كان استحداث دولة العراق العربية الجديدة حصيلة الاتفاق المعروف باتفاق سايكس – بيكو – سازانوف عام 1916. وفي البدء قويت نية بريطانيا على الاحتفاظ بولاية الموصل السابقة (كوردستان العراق وكوردستان تركيا) ذات الأغلبية الكوردية، التي كانت منطقة كوردستان العراق برمّتها تقع ضمن حدودها، بما فيها منطقة محافظة كركوك الغنية بآبار النفط. وكان تمزّق الإمبراطورية العثمانية بسبب هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الأولى قد أتاح للبريطانيين الاستيلاء على ولايتي البصرة وبغداد، أما ضمّ ولاية الموصل (كوردستان العراق) بأغلبيتها الكوردية لتكون جزءاً من العراق العربي الجديد المستحدث فلم يتقرّر إلا بسبب وجود النفط فيها. لكن البريطانيين لم يهتمّوا بولاية الموصل (كوردستان العراق الحالية) واحتلالها إلا بعد توقيع اتفاقية هدنة مودروس (Mudros) في الثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر) 1918. والواقع أنه لم يكن احتلالاً كاملاً، لأن الحركة القومية الكوردية التي كان يتزعّمها الشيخ محمود الحفيد ظلّت تحتفظ بالسليمانية والمناطق الكوردية المجاورة ردحاً من الزمن. وقد تولّى الجيش البريطاني في 1919 القضاء على حركة الشيخ محمود الحفيد الكوردية إلى حين، وألحق إدارة تلك المنطقة من كوردستان العراق بالمندوب السامي البريطاني مباشرة. وقد عبّرت هذه الحركة الكوردية بقيادة الشيخ محمود الحفيد عن رفض الشعب الكوردي الخضوع للترك مرة أخرى، أو الانضواء تحت لواء دولة عربية جديدة (العراق العربي)، بديلاً عن الاستقلال الذاتي لكوردستان العراق (ولاية الموصل) الذي كان الكورد يطمحون إليه جزءاً من حقهم في تقرير المصير.

وفي مجرى عملية تشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة المستحدثة، دعا البريطانيون الأمير فيصل، وهو الملك الهاشمي السابق الذي تولّى عرش سوريا ثم طرده الفرنسيون من دمشق في تموز (يوليو) 1920، ليكون ملكاً على عرش العراق.

افترضت المادة 64 من معاهدة سيفر 1920 «اتحاداً طوعياً» لسكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، لذلك كان على البريطانيين في حينه أن يجروا استفتاءً لمعرفة رأي أهل البلاد وسكانها الكورد المعنيين. والاستفتاء الذي جرى على أساس منح حق التصويت لمالكي العقارات وذوي المقدرة المالية قاطعه الكورد في المنطقة الكوردية، إذ كانوا يعتقدون أنه استفتاء صوري مزيّف لا يعكس الرأي العام الحقيقي للكورد، وإنما لجأ إليه البريطانيون ذريعةً لفرض هيمنتهم. ثم أجروا استفتاءً صورياً ثانياً مثله أفضى إلى تنصيب الأمير فيصل ملكاً على سائر العراق. وقد أدرك الملك فيصل حال تسلّمه منصبه أن الحاجة تدعو إلى توطيد حكمه فعلياً بضمّ ولاية الموصل (كوردستان العراق ذات الأغلبية الكوردية)، التي كانت بريطانيا آنذاك تحكمها حكماً مباشراً، ولم تكن هناك حدود عراقية كوردية معروفة. ولا سيما أن الملك فيصل كان سنّي المذهب، في حين أن معظم رعاياه العرب في ولايتي البصرة وبغداد على المذهب الشيعي، فكان ضمّ ولاية الموصل (كوردستان العراق ذات الأغلبية الكوردية السنّية المذهب) ضرورياً للعراق العربي لإحلال نوع من الموازنة الطائفية.

أدّى ترسيخ سلطة مصطفى كمال أتاتورك العسكرية في تركيا الحديثة عام 1922 إلى إثارة تركيا قضية عائدية ولاية الموصل (كوردستان العراق) وطرحها على بساط البحث مجدداً، وبدأت بحملة تحريض وإثارة للاضطرابات في المنطقة، إلى جانب تحرّكات عسكرية أرغمت القوات البريطانية في النتيجة على الانسحاب من مدينة السليمانية في أيلول (سبتمبر) 1922. واستخدم البريطانيون لوقف الزحف التركي الشيخ محمود الحفيد، وكان الزعيم الكوردي الوحيد صاحب النفوذ الكافي للإمساك بناصية الحال والتصدّي للتهديدات، فضلاً عن اختزال نفقات قد تتكبّدها بريطانيا جرّاء حملة عسكرية تهدف إلى استعادة ما استولى عليه الأتراك.

بادر الشيخ محمود الحفيد فور عودته إلى السليمانية في تشرين الأول (أكتوبر) 1922 إلى تشكيل حكومة كوردية، وأعلن نفسه حكمداراً (حاكماً) لكوردستان العراق (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية، وشكّل إدارة بسيطة، وأصدر جريدة باسم «رۆژی کوردستان» أي «يوم كوردستان».

هذه الإجراءات أفزعت البريطانيين واستفزّتهم، وأدّت إلى تردّي العلاقات بين الطرفين، فحاول الشيخ محمود الحفيد استثمار لعبة استعداء القوّتين المتنازعتين إحداهما على الأخرى تعزيزاً لمركزه.

في ذلك الحين كان الجانب البريطاني جادّاً في تنفيذ منطوق التصريح العراقي – البريطاني المشترك الصادر في 22 كانون الأول (ديسمبر) 1922، الذي اعترف بحق الشعب الكوردي في حكم ذاتي محلي في كوردستان العراق (ولاية الموصل) ضمن إطار الدولة العراقية العربية. ولأهمية هذا التصريح ننقل فيما يلي نصّه: «تعترف حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية بحقّ الكورد الذين يعيشون داخل حدود كوردستان العراق (ولاية الموصل) في إقامة حكومة كوردية ضمن هذه الحدود، وتأمل الحكومتان أن تتوصّل العناصر الكوردية المختلفة بأسرع ما يمكن إلى اتفاق فيما بينها حول شكل الحكومة الكوردية التي ترغب في إقامتها، وحول الحدود التي ترغب أن تمتدّ إليها، وأن ترسل ممثّلين ذوي صلاحيات إلى بغداد للمداولة في العلاقات الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية».

أدّى فشل مؤتمر لوزان الأول في شباط (فبراير) 1923 بالبريطانيين إلى تغيير سياستهم، فاتّهموا الشيخ محمود الحفيد بإثارة الفتن والقلاقل، وبإقامة علاقات مع الشيعة الثائرين في الجنوب (ثورة العشرين). وسُيّرت حملة ضده، فانسحب من السليمانية في الرابع من آذار (مارس) 1923، واعتصم في جبال كوردستان مع فئات من أتباعه مواصلاً النضال. وشنّ البريطانيون هجوماً بغية الحيلولة دون اتصاله بالترك الذين كانوا قد انسحبوا من راوندوز من غير قتال، وأُرغم الشيخ محمود الحفيد بعد ذلك على اللجوء إلى كوردستان إيران.

بُعيد التوقيع على معاهدة لوزان في 24 تموز (يوليو) 1923، ووفقاً لإحدى موادّها، أرسل مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق دولية (لجنة تقصّي الحقائق) إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق). وبقيت اللجنة هناك ثلاثة أشهر، أي من كانون الأول (ديسمبر) حتى آذار (مارس) 1925، وقد أيّدت نتائج تحقيقها سيادة اللغة الكوردية والهوية الكوردية لسكان المنطقة الكوردية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) بصورة لا يتطرّق إليها شكّ.

وأخيراً صدر قرار مجلس العصبة في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1925 لصالح ضمّ ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى العراق العربي الجديد، وتثبيت خط الحدود الدولية بين تركيا ودولة العراق العربي المستحدثة، وهو الخط المعروف بخط بروكسل. وجاء في توصيات عصبة الأمم بخصوص شكل الإدارة في هذا الإقليم الكوردي (ولاية الموصل – كوردستان العراق) ما مفاده نوع من الحكم الذاتي المحلي والإقرار بحقوق الشعب الكوردي فيه.

إن التطبيق العملي الوحيد لهذه التوصيات كان مجرد إصدار حكومة بغداد قانون اللغات المحلية في العام 1926، الذي أتاح للكورد القاطنين في لواءي السليمانية وأربيل وأجزاء من كركوك والموصل (المقصود دهوك لاحقاً) الدراسة الابتدائية باللغة الكوردية، وطبع الكتب الدراسية الخاصة بهم باللغة الكوردية.

في العام 1925 شنّت الحكومة العراقية حملة ضد اللاجئين الكورد من أتباع الشيخ محمود الحفيد في كوردستان إيران لدى القبائل الكوردية الصديقة، وفي العام 1926 جرت عمليات مشابهة بالتعاون مع قوات إيرانية كان مآلها الفشل الذريع.

وأغار سلاح الجو الملكي البريطاني (RAF) للمرة الثانية على مواقع الشيخ محمود الحفيد ليرغمه على التفاوض مع الموفد البريطاني السير كيناهان كورنواليس (Sir Kinahan Cornwallis) في خريف العام 1926، إلا أن المفاوضات لم تسفر عن أيّ اتفاق.

رفضت كوردستان العراق منذ البداية الخضوع لإدارة عربية الصبغة في بغداد، رغم وعود الحكومة العراقية بجعل اللغة الكوردية لغة رسمية وتعيين موظفين كورد لإدارة المنطقة الكوردية (كوردستان العراق – ولاية الموصل). ومع هذا انبثقت عدة جمعيات ثقافية كوردية في العامين 1926–1927، وحقّقت نجاحاً وإقبالاً يُعزى بالدرجة الأولى إلى اتجاهها السياسي المتزايد.

والمعاهدة البريطانية – العراقية التي أُبرمت في العام 1930، وحدّدت فيها الحكومة البريطانية أجلاً لإنهاء انتدابها على العراق العربي، لم تُشِر إلى أيّ نية بشأن حقوق قومية كوردية في كوردستان العراق، الأمر الذي دعا وجهاء مدينة السليمانية إلى رفع مذكّرات إلى عصبة الأمم تطالب بتنفيذ قرار مجلس العصبة المؤرّخ في كانون الأول (ديسمبر) 1925. وفي السادس من أيلول (سبتمبر) 1930 اشتدّ التوتر، واندلعت تظاهرات كبيرة في السليمانية، وفتح الجنود النار على المتجمهرين الكورد فيها، فسقط بضع عشرات من القتلى. واستغلّت الحكومة العراقية أحداث الشغب، فاعتمدت خطة لاعتقال القوميين الكورد. ورأى الشيخ محمود الحفيد أن يواصل الضغط على عصبة الأمم دبلوماسياً بتنظيم حملة عرائض، رافقتها حملة لاحتلال قصبة بنجوين، ولكن لم يسعفه الحظ فرُدّ على أعقابه.

لم تبدأ عمليات القمع الحكومي إلا بعد أن رفض مجلس عصبة الأمم النظر في الشكاوى الكوردية. وفي نيسان (أبريل) 1931 مُنيت قوات الشيخ محمود الحفيد بهزيمة كبيرة، فاضطرّ إلى عبور الحدود إلى كوردستان إيران، ثم ما لبث أن سلّم نفسه مرغماً لحكومة بغداد التي أبعدته إلى مدينة الناصرية ووضعته تحت الإقامة الجبرية في داره، ثم نقلته بعد فترة إلى بغداد.