنه من أحداث واضطرابات إقليمية ودولية.

عاشت كوردستان حياة منعزلة في تاريخها الطويل، ولم تكن تملك حرية التفاعل مع العالم الخارجي من حولها، كما أنها لم تعرف في تاريخها كله شكل الدولة الكوردية الواحدة، بالرغم من وجود الدولة (الإمبراطورية) الميدية الكوردية المستقلة قبل الميلاد. ولم تنعم كذلك بوطن كوردي موحد، مع أنه كانت هناك دول وإمارات كوردية مستقلة (راجع محاضرة الدول والإمارات الكوردية). لقد شكلت طبيعة كوردستان الجغرافية المعوّق الأساسي في هذا كله، لأن جبالها العالية ووديانها السحيقة وأنهارها الكبيرة حالت دون اتصال المناطق الكوردية بعضها ببعض. وإذا كان هذا الوضع الجغرافي الطبيعي قد نجح في عزل البلاد الكوردية عما حولها فترة طويلة، فإنه لم يستطع أن يمنع المطامع الخارجية ولا الغزوات اللاحقة التي توجهت ضد كوردستان والدول والإمارات الكوردية على مدى تاريخها الطويل؛ وذلك لأن الوضع الجغرافي والسياسي لكوردستان كان سبباً مباشراً لما تعاقب عليها من احتلال واختراق على مدى تاريخها. فقد غزا الأرمن والرومان حدود كوردستان وتوغلوا في بعض أجزائها، ثم لم تلبث كوردستان بمجملها أن خضعت لحكم الآشوريين في القرن الرابع ق.م.

وعندما زالت الإمبراطورية الآشورية على يد الميديين الكورد (الإمبراطورية الميدية الكوردية) بالاشتراك مع البابليين عام 612 ق.م، توزعت أملاك الإمبراطورية الآشورية بين الشركاء الثلاثة:

فقد نالت إمبراطورية بابل سوريا وفلسطين وجنوب بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا).

بينما حصلت الإمبراطورية الميدية الكوردية على الأجزاء المتبقية، وهي القسم الأكبر من كوردستان إيران، وشمال بلاد ما بين النهرين (كوردستان تركيا والعراق الحالية)، وكيليكيا وأرمينيا.

وفي ذلك الوقت كانت كوردستان جزءاً من أرمينيا. ثم قضى كورش الفارسي على الإمبراطورية الميدية الكوردية، وأقام الإمبراطورية الفارسية (الأخمينية) التي حكمت شعوب الشرق الأدنى والشرق الأوسط، بما في ذلك الشعب الكوردي.

واستمر ذلك حتى عام 331 ق.م، حين داهم الإسكندر الأكبر المقدوني هذه الإمبراطورية (الفارسية الأخمينية) وقضى عليها، فأصبحت ضمن إمبراطورية الإسكندر المقدوني، ومن ضمنها أرمينيا وكوردستان.

وبعد وفاة الإسكندر المقدوني عام 323 ق.م عمد قادته إلى قتل زوجته روكسانا الكوردية الأصل، كما قتلوا ابنها، واقتسموا إمبراطورية الإسكندر المقدوني الواسعة فيما بينهم، فكانت كوردستان من نصيب القائد المقدوني سلوقس.

ولم يلبث أوروانت والي أرمينيا أن استقل بهذه المقاطعة وأعلن نفسه ملكاً عليها بما فيها كوردستان، وهي المملكة الكبرى التي امتدت من بلاد ما بين النهرين وشمال سوريا (كوردستان) إلى فينيقيا (لبنان)، إلى أن داهمها الرومان فقضوا عليها واحتلوا أرمينيا نفسها، ثم رحلوا عنها فعادت إلى حدودها القديمة متخليةً عن كوردستان لأهلها الكورد.

واستمر الكورد بعد ذلك يحكمون أنفسهم على شكل إمارات وإقطاعيات كوردية مستقلة طوال القرنين التاليين، حتى عام 226م حين أعلن أردشير الساساني استقلال بلاده (بارثيا / إيران) وقضى على إمبراطورها الأرمني أردوان، وأعلن نفسه ملكاً عليها مؤسساً بذلك الإمبراطورية الساسانية. ثم مدّ رقعة بلاده فاستولى على أرمينيا نفسها وعلى كوردستان، وبذلك عادت كوردستان إلى حكم الجار الفارسي من جديد واعتنقت ديانته الزرادشتية.

وقد تميزت العلاقات الكوردية الفارسية في تلك الفترة بالقوة، إذ تمتع الكورد باستقلال نسبي في إدارة شؤونهم الذاتية في مناطقهم الكوردستانية، وبلغ التآلف بين الفرس والكورد حدّ أنهما صارا كشعب واحد. واستمر الشعبان على ذلك حتى سقوط الإمبراطورية الساسانية أمام الفتح العربي الإسلامي عام 640م في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

الإمارات الكوردية المستقلة

وفي الفترة ما بين القرنين السابع والرابع عشر الميلاديين شهدت كوردستان عدداً من الإمارات الكوردية المستقلة (راجع محاضرة الدول والإمارات الكوردية)، أشهرها: الأسرة السالارية في أذربيجان (300–420هـ)، والأسرة الحسنوية في همذان (320–405هـ)، والدولة الدوستكية في كوردستان الشمالية (350–476هـ)، وأسرة بني عيار أو عنّاز (380–510هـ).

وقامت في المنطقة الكوردية الواقعة ما بين الجزيرة ودرسيم الكورديتين تسع إمارات كوردية مستقلة استمرت فترة طويلة من الزمن، وهي: إمارة الجزيرة، وخيزان، وبدليس، وشيروان، وصاصون، والسويدية، والبازوكية، ومردة سي، ودرسيم.

كما تعرضت كوردستان للغزوات الإسلامية الشرقية، فاستولى عليها السلاجقة الأتراك. ثم جابه الكورد بعد ذلك الغزو المغولي، وفي القرن الثالث عشر خاض الكورد معركتهم الحاسمة ضد تيمورلنك عام 1400م قرب العمادية (كوردستان العراق)، فأوقفوا زحف المغول.

وقد عادت فارس بعد ثمانية قرون من الفتح العربي الإسلامي لتصبح دولة فارسية مستقلة على يد الصفويين على مدى مئتين وخمسين عاماً (1501–1723م). وقد اتخذ الصفويون هذا الاسم نسبةً إلى جدهم صفي الدين، وهو من متصوفة الشيعة، وقد ادّعى أنه ينتسب إلى الإمام علي (رضي الله عنه)، ولأنه كان تقياً ورعاً التفّ حوله الناس.

وقد استولى الصفويون على الحكم في فترة اتسمت فيها فارس بالضعف. وقام مؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الأول الصفوي (1501–1524م) بسلسلة من الحروب المتوالية لإخضاع الدويلات العديدة التي قامت إثر غزو المغول بقيادة تيمورلنك، كما قضى على دويلات التركمان. وأصبح إسماعيل الصفوي سيد فارس بلا منازع، واختار مدينة تبريز عاصمةً للمملكة الفارسية، وأعلن نفسه شاهاً، وهو لقب ملوك فارس (أي ملك الملوك).

كان دين الدولة الرسمي في فارس (إيران) هو الإسلام على المذهب السني، ولكن المذهب الشيعي انتشر منذ أن تسلّم إسماعيل الصفوي الحكم فيها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت فارس (إيران) شيعية. ثم أخذ إسماعيل الصفوي يوسّع ملكه حتى بلغ جيحون والخليج، ومن أفغانستان إلى الفرات، ولم يبقَ أمامه منافس سوى الأتراك العثمانيين.

ولا أساس لما يتردد في كثير من المراجع الحديثة من أن الشاب إسماعيل الصفوي أقام دولة قومية في إيران مدفوعاً بدافع وطني، فالحديث عن دولة قومية في تلك الفترة أمر سابق لأوانه. ويؤكد المؤرخ الإيراني نصر الله فلسفي أن الذي دفع الشاه إسماعيل الصفوي وأتباعه إلى السيطرة على إيران وإقامة الدولة الصفوية لم يكن الشعور الوطني (القومي الفارسي) والرغبة في إحياء قوة إيران، بل كونه حفيد حسن الطويل (آق قوينلو) من ناحية والدته، ومن ثم عدّ نفسه الوارث الحقيقي لتلك الأسرة التركية.

إن إسماعيل الصفوي كان بلا شك فارسياً أصولياً، غلبت عليه النزعة القومية الفارسية المتطرفة في تأويلها المتعصب، فأعاد إلى بلاده فارس هويتها التاريخية متخطياً جميع التطورات المتعاقبة بعد الإسلام، ومعيداً تاريخ الأكاسرة الأوائل، وجعل لها هوية إسلامية متميزة (شيعية).

وفي أعقاب هذه التغيرات لم تنقطع الصراعات المذهبية، إذ هاجمت الدولة الصفوية كوردستان والعراق السنّيين، واستولت على بغداد والعتبات المقدسة في العراق (النجف وكربلاء)، بعد أن جعلت من الأحلام والمطامع المذهبية (الشيعية) سياسة ثابتة يتوارثها حكام فارس (إيران) ويستخدمونها لغايات سياسية أبعد، حتى اندمج المذهب الشيعي بالقومية الفارسية في فارس (إيران). وقد أدت هذه الخطوات بلا شك دورها في تحريك مشاعر أهل السنة على امتداد أرضهم، بمن فيهم العرب والكورد.

وفي الوقت نفسه أدى ظهور العثمانيين (السنّة) على مسرح التاريخ بموازاة ذلك إلى أن يتبوأ العثمانيون دوراً حاسماً في المستقبل السياسي للعالم الإسلامي، إذ لم تكن هناك قوة فعالة يمكنها الوقوف في وجه فارس (إيران) ومواجهة توسعها المذهبي (الشيعي) الذي بدأ يعبث بأوضاع المنطقة. فالعراق لم يكن في تاريخه كله أعجمياً (فارسياً)، ولم يكن معظم سكانه شيعة، بل كانوا عرباً، وأقصد (العراق العربي) لا (عراق العجم) أي كوردستان العراق الكوردية، وكان فيهم السنة والشيعة.

استولى السلطان العثماني سليمان القانوني على بغداد عام 1534م، وكان السلطان سليم الأول (ياووز سليم) قد بدأ زحفه معلناً أن احتلال فارس (إيران) للعراق وكوردستان وأرمينيا منذ عام 1508م هو خرق لحدود الدولة العثمانية، أي قبل تحرك السلطان سليم الأول بنحو ست سنوات.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1514 و1850م لم يثبت الكورد على حال واحدة في علاقتهم مع الدولتين العثمانية والفارسية، فكان عدد من الأمراء الكورد يستعينون بالفرس إذا اصطدموا بالعثمانيين، وبالعكس.

وكان الشاه الفارسي يتحين الفرصة في كل الأوقات للعودة إلى العراق، وقد واتته الفرصة عام 1623م، فأصبح الشغل الشاغل للسلطان العثماني استعادة العراق، إلى أن تمكن السلطان العثماني مراد الرابع من استعادته عام 1638م مستعيناً بالمقاتلين الكورد الشجعان لتحقيق غايته. ونتيجة لهذه الحروب عُقدت معاهدة ثنائية فارسية عثمانية عُرفت باسم معاهدة زهاب عام 1639م، وبموجب أحكامها قُسّمت كوردستان لأول مرة في تاريخها، وما زالت مقسمة حتى اليوم، وكانت قد سبقتها إلى ذلك حرب جالديران عام 1514م. وأصبح الشعب الكوردي يعيش بموجبها في حالتين وتحت سلطتين: حالة فارسية وأخرى عثمانية، كما يلي:

  1. أصبحت أراضي كوردستان إيران (كلهر والكلهور) وأردلان بكاملها خاضعة لفارس (إيران).

  2. انقسمت أراضي عشائر المكري الكوردية على الحدود الجديدة إلى قسمين، وبقيت بلاد شهرزور (منطقة السليمانية) تابعة للعثمانيين. بينما تأجل البتّ في وضع المناطق الكوردية الأخرى الواقعة إلى شرقها، مثل سقز وزهاب ودرنه وجنوب كرمنشاه، إذ اتُّفق على ترك تسوية وضعها لاتفاقية مقبلة.

  3. بقيت بقية المناطق التي تقع إلى جوار هذه الأراضي على وضعها الإداري السابق، وأصبحت مدينة الموصل العربية وما حولها باشوية، وكذلك منطقة شهرزور الكوردية، واستقلتا عن باشوية بغداد، بينما حافظت بقية الإمارات الكوردية المستقلة على حالتها السابقة.

ولكن وقع حادث لم يكن في الحسبان، ألا وهو غزو الأفغان لفارس (إيران) عام 1722م واحتلالها، فأُلغيت بطبيعة الحال الاتفاقية السابقة (معاهدة زهاب 1639م) بين العثمانيين والإيرانيين (الفرس).

واستطاع العثمانيون الاستيلاء على إمارة أردلان الكوردية التابعة لفارس (إيران)، وواصلوا تدخلهم شرقاً فاحتلوا أصفهان، مما استوجب تسوية سريعة بين العثمانيين والأفغان.

فعُقدت معاهدة للصلح بين العثمانيين والأفغان عام 1728م، أصبحت بموجبها الأقسام الكوردية الغربية من فارس (كوردستان إيران) تابعة للسلطة العثمانية.

واستمرت هذه الأوضاع حتى اعتلى عرش فارس (إيران) نادر شاه، وهو القائد العسكري الذي استطاع طرد الأفغان، وحاول استعادة الأراضي الفارسية الكوردية من العثمانيين، ولكنه فشل في ذلك. إلا أن العثمانيين أعادوها عام 1731م، مفضّلين إبقاء كوردستان مقسمة بين دولتين على أن تظل موحدة في ظل إحداهما، وبذلك أُحييت معاهدة زهاب 1639م.

وعندما بسط العثمانيون نفوذهم على المناطق الكوردية في كوردستان العراق، عوملت العشائر الكوردية معاملة حسنة، ولا سيما العشائر الموجودة على الحدود بين كوردستان العراق وفارس (إيران).

وقد حاول ولاة العراق أن يحسّنوا علاقاتهم بالأغوات والخانات الكورد في كوردستان، ولكن النزاعات العائلية والعشائرية الكوردية كثيراً ما أدت إلى انقسام أفراد العائلة الكوردية الواحدة، وقام الفرس (إيران) بتسفير بعضهم إلى فارس والبعض الآخر إلى إسطنبول، مما خلق الكثير من المشاكل للولاة والحكام. يضاف إلى ذلك أن معاهدة زهاب 1639م تركت بعض المناطق الكوردية على الحدود دون تحديد واضح، فضلاً عن طبيعة كوردستان الجبلية المنيعة، والأطماع الفارسية (الإيرانية) في كوردستان العراق.

ومن الطبيعي أن تكون مشاركة الكورد مع هذا الجانب أو ذاك من العوامل الداخلية الانقسامية التي أثرت في مستقبل كوردستان، وقد كانت لها نتائج وتأثيرات سلبية على أوضاع الكورد وكيانهم من عدة نواحٍ، أهمها ما يلي:

  1. زيادة تفتيت كوردستان جغرافياً إلى إمارات وإقطاعيات كوردية تتقاتل فيما بينها، وتنمو فيها الشخصية القبلية والحسّ العشائري على حساب الشخصية القومية الكوردية والمشاعر الوطنية الكوردية.

  2. تقوية نظام الإقطاع تبعاً لما كان مطبقاً من نظم إقطاعية أوتوقراطية في الدولتين الغاصبتين الحاكمتين (الفارسية والعثمانية)، وتكريس الواقع الاقتصادي الرعوي المتطابق مع حالة الانكماش والعزلة وأشكال التخلف القديمة.

  3. توزّع ولاء الشعب الكوردي، وإضعاف الإحساس العام لديه بضرورة تحقيق وحدته القومية الكوردية، ومن ثم تلقّيه هذا الواقع المشوّه بشكل قدري كما لو كان هو أصل الأشياء.

  4. تعطيل القابلية الفكرية والعقلية، وشلّ إمكانية خلق ثقافة وطنية قومية تفتح أمام الكورد فرص الاطلاع على واقعهم المتخلف، واستنباط الوسائل والحلول الحاسمة للخلاص منه، وإفراز صفوة قيادية كوردية تتولى استنهاض القدرات الكامنة لهذا الشعب الكوردي العريق الأصيل، وقيادة خطاه إلى الأحسن والأفضل.

ويُلاحظ أن السيطرة العثمانية على المناطق الكوردية من كوردستان كانت غير مستقرة، ففي منطقتي العمادية والجزيرة لم يتمكن العثمانيون من فرض سيطرتهم الكلية، وبقيتا محافظتين على استقلال غير تام.

أما القرن السابع عشر فقد شهد رسوخ الحكم العثماني في كوردستان، ومنذ القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت الإمارات الكوردية المستقلة قد اتسعت كثيراً وشمل نفوذها مناطق شاسعة من كوردستان.

وفي منتصف القرن التاسع عشر شرعت الحكومة العثمانية في اتباع سياسة جديدة لبسط نفوذها على كوردستان، فقد وجدت أن مصادر القلق والانفصال تكمن في قوة رؤساء العشائر الكوردية الذين يجمعون إلى سلطتهم الكبيرة وفرةً في السلاح، وكان لهؤلاء الرؤساء الكورد نفوذ كبير على قبائلهم. ومن هنا بدأ الحكام العثمانيون اتباع سياسة جديدة مع هؤلاء الرؤساء الكورد، وهي استخدام أحدهم لإضعاف الآخر، ووضع الآخر في قبضة يدهم، وشراء الثالث بالمال حتى يلين.

وبهذه السياسة (فرّق تسُد) تمكن العثمانيون من إضعاف العصبيات والعشائر الكوردية الكبيرة، مثل آل بابان في السليمانية والبهدينانيين في العمادية، وبسطوا نفوذهم على كوردستان بعد أن عجز الجيش العثماني عن تحقيق ذلك، لأن انتصاره كان يبقى مؤقتاً في المناطق الجبلية الوعرة القاسية المناخ في كوردستان. وقد اتبع العثمانيون أسلوباً آخر لتوحيد حكمهم في كوردستان، ألا وهو تشجيع الزعامات الدينية الكوردية على حساب رؤساء العشائر الكوردية، إذ أمدّوهم بالمال والنفوذ.

وقد بدأ البرزنجيون في السليمانية ينافسون آل بابان، وتمكنوا من شراء الأراضي والقرى ونشر نفوذهم الديني، وكان أبرزهم الشيخ سعيد البرزنجي الذي أكثر من شراء الأراضي الواسعة حول مدينة السليمانية، وكسب مودة الشعب الكوردي.

ولجأ الولاة الذين جاؤوا بعد ذلك (1869–1914م) إلى أساليب جديدة لتشجيع العشائر الكوردية على الاستقرار والزراعة.

فقد عرض مدحت باشا والي بغداد اقتراحاً بتفويض الأراضي الأميرية، ووضع لكل صنف منها أثماناً مناسبة تُدفع على شكل أقساط سهلة ولمدة طويلة، وكان الهدف من ذلك تشجيع القبائل الكوردية على الاستقرار. كما كان للإصلاحات التي أراد السلطان العثماني محمود الثاني إدخالها على الإدارة، وفرض المركزية على كوردستان، أثر كبير على الأمراء والأغوات الكورد الذين رفضوا دفع الضرائب وأرادوا حكم مناطقهم من كوردستان بأنفسهم. وعلى الرغم من محاولات الدولة العثمانية فرض سيطرتها على الكورد وكوردستان، فإنها لم تتمكن من ذلك، مما دفعها إلى اتباع سياسة تهجير القبائل الكوردية من مناطق سكناها الأصلية في كوردستان.

ومن الأماكن التي وقع عليها الاختيار لتنفيذ هذه السياسة (التهجير القسري) ليبيا، إذ نُفي إليها الزعماء الكورد وأفراد من قبيلة الهماوند الكوردية، بسبب الثورات الكوردية الدائمة التي كانت تقوم بها تلك القبيلة في وجه العثمانيين. إلا أن مشروع توطين الكورد في ليبيا فشل بسبب عدم اندماج عشيرة الهماوند الكوردية وزعمائها في المجتمع الجديد، ولما هو معروف من تعلق الكورد الشديد بوطنهم وأرضهم في كوردستان التي ترعرعوا فيها.

فرسان الحميدية الكوردية

لم تنقطع انتفاضات الشعب الكوردي ضد الدولة العثمانية طوال القرن التاسع عشر، وقد حاول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني القضاء عليها وعلى ثورات الأرمن، فلجأ إلى تشكيل قوة من الكورد عُرفت بالألايات الحميدية أو السرايا الحميدية.

وكانت هذه الفكرة قد طُبّقت بنجاح في فارس (إيران)، إذ تأثر الفرس بالروس في إنشاء فرق غير نظامية تُسمّى فرسان القوزاق.

وفي سنة 1891م أخذ العثمانيون الفكرة نفسها، وأنشأوا فرقاً غير نظامية من الكورد هي الألايات الحميدية (السرايا الحميدية)، وكان الهدف من تلك الفرق الكوردية إحكام سيطرة العثمانيين على الكورد وكوردستان أولاً، وضرب التجمعات الأرمنية والآثورية إذا فكرت في العصيان ثانياً. وقد شهدت الفترة التي كان الكورد فيها عماد الفرق الحميدية زيادة ضغط العثمانيين على الكورد أنفسهم، وكبت كل حركة وطنية كوردية بينهم.

لقد أصبحت الألايات الحميدية (السرايا الحميدية) سوط عذاب على كل خارج على النظام وعلى حكم الدولة العثمانية.

المشروطة (الدستور)

وعندما أُعلنت المشروطة (الدستور) العثمانية عبّر الكورد عن سعادتهم، معتقدين أنها ستجعلهم أحراراً في دفع الضرائب، وستحقق لهم المساواة مع بقية عناصر الدولة العثمانية. إلا أن الاضطرابات الكوردية في كوردستان العراق بدأت تزداد بسبب أعمال الاتحاديين الجائرة (جمعية الاتحاد والترقي التركية)، الذين بدأوا تطبيق المركزية العثمانية في الحكم على المناطق الكوردية من كوردستان، ولجأوا إلى سياسة التتريك ودمج الكورد بالعنصر التركي.

ومما زاد الموقف سوءاً ضعف القوة العسكرية العثمانية التركية في بغداد ونقصها، إضافةً إلى القلاقل على الحدود الفارسية (الإيرانية) بسبب حركات وثورات وانتفاضات كوردية امتدت من 1911 إلى 1913م.

أشهر الثورات الكوردية

من أشهر هذه الثورات ثورة سالار الدولة، وهو من الأسرة الحاكمة في إيران. وقد شاركت في هذه الثورة بعض القبائل الكوردية القاطنة على جانبي الحدود بين كوردستان العراق وكوردستان فارس (إيران). ولم يكن سالار الدولة كوردياً، بل كان ابن عم شاه فارس (إيران)، ولكنه قام بتحركه في كوردستان وحاول كسب العشائر الكوردية إلى جانبه ضد الحكومة المركزية الفارسية، وسانده بعض الكورد نكايةً بحكم الشاه، لا اقتناعاً بحركة سالار الدولة الذي كان يهدف إلى الوصول إلى حكم البلاد (فارس / إيران).

وهناك حادثان كان لهما تأثير كبير على الكورد في تلك الفترة: الأول مقتل الشيخ سعيد البرزنجي، والد الشيخ محمود الحفيد، في الموصل، والثاني إعدام الشيخ عبد السلام البارزاني في الموصل أيضاً. أما الأول فهو الزعيم الديني والسياسي لكورد السليمانية، ولمقتله أهمية كبيرة بسبب خطورة الشيخ سعيد البرزنجي ومكانته، إذ انشغل الناس والحكومة بهذا الحادث لما له من ملابسات سياسية وقومية، وبلغ من أهميته أن الناس في الموصل صاروا يؤرخون الأحداث والولادات التي تلته بذلك الحدث.

وقد قُتل الشيخ سعيد البرزنجي في مدينة الموصل في 5 كانون الثاني 1909، مما أدى إلى انقطاع الصلات التجارية والسفر بين الموصل والسليمانية مدة طويلة، نتيجة ما تولّد من العداوة والبغضاء بين سكان المدينتين (الموصل والسليمانية).

ويبدو أن السبب الرئيسي في مقتله رغبة رجال جمعية الاتحاد والترقي التركية في التخلص من النفوذ الكبير للشيخ سعيد البرزنجي، وكذلك علاقته الوطيدة بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي كان الشيخ سعيد البرزنجي على اتصال دائم به بعد عزله.

وبعد مقتل الشيخ سعيد البرزنجي ثارت العشائر الكوردية في السليمانية، وبخاصة قبائل الهماوند، مما اضطر الحكومة العثمانية إلى التدخل بحزم لإيقاف الفوضى السائدة في الموصل وكذلك في السليمانية.

أما الحادث الثاني فهو إعدام الشيخ عبد السلام البارزاني في آب 1914م. والشيخ عبد السلام البارزاني هو شيخ عشيرة بارزان وزعيمها في كوردستان العراق، وتضم عشيرة بارزان قبائل كوردية عديدة من أهمها: شيرواني، ومزوري، وهركي، وبرواري. وقد أدى البارزانيون في هذه الفترة دوراً كبيراً في مهاجمة القوات العثمانية التي كانت تُرسل ضدهم.

وبقيت الحال على هذا الوضع حتى وصل الوالي سليمان نظيف إلى ولاية الموصل عام 1912م، فكان شغله الشاغل القضاء على ثورة البارزانيين الكوردية، واستطاع الانتصار عليهم واحتل القرى البارزانية.

وعندئذٍ لجأ الشيخ عبد السلام البارزاني إلى كوردستان فارس، ولكنه وقع بعد ذلك في الأسر وأُرسل إلى الموصل حيث حوكم، وحُكم عليه بالإعدام شنقاً هو وثلاثة من أعوانه، ونُفّذ الإعدام في كانون الأول (ديسمبر) 1914م.

الحرب العالمية الأولى

وفي عام 1914 قامت الحرب العالمية الأولى، واشترك فيها الكورد ولم تكن لهم فيها مصلحة، إذ لم تكن لهم دولة كوردية مستقلة خاصة بهم يدافعون عنها، ولا مصالح قومية كوردية تحتّم عليهم الدخول في الحرب أو أن يكونوا طرفاً في النزاع.

وبالرغم من ذلك وجد الكورد أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب إلى الاشتراك في القتال على الجبهتين القوقازية والعراقية، فقد انضموا إلى جانب تركيا في الحرب، وتمكن الأتراك من توجيههم لقتال الآثوريين والأرمن الذين تحالفوا مع الحلفاء. وقد أصيب الكورد بخسائر فادحة، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي اشتركت في الحرب وتورطت فيها، ولكنهم أثبتوا أنهم مفيدون للعثمانيين الأتراك في أداء المهمات التي كُلّفوا بها، ولم يردّ العثمانيون الأتراك لهم المعروف.

وعلينا أن نتسلح بالعلم والمعرفة، دون أن ننسى أن للكورد تاريخاً يليق بهم أن يكونوا معه أمة كوردية بين الأمم.