الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الصراع الكوردي الآشوري
الاطماع الاستعمارية بكوردستان العراق مع الجزء الأول
أ- استفزازات آشورية/اثورية للكورد (الصراع الكوردي الاثوري او الاشوري)
ترجع بدايات الصراع الكوردي - الأشوري (الآثوري) إلى بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وذلك حين أرسلت الدولة العثمانية الجنرال (محمد باشا بيرقدار) للقضاء على الإمارات الكوردية، وبالتحديد حين جهز والي كوردستان العثماني جيشاً للقضاء على إمارة بهدينان الكوردية، في عمادية (كوردستان العراق) براسة الامير اسماعيل امير العمادية. وبسبب النفوذ الواسع لعشيرة بهدينان داخل كوردستان كذلك، فهبت الإمارات الكوردية ورؤساء العشائر لنجدة الأمير إسماعيل أمير العمادية، فطلب الأمير بدرخان باشا والأمير نور الله بيك فى حكاري من مارشمعون، باعتباره تابعاً إلى نفوذ أمير حكاري الامير نور الله بيك تجهيز جيش من القوات الآشورية (الأثورية) لنجدة إمارة بهدينان ضد الدولة العثمانية، إلا أن مارشمعون الذي كان واقعاً تحت تأثير مساعد القنصل البريطاني في الموصل المدعو (نمرود رسام) وبما أن الحكومة البريطانية كانت تساند الدولة العثمانية للقضاء على الإمارات الكوردية المستقلة، رفض مار شمعون أوامر أمير حكاري الامير نور الله بيك في إرسال قوات لمساندة القوات الكوردية، وهذا ما أثار حفيظة الكورد ضد الاثوريين (الآشوريين).
سكن الآشوريون/الآثوريين (النسطوريون) والكلدان مع الكورد في ولاية حكاري وبوتان الكوردية وولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية منذ مئات السنين. وامتازت العلاقات بين هذه الشعوب بالاحترام المتبادل والسلام. فالشعب الاثوري/الآشوري شعب عريق وحي وشجاع؛ وله طبيعة الشعوب القبلية الجبلية المولعة بالحروب؛ لذلك يرى بعض الباحثين أن الكلدان هم من القبائل الكوردية التي تنصرت, بفعل الإرساليات التبشيرية التي أرسلتها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة كوردستان منذ بداية القرن الثامن عشر. يقال في أصل هذه الشعوب التي سكنت تلك المنطقة الكوردية كوردستان لمئات السنين، فإن أوجه التشابه بينها عديدة.
أعطى الحكم العثماني الآشوريين (الآثوريين) والكلدان نوعا من الإدارة الذاتية. حيث حكم الاثوريين (الأشوريون) منطقة حكاري ومناطق تياري وتخوما واشيتا، وهم طبقة ثيوقراطية نصرانية؛ متكونة من (أبونا وكاشتياس)؛ وكان على رأس هذه الطبقة الثيوقراطية المار شمعون, الساكن في منطقة جولة مرك. علماً أن السلطة الدنيوية في هذه المنطقة كان من المفترض أن تكون لرؤساء العشائر الاثورية/الآشورية الذين يسمون ب (الملوك). حيث كان هؤلاء الملوك (رؤساء العشائر الاثورية) بمثابة الهيئة الإدارية الحكومية في المنطقة، المكلفين بجمع الضرائب، وتنفيذ أوامر الدولة العثمانية، أو الأمير الكردي الحاكم فى المنطقة الكوردية والاثوريين تابعين له.
شهدت بداية القرن التاسع عشر توسعاً كبيراً في نفوذ الحكومة البريطانية، داخل أمور الدولة العثمانية. وجاء هذا التوسع كجزء من الصراع البريطاني - الروسي لحفظ توازن القوة في أوروبا، أثر سلسلة من الحروب الروسية - العثمانية، وتوغل القوات الروسية في المناطق المحاذية لكوردستان تركيا، وفي عمق كوردستان إيران، وفي منطقة أذربيجان الغربية. وشعر الإنجليز أن الروس باتوا يهددون المصالح البريطانية. في مضايق الدردنيل والبوسفور، والمصالح الاستعمارية لها في العراق والهند. لذلك أصبح دعم الدولة العثمانية من الأمور المهمة من أجل الحفاظ على وحدة أراضيها، وأحد أههم أركان السياسة البريطانية في الشرق. ونظراً لأهمية منطقة كوردستان الإستراتيجية في الصراع الروسي البريطاني فقد حاولت كلتا الدولتين إيجاد مواقع قدم لهما في المنطقة الكوردية (كوردستان). فحاول الروس التغلغل فى المنطقة الكردية كوردستان من خلال إيجاد صلات وثيقة مع الأرمن، وتبنى الإنكليز ومما زاد في حدة الصراع بين الآثوريين والكورد وصول المنصرين والأمريكان إلى منطقة حكاري، ففي عام 1838م، وصل المنصر (المسيحي) الإنكليزي المدعو مستر (بيكن) مع المنصرين (المسيحيين) الأمريكان، ودعا الآثوريين علناً إلى التمرد ضد من سموا ب (الكرد المتعصبين). كما أدى مساعد القنصل البريطاني (نمرود رسام) دوراً تحريضياً كبيراً، وذلك لدعواته المتكررة الدولة البريطانية للتدخل، واعلان الحماية البريطانية على حكاري لحماية الاثوريين (الآشوريين المسيحيين هناك. كما أن ازدياد عدد المراكز التنصيرية (التبشيرية للمسيحيين) أعطت الآشوريين (الآثوريين) وخاصة المارشمعون في عام 1841م نوعاً من الثقة، لأن يطلب الحماية البريطانية علناً.
كما شهدت الفترة بين 1841 - 1843م عدة هجمات متبادلة بين الكرد وأنصار (المارشمعون)، أثارت هذه التصرفات المحرضة والاستفزازية (الأمير بدرخان باشا)، امير امارة بوتان الكوردية ولكنه حاول، قبل اتخاذ أية إجراءات رادعة، استشارة والى أرضروم العثماني الذي كان يشرف إدارياً على (حكاري وبوتان) الكوردية. حيث أبلغ الوالي العثماني (المارشمعون) بعدم التدخل في الشؤون السياسية الدنيوية التي لا تدخل ضمن صلاحياته، وترك الأمور الدنيوية لطبقة الملوك (رؤساء العشائر الاثورية). إلا أن مارشمعون رفض أوامر والي أرضروم العثماني، واستمر في اتصالاته مع مساعد القنصل العام الإنكليزي في الموصل (نمرود رسام). كما استمر الآثوريون في التمرد على سلطات أمير الحكاري. وفي عام 1843 حيث كان المنصر المسيحي (بادجر) في منطقة تياري، ووصل رسول من أمير حكاري يطلب من المارشمعون، زيارته لبحث المسائل الخلافية، إلا أن ابن أخ مارشمعون قال بالحرف الواحد، وفي حضور مارشمعون، لرسول أمير حكاري: "نحن لسنا خاضعين لكم وان ديارنا الآن هي ملك هذا الرجل" مشيرا إلى المنصر بادجر (المسيحي ومن المبشرين هناك).
وبعد أن تبين هذا التمرد الصريح من جانب المارشمعون وأنصاره على سلطة امير حكاري؛ طلب أمير حكاري من الأمير بدرخان باشا امير بوتان مساعدته للقضاء على التمرد الآثوري. فأرسل الأمير بدرخان باشا أحد رجاله المدعو (زينل بيك) مع قوة عسكرية كوردية إلى أشيتا، فقامت قوات المارشمعون بمحاصرة القوة الكوردية في القلعة الموجودة في المدينة، ودام الحصار عدة أيام، وكاد المحاصرون الكورد داخل القلعة يموتون من الجوع. لذلك شكل الأمير بدرخان باشا جيشاً كوردياً مؤلفاً من 26.000 رجل، وشاركت فيه أيضاً قوات من كل الإمارات الكردية لتأديب مارشمعون المتمرد ولكن الجيش الكوردي كان تحت أوامر صارمة ألا يمس أي أثوري لا يقاوم، لذلك لم يتعرض الآثوريون الساكنون في منطقة تخوما لأي أذى لأن رؤساءهم الروحانيين والدنيويين رفضوا الانضمام لتمرد مارشمعون. وكافأهم الأمير بدرخان باشا.
كانت الحكومة البريطانية على علم تام بالتمرد الآثوري (الاشوري) والتخطيط له، وكذلك بالإجراءات التي اتخذها الأمير بدرخان باشا لتأديب الاثوريين(الآشوريين). لذلك حاولت الحكومة البريطانية الضغط على والي ولاية الموصل المدعو (محمد باشا كريتلي). للدفاع عن الآثوريين، ولكن دون جدوى كما ضغطت الحكومة البريطانية من خلال العقيد (شيل) ضابط الوحدة التجسسية البريطانية في الشرق، على السلطات الإيرانية للحيلولة دون مساعدة الكورد في إيران الأمير بدرخان باشا، في الهجوم على مواقع المتمردين الاثوريين(الآشوريين). ولكن، لأسباب غير واضحة، لم يتدخل والى الموصل محمد باشا كريتلي لصالح الاثوريين (الآشوريين)، فاستطاعت القوات الكردية دخول معقل (مارشمعون) الذي هرب إلى الموصل، واحتمى بالقنصلية البريطانية هناك.
تتحدث المصادر الغربية عن وقوع مجازر رهيبة في الأرواح والممتلكات بين الاثوريين (الآشوريين)، ويقدر الباحث البريطاني (هنري لإيارد) عدد القتلى بعشرة آلاف قتيل وجرح المئات. كما تحدثت الرسائل القادمة من المنصرين المسيحيين الإنكليز والأمريكان عن حدوث حالات النهب والخراب في الكنائس والمزارع، وسبّي للنساء وقتل الأطفال، والقساوسة، بيد من أسمتهم "الكورد المتعصبين"؛ في الوقت الذي حدد الأمير بدرخان باشا ضحايا الطرف الآثوري بألفي قتيل، فضلاً عن وقوع عدد مماثل من القتلى والجرحى في الجانب القوات الكوردية، إلا أن مارشمعون اعترف بوقوع خمسة آلاف قتيل وجريح في صفوف أنصاره.
وفي الوقت الذي لا يمكن أن نستبعد في الحروب القبلية كالتي دارت بين الكورد والاثوريين (الآشوريين) ووقوع الكثير من الضحايا من الطرفين، وخاصة في الطرف الاثوري (الآشوري) المنهزم، إلا أن رقم عشرة آلاف مقاتل رقم مبالغ فيه كثيراً، ولأسباب سياسية، علماً أن عدد الآثوريين في المنطقة في تلك الفترة لم يتجاوز 60.000 نسمة، ودارت المعارك بأسلحة بدائية، وفي منطقة جبلية وعرة جداً، ولمدة لا تتجاوز شهراً. كما أن الآثوريين، كما أشرنا، كانوا منشقين على أنفسهم؛ ولم تحدث الحرب إلا في منطقة تياري الصغيرة. لذلك نميل إلى رأي الأمير بدرخان باشا أن عدد القتلى والجرحى ينحصر بين 2.000 إلى 3.000، وانما بالغ الإنكليز والمنصرون المسيحيين في ذكر عدد الضحايا من الاثوريين (الآشوريين)، ما هو إلا لإثارة الرأي العام الأوروبي ضد الأمير بدرخان باشا، وهذا ما حدث فعلا، فقد تدّخل ممُّثلو القوى الأوروبية في استنبول لدى السلطان العثماني، وطلبوا منه التدخل لوقف المذابح (الكورد) ضد الاثوريين (الآشوريين).
أرسلت الدولة العثمانية فوراً وفداً حكومياً بقيادة (كامل باشا) إلى الأمير بدرخان باشا مطالبة إياه بوقف المعارك وتسليم الأسرى الاثوريين (الآشوريين). وفي لقاء بينه بدر خان باشا وبين القائد العثماني كامل باشا، دافع الأمير بدخان باشا عن موقفه، مؤكداً أن الاثوريين (الآشوريين) هم الطرف المعتدي؛ بإيعاز من المنصرين المسيحيين ونمرود رسام نائب القنصل البريطاني في الموصل وأن حملته (بدر خان باشا) ضدهم كان حملة تأديبية، لاعتداءاتهم المتكررة على القرى الكوردية المتاخمة للمناطق الآثورية. كما أحسن بدرخان باشا معاملة الأسرى الأثوريين، وسلمهم إلى القائد العثماني كامل باشا، ما عدا بعضاً منهم ممن دخلوا الإسلام، وأقر نمرود رسام مساعد القنصل البريطاني في الموصل بحسن معاملة الأسرى التي أبداها بدرخان باشا.
ورغم أن الأمير بدرخان باشا قد طوى من جانبه صفحة الحرب؛ مع الاثوريين في حكاري إلا أن الإنكليز استمروا من خلال جهود (نمرود رسام) مساعد القنصل البريطاني في الموصل والمنصرين المسيحيين في نشاطاتهم، لإثارة الفتنة بين الاثوريين (الآشوريين) والكورد، ولذلك فقد حصلت في تموز عام 1846، بعض المعارك في منطقة تخوما، بين أنصار مارشمعون الذي هرب مرة أخرى إلى الموصل محتمياً بالقنصلية البريطانية، وبين قوات الحكومة الكوردية. وضخم المنصرون (المسيحيين) والقناصل الأوروبية، في المنطقة، الضحايا في الطرف الآثوري، وذلك لتشجيع حكوماتهم الغربية على الضغط على الدولة العثمانية، للتدخل لإنهاء حكم امارة بوتان والأمير بدرخان باشا؛ إذ أشارت الصحف الغربية إلى وقوع آلاف الضحايا في الجانب الاثوري (الآشوري)؛ ولكن الوثائق البريطانية السرية التي نشرت إلى حدوث خمسمائة إصابة، فقط، فى الجانب الاثوري (الآشوري).
ب- فتنة المسلمين والمسيحيين و(دور الدولة العثمانية في الصراع)
يميل معظم كتاب الكورد إلى الاعتقاد بأن الدولة العثمانية المسلمة كانت متورطة مع الإنكليز في إثارة الآشوريين (الأثوريين) المسيحيين ضد الكورد المسلمين؛ إلا أنهم لا يقدمون دليلاً على ذلك من المصادر المكتوبة، في أيام الصراع؛ وانما يبنون اعتقاداتهم هذه استناداً إلى ما ورد في كتاب (القضية الكوردية) لمؤلفة بيلج شيركو (جلادت بدرخان)؛ (انظر: جليلي: من تاريخ الإمارات الكوردية ص 31 - 130). حيث لا يستبعد الدكتور جويدة احتمال تورط الدولة العثمانية في الصراع الآثوري -الكوردي؛ إلا أنه أيضاً بدوره لا يملك ولا يستند إلى أية وثيقة تاريخية، وأنه بنى اعتقاده بتورط الدولة العثمانية؛ على مجرد ظنه أن الحكومة المركزية العثمانية كانت تريد إضعاف الطرفين (الكوردي والآشوري) من أجل تثبيت سيطرتها على المنطقة الكوردية كوردستان. وكان هناك اعتقاد راسخ في الأوساط الأوروبية، وخاصة عند الإنكليز، أن الدولة العثمانية متورطة في التآمر مع الكورد ضد الاثوريين (الآشوريين). وقد أشار السفير البريطاني إلى تورط الدولة العثمانية في قمع الآشوريين. كما يعتقد المُنصّر الأمريكى دكتور (كرانت) بتورط والى الموصل محمد باشا كريتلي مع الكورد أثناء معارك عام 1843 بغلق حدود ولاية الموصل مع ولاية حكاري؛ الأمر الذي سهل للكورد معاقبة أنصار مارشمعون.
ليس هناك في الوثائق البريطانية المنشورة أي دليل قاطع على وجود تواطؤ بين الكورد والدولة العثمانية، ويظهر أن الشكوك البريطانية فى هذا الصدد كان مبعثها عدم اتخاذ الدولة العثمانية أي إجراء لإيقاف المعارك بين الآشوريين (الآثوريين) والكورد. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما مدى قدرة الدولة العثمانية على التأثير في أطراف الصراع؟
ليس هناك أي شك فى أن الدولة العثمانية كانت مستاءة من الحرب الآثورية. الكوردية، وذلك لأنها كانت خائفة من تبعاتها. ففي حزيران عام 1844، قال القائد العثماني كامل باشا مبعوث السلطان العثماني إلى بوتان، للأمير بدرخان باشا: إن استمرار الصراع سيعطي حجة للدول الاستعمارية للتدخل فى الشؤون الداخلية للدولة العثمانية، وقال مبعوث آخر من الدولة العثمانية للأمير بدرخان باشا: "إذا لم تترك هؤلاء الاشوريين (الاثوريين) وحالهم, فإن بريطانيا ستطلب من الدولة العثمانية إما محاسبتك أو أن تترك الإنكليز يحاسبونك. واعلم أن (الإنكليز) قادرون على الوصول إليك، لأنهم سبق وأن حاربوا الصينيين الذين يعيشون على بعد خمسة آلاف كيلومتر عن بريطانيا".
لذلك لم يكن للدولة العثمانية أي دور في إثارة الصراع الكوردي الآشوري، وكان للصراع جذور محلية؛ كما كان للمنصرين المسيحيين الإنكليز والأمريكان الذين كانوا يعملون بتوجيه من بريطانيا (وليس الدولة العثمانية) دور مباشر في تفجير الصراع. ولكن لماذا حرض الإنكليز الاثوريين (الآشوريين)على بدرخان باشا؟، وذلك يعود ذلك إلى عدة عوامل؛ وفي مقدمتها رغبة بريطانيا في القضاء على أي محاولة إقليمية رامية إلى الاستقلال الكوردي عن الدولة العثمانية. لأن الإنكليز كانوا خائفين من أن ذلك سيؤدي إلى تفكك الدولة العثمانية التي كانت في تلك الفترة واقعة تحت تأثير النفوذ البريطاني المباشر. لذلك ساعدت بريطانيا الدولة العثمانية في قمع حركة محمد علي باشا والي مصر الكوردي الاصل, بالأسلوب نفسه الذي أجبر العثمانيين على شن حملة على الأمير بدرخان باشا.
كان هناك اعتقاد عند الدوائر الرسمية الإنكليزية بأنه من السهولة التعامل مع المسؤولين في استنبول وفرض الإرادة الغربية عليهم، إلا أن ذلك غير ممكن مع أمير كوردي مستقل في منطقة جبلية أقال فيه إن القضاء على الإمارات الكوردية المستقلة، سيساهم فى جهود بريطانيا للتغلغل اقتصادياً وتجارياً فى منطقة كوردستان. ولكن هذا لا يعني أن الدولة العثمانية كانت غير راغبة ببسط سيطرتها على كوردستان، وإنهاء حكومة الأمير بدرخان باشا المستقلة، أو من استغلال الصراع الذي نشب بين الآشوريين (الآثوريين والكورد لصالحها.
في الحقيقة أن حكومة كوردستان المستقلة تحت قيادة الأمير بدرخان باشا في امارة بوتان الكوردية كانت تهدد الدولة العثمانية في الصميم؛ إذ كانت قوات الفرسان المهمة التابعة للدولة العثمانية تستند بصورة أساسية إلى المقاتلين الكورد فى منطقة حكاري وبوتان. وشكلت العشائر الكوردية الساكنة في هذه المنطقة كوردستان زهاء (40) كتيبة من كتائب الفرسان التابعة للدولة العثمانية. وكان هناك عشرون كتيبة أخرى مؤلفة من أبناء العشائر الكوردية في مناطق قبائل الحيدرانية، الجيرانية، ميران، دودري، كحان اتروشي وميللي. لذلك كانت كتائب الفرسان الكوردية تشكل عماد القوة العثمانية، في مجابهة إيران وروسيا القيصرية؛ ولم تكن الدولة العثمانية هي المحرض الأساسي للصراع.
* مقايضة منطقة عربستان بالسليمانية الكوردية
لكن الوساطة الدولية - الإنكليزية أفلحت في تسوية هذا النزاع سلمياً، ومن ثم عقد ما يسمى بمعاهدة "أرضروم الثانية" في 31 أيار (مايو) 1847, التي حسمت المسائل المتنازع عليها بشأن الحدود وزيارة الأماكن المقدسة في كربلاء والنجف, ووفقاً لهذه المعاهدة (ارضروم الثانية) تخلت إيران عن إدعائها بالسليمانية وبعض المناطق الأخرى. ولقاء ذلك تنازل الباب العالي (الدولة العثمانية) لإيران عن المحمرة عربستان التي تعرف حالياً باسم خورمشهر والساحل الأيسر لشط العرب. ويعني بذلك منطقة عربستان. أي أن مجريات الأمور دخلت منذ ذلك التاريخ حلبة الاستعمار واللعبة الدولية. وقد انبعثت عنها ترتيبات وأوضاع لم تكن في الحسبان فهي تمس من قريب أو بعيد مصالح الأمة العربية ومستقبل الوضع العربي في المنطقة. فمنذ ذلك التاريخ تكرست عربستان المحمرة لتكون جزء من إيران بتخطيط استعماري له تطلعاته النفطية المستقبلية.
الدكتور
عبد العزيز المفتي
الهوامش
(1) Jwaideh (Kurdish Nationalist Movement) Syracuse Univ. 1960, pt. 1, p. 192 — 93.
(2) الشاوي، عبد العزيز. الدولة العثمانية، دولة إسلامية مفترى عليها، الجزء الرابع، القاهرة: 1980. وانظر: Major Frederick Millingen. Wild Life Among the Kurds. London. 1870, p. 272
(3) مظهر، كمال. كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى.
(4) Wigram and D. Lambeth. The Cradle of Mankind Life in Eastern Kurdistan London, pp. 144 - 148.
(5) J. Joseph The Nestorians and their Muslim Neighbours (Princeton University, 1961) pp. 54-6
(6) British Documents on Foreign Affairs. Ottoman Empire 1860 — 1880. P. 282; Enclosure. No. 169. August 2. 1844.
(7) Jwaideh (Kurdish Nationalist Movement) Syracuse Univ. 1960, pt. 1, p. 199 - 200
(8) British Documents on Foreign Affairs Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 271; Vice Consul Rassam. July 29, 1843; Sir Canning No. 108 August 26. 1843.
(9) H. Layard. Nineveh and its Remains, p. 156.
(10) British Documents of Foreign Affairs, Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 282, Enclosure No. 169, August 2, 1844.
(11) British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 227; Telegram No. 194. September 1, 1843.
(12) British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860 — 1880, pp. 279 — 280; Enclosure No. 169. August 2, 1844; Telegram No. 126. Sir Canning.
(13) British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 288; Mr. Wellesley, January 1847.
(14) The Missionary Herald XXIX. No. 11, November 1843; British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 273; Telegram No. 208, October 13, 1843.
(15) British Documents on Foreign Affairs: Ottoman Empire 1860 — 1880, p. 279; Mr. Stevens, May 18, 1844; Enclosure No. 126, June 17, 1844, Sir Canning.
(16) Lord Cowley. No. 360. October 17, 1847. Memorandum on Kurdistan by H. Layard, Enclosure.
(17) Sheikh Waheed. The Kurds and Their Country, (Lahore 1958), p. 144.