الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحكومات العراقية المتعاقبة والوجود القومي للكورد: المادة (140) بين التفعيل والتأجيل
من محاضرات «المادة (140) الدستورية»
تمثل ثورة 14 تموز 1958 مرحلة متميزة في تاريخ العلاقات العربية - الكوردية، من خلال العمل المشترك في بناء الدولة العراقية الجديدة على أنقاض النظام الملكي البائد. وقد ترجمت المادة الثالثة من الدستور المؤقت للعراق بعد ثورة 14 تموز 1958 هذه العلاقات، إذ نصت على أن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». إلا أن تسلق القوى العنصرية سلّم القيادة واستلامها السلطة أعاد القضية الكوردية في العراق إلى المربع الأول! فكانت الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961 الرد الحاسم على توجهات تلك القوى. وهكذا باتت كوردستان العراق ساحةً لعمليات عسكرية مستمرة طوال النصف الثاني من القرن الماضي، بهدف ترقيق الوجود الكوردي في العراق وتحجيم دوره السياسي والاقتصادي.
وبعد كل ما قدمه الشعب الكوردي من تضحيات في سبيل تحقيق أهدافه القومية، ورغم أساليب البطش والإرهاب التي مارستها الحكومات العراقية المتعاقبة ضده، بما في ذلك عمليات الأنفال والتطهير العرقي واستخدام الأسلحة المحرمة، وجدت القيادة الكوردية في انهيار النظام السابق في 9 نيسان 2003 الفرصة للعودة من جديد إلى العمل المشترك، يداً بيد مع الشعب العربي في العراق، لبناء الوطن.
ومع ذلك، فإن مخاوف الحاكمين (الجدد) وهواجس (ورثة) تلك الأنظمة لم تشجعهم على استيعاب الأحداث الجديدة والتفاعل معها بإيجابية وحسن نية، كما كبُر عليهم أن يحقق الشعب الكوردي الأمن والاستقرار على أرضه، كوردستان العراق، وأن يشارك مشاركة حقيقية في بناء العراق الجديد. الأمر الذي دفع بعض تلك الأطراف إلى وضع العصي في عجلة التطور الحضاري لإقليم كوردستان العراق، في محاولة لإيقافها والحيلولة دون استمرارها. ولم تفلح السنوات التي أعقبت إقرار الدستور العراقي لسنة 2005 في تبديد تلك المخاوف أو إزالة هواجس الحاكمين في بغداد.
وقد تجلت تلك المواقف في التجارب المريرة التي عانت منها القيادة السياسية في إقليم كوردستان العراق مع الحكومات العراقية التي تولت السلطة منذ 9 نيسان 2003. ولا نغالي إذا قلنا إن مؤشرات هذه التجارب لا تختلف في جوهرها كثيراً عن تلك التي ورثها الشعب الكوردي من علاقاته مع الحكومات التي سبقت ذلك التاريخ! ومن بين تلك المؤشرات:
1- مشكلة تحديد المنطقة الكوردية في كوردستان العراق: من الملاحظ أن مصطلحات «الكورد» و«الشعب الكوردي»، وحتى «القومية الكوردية»، كثيرة التداول في الأدبيات الرسمية للحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921 بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن مصطلحات «كوردستان» أو «المنطقة الكوردية» أو «الوطن الكوردي» هي من المحرمات التي لا ينبغي التعامل معها، لأن أياً منها يمثل (منطقة) جغرافية لها حدودها ومساحتها، وبالتالي وجودها على الخرائط الإدارية أو السياسية. وإذا كان قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت لسنة 2004 ودستور العراق لسنة 2005 قد أقرّا بوجود (إقليم كوردستان العراق) بحدوده غير الثابتة، فلأنه كان أمراً واقعاً لم يكن من السهل تجاوزه. لكن ذلك لم يمنع البعض من محاولة الالتفاف عليه وإعادة النظر فيه!
2- مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق: وهي المشكلة الجديدة القديمة، التي يمتد تاريخها إلى بدايات قيام الدولة العراقية في 23 آب 1921، وإلى مطالبات القيادة الكوردية بتحديد (الوطن) الكوردي في العراق. وعلى الرغم من التباين في الآراء حول حدود هذا الوطن، ليس بين تلك القيادات والحكومات العراقية فحسب، بل بين الكورد أنفسهم أيضاً، فإن اتفاقية 11 آذار 1970 تُعدّ (الأولى) التي اعترفت الحكومة العراقية في ضوئها بـ(منطقة كوردستان العراق للحكم الذاتي)، على أمل أن يُجرى تعداد للسكان في العام نفسه لتحديد الوحدات الإدارية التي تُلحق بتلك المنطقة. إلا أن تأجيل التعداد المذكور في الاتفاقية حال دون ذلك، كما كان متوقعاً.
وفي العهد الجديد للعراق، وبعد إزالة النظام السابق في 9 نيسان 2003، يعود التاريخ من جديد ليثير مشكلة المناطق التي لم (تُلحق) حتى الآن بكوردستان العراق، وذلك بين القيادة السياسية للإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد. ولم يُجدِ ما تم الاتفاق عليه في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، ولا ما جاء في المادة (140) من دستور العراق، في حسم مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها، مما يعكس تماثل الرؤى والتوجهات لدى كافة الحكومات العراقية تجاه القضية الكوردية.
3- التعداد العام للسكان: لم يشهد العراق، منذ قيام النظام الجمهوري سنة 1958 وحتى آخر تعداد جرى سنة 1997، أي تعداد لسكانه جرى في ظروف اعتيادية، ولا سيما بالنسبة لكوردستان العراق. ففي سنة 1965 جرى تعداد شامل للسكان، وكان العراق يعاني من نزيف القتال منذ اندلاع الثورة الكوردية في كوردستان العراق في 11 أيلول 1961. وفي سنة 1977 جرى تعداد آخر للسكان، وكانت المنطقة الكوردية تعيش أحداث ما بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار 1975، إذ تعرضت كوردستان العراق لتدمير وحرق المئات من القرى والقصبات الكوردية، فيما رُحِّل سكانها الكورد، ومنهم (العائدون إليها) بعد أن هربوا منها في حينه، إلى وسط العراق العربي وجنوبه، في سياق عمليات الأنفال والتهجير القسري والإبادة الجماعية التي مارستها الحكومة العراقية ونظام حزب البعث السابق بحقهم. كما أقيمت (معسكرات) لتجميع سكان القرى الكوردية المُرحَّلين في مواقع قريبة من المدن الرئيسة أو على الطرق العامة، ليسهل السيطرة عليها والتحكم بأهلها. أما تعداد السكان لسنة 1987 فقد جرى في أشد سنوات القتال شراسة بين العراق وإيران، وكانت منطقة كوردستان من أهم ساحات ذلك القتال، وتعرض السكان الكورد خلاله لمختلف وسائل القتل والدمار. وكان آخر تعداد جرى في العراق سنة 1997، واستُثني منه إقليم كوردستان العراق الذي كان خارج دائرة السلطة المركزية العراقية. وكانت الحكومة العراقية قد أجّلت تعداد السكان الذي كان مقرراً سنة 1970، في وقت كانت فيه كوردستان العراق تعيش الاستقرار وفي وضع نموذجي لإجرائه. وكذلك فعلت الحكومة العراقية الحالية، التي استمرت في تأجيل تعداد السكان الذي كان مقرراً سنة 2007، مع أن إقليم كوردستان كان ولا يزال نموذجاً لتنفيذه، إلى سنة 2008 ثم إلى سنة 2009، وها هي اليوم تتردد في تنفيذه سنة 2010!
ولا شك في أن هدف الحكومات العراقية السابقة من تأجيل تعداد السكان لسنة 1970، وهدف هذا التأجيل المستمر للتعداد القادم، واحد، يتمثل في الحيلولة دون معرفة الوزن الديموغرافي الحقيقي لسكان الإقليم وعدد الكورد في عموم العراق من جهة، وفي استمرار تأجيل تنفيذ المادة (140) الخاصة بترسيم الحدود النهائية لإقليم كوردستان العراق من جهة أخرى.
4- البعد الاقتصادي للمشكلات بين الإقليم والمركز: على امتداد السنوات التي تلت قيام النظام الجمهوري في العراق في 14 تموز 1958، جرت لقاءات ومفاوضات عديدة بين القيادات الكوردية والحكومات العراقية، وكان الجانب الاقتصادي يؤطر تلك المفاوضات غالباً، ولا سيما بالنسبة للمناطق الغنية بالنفط مثل كركوك وخانقين وعين زالة، بحيث كانت تشكل في كثير من الأحيان عائقاً أمام الوصول إلى نتائج إيجابية، على أساس أن إلحاق مثل هذه المناطق الكوردية بالوطن الكوردي، كوردستان العراق، يُعدّ خطراً على مستقبل (وحدة) العراق! وتعود اليوم مثل هذه التوجهات لتعرقل الوصول إلى حل المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، على الرغم من البنود التي ثُبّتت في دستور العراق لسنة 2005 بشأن توزيع الموارد الطبيعية واستثمارها، وبخاصة النفط والغاز.
5- مشكلة حرس الإقليم (البيشمركة): وهي من أبرز المسائل الخلافية بين القيادة الكوردية والحكومات العراقية على امتداد العقود الماضية، ولا تزال كذلك.
وللحيلولة دون وجود غطاء يحمي مكتسبات الشعب الكوردي، يسعى الحاكمون في بغداد دوماً إلى إيجاد فجوة واسعة بين إمكانات القوى الدفاعية في الإقليم ونظيراتها في القوات المسلحة العراقية، سواء على مستوى الإعداد أو التجهيز أو التكنولوجيا العسكرية، وذلك على الرغم من أن الدستور العراقي حدد أسس التعامل في هذا المجال بما يجعل (حرس) الإقليم، البيشمركة، جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية.
ولعل من المفيد الخروج بالنتائج التالية:
1- إن ثمة ما يجمع بين الحكومات العراقية على امتداد العقود الماضية، وهو حالة الخوف من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة الكوردية، كوردستان العراق، باعتبارها تعزز الدور المحلي والإقليمي والدولي للشعب الكوردي.
2- إن ترسيم الحدود الجغرافية للمنطقة الكوردية، كوردستان العراق، خط أحمر بالنسبة للحكومات العراقية المتعاقبة لا يجوز الاقتراب منه، لأنه يعني تغييراً في الخارطة الإدارية والسياسية للبلاد (العراق). لذلك فهي تسعى باستمرار إلى خلق المبررات التي تحول دون ذلك، ومن بينها التعداد العام للسكان في العراق.
3- إن كافة المبررات التي تطرحها الحكومات العراقية خلال مفاوضاتها مع الجانب الكوردي، منذ الثورة الكوردية في 11 أيلول 1961 وحتى اليوم، ليست «جوهرية»، بما في ذلك المحاولات المستمرة لتغيير العديد من بنود الدستور العراقي لسنة 2005، ولا سيما تلك التي تتصل بحقوق الشعب الكوردي. أما جوهر تلك الخلافات فيتعلق بوجود الشعب الكوردي في كوردستان العراق، وحقه في تقرير مصيره ضمن حدوده القومية التي تعكسها حقائق التاريخ والواقع الجغرافي للمنطقة الكوردية في كوردستان العراق. الأمر الذي يدفع تلك الحكومات إلى ممارسة مزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية بهدف ترقيق (تقليل) الوجود الكوردي في كوردستان العراق، وإضعاف دوره القومي والإقليمي والدولي.
الدكتور عبد العزيز المفتي