ينشغل العراقيون اليوم بموضوع التعداد السكاني القادم بدرجة لا تقل عن اهتمامهم بمستقبل العملية السياسية في البلاد. فالتعداد بالمفهوم العلمي هو: «حصر المعلومات والبيانات الديموغرافية للمجتمع المعني وتسجيلها»، وقد توسّع هذا المفهوم في العقود الأخيرة ليشمل «تسجيل كافة الموارد البشرية في منطقة معيّنة وفي وقت محدّد».
لذلك تُعدّ مثل هذه العمليات الأساس لوضع أيّ برامج وخطط ذات علاقة بالتطوّر والتنمية القومية، وعلى كافة المستويات: المحلية والإقليمية والقومية.
أما أهداف التعدادات السكانية فقد كانت محصورة في الوصول إلى عدد من المؤشرات الديموغرافية ذات العلاقة المباشرة بجمع الضرائب، أو معرفة الشباب القادرين على العمل، أو المشمولين بالتجنيد العسكري. إلا أن أهداف التعداد قد توسّعت اليوم لتشمل كثيراً من الجوانب الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، ولا سيما ما له علاقة باتجاهات خصوبة الأسرة، وسنّ الزواج، والمستوى التعليمي والصحي، إلى جانب الخصائص الديموغرافية ذات العلاقة بالأسرة، وفي مقدّمتها التكوين القومي واللغوي والديني للسكان.
في ضوء ذلك تتجلّى أهمية التعدادات السكانية التي نالت اهتمام الدول منذ القدم؛ فقد سعى الصينيون والبابليون والمصريون، وكذلك الرومان، إلى معرفة خصائص المجتمعات التي يسيطرون عليها، ليسهل عليهم إدارتها وتنظيم شؤونها والتحكّم بها.
وفي العصر الحديث كانت أمريكا وعدد من الدول الأوروبية في مقدّمة الأقطار التي اهتمّت بتطوير تعدادات سكانها؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية جرى أول تعداد سنة 1790م، وفي بريطانيا وفرنسا سنة 1801م، وفي مصر جرى أول تعداد سنة 1897م، بينما لم تجرِ التعدادات في دول الخليج إلا في فترة متأخّرة: ففي دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1968، وفي دولة قطر سنة 1970.
وفي العراق كانت أول محاولة لتعداد سكانه سنة 1927، لمعرفة حجم السكان وتوزيعهم الجغرافي، لكنها لم يُكتب لها النجاح؛ لحداثة عهد الحكومة الملكية بمثل هذه العمليات من جهة، ولظروف عدم الاستقرار في البلاد من جهة أخرى، كما فشلت المحاولة الثانية سنة 1934. ويُعدّ التعداد العام في العراق سنة 1947، وهو المحاولة الثالثة، أول تعداد يمكن الاعتماد عليه رسمياً؛ إذ وُزّعت استمارة التعداد على الأسر العراقية، وأُعلن يوم التعداد عطلة رسمية. وعلى الرغم من الملاحظات الكثيرة على نتائج تعداد السكان في العراق سنة 1947، فقد نُشرت بياناته في ثلاثة مجلدات: الأول عن الألوية الشمالية، والثاني عن الألوية الوسطى، فيما تناول المجلد الثالث الألوية الجنوبية. بيد أن ظروف عدم الاستقرار التي كانت المنطقة الكوردية تمرّ بها، بسبب تفاعلات حركات بارزان بين 1943 و1947، انعكست سلباً على نتائجه، فجاءت بعيدة عن الواقع الديموغرافي لسكان المنطقة الكوردية.
ولمّا كان العراق يجري تعداداته كل عشر سنوات، فقد كان عام 1957 موعداً لتعداد سكانه، وهو المحاولة الرابعة، وذلك في شهر تشرين الأول 1957، وأصبح هذا الشهر قاعدة لكل التعدادات اللاحقة لملاءمته من حيث المناخ واستقرار السكان، واستفادة الدولة من الطلبة والكادر التدريسي في شؤون التعداد، إضافة إلى مبرّرات ديموغرافية خاصة.
ويُعدّ تعداد السكان لسنة 1957 الأفضل بين جميع تعدادات السكان في العراق، ولا سيما في المنطقة الكوردية التي كانت تنعم آنذاك بالأمن والاستقرار، كما أسهمت الأمم المتحدة في نجاحه. وقد نُشرت بياناته في ثمانية عشر مجلداً بين سنتي 1961 و1963.
وبينما كان مقرّراً إجراء التعداد التالي سنة 1967، دفع سعي العراق إلى الوحدة مع سوريا ومصر الحكومة العراقية إلى تقديمه إلى سنة 1965، وهو المحاولة الخامسة، على الرغم من أن المنطقة الكوردية كانت ساحة لعمليات عسكرية منذ ثورة 11 أيلول سنة 1961. لذلك فشل التعداد في الوصول إلى نتائج واقعية، ولا سيما في كوردستان العراق، وقد نُشرت نتائجه في مجلد واحد فقط سنة 1973.
وفي ضوء اتفاقية 11 آذار سنة 1970 بين القيادة الكوردية والحكومة العراقية تقرّر إجراء تعداد لسكان العراق في السنة نفسها، لترسيم الحدود الإدارية لمنطقة كوردستان العراق، وكانت الظروف مهيّأة تماماً لذلك، إلا أن الحكومة العراقية قرّرت تأجيله إلى إشعار آخر، للحيلولة دون الكشف عن الوزن الديموغرافي للكورد في العراق من جهة، ودون تحديد منطقة كوردستان من جهة أخرى.
وفي سنة 1977 جرى تعداد آخر لسكان العراق، وهو الحالة السادسة، وجنّدت له الحكومة العراقية كل الإمكانات اللازمة لنجاحه، إلا أن الظروف التي كانت تمرّ بها المنطقة الكوردية لم تكن مشجّعة على نجاحه؛ فقد كان لانتكاسة ثورة 11 أيلول الكوردية (1961) وتنفيذ اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 انعكاساتهما في عمليات الترحيل والتهجير الواسعة التي تعرّض لها السكان الكورد، من العائدين ومن الذين هُجّروا من مناطق سكناهم الكوردية إلى محافظات وسط العراق وجنوبه، كما جُمع الآلاف من سكان القرى الكوردية المرحَّلة في معسكرات خاصة بالقرب من المدن الكبيرة أو على امتداد الطرق العامة. لذلك جاءت نتائج التعداد المذكور بعيدة عن الواقع الديموغرافي للسكان.
ومع تصاعد حدّة الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت سنة 1980، حلّ الموعد المقرّر لتعداد السكان سنة 1987، وهو الحالة السابعة. وقد شمل لهيب تلك الحرب كافة المحافظات المجاورة لإيران، ولا سيما منطقة كوردستان العراق، إذ أُحرقت ودُمّرت المئات من القرى والقصبات الكوردية الحدودية، واستعملت الحكومة العراقية كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرّمة دولياً، بهدف إبادة السكان الكورد في المنطقة الكوردية الحدودية، الأمر الذي انعكس على مجريات التعداد المذكور.
وبات من غير العملي الاستفادة منه بأيّ حال من الأحوال، ومع ذلك نُشرت نتائجه على أساس مجلد واحد لكل محافظة، كما حصل بالنسبة لنتائج تعداد السكان لسنة 1977 أيضاً.
وكان عام 1997 موعداً لآخر تعداد سكاني جرى في العراق، وهو المحاولة الثامنة، ولم تشارك فيه المحافظات الكوردية: دهوك وأربيل والسليمانية، وأجزاء من محافظتي ديالى وكركوك، لأنها كانت خارج إدارة الحكومة العراقية.
وتأسيساً على ذلك، فإن التعداد القادم لسكان العراق يمثّل أملاً يراود شعب كوردستان لإثبات وجوده وحجمه ودوره في بناء الدولة العراقية الجديدة وتكوينها، كما ستكون نتائجه حجر الأساس لكافة البرامج والخطط الخاصة بعمليات التنمية التي تجري اليوم في الإقليم، فضلاً عن أن نتائج التعداد القادم ستمهّد الطريق لحلّ كثير من المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وفي مقدّمتها مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها (1).
ومن المتوقّع أن تسعى الحكومات العراقية إلى الحيلولة دون إجراء مثل هذه التعدادات في الوقت الذي ينعم فيه شعب كوردستان بالأمن والاستقرار، لكي لا يُتوصّل إلى معرفة حقيقة الوزن الديموغرافي للكورد في كوردستان العراق، أو إلى تحديد المنطقة الجغرافية الكوردية. وقد فعلتها حكومة حزب البعث حين أجّلت التعداد الذي كان مقرّراً سنة 1970 إلى إشعار آخر، وها هي الحكومات العراقية الجديدة تسعى إلى تأجيل مستمرّ للتعداد القادم للسكان في العراق، الذي كان مقرّراً له قانوناً ودستوراً سنة 2007، متذرّعة بحجج لا ترتقي إلى مستوى أهمية مثل هذه التعدادات وضرورتها.
ولا شك في أن ورقة العمل التي قدّمتها الكتل الكوردستانية في البرلمان العراقي مؤخّراً إلى الكتل الفائزة في انتخابات ربيع عام 2014، متضمّنةً بنداً يتعلّق بضرورة إجراء التعداد السكاني في موعده، إنما تعكس أهمية هذا التعداد لشعب كوردستان وللعملية السياسية في العراق. وربما سيكون التعداد القادم مقياساً يحدّد العلاقات المستقبلية بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.
كوردستان: الواقع
وإذا كانت حدّة المواجهات الكوردية قد تراجعت في تركيا منذ 1996، وخصوصاً بعد انسحاب قوات حزب العمال الكوردستاني نحو إيران وشمال العراق في كانون الأول (ديسمبر) 2001، فإن الأوضاع لم تستقرّ بعد. لكن الكفاح المسلّح توقّف، وتحوّل حزب العمال الكوردستاني إلى «المؤتمر من أجل الحرية والديمقراطية في كوردستان»، وتبع ذلك في آب (أغسطس) 2000 أول اختراق من البرلمان التركي الذي سمح للأكراد بتعلّم لغتهم الكوردية. وفي نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2000 رُفعت حالة الطوارئ في مقاطعتي ديار بكر وشرناخ. في المقابل لا تزال حالة الطوارئ هذه مفروضة عملياً أو قانونياً على شمال غرب إيران وشمال شرق سوريا.
الأكراد: شعب بلا دولة
في غياب جنسية كوردية معترف بها دولياً، يبدو أيّ إحصاء جدّي للأكراد مستحيلاً، إذ تتراوح التقديرات بين 35 و45 مليون نسمة. ومع ذلك فإن الأكراد يشكّلون أحد «الشعوب التاريخية» في الشرق الأوسط، وهو شعب يُنكَر وجوده باستمرار، ويختلف مصيره بين الدول التي تتقاسم كوردستان: تركيا (أكثر من 50 في المئة من الأكراد)، وإيران (حوالي 25 في المئة)، والعراق (أكثر من 20 في المئة)، وسوريا (10 في المئة).
لم ترَ الدولة الكوردية التي نصّت عليها معاهدة سيفر عام 1920 النور، ولا يمارس الشعب الكوردي سيادته على أيّ قطعة أرض في كوردستان. ويبقى الأكراد مبعثرين في منطقة حدودية واسعة مسلّحة إلى أقصى حدّ، تحتشد فيها جيوش دول المنطقة، باستثناء كوردستان العراق الذي كان تحت حماية الطيران الأنكلو-أمريكي.
حكومات متسلّطة
وباستثناء «الدولة الفيدرالية الكوردية» التي تمثّل أمراً واقعاً في كوردستان العراق منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1992، يبدو أن قدر الأكراد هو العيش في ظلّ حكومات تتنكّر لحقوقهم الخاصة (لغتهم معترف بها رسمياً في إيران وليس في تركيا)، كما تتنكّر كذلك للحقوق الأساسية لسائر مواطنيها. وبالرغم من وجود مقاطعة إدارية في إيران تحمل اسم كوردستان، فإنها لا تضمّ كل مناطق سكن الأكراد هناك.
إن مشاركة الأكراد في الحياة السياسية للبلدان ذات الحكومات المتسلّطة أشبه بالتحدّي الدائم، ولا يمكن فصلها عن التوجّه العام لهذه البلدان نحو الديمقراطية. ففي إيران هناك نواب أكراد يقدّمون أنفسهم بهذه الصفة، لكن السجون الإيرانية، كما التركية والسورية، تعجّ بالسجناء السياسيين من الأكراد. وبالرغم من كون المناطق الكوردية مفترقاً استراتيجياً، ورغم مخزونها الزراعي والمنجمي الكبير، فإن اقتصاد كوردستان يعاني من إهمال حكومات الدول، ومن الصعوبات البيروقراطية والبوليسية، وضعف الاستثمارات، وحجم التهريب (النفط والأسلحة والسجائر والمخدرات والعمال غير الشرعيين)، ودور الميليشيات.
ويتميّز الأكراد بدينامية ديموغرافية متواصلة، وقد أُطلقت خطط للتنظيم الأسري من أجل مكافحة ما تسمّيه قيادة الأركان التركية «قنبلة ديموغرافية موقوتة». وتؤدّي هذه الدينامية إلى إعادة تحديد التوازنات المحلية والإقليمية، كما بين السريان والأكراد في جنوب شرق تركيا، بيد أن نسبة وفيات الأطفال لا تزال مرتفعة. إن الأكراد اليوم شعب مبعثر و«متحرّك»؛ فالهجرات الموسمية التقليدية مستمرّة فوق مساحات شاسعة في اتجاه المناطق الزراعية وورش العمل في المدن الكبرى، إضافة إلى أن النزوح من الريف يتزايد، قسراً أو اختياراً، نحو مدن كوردستان، وأكثر فأكثر إلى خارج كوردستان في اتجاه إسطنبول ودمشق وطهران أو بغداد، وحتى إلى خارج الشرق الأوسط.
النزاع في منتصف التسعينات
وقد كبرت ظاهرة «أكراد المنفى» وتنوّعت منذ الثمانينات؛ فإضافة إلى الهجرة الداخلية، وحتى إلى بلدان الانتماء، برزت منذ 1990 هجرة كثيفة نحو الخارج البعيد (هناك اليوم أكثر من مليوني كوردي في أوروبا، كما تدلّ ظاهرة «مراكب المهاجرين غير الشرعيين» على تنامي هذه الهجرة). وفي تركيا والعراق نُظّمت «العودة إلى القرى المهجورة» بعد نزيف الأعوام 1985–1995، لكن الشروط لا تتوافر لنجاح إعادة استثمار المساحات الزراعية المتداعية. وهكذا يتحوّل الأكراد أكثر فأكثر إلى أهل مدن، دائمين أو مؤقّتين، وباتت غالبيتهم تعيش خارج كوردستان.
المصادر
- د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص113-116.