الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الخلفية التاريخية لمشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) ذات الأغلبية الكوردية

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2014

عندما توقفت الحرب العالمية الأولى بهدنة مودروس في 30 تشرين الأول 1918م، كانت الجيوش البريطانية تقف على مشارف مدينة الموصل، على بعد نحو اثني عشر ميلاً (عشرين كيلومتراً) منها. وكان الأتراك وممثل عن الحلفاء قد وقّعوا هدنة «مودروس» في الثلاثين من تشرين الأول 1918، وصارت نافذة منذ ظهر اليوم التالي (1 تشرين الثاني 1918م) بحسب التوقيت المحلي، في الوقت الذي كانت فيه الحامية التركية لا تزال ترفع العلم العثماني فوق بلدية مدينة الموصل. وفي 2 تشرين الثاني 1918 وصلت تعليمات من القيادة البريطانية العليا إلى قائد الجيش البريطاني السير وليام مارشال (Sir W. Marshall) تطلب منه احتلال ولاية الموصل كلها، أي المدينة والمناطق الأخرى الملحقة بها. ولما كانت القواعد التركية لا تزال موجودة، طلب الجيش البريطاني من الأتراك ترك مدينة الموصل والقصبات والمدن التابعة لها، وفقاً للمادتين 7 و16 من بنود هدنة «مودروس». فرفض الجنرال علي إحسان باشا، قائد الجيش التركي، الانسحاب من مدينة الموصل لعدم تسلّمه تعليمات من حكومته العثمانية، غير أن الجيوش البريطانية دخلت مدينة الموصل عنوة وأكملت احتلالها لغرض سياسي واقتصادي مبرمج منذ وقت سابق. أما علي إحسان باشا فقد اتصل بحكومته العثمانية يطلب تعليماتها، فأبرقت له إسطنبول بإخلاء مدينة الموصل وتسليمها للبريطانيين. وترك علي إحسان باشا الموظفين المدنيين يعملون في الدوائر الحكومية باسم الدولة العثمانية، وفي 5 تشرين الثاني 1918م انسحب القائد التركي بجيشه العثماني وترك وكيله في مدينة الموصل (1).

وفي مؤتمر لوزان الأول الذي عُقد في تشرين الأول 1922 طُرحت مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) للمناقشة، وتقدّم الطرفان التركي والبريطاني بمذكرات احتوت على حججهما، وكلٌّ منهما يؤكد أحقيته بولاية الموصل. وقد طُرح على بساط البحث موضوع إجراء استفتاء لسكان الولاية، إلا أن الطرفين لم يتوصلا في النهاية إلى حل مشترك (2).

وفي مؤتمر لوزان الثاني المنعقد في 24 آذار 1923 عُرضت مشكلة ولاية الموصل للمناقشة مرة أخرى، واتفق الطرفان على تحديد المناطق الحدودية بين العراق وتركيا وفق ما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثالثة من معاهدة لوزان الأولى (تشرين الأول 1922)، التي نصّت على أن يُعيَّن خط الحدود بين البلدين بترتيب ودي بين تركيا وبريطانيا العظمى خلال تسعة أشهر، فإذا لم يتوصلا إلى اتفاق خلال هذه المدة يُرفع النزاع إلى مجلس عصبة الأمم. وإلى أن يُتوصَّل إلى قرار بشأن النزاع على الحدود، تتعهد الحكومتان البريطانية والتركية بألّا تقوما بأية حركة عسكرية أو غير عسكرية قد تغيّر بأي طريقة الحالة الراهنة في الأراضي التي يتوقف مصيرها النهائي على ذلك القرار (3).

وبعد تسويف اتفق الطرفان على عقد مؤتمر في القسطنطينية في 19 مايس 1924 لمناقشة المشكلة، ورأس الوفد البريطاني السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في بغداد، ورافقه طه الهاشمي، رئيس أركان الجيش العراقي، بصفة مستشار (4). إلا أن المفاوضات تعثّرت ولم تُسفر هي الأخرى عن أية نتيجة، وصرّح السير برسي كوكس بأن الحكومة البريطانية سترفع الموضوع وحدها إلى مجلس عصبة الأمم، وهكذا انتهى مؤتمر القسطنطينية (5).

ولما عُرضت مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) على مجلس عصبة الأمم، قرر المجلس في 30 أيلول 1924 تأليف لجنة لتقصي الحقائق في مشكلة ولاية الموصل الكوردية وتقديم توصية إلى مجلس العصبة. واجتمع أعضاء اللجنة في جنيف يوم 17 تشرين الثاني 1924، وقرروا أن يذهبوا إلى المنطقة (ولاية الموصل الكوردية – كوردستان العراق) لإنجاز عملهم، بعد أن درسوا محاضر جلسات مؤتمر لوزان (24 تموز 1923) ومجلس العصبة، والوثائق الأخرى التي قدّمتها الحكومتان التركية والبريطانية (6). وفي بغداد وضع السير هنري دوبس، المندوب السامي البريطاني الجديد في العراق خلفاً لبرسي كوكس، تحت تصرّف الجنرال يوهان لايدونر (Johan Laidoner) رئيس البعثة كلَّ المراسلات والوثائق الأخرى المتعلقة بالحوادث التي وقعت، مع أجوبة الحكومة البريطانية على الاحتجاجات التركية (7). ثم سافرت بعثة الجنرال لايدونر إلى مدينة الموصل الكوردية فوصلتها في 30 تشرين الأول 1925، وبحثت في ظروف الحوادث وحصلت على معلومات أخرى من السلطات البريطانية والعراقية المحلية. ثم توصلت البعثة إلى نتائج ضمّنتها التقرير الذي رفعته إلى مجلس عصبة الأمم، وقُدِّم التقرير أمام مجلس العصبة (8)، وارتأت فيه، لظروف وأسباب ومسوّغات موضوعية، إبقاء ولاية الموصل (كوردستان العراق) ضمن سيادة دولة العراق العربي الجديد (9).

وإزاء التقرير الذي قدّمته لجنة تقصي الحقائق المشكّلة من قبل عصبة الأمم، تقرّرت الموافقة على ما جاء فيه من مقترحات والمصادقة عليه، وعُدَّت ولاية الموصل (كوردستان العراق) جزءاً لا يتجزأ من العراق العربي الجديد. وقد قوبل القرار الذي اتخذه مجلس عصبة الأمم بمزيد من الاستحسان من قبل الشعب العراقي، وأرسلت الحكومة العراقية برقية شكر إلى سكرتير مجلس العصبة بمناسبة صدور القرار الذي أفضى إلى حسم موضوع الحدود بين العراق وتركيا (10).

القضية الكوردية في كوردستان العراق

هي من أعقد المعضلات وأشدها تشابكاً في تاريخ العراق، ولا سيما تاريخه الحديث. وقد كانت هذه القضية ولا تزال «تحتل مكاناً بارزاً في هذا التاريخ، وخاصة بعد أن برزت بشكلها الواضح بعد تأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل ملكاً على عرش العراق في 23 آب 1921م. وهي من المسائل التي كثر الصراع السياسي بسببها بين مختلف القوى السياسية العراقية، واختلفت وجهات النظر حول طرق حلها» (11).

إن هذه المكانة البارزة التي تحتلها المسألة الكوردية قد أثّرت ولا تزال تؤثر في وجهة تطور العراق وتقدمه، خاصة في العقود التسعة الأخيرة وأكثر. وهذا يعني أن القضية الكوردية في كوردستان العراق لا يمكن حلها إلا حلاً ديمقراطياً صحيحاً يضمن مصالح القوميتين والشعبين العربي والكوردي، بحيث لا يُصادَر فيه أي حق مشروع من حقوق الشعب الكوردي في كوردستان العراق، ولا يُعاق فيه أي نضال أو تطلّع مشروع للعرب في العراق من أجل الأمة العربية. بيد أن حلاً حقيقياً كهذا لا تحكمه النوايا والتطلعات وإقرار المبادئ العامة وحدها؛ فالمسألة الكوردية في كوردستان العراق تقع في منطقة شديدة الحساسية، يدور فوقها صراع حاد بين القوى الإمبريالية ومرتكزاتها في المنطقة الكوردية من جهة، وبين القوى التحررية والديمقراطية والاشتراكية من جهة أخرى. لذلك فالمسألة الكوردية مسألة سياسية لها أسبابها وشروطها التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والقومية، أكثر مما هي مجرد تاريخ وصفي لحدث سابق. ومن هنا فإن التاريخ الموجز لتطوراتها يفيد فقط في التعريف بها، ورصد طبيعة التطورات التي طرأت عليها في العقود الماضية وحتى الآن.

ما أصل الكورد تاريخياً؟ وما المنطقة الجغرافية الكوردية التي سكنوها (كوردستان) منذ القدم؟ وكيف تطورت حركتهم وثوراتهم القومية؟ هناك «ما يشبه الإجماع لدى دارسي تاريخ الشعب الكوردي على أن أصوله يحيط بها نوع من الغموض. وأغلب الدارسين متفقون على أن الأكراد ينتمون إلى المجموعة الآرية» (12)، وهناك من يعتقد أن أصلهم «يعود إلى الآشوريين والبابليين» (13). ويرى عدد من العلماء «أن الأكراد ينحدرون من أصل آري، إلا أنهم امتزجوا بعناصر أخرى كانت قبلهم في كوردستان»، بينما يرى آخرون «أن من المحتمل أن يكون الشعب الكوردي قد هاجر في الأصل من الشرق – شرق إيران – إلى الغرب – غرب كوردستان الحالية – واستوطن منذ فجر التاريخ»، في حين يرى فريق ثالث أنهم «هم السكان الأصليون لجبال آسيا الصغرى»، وأن كوردستان «هي الموطن الأول للسلالة البشرية الثانية، وشعوب هذه السلالة – عدا الشعب العيلامي – هي الأصل القديم جداً للشعب الكوردي» (14)، وأن كوردستان «هي أرض بلا حدود… وأنها العمود الفقري للشرق الأوسط» (15). ويمكن الرجوع إلى محاضرة «أصل الأكراد» لمزيد من المعلومات.

أما «اصطلاح كلمة كوردستان، كاصطلاح جغرافي، فيبدو أنها ظهرت لأول مرة في القرن الثالث عشر الميلادي في عهد السلاجقة الأتراك». ويوضح الدكتور شاكر خصباك ذلك فيقول: «إنها بلاد ذات حدود طبيعية وذات سكان من عنصر كوردي متميز، وهي لا تملك حدوداً سياسية دولية». ويؤكد المؤرخ السوفيتي «باسيل نيكيتين» ذلك بقوله: «إنها تعني بلاد الأكراد… وهي منطقة واسعة لا حدود لها» (16). ولذا فإن هذا الاصطلاح «لا يُعترف به من الناحية القانونية، ولا نجد له تحديداً في الوثائق الجغرافية المعروفة ولا في الوثائق الدولية» (17).

أما لغة الأكراد «فتنتمي إلى عائلة اللغات الهندو-أوروبية، بينما تبلغ مساحة كوردستان (الأرض التي يقطنونها) حوالي 50 ألف كيلومتر مربع» (18). وأما وقوع الأكراد تحت السيطرة الأجنبية فيرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث استطاع «كورش» عام 550 قبل الميلاد أن يدحر المملكة الكوردية المسماة «مملكة ميديا»، «والتي يعدّها المؤرخون الموطن الأصلي للأكراد» (19). وبموجب «الفرمان السلطاني العثماني – للسلطان سليم الأول – الذي صدر في تشرين الثاني 1515م، اعتُرف باستقلال الإمارات الكوردية وانضوائها تحت راية الخليفة العثماني». ومنذ القرن التاسع عشر «فرضت الدولة العثمانية بقوة السلاح مركزية الدولة العثمانية التركية الخانقة على جميع أنحاء كوردستان» (20).

ومن جرّاء تقسيم منطقة الشرق الأوسط بين الدول الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى عام 1918م «انقسمت كوردستان كذلك. ومنذ ذلك الحين تغيّر وجه تطور المسألة الكوردية ونشأ وضع نوعي جديد» (21)، وقد شُرح ذلك في محاضرة سابقة وفي الجزء الأول من موسوعة كوردستان.

وفي مؤتمر الصلح في باريس الذي عُقد عام 1919 «ضغط الوفد الكوردي برئاسة الجنرال شريف باشا السليماني، الذي أُرسل إلى هناك، لإدخال المواد 62 و63 و64 ضمن معاهدة سيفر (10 آب 1920)، التي نصّت على إعطاء الشعب الكوردي نوعاً من الحكم الذاتي في كوردستان… وتأسست إمارة أو حكومة كوردية مستقلة في السليمانية برئاسة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي تحت الإشراف البريطاني» (22).

إلا أن ما حققته معاهدة سيفر في 10 آب 1920 من مكاسب مهمة للشعب الكوردي قد ألغته فيما بعد معاهدة لوزان في 24 تموز 1923 (23).

أما نشوء الحركة القومية الكوردية الحديثة وتطورها فقد بدأ «منذ أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر» (24)، وكانت أبرز الثورات الكوردية «ثورة الأمير بدرخان عام 1843… وكانت أول انتفاضة كوردية يمكن تسميتها بالوطنية بالمفهوم الحديث» (25). وقد تلت هذه الثورةَ انتفاضاتٌ وثورات كوردية عديدة، منها التي نشبت بين عامي 1923 و1924، وثورات الشيخ محمود الحفيد المتكررة (1919–1932)، وثورة عبيد الله النهري عام 1925 في ديار بكر، وانتفاضة أيلول عام 1930، والثورة الكوردية المسلحة في منطقة بارزان بقيادة «الملا مصطفى البارزاني عام 1943» (26).

أما بعد ثورة 14 تموز 1958 فقد تقدمت حكومة الثورة برئاسة الزعيم عبد الكريم قاسم للتعاون مع الكورد بوصفهم شركاء للعرب ضمن إطار الوحدة العراقية، وحدّدت المادة الثالثة من الدستور العراقي أن المجتمع العراقي «يقوم على التعاون الكلي بين جميع المواطنين… وأن الأكراد والعرب شركاء في هذه الأمة، والدستور يضمن حقوقهم القومية ضمن إطار الكيان العراقي» (27). وفي الخامس من تشرين الثاني 1958م عاد الملا مصطفى البارزاني من المنفى، واستقبلته حكومة الثورة باحترام بوصفه زعيماً قومياً للحركة الكوردية آنذاك.

ومع تعثّر ثورة 14 تموز 1958 وانتكاستها، وبروز النهج الديكتاتوري لعبد الكريم قاسم وحكومته، اهتزّت علاقة التحالف والتعاون الفتية بين السلطة القاسمية والقيادة الكوردية. وحين أخفقت محاولات رأب الصدع بين الجانبين، قدّم الزعيم والقائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني مذكرة إلى حكومة عبد الكريم قاسم طالبها فيها رسمياً بـ«حكم ذاتي داخل كوردستان العراق» (28). وما إن ردّ عبد الكريم قاسم عليها ببدء الحرب حتى أعلنت الحركة الكوردية انطلاق مقاومتها المسلحة اعتباراً من 11 أيلول 1961، فابتدأ القتال واستمر بعد ذلك ما يقارب العقدين من الزمن.

وقُبيل مجيء حزب البعث إلى الحكم في 8 شباط 1963 كان البعثيون قد اتصلوا بالقيادة الكوردية لكسب دعمها في صراعهم ضد نظام عبد الكريم قاسم لإسقاطه وتسلّم السلطة. وكان المطلب الوحيد للقيادة الكوردية هو «الحكم الذاتي»، وقد «قبله البعثيون من حيث المبدأ (بالرغم من التباين الواضح في فهم كل طرف وتفسيره لطبيعة الحكم الذاتي وصيغته)، إضافة إلى إشراك وزيرين كورديين في حكومة حزب البعث» (29). بيد أن القتال تجدّد على نطاق واسع بعد شهور قليلة من 8 شباط 1963، واستمر كذلك إبّان رئاسة عبد السلام عارف للجمهورية بعد انقلاب 18 تشرين الثاني من العام نفسه. وقد مهّدت حدة القتال لظروف هدنة جديدة أدّى فيها الرئيسان جمال عبد الناصر وأحمد بن بيلا دوراً مساعداً، وأُذيع «في العاشر من شباط عام 1964 بيان يعلن وقف إطلاق النار» (30). إلا أن القتال عاد فتجدّد، فجاءت حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز وقدّمت مشروعاً من 12 نقطة لحل المسألة الكوردية في كوردستان العراق «حلاً سليماً» (بيان 29 حزيران 1966)، فتوقف القتال بعض الوقت، ثم عاد مرة ثانية بعد سقوط حكومة الدكتور عبد الرحمن البزاز.

وفي السابع عشر من تموز 1968 أُسقط حكم عبد الرحمن عارف، وجاء حزب البعث برئاسة أحمد حسن البكر إلى السلطة. ومع بداية هذه الفترة من تاريخ العراق دخلت القضية الكوردية في كوردستان العراق طوراً آخر من أطوار مسيرتها، يتميز بظروف أشد خطورة وأكثر تعقيداً. فقد استمر القتال في الفترة الممتدة بين 17 تموز 1968 و11 آذار 1970، وكانت العلاقة بين السلطة والقيادة الكوردية تمر بفترة اختبار، تميزت على الصعيد السياسي بالاهتزاز الذي كان يفرضه الصراع والحوار المتقطع بين الجانبين، وتميزت على الصعيد العسكري باستمرار القتال وإن بوتائر مختلفة. إلا أن تصاعده في الأشهر الأخيرة من هذه الفترة مهّد لتوفر شروط الهدنة وإعلان «بيان السلام» الذي سُمّي «اتفاقية 11 آذار 1970م». وقد عُدَّ هذا البيان نصراً كبيراً للشعب العراقي عموماً وللشعب الكوردي بشكل خاص.

إلا أن مسيرة السلام وتطبيق اتفاقية 11 آذار 1970 «للحكم الذاتي» قد تعثّرت، وسارت في طريق متعرج وخطر طوال السنوات الأربع التي أعقبت إعلانها. فخلال هذه الفترة، وبالرغم من إنجاز بعض الخطوات على طريق التنفيذ، تفاقم الصراع والخلاف بين السلطة العراقية (حكومة حزب البعث) والقيادة الكوردية حول طبيعة تنفيذ بنود اتفاقية 11 آذار 1970م وكيفيته. وعشية انتهاء الفترة المقررة لإعلان «الحكم الذاتي» بدا طريق الاتفاق بين الجانبين مسدوداً، فأعلنت السلطة الحكومية وقيادة حزب البعث من طرفهما في 11 آذار 1974 قرارات الحكم الذاتي. ورفضت القيادة الكوردية هذه القرارات بسبب شكوكها في عدم تطبيق جميع البنود المتفق عليها في 11 آذار 1970، وهي الطرف الآخر المهم والمعني والموقّع على الاتفاقية، فاندلع القتال مجدداً على نطاق أوسع وأقسى من السابق.

وبينما كان القتال يشتد ويتسع ولا يؤشر إلى إمكانية نصر قريب لأحد الطرفين على الآخر، عقدت الحكومة العراقية اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 مع الحكومة الإيرانية. وقد انعكست نتائج الاتفاقية على سير القتال والصراع، فأدت إلى انهيار المقاومة المسلحة للحركة الكوردية، ولجأ الملا مصطفى البارزاني إلى كوردستان إيران.

لقد أكدت التطورات اللاحقة بوضوح، بعد مضي أكثر من أربع سنوات على قرارات 11 آذار 1974 «للحكم الذاتي في كوردستان العراق» التي أعلنتها الحكومة العراقية (حزب البعث) من طرف واحد، أن إرساء الحل الديمقراطي الحقيقي لا يتحقق إلا بالعودة إلى اتفاقية 11 آذار 1970، التي يترسّخ عبرها الأساس الصلد المتين بين الشعبين العربي والكوردي، ويمكن بها تجاوز النزعتين الضارتين الخطيرتين: النزعة الشوفينية الاستعلائية العربية البعيدة عن الروح التحررية للقومية العربية، وتشدّد القيادة الكوردية في المطالب القومية للشعب الكوردي (مع أنها مشروعة) وطموحه إلى التقدم والتطور والازدهار. إن سيادة نهج هاتين النزعتين، واستمرار الخلاف وعدم الوصول إلى حل يرضي الطرفين، سيؤديان بالضرورة إلى التحالف مع القوى الرجعية وخدمة مصالحها من جهة، وإلى التفريط بمصالح الشعبين العربي والكوردي من جهة أخرى.

خاتمة واستنتاجات عامة لموجز تاريخ العراق الجديد

إن العرض الموجز لتاريخ العراق الجديد والمعاصر يُبرز بوضوح أن هذا التاريخ هو تاريخ الصراع الحاد بين اتجاهين: أولهما اتجاه الأغلبية الساحقة من الشعب وقواه وأحزابه الوطنية والديمقراطية المكافحة من أجل تحقيق استقلال حقيقي وناجز للعراق على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وثانيهما اتجاه السلطة، بل الحكومات المتعاقبة، التي تعيق تحقيق تلك الأهداف وتزيد في كل فترة من ارتباطها وتبعيتها للاستعمار وللاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتلجأ إلى ممارسة شتى صنوف الإرهاب والقمع ضد الشعب الكوردي، إلى حد الإعدام وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، من أجل التشبث بالسلطة وبسياستها.

لقد كانت المحطتان الرئيسيتان في تاريخ العراق الحديث هما: المحطة الأولى ثورة العشرين التحررية الوطنية التي اندلعت في 30 حزيران 1920، والتي اضطرت الاستعمار البريطاني إلى أن يرضخ لإقامة حكم وطني شكلي في العراق العربي الجديد، فتأسست نتيجة لذلك الدولة العراقية (المملكة) في 23 آب 1921. أما المحطة الثانية فهي ثورة 14 تموز 1958 الوطنية الديمقراطية، التي اندلعت بتحرك الجيش والشعب لتسلّم السلطة وإعلان الجمهورية في 14 تموز 1958.

إن التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة كانت تشكيلات شبه إقطاعية وشبه رأسمالية تتعايش فيما بينها. وقد أفرزت هذه التشكيلات سلطة تمثّلها عبر تحالف الإقطاعيين وزعماء العشائر مع البرجوازية التجارية، وهي التي شكّلت الإدارة والجيش والشرطة والأجهزة التنفيذية.

ونتيجة لهذا الوضع الاقتصادي كانت العلاقات الاجتماعية المنعكسة عنه مطابقة لتخلفه. لكن قوى الإنتاج كانت في الوقت نفسه تحمل في أحشائها عوامل تجاوز تلك العلاقات إلى علاقات إنتاجية أرقى. وقد كان للتطور الاقتصادي العارم على الصعيد العالمي انعكاساته المباشرة في تسريع التناقض الداخلي واحتدام تناقض تلك العلاقات الإقطاعية والرأسمالية. ولذلك كانت هذه التناقضات تفرز بدورها تناقضاً حاداً بين أغلبية الشعب وطبقاته الوطنية من جهة، وبين السلطة والطبقات والشرائح الاجتماعية التي تستند إليها من جهة أخرى.

وهذا هو ما يفسّر احتدام الصراع ونمو القوى والطبقات البرجوازية الوطنية وأحزابها وتصدّرها النضال ضد السلطة، بينما يفسّر التطورُ النسبي اللاحق للعلاقات الرأسمالية والتصنيع نموَّ الطبقات الديمقراطية الثورية والعمالية الصاعدة وتطورها لتتصدّر الكفاح الوطني من أجل الاستقلال والتحرر والديمقراطية.

لقد اتسم ذلك التاريخ بسلسلة من الصراعات الحادة التي أفرزت العديد من الانتفاضات والثورات والانعطافات في مجرى تطور العراق. فالتطور الاقتصادي الذي كان يجري في اتجاه موضوعي نحو التقدم النسبي كان يُحدث اختلالاً دائماً في حجم القوى الاجتماعية وطبيعتها، بما فيها التحالف الطبقي الحاكم، مما كان يعكس باستمرار الاضطراب وعدم الاستقرار في الأوضاع.

ومن ذلك كله يمكن استنتاج ما يلي:

  1. كان النضال من أجل التحرر والاستقلال الاقتصادي والسياسي الناجزين يشتد ويتصاعد مع نمو الأحزاب الوطنية والديمقراطية التي تناضل من أجل تحقيقه وتكوّنها.

  2. كان نمو الأحزاب والمنظمات الجماهيرية، وبالتالي زيادة الوعي الأيديولوجي والسياسي لقطاعات كبيرة ومتقدمة من الشعب، يترافق مع احتدام الصراع ومع التطور الموضوعي للتقدم الاقتصادي والاجتماعي النسبي في البلاد.

  3. إن حدة الصراع واتساعه بمثابة التعبير السياسي عن حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع. وبسبب هذا الاحتدام في الصراع والاستقطاب كانت السلطة تلجأ إلى أشد أساليب القمع والإرهاب في محاولة فاشلة لحسمه وتهدئته، مما كان يفرض في المقابل مجابهة حادة عنيفة، ردّاً مماثلاً على عنف السلطة وأساليبها. وقد أدى ذلك إلى قوة تنظيمات المعارضة وانضباطها وسيادة الروح الكفاحية العالية لديها، لكي تستطيع أن تواجه السلطة بنجاعة وقوة.

  4. إن الدور التآمري الذي كان مَنوطاً بالسلطة، وامتداد مهمتها تلك إلى خارج حدود العراق لمواجهة حركة التحرر الوطني والقومي العربية وجعل العراق قاعدة أمامية للاستعمار في المنطقة، قد وفّر الشروط الملائمة للعوامل الخارجية العربية والدولية لتؤدي أدواراً مهمة في شكل المواجهة الوطنية في الداخل وطبيعتها، مثلما ساعدت تلك العوامل على أداء دور مهم وفاعل ترافق مع الشروط الداخلية لنجاح ثورة 14 تموز 1958.

  5. إن إمكانات العراق وقدراته الاقتصادية، إضافة إلى موقعه الجغرافي المهم، قد مكّنته من أن يؤدي أدواراً فاعلة ومؤثرة، سلبية أو إيجابية، في أحداث المنطقة، تبعاً لموقف السلطة المسيطرة على مقدرات البلاد وسياستها.

  6. إن القضية الكوردية في كوردستان العراق قد أثّرت إلى حد كبير في طبيعة تطور العراق الاقتصادي والاجتماعي، وإن عجز الحكومات المتعاقبة بعد ثورة 14 تموز 1958 عن إيجاد حلول ديمقراطية حقيقية للقضية الكوردية ساعد على إبقائها باستمرار جرحاً نازفاً يضر بمصالح الشعبين العربي والكوردي على حد سواء، ويعيق التطور الديمقراطي الحقيقي للعراق، الذي يضمن بالضرورة حلاً ديمقراطياً عادلاً للمسألة الكوردية.

إن مسألة الديمقراطية كانت منذ الاستقلال وتأسيس العراق الجديد في 23 آب 1921، ولا تزال، أحد الأهداف الكبرى والأساسية في نضال الشعب العراقي، وهدفاً للشعب الكوردي؛ فعبرها تستطيع القوى والأحزاب والطبقات الاجتماعية الصاعدة أن تحقق إجماعاً شعبياً يسهم في بناء العراق وتقدمه، وعبرها أيضاً يستطيع الشعب أن يواجه جميع المشاكل والمعضلات التي تواجهه ويحلها بشكل جماعي وبقناعة تامة. وفي المقابل فإن غياب الديمقراطية ومصادرتها قد أدّيا، طوال تاريخ العراق الجديد، إلى تعثّر تطور العراق وتقدمه، بل قطعا الطريق عليه للانتقال إلى مراحل أرقى من التقدم والازدهار. بل أكثر من ذلك، فإن الديمقراطية الحقيقية هي الضمانة الأكيدة للحفاظ على استقلال العراق الاقتصادي والسياسي الناجز، وهي كذلك ضمانة تطوره وتقدمه الاجتماعي وازدهاره.

المصادر

  1. حسين، فاضل: مشكلة الموصل، مصدر سابق، ص 1–2.
  2. British Foreign Office, Turkey No. 1 (1923); Lausanne Conference on Near Eastern Affairs 1922–1923, Records of Proceedings and Draft Terms of Peace – Cmd. 1814, pp. 363–393.
  3. حسين، فاضل: مشكلة الموصل، مصدر سابق، ص 38–39.
  4. British Report 1923–1924, p. 28.
  5. Turkish Red Book, pp. 195–197; League Report, pp. 198–199.
  6. League Report, p. 5; Official Journal, 1925, p. 145.
  7. Official Journal, 1926, p. 145.
  8. Ibid., p. 145.
  9. القيسي، سامي عبد الحافظ: ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية من 1922–1936، ج2، مطبعة العاني، ص 16.
  10. الحسني، عبد الرزاق: تاريخ الوزارات العراقية، ج2، مصدر سابق، ص 28.
  11. ماجد عبد الرضا: القضية الكوردية في العراق، ص 7.
  12. جلال الطالباني: كوردستان والحركة القومية الكوردية، دار الطليعة، بيروت، ص 23.
  13. أدمون غريب: الحركة القومية الكوردية، ص 11.
  14. الطالباني، مصدر سابق، ص 14 وما بعدها.
  15. غريب، مصدر سابق، ص 9.
  16. الطالباني، مصدر سابق، ص 31 وما بعدها.
  17. ماجد عبد الرضا: القضية الكوردية في العراق، ص 12.
  18. عبد الرضا، المصدر نفسه، ص 18.
  19. المصدر نفسه، ص 28.
  20. الطالباني، مصدر سابق، ص 69 و71.
  21. عبد الرضا، مصدر سابق، ص 48.
  22. الطالباني، مصدر سابق، ص 67.
  23. المصدر نفسه، ص 67.
  24. المصدر نفسه، ص 78.
  25. المصدر نفسه، ص 86.
  26. المصدر نفسه، ص 100 وما بعدها.
  27. غريب، مصدر سابق، ص 38.
  28. المصدر نفسه، ص 48.
  29. المصدر نفسه، ص 52.
  30. غريب، المصدر السابق، ص 76.