الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

السياسة البريطانية تجاه العراق خلال وزارة رشيد عالي الكيلاني الثالثة (الجزء الأول)

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2010

1. مقاومة السوفييت والألمان

تطورت الحرب العالمية الثانية في أشهرها الأولى، وشهدت انتصارات سريعة ومتلاحقة للألمان حتى احتلوا باريس في الرابع عشر من حزيران 1940م، بعد تسعة أشهر من بدء الحرب العالمية الثانية (أيلول 1939م). إن هذا التطور الخطير في الموقف جعل بريطانيا تشعر بقلق شديد على مصالحها في الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة. وكان المسؤولون البريطانيون يخشون قيام الاتحاد السوفييتي باجتياح العراق عن طريق إيران للسيطرة على نفطه، وما يترتب على ذلك من انتشار المد الشيوعي في عموم المنطقة(1).

بعد أن تسلّم ونستون تشرشل رئاسة الوزارة البريطانية من تشامبرلين في العاشر من مايس 1940م، اتخذ لنفسه سياسة عدم التساهل حيال أية مقاومة لمصالح بريطانيا(2).

فقد صرف ونستون تشرشل النظر عن السياسات البريطانية القديمة التي وضعها أسلافه، مبرراً ذلك بأن التأييد الذي يلقاه من الجماعات الصهيونية سيسهم في المجهود الحربي إسهاماً بارزاً. غير أن هذه الحقيقة، كما اتضح لوزارة الخارجية البريطانية، كانت تحمل معها أخطاراً على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، فضلاً عن خوف بريطانيا من ردة فعل الشعب العراقي ضد اليهود القاطنين في العراق(3).

أعطت رئاسة الأركان البريطانية رأيها في الوضع في المنطقة في بداية شهر تموز 1940م، فكتبت أن أمن الشرق الأوسط يتوقف على(4):

  1. الدفاع عن مصر والسودان، حيث توجد قواتنا الرئيسية وتتمركز مواصلاتنا في الشرق الأوسط، وحيث توجد قناة السويس التي تسيطر على مرور النفط من إيران، وأن تجري حماية الطريق من بغداد إلى ميناء حيفا الفلسطيني.

  2. مواضعنا الدفاعية الشمالية التي توجد في النهاية الغربية لطريق بغداد – الأردن، وخاصة في منطقة قاعدة الحبانية في الرمادي.

  3. ميناء عدن الذي يشكل ضرورة لخطوط مواصلاتنا في البحر الأحمر.

  4. الدفاع عن كينيا التي هي خط دفاعنا الثاني في أفريقيا، والتي يوجد فيها الخط الاحتياطي البديل للتواصل مع مصر عن طريق مومباسا.

إن هاجس البريطانيين وخوفهم من وصول هتلر إلى شواطئ الخليج العربي، والتحكم بمنابع النفط وطرق المواصلات بين الهند وأفريقيا، وسهولة اللقاء بقطب المحور الآخر (اليابان)، كل ذلك جعل بريطانيا تعمل بثقل غير اعتيادي وبضغوط متعددة القنوات تصب في دفع العراق إلى الحرب إلى جانب الحلفاء. وأسهم سفير بريطانيا في العراق بازل نيوتن بدور فعّال عن طريق نوري السعيد بصفته رئيساً للوزراء آنذاك، كما دخلت أمريكا على الخط بعد تزايد نفوذها في العراق(5).

ويعتقد الباحث أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل كان يدرك في بداية الحرب العالمية الثانية أن الضرورة تستدعي إنهاء دور الضباط الوطنيين، وخاصة العقداء الأربعة، ودور رشيد عالي الكيلاني في العراق، قبل اقتراب القوات الألمانية من سوريا، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وإزاء إصرار الجيش العراقي والتزامه الوطني والقومي، أقدم ونستون تشرشل وقياداته في الهند ومصر على نقل قوات من قواعدهم البعيدة لتعزيز مواقع قطعاتهم في البصرة والشعيبة والحبانية. وأرسل تشرشل برقية إلى قياداته وممثلي حكومته قائلاً: «علينا تصفية هذه العملية الشاقة في العراق بسرعة»(6)، ويعني حكومة رشيد عالي الكيلاني وجماعته، مدركاً خطورة اتساعها وامتدادها إلى بقية الأقطار العربية.

أدركت بريطانيا أن تطور الأحداث أصبح في غير صالحها، فأبلغت الحكومة العراقية، يوم مغادرة الوفد العراقي إلى تركيا في الحادي والعشرين من حزيران 1940م لغرض التوسط(7)، أنها قررت إنزال قوة عسكرية بريطانية في البصرة بهدف التوجه إلى ميناء حيفا الفلسطيني عن طريق بغداد والموصل. ولكي يمكن الشروع في نقل تلك القوة البريطانية بعد مدة قصيرة (أي في منتصف شهر تموز 1940م)، طلبت السفارة البريطانية أن تقوم القوة الجوية البريطانية بتأسيس معسكرات للاستراحة في البصرة وبغداد والموصل في تاريخ مبكر، وقالت السفارة إن هناك احتمالاً لتأسيس خطوط مواصلات عبر الصحراء ما بين بغداد ومدينة حيفا في فلسطين(8).

يجد الباحث أن بريطانيا، التي وقعت المعاهدة البريطانية – العراقية في 30 حزيران عام 1930م، كانت تدرك أهميتها في استقدام القوات عبر البحار والمحيطات إلى مناطق التوتر، وأنها في سبيل ذلك لا تثق بسياسة الساسة المحليين العراقيين مهما بلغت الصداقة، وأن مصلحة بريطانيا كانت تقتضي أن تحفظ العراق من مغامرة عسكرية داخلية أو خارجية قد توصل حليفها في الحرب (السوفييت) إلى شمال العراق (كوردستان العراق).

أجابت الحكومة العراقية على طلب السفارة البريطانية في الثاني والعشرين من تموز 1940م بأنه لا مانع لديها من نزول القوات البريطانية، بشرط ألا تبقى مدة طويلة في العراق، وألا تقام مخيمات للجيش(9). وفي الوقت الذي استمرت فيه اتصالات الحكومة العراقية مع دول المحور، واصلت اتصالاتها أيضاً مع بريطانيا لمعرفة رأيها وموقفها من مستقبل سوريا وفلسطين. وكان واضحاً أن العرب الآخرين لم يكونوا راضين عن موقف بريطانيا تجاه الهجرة اليهودية خلافاً لوعودها، وبدا واضحاً أن توجه مجلس العموم البريطاني هو عدم إعطاء أي عهد للعرب بشأن سوريا وفلسطين(10).

بدأت العلاقات تتوتر بين العراق وبريطانيا. ووجدت بريطانيا أن وزارة رشيد عالي الكيلاني(11) الثالثة، التي تألفت في آذار 1940م، قد تبنت طريقة لم يسبق أن تصرفت بها أية وزارة سابقة، فقد تصرفت بروح من الاستقلالية تدل على نوع من التعاون مع دول المحور.

وصل إلى بغداد في تموز 1940م العقيد نيوكمب (S. F. Newcombe)، أحد موظفي الدعاية البريطانية، بمهمة شبه رسمية لمعرفة ما يمكن عمله لاسترضاء العرب. وشارك في المباحثات نوري السعيد وزير الخارجية، ورشيد عالي الكيلاني رئيس الوزراء، وممثلون عن مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني(12)، فضلاً عن السفير البريطاني بازل نيوتن(13). وقد فشل العقيد نيوكمب في مباحثاته، لأن الحكومة البريطانية لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات للعرب في أية مسألة من المسائل التي تخص مصير سوريا وفلسطين، فضلاً عن مواقف البريطانيين العدائية تجاه جيش العراق(14).

وعلى الرغم من فداحة الخسائر التي تكبدتها بريطانيا في هذه الفترة، فإنها لم تسحب قواتها من العراق، بل قامت بتعزيزها بقوة من الهند، تخوفاً من سيطرة الألمان على آبار النفط، ومن الانتشار الشيوعي الذي كان يهدد المنطقة كلها.

المصادر

  1. محمد حمدي الجعفري، بريطانيا والعراق حقبة من الصراع 1914-1958م، ط1، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2000م، ص 13. وكذلك تشارلز تريب، مصدر سابق، ص 140.

  2. علاء جاسم محمد الحربي، السياسة البريطانية تجاه الجيش العراقي 1940-1948م، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع 3-4، 1995، ص 42.

  3. إديث وإي. إف. بينروز، مصدر سابق، ج1، ص 182.

  4. جفري ورنر، العراق وسوريا 1941م، ترجمة محمد مظفر الأدهمي، الجزء الأول، بغداد، الجامعة المستنصرية، 1971م، ص 78-79.

  5. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس سنة 1941م التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 62.

  6. صحيفة الثورة، بغداد، في 2 مايس 1994م.

  7. كان الوفد العراقي مؤلفاً من: ناجي شوكت وزير العدلية، ونوري السعيد وزير الخارجية. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس سنة 1941م التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 90.

  8. الطريق الصحراوي بين بغداد وحيفا في فلسطين يمر في الظروف الاعتيادية من بغداد نحو جهة الغرب (قاعدة الحبانية في محافظة الأنبار) ومحطات ضخ النفط H-3 وH-4 وH-5. أما في حالة فيضان نهر الفرات وارتفاع منسوب المياه في الحبانية فإن الطريق يكون إلى جنوب البحيرة، ومن هناك عبر نهر الفرات إلى مدينة المسيب. وفي 22 تموز 1940م أجابت الحكومة العراقية بأنه لا مانع لديها من مرور القوات طبقاً لأحكام معاهدة 1930م الموقعة بين بريطانيا والعراق. انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس سنة 1941م التحررية، مصدر سابق، ص 89.

  9. عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس سنة 1941م التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 89.

  10. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 41-42.

  11. رشيد عالي الكيلاني (1892-1965): ولد في بغداد عام 1892، وتخرج من مدرسة الحقوق في بغداد، وأسهم في الحياة السياسية للعراق. أصبح وزيراً للعدل عام 1924، واشترك مع ياسين الهاشمي في تأسيس حزب الإخاء الوطني. تقلد مناصب عدة، منها: رئيس الديوان الملكي، والسكرتير الخاص للملك فيصل الأول. شكل وزارته الأولى عام 1933، ووزارته الثانية في عهد الملك غازي، ووزارته الائتلافية الثالثة عام 1940، ووزارته الرابعة في نيسان عام 1941، وله مؤلفات عدة. توفي في بيروت ودفن في بغداد عام 1965. انظر: صباح نوري مرزوك، موسوعة بيت الحكمة لأعلام العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، بيت الحكمة، 8 أجزاء، 2000، ج1، ط1، ص 183.

  12. مفتي القدس محمد أمين الحسيني (1897-1974): شخصية فلسطينية بارزة، شارك في الثورة العربية عام 1916. عيّنه المندوب السامي البريطاني في فلسطين السير هربرت صموئيل مفتياً للقدس عام 1921، واستمر تعاونه مع البريطانيين حتى عام 1929. انتخبته الأحزاب الفلسطينية رئيساً للجنة العربية العليا التي تشكلت عام 1936 لقيادة النضال الفلسطيني. كان معارضاً للمطالب الصهيونية في فلسطين ولهجرة اليهود إليها، ثم أصبح معارضاً لسياسة البريطانيين الودية نحو اليهود. هرب من فلسطين إلى لبنان، ولجأ إلى العراق في تشرين الأول 1939، وفي العام الأول من وجوده في بغداد أسس حزب الأمة العربية. وبعد مضي سنتين على وجوده في العراق أصبح مركز ثقل للقضية الفلسطينية، والتف حوله القوميون والعقداء الأربعة وأصبح مرجعهم الأعلى. قام بدور خطير في توجيه السياسة العراقية، وكان له دور مؤثر في حرب مايس 1941 في العراق، وهرب من العراق على أثر فشل هذه الحرب واستقر في لبنان. انظر: حسني أدهم جرار، الحاج أمين الحسيني رائد جهاد وبطل قضية، عمّان، دار الضياء، ط1، 1987، ص 187-188؛ وكذلك نجدة فتحي صفوة، مصدر سابق، ص 149-150؛ وكذلك عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، بيروت، مركز الطباعة الحديثة، ج1-8، 1979، ج2، ص 80؛ وكذلك محمد حسين الزبيدي، الحاج أمين الحسيني في بغداد، مجلة شؤون فلسطينية، بيروت، ع 40-41، 1981، ص 44.

  13. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 111-112.

  14. جفري ورنر، مصدر سابق، ص 112.


أجزاء «السياسة البريطانية تجاه العراق خلال وزارة رشيد عالي الكيلاني الثالثة» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول (هذا الجزء)
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث

الجزء الثاني ←