الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يستقبل تانسو تشيللر رئيسة وزراء تركيا عام 1993

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

مارست الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على حكومة تانسو تشيللر، رئيسة وزراء تركيا، من أجل تمديد بقاء «قوة المطرقة المتأهبة» لحماية الكورد. وكان هذا واضحاً في محادثات بيل كلينتون مع تانسو تشيللر في البيت الأبيض في الخامس عشر من تشرين الأول 1993، إذ عبّر بيل كلينتون عن أمله في تمديد مدة بقاء قوة المطرقة المتأهبة.

وفي هذا المجال كتبت صحيفة «ملليت» قائلة: «تطرقت تانسو تشيللر بصراحة خلال هذا الأسبوع إلى حقيقة الدولة الكوردية في كوردستان، رغم أنها تتعارض مع استراتيجية أمريكا في كوردستان العراق، مؤكدة أن تركيا تعرضت لألاعيب كثيرة خلال عشر سنوات. إن أقوال تانسو تشيللر تعني للوهلة الأولى أن اللعبة التي أخذ تورغوت أوزال على عاتقه أن يلعبها بالورقة الكوردية من أجل الإطاحة بالرئيس صدام حسين (1) قد تحولت لغير صالح تركيا، إذ إن الدعم الذي قُدّم للزعيمين الكورديين مسعود البارزاني وجلال الطالباني لم يُجدِ نفعاً سوى تقوية عناصر الـ PKK في كوردستان العراق، فضلاً عن أن المساعدات التي أُرسلت إلى المنطقة (كوردستان العراق) عادت بالفائدة على الـ PKK أكثر من الأكراد في كوردستان العراق. وقد تحول الوضع في الجنوب الشرقي من تركيا (كوردستان تركيا) إلى حرب حقيقية، كما أشار إليها رئيس الأركان العامة التركي» (2).

وفي هذا الصدد يروي الكاتب المختص بالشؤون الكوردية محمد نور الدين أن خمسة عشر عاماً من المواجهات الدامية (1984–1999) على حدود البلدين، في كوردستان تركيا وكوردستان العراق، قد صعّدت من حدة الكراهية، ذلك أن عبد الله أوجلان استطاع حشد أكثر من خمسة عشر ألفاً من أنصاره (3). وفي المقابل دفعت الدولة التركية إلى مناطق القتال في كوردستان تركيا ما يزيد على (200) ألف جندي بصورة دائمة، موزعين على حدود سورية والعراق وإيران، بميزانية قاربت (7–8) مليارات دولار سنوياً (4). كما عمدت تركيا، وهي تعد خطة طويلة الأمد لمقاتلة الـ PKK، إلى تأسيس نظام «حماة القرى» بالاعتماد على ميليشيات من العشائر الكوردية المعارضة لحزب العمال الكوردستاني، مهمتها حماية القرى الكوردية من هجمات حزب العمال الكوردستاني (5).

وعلّقت تانسو تشيللر، التي كانت تحمل صورة واضحة لما يجري قبل إجراء مفاوضات مع الأجانب، على محادثاتها مع الرئيس بيل كلينتون بشأن قوة المطرقة المتأهبة في تركيا قائلة: «نحن لم ندخل في مشكلة في الجنوب الشرقي (كوردستان) لنطلب مساعدة لمواجهة عدوان إرهابي. ولكنها لم تعلن عن ذلك، بل حاول بيل كلينتون التضييق علينا في موضوع حقوق الإنسان، واتخاذ موقف ضد الإرهاب. وقد اعترف بذلك بيل كلينتون، إذ تطرق في كلمته إلى الـ PKK وذكر اسمه، وأعرب عن دعمه لنا على الصعيد الدولي» (6).

وفي الحقيقة، إن الرئيس بيل كلينتون أعرب في محادثاته مع تانسو تشيللر في واشنطن عن أمله في أن تمدد تركيا فترة بقاء قوة المطرقة المتأهبة، إلا أن تانسو تشيللر طرحت صعوبات هذا الموضوع عند مناقشته في المجلس الوطني التركي الكبير. وهذا يعني أن تانسو تشيللر لم تغلق الباب تماماً أمام طلب بيل كلينتون، لكنها لم تعرب في الوقت نفسه عن شيء مشجع لهذا الطلب (7). وفيما يخص علاقة قوة المطرقة المتأهبة بالـ PKK، تقول تانسو تشيللر: «لم أرَ بعدُ أدلة تثبت أن قوة المطرقة المتأهبة تعمل لغير صالحنا، ولكن الموضوع يخضع للتقويم باستمرار، ولم نصل بعدُ إلى قرار بشأنه. إن وجهات نظرنا قد تغيرت تجاه الزعيمين الكورديين جلال الطالباني ومسعود البارزاني» (8).

إن موقف تورغوت أوزال من الحركة الكوردية تغير كثيراً عما كان عليه إبان حرب الخليج الثانية عام 1991، وصار يتحدث عن حقوق الأكراد بصوت عالٍ (9). أما موقف دول التحالف من الهجوم التركي على مواقع حزب العمال الكوردستاني فقد تميز بالتأييد لتركيا، حين أعلنت المتحدثة باسم القوات الأمريكية في قاعدة إنجرليك التركية أن هجوم القوات التركية على حزب العمال الكوردستاني (PKK) شأن داخلي يخص الحكومة التركية (10). أما وزير خارجية ألمانيا هانز ديتريش غينشر فقد أدان الهجوم التركي ووصفه بأنه انتهاك لحقوق الإنسان والقانون الدولي (11).

أما وجهة نظر تانسو تشيللر تجاه أكراد كوردستان العراق فقد اتسمت بمنطق العقلانية في السياسة الخارجية، ولو بصورة شكلية، إذ اعترفت تانسو تشيللر عندما تسلمت السلطة في تركيا قائلة: «إن جلال الطالباني ومسعود البارزاني كان لهما نصيب في اللعبة، إذ أراد الغرب عن طريقهما إقامة دولة كوردية في كوردستان العراق» (12). ولكن تانسو تشيللر تقرّ وتعترف من ناحية أخرى، وهي تبتعد عن السلوك العقلاني في سياستها الخارجية من خلال التدخل في شؤون العراق، عندما قالت: «إنه تم التخلي عن هذه السياسة الحمقاء. إن إقامة دولة كوردية في كوردستان العراق كان يُراد منها إلى حد ما التصدي للرئيس صدام حسين، باعتبار أن جلال الطالباني ومسعود البارزاني قوة ضد صدام، وقمنا نحن أيضاً باستخدامهما لمكافحة الإرهاب بين مدة وأخرى (13). إلا أننا نقول إن تغييراً سيحدث في هذه الاستراتيجية، إذ لن نرسل بعد الآن أية مساعدات أو دعم لكوردستان العراق دون رقابة، وقد أكدت هذه الحقيقة للزعيمين الكورديين جلال الطالباني ومسعود البارزاني» (14).

لقد كانت تركيا، على لسان قادتها، تخشى من الحكم الذاتي الذي مُنح لأكراد كوردستان العراق في بداية السبعينات من القرن الماضي، فكيف يكون الحال في حالة وجود دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق؟ (15). ويبدو أن تركيا، عندما تعمل على إسقاط النظام في بغداد، إنما ترمي من وراء ذلك إلى التعامل مع أنظمة سياسية ضعيفة للسيطرة على مقدرات المنطقة العربية.

المصادر

  1. صحيفة ملليت التركية الصادرة في 16 تشرين الأول 1993م.

  2. المصدر نفسه.

  3. محمد نور الدين، المسألة الكوردية في تركيا بعد اعتقال أوجلان، مجلة الشرق الأوسط، كانون الثاني 1999، بيروت، ص 87–91.

  4. صحيفة القادسية العراقية الصادرة في 21 تموز 1992م.

  5. اتسمت المواجهة بين القوات الحكومية ومقاتلي حزب PKK بطابع مأساوي، إذ سقط آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين، قُدّروا في الجانب التركي بـ (30) ألفاً وفي الجانب الكوردي بـ (50) ألفاً، فضلاً عن تهجير مئات الآلاف من القرى والمزارع إلى المدن الرئيسية في المناطق الكوردية. وتبعاً لسياسة «تجفيف المياه في البحيرة» لقتل الأكراد بدلاً من قتل الأسماك نفسها، دُمّرت، وفقاً لإحصائيات دولية، ما لا يقل عن (3) آلاف قرية. انظر: محمد نور الدين، المسألة الكوردية في تركيا بعد اعتقال أوجلان، مجلة الشرق، No. 78-79, Dec. 98 – Jan. 1999.

  6. هاينتس كرامر، المصدر السابق، ص 344.

  7. المصدر نفسه، ص 352.

  8. صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية الصادرة في 16 تشرين الأول 1993.

  9. سالار أوسي ويوسف إبراهيم الجهماني، المصدر السابق، ص 41.

  10. المصدر نفسه، ص 41.

  11. محمد مصطفى شحاتة، الحركة الكوردية في العراق وتركيا، السياسة الدولية، العدد (107)، كانون الثاني 1992، ص 233.

  12. سفارة جمهورية العراق في أنقرة – الدائرة الصحفية – الرقم 347 في 5/11/1993؛ وكذلك: Hurriyet, 5-11-1993.

  13. صحيفة حريت التركية الصادرة في 5/11/1993م.

  14. طلبت تانسو تشيللر من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا جون ميجر، أثناء اجتماعها بهما في واشنطن في نهاية تشرين الأول 1993م، ضرورة أن تحاور القيادة الكوردية في كوردستان العراق حكومة بغداد، فرفض الاثنان مقترح تشيللر. انظر: Time, Jan. 28, 1993, p. 35.

  15. شلومو نكديمون، المصدر السابق، ص 126.