الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحدود القومية للعرب
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
ذكر الجغرافيون (البلدانيون) والرحّالة العرب الذين جابوا البلدان الإسلامية في القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي) وما بعده، في مؤلفاتهم، حدودَ بلاد العرب القومية، ووضعوا لها خرائط. وهي مجموعة من الكتب يوليها علماء العرب ومؤرخوهم، والمؤرخون من غير العرب أيضاً، أهمية كبيرة، وقد توسعت الحركة الجغرافية العربية في القرن المذكور. ونحن نستند إلى تلك المصادر في هذا الموضوع كما استندنا إليها في موضوع حدود العراق وحدود إقليم الجزيرة ذي الأغلبية الكوردية أيضاً، علماً أن أولئك الجغرافيين أطلقوا اسم «صورة» على الخارطة، فقالوا: صورة بلاد العرب، وصورة العراق، وصورة الجزيرة، أي خرائطها.
إن حدود بلاد العرب القومية عند هؤلاء تنتهي من جهة العراق بنهر دجلة. ولنبدأ هنا بالبلخي (أحمد بن سهل المعروف بأبي زيد البلخي) المتوفى عام (322هـ/934م)، وكان عالماً موسوعياً كبيراً قلّ نظيره، من أمثال العالم الكوردي أبي حنيفة (أحمد بن وَنَنْد) الدينوري الذي عاش في القرن التاسع الميلادي. وقد دوّن البلخي معلوماته الجغرافية في كتابه (صور الأقاليم، أي الخرائط) بعد أن جاب البلدان الإسلامية، وله فضل على الجغرافيين الذين أتوا من بعده، إذ استفادوا من معلوماته وساروا على منهجه. وإذا نظرنا إلى خارطته للوطن العربي (صورة ديار العرب) التي أدرجها الدكتور أحمد سوسة في كتابه (العراق في الخوارط القديمة، الخارطة رقم 13)، وهو الكتاب الذي أُخذت منه الخرائط الأخرى أيضاً ما عدا خارطة ابن حوقل، نجد أن بلاد العرب تبدأ من عدن في اليمن الواقعة على البحر العربي، وتنتهي في الشرق بنهر دجلة الذي يقسم مدينتي بغداد وواسط (الكوت) إلى قسمين، ولم يرسم وراءهما مدينة أخرى في العراق.
أما الإصطخري، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الذي ألّف كتابه سنة (340هـ/951م)، فقال في التحديد الجغرافي للبلاد العربية في كتابه (المسالك والممالك، ص12–15) ما يلي:
«وديار العرب هي الحجاز الذي يشمل مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، ونجد، والحجاز المتصل بأرض البحرين، وبادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام، واليمن، ومهرة، وحضرموت. وما كان من حد اليمامة إلى قرب المدينة راجعاً على بادية مدينة البصرة حتى تمتد على البحرين إلى البحر فمن نجد، وما كان من حد عبادان إلى الأنبار فمن بادية العراق، وما كان من حد الأنبار إلى بالس فمن بادية الجزيرة».
علماً أنه لم يُدخل بلاد الجزيرة (ذات الأغلبية الكوردية) ضمن العراق. وإذا نظرنا إلى خارطة الإصطخري لديار العرب، أي لبلاد العرب، نجد أنها تمتد من عدن إلى نهر دجلة، إذ إن مدينتي بغداد وواسط مرسومتان وليس وراءهما مدينة أخرى.
وقد حدّد ابن حَوْقَل (محمد بن علي النصيبي) البغدادي، الذي هو في الأصل من مدينة نصيبين الكوردية التابعة الآن لولاية ماردين، بلادَ العرب (ديار العرب) في كتابه (صورة الأرض، ص27) الذي فرغ من تأليفه سنة (372هـ/982م)، بما يلي:
«يحيط به بحر فارس من عبادان، وهو مصب نهر دجلة في البحر، فيمتد على البحرين حتى ينتهي إلى عُمان، ثم يعطف على سواحل مهرة وحضرموت وعدن حتى ينتهي على سواحل اليمن إلى جدة، ثم يمتد على الجار ومدين حتى ينتهي إلى أيلة، ثم يمتد عن أيلة على مدائن قوم لوط والبحيرة الميتة (البحر الميت) إلى الشراة والبلقاء، وهو من عمل فلسطين، وأَذْرِعات وحوران والبثنية وغوطة دمشق ونواحي بعلبك، وهي من عمل دمشق، وتدمر وسلمية إلى الخناصرة وبالس، وهما من عمل قنسرين، وقد انتهى الحد إلى نهر الفرات. ثم يمتد نهر الفرات على ديار العرب حتى ينتهي إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة والدالية وعانة والحديثة وهيت والأنبار إلى الكوفة، ومن الأنبار إلى عبادان، فهذا حد العراق».
وهكذا نرى أن ابن حوقل لم يُدخل بلاد الجزيرة ضمن بلاد العرب، وقال ما نصه: «ولم أرَ أحداً عزا الجزيرة إلى ديار العرب، لأن نزولهم بها وهي ديار لفارس والروم في أضعاف قرى معمورة ومدن لها أعمال عريضة، فنزلوا على خفارة فارس والروم». أما خارطته التي وضعها لبلاد العرب فهي مطابقة لخارطتي البلخي والإصطخري في حدودها الشرقية، وهي نهر دجلة ومدينتا بغداد وواسط (الكوت)، وفي أسفل بغداد بلدة (كلواذى) الواقعة شرق نهر دجلة، ولم يرسم وراءها مدينة أخرى، كما تظهر في كتابه (صورة الأرض).
أما المقدسي (محمد بن أحمد بن أبي بكر، الذي فرغ من تأليف كتابه سنة 375هـ/985م)، وهو من أشهر الجغرافيين العرب، فلم يكتب حدود بلاد العرب في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) بتعريف محدد قصير كما فعل الإصطخري وابن حوقل، بل قسّم البلاد إلى أقاليم، ثم كتب حدود كل إقليم بمفرده، ومنها إقليم العراق، وقد ذكرنا ما كتبه بخصوص حدوده الجغرافية. وقد وضع المقدسي خارطة لبلاد العرب.
أما ابن سعيد المغربي (نور الدين أبو الحسن علي بن الوزير أبي عمران موسى بن سعيد الغرناطي الأندلسي، المتوفى سنة 685هـ/1286م)، فإن حدود بلاد العرب في العراق تنتهي عنده أيضاً بنهر دجلة.
هكذا يتضح من معلومات الجغرافيين العرب والمسلمين، ومعظمهم من القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي)، ومن خرائطهم الوثائقية، أن الحدود القومية للعرب في إقليم العراق، مركز الخلافة العباسية، لم تتجاوز نهر دجلة والضواحي الشرقية لمدينتي بغداد وواسط، أي مدينة الكوت الحالية. وأقل ما يقال إن العرب آنذاك لم يصلوا من حيث الاستيطان إلى شرقي نهر دجلة، فضلاً عن خط سلسلة حمرين، ومن ثَمّ خط نهر دجلة في محافظة الموصل الحالية، ولم يعبروهما إلى المناطق الكوردية الواقعة خلفهما مثل خانقين وكفري وكركوك وأربيل وبهدينان، ولم يتوطنوا فيها. حتى إنه لا يوجد في هذه المناطق في الوقت الحالي سوى قسم قليل من العرب، إذا استثنينا العرب الذين جاء بهم نظام البعث من أواسط العراق وجنوبه وأسكنهم فيها، ولا سيما في مدينة كركوك ومناطقها، وذلك بعد إخراج الأكراد من قراهم وأراضيهم، جزءاً من خطته الواسعة لتعريب كوردستان، على ما سنذكره مفصلاً لاحقاً.
ويُستثنى من ذلك أيضاً عبور بعض العشائر العربية أحياناً في مواسم الصيف، ولا سيما في سنوات الجفاف، خطَّ سلسلة جبل حمرين ونهر دجلة طلباً للرعي والكلأ لمواشيهم، كعرب بني شيبان، وذلك بإذنٍ في الأغلب من رؤساء المناطق الكوردية كما جرت العادة. ومثال ذلك ما حدث سنة (2000) أو (2001)، وكانت سنة جفاف بسبب قلة الأمطار، إذ سمح الأكراد، ولا سيما الإدارة الكوردية التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني، لكثير من أصحاب المواشي العرب أن يقدموا بمواشيهم إلى المناطق الكوردية المحررة الخارجة عن سلطة الحكومة العراقية، إشفاقاً بهم وبمواشيهم. وقد وجدنا بعضاً منهم باقين إلى الآن في كوردستان، ولم يرجعوا إلى مناطقهم العربية فيما وراء الموصل وفي أواسط العراق، لما لقوه من حسن المعاملة من الجانب الكوردي.
إن بدو العرب ما زالوا يأتون سنوياً بأغنامهم وإبلهم صيفاً إلى منطقة سنجار وتلعفر للرعي، وهناك صور التُقطت للإبل في 17/6/2003 بين تلعفر وسنجار، وقد جاء بها أصحابها من منطقة النجف للرعي.
أما ما ذكره بعض المؤرخين، كما قال السيد عباس العزاوي، من أن عرب بني شيبان قد وصلوا إلى شهرزور، وادعاؤهم أنهم أسسوا فيها إمارة، فغير صحيح. فقد وصلوا إلى جنوب شهرزور في وقت ما من القرن العاشر الميلادي، سواء وراء الكلأ لمواشيهم، إذ كانت قبيلة شيبان رحّالة غير مستقرة، أو لسوء علاقتها مع الدولة البويهية في العراق، لكنهم لم يتوطنوا في شهرزور وجنوبها استيطاناً دائمياً، ولا أسسوا هناك إمارة. والدليل على ذلك أن أبا القاسم علي بن جعفر الواذاري، قائد عضد الدولة البويهي الذي تمركز بقواته في (دقوقا)، أعطاهم الوعود بعدم التعرض لهم، فلما وثقوا به ونزلت بطون شيبان من المنطقة شبه الجبلية (كَهرميان) نحو دقوقا، باغتها ليلاً وقتل وأسر منها ثمانمائة شخص وأخضعها، وذلك في سنة (369هـ/980م)، على ما هو واضح مما ورد في كتاب (تجارب الأمم)، ونقله عباس العزاوي إلى كتابه (شهرزور – السليمانية، ص117–119). وكانت الدولة البويهية تتهمها بالسلب والنهب.
ويبدو أنه كانت لقبيلة شيبان علاقات حسنة مع الأكراد، وكانت تستفيد منهم، إذ كانت تعبر نهر دجلة في الصيف إلى سهول ما بين نهري الزاب، ولا سيما الأقسام الجنوبية منها، وتقضي الصيف فيها طلباً للكلأ والرعي، في حين أن القبيلة الهذبانية الكوردية التي كانت تشتو فيها تذهب صيفاً إلى الجبال العليا حيث المصايف الجميلة. وكان ذلك في عهد ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي، الذي ذكر في (صورة الأرض، ص205) أن هذه السهول كانت فيها قرى مسكونة بالناس إلى عهد قريب «على حال أرض صالحة وافرة، فتكاثرت عليهم البوادي واعترتهم الفتن، فصارت قفاراً من السكان يباباً بعد العمران، وهي في الشتاء مشاتي للأكراد الهذبانية ومصايف لبني شيبان». ويُعلم من هذا أن بني شيبان لم تكن مستقرة في هذه السهول الكوردية، بل كانت تعود في الشتاء إلى مشاتٍ لها في أماكن واقعة غرب نهر دجلة باتجاه نهر الفرات.
إن اجتياز بعض العشائر العربية خطَّي الحدود الطبيعيين الطويلين، نهر دجلة وسلسلة جبل حمرين، الفاصلين بين كوردستان (عراق العجم) والعراق العربي، لا يغيّر من الجغرافية القومية للمنطقة، كما أن وجود الأكراد بكثرة في مدينة الكوت (واسط) وبغداد وأواسط العراق لا يغيّر من هويتها العربية.
ومن المعلوم تاريخياً أن العرب قبل ظهور الإسلام لم يتجاوزوا، بوصفهم مستوطنين، منطقة النجف، وإنما كانت للمناذرة العرب إمارة عربية مسيحية في الحيرة الواقعة غرب النجف على مشارف جزيرة العرب، حيث الحدود العراقية السعودية الحالية، وكانت تحت سيطرة الدولة الساسانية، وأشهر أمرائها النعمان بن المنذر (أبو قابوس)، ممدوح الشاعر النابغة الذبياني. ولكن قسماً من العرب، أو من الساميين، وصل إلى القسم الجنوبي من إقليم الجزيرة (ذي الأغلبية الكوردية)، أي إلى منطقة الحضر، حيث آثار مدينة الحضر الواقعة جنوب غرب الموصل على بعد (90 كم)، التي شيدتها الدولة الفرثية (الأشكانية) في مطلع القرن الأول الميلادي، وكانت تقع على طريق رئيسي قديم، وكان أشهر أمرائها (سنطروق الأول)، وخرّبها الملك الساساني (شابور الأول) في منتصف القرن الثالث الميلادي. وكان سكانها من العرب الساميين من قضاعة، على ما ذُكر في عدد من المصادر، إذ كانت جيباً عربياً وصلت إليه هذه القبيلة العربية من جهة الحدود العراقية الأردنية الحالية، ولم تتجاوزه إلى سنجار وتلعفر والموصل.
لا شك أن بداية استيطان العرب وانتشارهم في العراق إنما كانت إثر الفتح الإسلامي له سنة (16هـ/637م)، كما هو معلوم في التاريخ، حتى إن بعض القبائل العربية استوطنت إيران نتيجة الفتح الإسلامي لها.
ونشير هنا إلى أن العرب بالغوا كثيراً بخصوص وصول قبائل أو جاليات عربية، أو أفراد منها، إلى بلدان أو مناطق غير عربية، فبالغوا في سيطرتها ودورها، وادعوا أنها ديارها وبلادها، وأن المدينة الفلانية شيدها العرب أو الأمير العربي الفلاني. فمثلاً أطلقوا اسم (ديار بكر) على المنطقة الشهيرة من كوردستان، وادعوا أنها ديار (بلاد) قبيلة بكر (بكر بن وائل) العربية، بسبب وصول هذه القبيلة أو مجموعة منها إلى هذه المنطقة في بعض السنين، وفي زمن غير معلوم، طلباً للكلأ. وكذلك أطلقوا اسم (ديار بني شيبان) و(بوادي العرب) على القسم الشمالي الشرقي من خانقين إلى حدود شهرزور. كما أطلقوا اسم «سلق بني حسن بن الصباح» (والصحيح: ابن صالح) على (جبل السلق)، الذي أرجّح أن يكون (جبل كيوهرهش) المشرف على مدينة رانية، أو (جبل سلي) الواقع بجنب جبل قنديل من الغرب، وذلك لمجرد قتال حدث هناك سنة (799م) بين حاتم بن صالح بن عبادة الهمداني، من رؤساء العرب اليمانية بمنطقة الموصل، وبين أحمد بن يزيد الموصلي والي الموصل. فمن لا يعلم بهذه الحقيقة يقول إن الجبل المذكور كان محل سكنى بني حسن من العرب وموطنهم، وإنه ديارهم. وكذلك الادعاء بأن عرب اليمن من التبابعة هم الذين بنوا مدينة سمرقند في تركستان، وأنهم غزوا قبل الإسلام تركستان والقفقاس والصين وسبوا أهلها، ووصلوا القسطنطينية (عاصمة الإمبراطورية البيزنطية) وفرضوا الجزية عليها، وغير ذلك من الأساطير غير الصحيحة مما نقله المؤرخون المسلمون الأوائل، والتي وصفها المؤرخ والمفكر العربي الكبير ابن خلدون بالأكاذيب، وبأكاذيب مؤرخي اليمن، وذلك في تاريخه (ج6، ص97).
ولم يكتفِ العرب بهذا، بل ادعى بعض مؤرخيهم الأصل العربي لكثير من القبائل والأسر الكوردية الحاكمة. وهذا أيضاً غير صحيح، لأن الأمة الكوردية تختلف عن الأمة العربية.
ولمزيد من المعلومات عن ولاية شهرزور وخانقين ومدينة الموصل وسنجار وتلعفر وشهربان ومندلي وبلدروز وبدرة وجسان في العهد العثماني، يُراجع كتاب الأستاذ عبد الرقيب يوسف: حدود كوردستان الجنوبية تاريخياً وجغرافياً خلال خمسة آلاف عام.