الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الخلط بين القومية والطائفية والدين
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لماذا الخلط بين المسألة القومية الكوردية وبين الدعوات الطائفية والدينية؟!
من المفاهيم الخاطئة التي أفرزتها الدعاية الاستعمارية، وزرعتها الثقافة السائدة، خلقُ بعض المواقف في أذهان قسم من الناس العاديين تجاه الشعب الكوردي، وخاصة في الساحتين السورية والعراقية، مواقف تنم عن الشك والحذر، وإلصاق «التهمة الجاهزة» بالأكراد، بسبب أو بدون سبب. ولا شك أن مثل هذه المفاهيم الخاطئة ترجع بالأساس إلى الاستراتيجية الاستعمارية المعروفة: «فرّق تسد»، التي ما زالت قائمة في تعامل الاستعمار مع الشعوب. والهدف من ورائها توسيع الشرخ بين الشعوب وتعميقه، وبث الانقسام وروح العداء فيما بينها، وصرف الطاقات في غير محلها بدل صرفها على البناء الداخلي نحو التقدم، وصيانة الاستقلال الوطني، ومواجهة المستعمر بالذات والاستعمار الحديث. وفي الحالة الخاصة بالشعب الكوردي تهدف هذه الاستراتيجية إلى الإبقاء على مسألته القومية دون حل، وتشجيع الأنظمة على المضي في المواقف اللاديمقراطية، وخلق مناخ عام لا مبالٍ تجاه معالجة المسألة ووضع الحلول السلمية الديمقراطية لها.
إن النظرة التاريخية إلى المسألة القومية الكوردية تقودنا إلى اكتشاف الصراع بين إرادتين، هما:
إرادة البحث عن الحلول الصائبة، ووضع المسألة الكوردية في مسارها الحقيقي، وإعطائها حجمها المناسب، ووضع قاعدة صلبة للمعالجة المبدئية الصحيحة، مبنية على روح التآخي والاعتراف بالحق الأساسي والقومي للشعب الكوردي. وهذا يقود لا محالة إلى تعزيز الوحدة والإخاء، ويدفع إلى التلاحم الطبيعي والاختياري، وزج الطاقات باتجاه القضايا الأساسية والمصيرية، القومية والاقتصادية والاجتماعية، وربط الخاص بالعام وفق نظرة تصون مصلحة البلاد العليا، وتعزيز الحركة الثورية العامة، والمواجهة الموحدة للعدو المشترك: الإمبريالية والصهيونية والرجعية.
إرادة استبعاد الشعب الكوردي واستغلاله وكبت أنفاسه، وعدم الاستعداد للاعتراف الرسمي والقانوني بوجوده شعباً وأمةً كوردية، وممارسة شتى أساليب القهر والاضطهاد، ووضع المخططات العنصرية بهدف تشتيته وحمله على التخلي عن حضارته وثقافته ولغته، ثم عرقلة أي محاولة لإعادة النظر في الموقف، أو التفكير في وضع القواعد السليمة للتعامل مع مسألته القومية وفق المبادئ الإنسانية والديمقراطية.
ويقف وراء هذه الإرادة الإمبريالية العالمية والاستعمار والدوائر الصهيونية والقوى الرجعية المحلية المستغِلة. لقد أفرز أصحاب هذه الإرادة عدداً من المفاهيم الضارة والخاطئة التي تخدم ما يصبون إليه. فقبل عقدين من الزمن أطلق غلاة القوميين العرب تسمية «إسرائيل ثانية» على الشعب الكوردي، ضاربين عرض الحائط بكل التاريخ المشترك بين الشعبين العربي والكوردي، ومستهترين بالتراث الناصع القديم في العلاقة بينهما، التي دشنها صلاح الدين الأيوبي، والتي استمرت وتعاظمت حتى يومنا هذا بفضل تضحيات المناضلين من أبناء الشعبين، وإنجازات الحركتين الثوريتين العربية والكوردية على درب النضال المشترك والمصير الواحد.
أما في هذه المرحلة، التي شهدت تطورات مهمة وإيجابية على صعيد ازدياد الوعي المنفتح، وتبلور القوى التقدمية والثورية لدى الشعبين، وازدياد تأثيرها في الحياة السياسية، فإن الأمر يختلف، من حيث الشكل على الأقل. فالتيارات القومية الشوفينية اليمينية لم تعد تستطيع، بفضل الوعي الجماهيري، إطلاق النعوت والتسميات «القديمة» على الأكراد. ولكننا نرى أنها ما زالت تؤثر إلى حد ملحوظ في تكوين مفاهيم جديدة في اتجاه المفاهيم الخاطئة السابقة نفسه، وإن لم تكن بدرجة «حدتها» نفسها. وعلى سبيل المثال، هناك مقولة تُطرح دائماً بمناسبة الحديث عن المخططات الإمبريالية والصهيونية، مفادها: «أن هناك مخططاً لتفتيت المنطقة العربية الإسلامية وإقامة كيانات مختلفة فيها، على حساب تقسيم الدول العربية، وإنشاء دول كوردية ودرزية وعلوية ومارونية وشيعية… إلخ».
لا شك أن أي وطني عاقل يعلم، بالحس العفوي، أن هناك مخططات من جانب أعداء الشعوب لتقسيم المنطقة وتفتيتها لصالح الإمبريالية والاستعمار، اللذين تستند سياستهما بالأساس إلى هذا المبدأ، وكذلك الصهيونية. والعلة ليست هنا. ومما لا شك فيه أيضاً أن العدو يرغب في تعميق الهوة بين الأديان والطوائف في الشرق الأوسط كله، لا في المنطقة العربية فحسب، ويعمل من أجل ذلك، وسيحاول أيضاً ضرب تلك الديانات والطوائف بعضها ببعض، حتى «يضيع» النضال ضد الاستعمار ومصالحه في المنطقة، وحتى «ينسى» الناس إسرائيل والصهيونية. وهذا ما شرع في تنفيذه في لبنان، وأفرزته التطورات الإيرانية، وظهرت آثاره في بعض الدول والمناطق، وهو أيضاً أمر واضح للعيان.
ولكن مأخذنا الأساسي هو على وضع الأكراد إلى جانب دعاة الصراع الديني والطائفي، وهو خلط ينم أولاً عن الجهل بالتفريق بين القومية والدين والمذهب، كما ينم أيضاً عن «الخبث» الشوفيني القومي، والاستهانة بحركة التحرر الوطني الكوردية ونضالاتها وتضحياتها وأهدافها الوطنية والديمقراطية. فالخلط هنا لا يجوز إطلاقاً، لسبب بسيط هو أن الأكراد شعب تربطه الرابطة القومية المستندة إلى دعائم اللغة والأرض والتقاليد والتكوين النفسي، أما الطوائف الأخرى التي يأتي ذكرها فهي طوائف تنتمي إلى قومية واحدة هي القومية العربية. وبالمناسبة، فإن بين الأكراد أيضاً أدياناً وطوائف: فهناك مسلمون (وهم الأغلبية الساحقة)، وهناك أكراد مسيحيون، وأكراد يزيديون (بقايا الزرادشتية)، وهناك أيضاً شيعة وعلويون وسنة بحسب المذاهب.
فالأكراد بوصفهم قومية لهم حركتهم الوطنية التحررية، التي تناضل من أجل حق تقرير المصير والاتحاد الاختياري مع الشعب العربي، وكذلك مع الشعبين الإيراني والتركي، وتواجه الإمبريالية والاستعمار وأعوانهما، وكافة أشكال الظلم القومي والاجتماعي، وهي تشكل جزءاً من الحركة الثورية في المنطقة. إن القوانين التي تحكم مسيرة الحركة التحررية الكوردية، منذ ظهورها في القرن التاسع عشر، وتطورها، ومواجهتها مراحل الصعود والهبوط، هي نفسها القوانين التي تحكم نشأة القومية العربية والحركة الثورية العربية. إذن فإن نشوء الحركة التحررية الكوردية وتطورها قد جاءا بشكل «طبيعي»، وبحسب ما أفرزه المجتمع الكوردي بطبقاته وفئاته وتناقضاته. وقد ظهرت تطوراً لا بد منه في حياة الشعب الكوردي، وحاجة موضوعية ملحة، ومرحلة تاريخية تنسجم مع منطق التاريخ وسير الأحداث ومصلحة العملية الثورية. وهذه الحركة الكوردية تجمع في صفوفها الطبقات والفئات الوطنية والديمقراطية لدى الشعب الكوردي، بغض النظر عن الدين والمذهب والموقع.
أما الأديان والطوائف فهي، كما ذكرنا، تعود إلى الشعب المعني وأبناء القومية المعنية، وما أطروحاتها «الانعزالية» ودعواتها الانقسامية إلا تعبير عن مصالح فئات طبقية معينة، وهي تخدم بالأساس فكرة تقسيم الشعوب وصيانة مصالح القوى المعادية، وبشكل خاص الاستعمار والصهيونية. إن معرفة الحدود والانتماءات الدينية والطائفية بوصفها واقعاً موضوعياً شيء، والتنظير لأطروحاتها شيء آخر. إن الدعوات الدينية والطائفية، وخاصة في هذه المرحلة، أمر غير واقعي وطارئ، وهي تسير وتسبح بعكس التيار وبعكس حركة التاريخ، ولهذا فإن أجلها قصير، وتأثيرها ليس إلا هبّة وقتية وموجة لا بد أن تنحسر. ومهما يكن، فلا بد لقوى الثورة من توجيه طاقات التيارات الدينية، إذا أمكن، نحو معاداة الإمبريالية والظلم الاجتماعي.
إن ما يلفت النظر ويحز في النفس كثيراً هو عملية الخلط بين الحركة التحررية الكوردية والدعوات الدينية والطائفية، لا من جانب غلاة القوميين اليمينيين فحسب، بل من جانب قوى ورموز محسوبة على اليسار وعلى القوى التقدمية بالذات. ففي حين نفهم ما يصبو إليه اليمين الشوفيني، ونفهم دوافعه الطبقية والمصلحية، فإننا نقف حائرين أمام تصرف المحسوبين على قوى التقدم واليسار. إن الأولى بهؤلاء، إذا ما تناولوا هذا الموضوع، ألا يطرحوه بالشكل الذي ذكرناه، مفهوماً خاطئاً وضاراً، بل من الصائب والموضوعي أن يطرحوه كالتالي: التوجه نحو ضرورة حل المسألة القومية الكوردية على أسس ومبادئ سليمة وديمقراطية، وعلى أساس مبدأ حق تقرير المصير والاتحاد الاختياري والتلاحم؛ والتوجه إلى الأنظمة التي تضطهد الشعب الكوردي وإدانتها، لأنها تعرقل مثل ذلك الحل، ولأن موقفها الشوفيني المتجاهل سيؤدي في النهاية إلى تحرك القوى المعادية لاستغلال تلك المسألة (والمسؤولية طبعاً تقع على عاتق الأنظمة)، وإلى تقوية التيارات الرجعية الكوردية ونزعة الانفصال رداً على مواقف الأنظمة، وإضعاف القوى التقدمية والثورية الكوردية المؤمنة بوحدة النضال وتآخي الشعوب.
إن طرح الموقف بهذا الشكل مقبول وموضوعي ومسؤول، وبهذا يمكن الابتعاد عن المفاهيم الخاطئة التي زرعها الأعداء والأنظمة الشوفينية على مر السنوات.
إن عملية الخلط تلك تدعو بشكل غير مباشر إلى نفي حق تقرير المصير للشعب الكوردي، وطمس قضيته الوطنية، والإساءة إلى نضاله عبر عشرات السنين. وهذا يتناقض مع مبادئ قوى التقدم واليسار وبرامجها، ويلحق ضرراً بالغاً بالحركة الثورية والكفاح الموحد ضد الإمبريالية، كما يصب في مجرى محاولات القوى الرجعية الرامية إلى تعميق الصراعات القومية، وتدمير الإمكانيات الذاتية للشعوب، ووقف تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والارتهان في النهاية لإرادة المستعمر عدو الشعوب.
ومن جهة أخرى، إذا كانت الإمبريالية والصهيونية تعملان على تفكيك الشعوب وتعميق التناقضات بين الطوائف والأديان، وتدعوان سراً وعلانية إلى تقسيم لبنان، على سبيل المثال، إلى «كانتونات» طائفية، وإلى مناطق لامركزية إدارية أو اتحاد فيدرالي… إلخ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بلدان عربية وغير عربية، خاصة تلك التي تتضمن التعدد الطائفي والديني، فإننا، بحسب معرفتنا بتاريخ شعبنا الكوردي وتفاصيل التطورات في الحركة التحررية الكوردية منذ بزوغها في القرن التاسع عشر وحتى الآن، لم نعثر على أي دليل أو أثر يشير إلى رغبة الدول الاستعمارية والإمبريالية في إنشاء كيان كوردي مستقل، أو إعلان دولة كوردية مستقلة، لسبب بسيط جداً هو تعارض ذلك مع مصالحها.
وعلى العكس من ذلك، فإنها عملت على تقسيم الشعب الكوردي بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، ثم تقسيمه مرة أخرى بموجب معاهدة سايكس-بيكو في 16 أيار 1916، ثم التآمر عليه بوضع المعاهدات والأحلاف وإبرامها ضد الحركة التحررية الكوردية: «معاهدة لوزان» في 24 تموز 1923، و«ميثاق سعد آباد» في 1937، و«حلف بغداد» أو «حلف المعاهدة المركزية» في 1955، و«اتفاقية الجزائر» في 6 آذار 1975. أما في عصرنا الراهن، عصر اندماج المسألة القومية الكوردية بمسألة النضال الوطني والاجتماعي، وتعمّق طابعها الطبقي، وتشكيلها جزءاً من الحركة الثورية في الشرق الأوسط، فإننا نعتقد أن الإمبريالية أو الصهيونية لا ترغب في «إنشاء دولة كوردية مستقلة»، وإنما ترغب فقط في الإبقاء على المسألة دون حل، واحتياطها الاستراتيجي في هذا المجال هو الأنظمة الشوفينية والدكتاتورية والعسكرية، وكذلك الرجعية الكوردية.
لذا فإن إدراج المسألة القومية الكوردية، وهي مسألة وطنية تحررية تجد مكانها اللائق والمؤثر في خندق الثورة والتقدم، إلى جانب الدعوات الدينية والطائفية المعادية لوحدة الشعوب ونضالها ولكافة قوى التحرر، عمل يناقض الوقائع الموضوعية الصارخة، ولا يعبر عن النظرة الواعية السليمة للأمور، كما يسهم في خلط الصالح بالطالح، وعدم التمييز بين النضال الوطني المعادي للإمبريالية والأعمال المشبوهة الصادرة عن أعوان الاستعمار وامتداداته في المنطقة. وقسم من أصحاب تلك المفاهيم ومروجيها يقوم بذلك في سبيل إرضاء الأنظمة والمزايدة على التيارات القومية الشوفينية، لأسباب مصلحية ذاتية، دون أي اعتبار للمبادئ والأسس الفكرية.
إن إزالة مثل تلك المفاهيم الخاطئة تحتاج إلى وقت ومثابرة من جانب القوى التقدمية والوطنية الكوردية والعربية، وهي تدخل في عداد النضال على الجبهة الفكرية والنظرية، باتجاه طرح الحقائق الموضوعية عن الشعب الكوردي المتآخي مع الشعب العربي، وتعايشه الطويل معه عبر التاريخ، ومشاركته إياه المستقبل والمصير.
والقوى الوطنية والتقدمية الكوردية تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية في شرح مبادئ التآخي القومي بين الشعبين وأسسه وقواعده، والتأكيد على التمسك بالعيش المشترك والتضامن والتلاحم في ظل الدولة الموحدة الديمقراطية، وكذلك الالتزام ببرامج تعالج الوضع الديمقراطي العام في البلاد، لا الوضع الكوردي فحسب، والانطلاق دوماً من كون المسألة القومية الكوردية جزءاً لا يتجزأ من المسألة الوطنية الديمقراطية العامة في البلاد. كما يجب على الوطنيين والتقدميين الأكراد التركيز بشكل دائم على الجوانب المشرفة والتاريخية في العلاقة بين الشعبين.
ومن جهة أخرى فإن القوى التقدمية والديمقراطية العربية ملزمة من حيث المبدأ بوضع الحل الصائب لهذه المسألة، وطرح البرنامج الديمقراطي لمعالجة المسألة القومية الكوردية. ومهمتها لا تنتهي بطرح البرنامج، بل تمتد إلى المثابرة والنضال في شرحه بين أوساط الجماهير العربية، وإفهامها أحقية مبدأ حق تقرير المصير للشعب الكوردي وشرعيته وعدالته، وضرورة رفع الاضطهاد القومي والإجراءات الاستثنائية والقوانين والمخططات الشوفينية عن كاهل أبناء هذا الشعب الصديق للشعب العربي، وشرح طبيعة الاضطهاد القومي الذي ينبع بالأساس من الاستغلال الطبقي والظلم الاجتماعي، ويصدر عن الطبقات الاستغلالية والرجعية والتيارات اليمينية، المعادية جميعها لمصالح الجماهير العربية وطبقاتها الشعبية والكادحة.
من هنا، على الحركتين الثوريتين الكوردية والعربية توثيق تعاونهما وتعزيز نضالهما المشترك على الأسس السليمة الواضحة، وفي إطار برنامج موحد، من أجل بناء القاعدة الثابتة الصلدة للتآخي القومي بين الشعبين، التي توفر الحقوق وتصونها، وترسم الواجبات القومية والوطنية والمصيرية، على طريق الديمقراطية والحرية وحق تقرير المصير.