الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القرار الدولي (688) لحماية أكراد العراق 1991–1996م

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

حدّد قرار مجلس الأمن الدولي (688) الصادر في الخامس من نيسان عام 1991 (1) الدواعي الإنسانية المطلوبة لأكراد كوردستان العراق عن طريق إيجاد منطقة الملاذ الآمن لهم (2)، فيما حُرّم على العراق ومُنع من ممارسة أي نشاط عسكري شمال خط العرض (36)، الذي يحتوي على أجزاء من الإقليم الكوردي (كوردستان) من الحدود التركية إلى خط جنوب محافظة الموصل العراقية، وكانت تلك إشارة تحذير من واشنطن لبغداد من مغبة استخدام القوة ضد اللاجئين الأكراد (3). وفي الرابع من آب عام 1992 حددت واشنطن خط العرض (32) جنوب بغداد لحماية الشيعة من سيطرة حكومة بغداد المركزية، وقد فُهمت في أوساط المتابعين على أنها عملية لتقسيم العراق (4).

دخلت قوة المطرقة المتأهبة، التي تكونت من قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية، إلى أراضي كوردستان العراق في السابع عشر من نيسان عام 1991، بهدف توفير الراحة (Operation Provide Comfort) لأكراد كوردستان العراق الذين هجروا ديارهم نتيجة استخدام العراق القوة العسكرية ضد المدنيين الكورد في كوردستان، وإجبارهم على اللجوء إلى الجبال القاحلة في جنوب تركيا. ولإشعار الأقليات في العالم أجمع بإنسانية الدول المشتركة في العملية، قامت قوات الدول الثلاث المذكورة بتزويد الأكراد في الجبال بالطعام والخيام والأدوية، وزوّدت وسائل الإعلام الأجنبية، والأمريكية تحديداً، بمعلومات تفيد بأن أعداد الأكراد العائدين كانت بحدود نصف مليون كوردي (5)، وذلك حين قررت رئاسة أركان الجيش التركي عدم جواز إجراء أي عملية عبور لحدودها إلا بموافقة الطرف التركي (6).

وفي خضم هذه التطورات صارت تركيا تؤكد ضرورة عودة سلطة حكومة بغداد المركزية إلى شمال كوردستان العراق من أجل تحقيق حالة الاستقرار في مناطق الحدود المشتركة بين الدولتين (كوردستان). وفي هذا الصدد يذكر هنري باركي، الأستاذ بجامعة ليهاي، «أنه حتى صدام حسين القوي هو أقل شراً في النهاية في نظر أنقرة من الوضع الحالي» (7). وقد تسبب مثل هذا الموقف في سوء تفاهم بين أنقرة والعديد من العواصم الأوروبية الغربية، فيما عدّت واشنطن أن موقف تركيا يخدم مصالح دمشق وبغداد وطهران على حساب المصلحة الأمريكية – التركية المشتركة (8). ويذهب هنري باركي إلى القول إن رموز حزب البعث تحت قيادة حافظ الأسد استفادوا من عمليات حزب العمال الكوردستاني في مدارات نزاعهم مع الأتراك، وكانوا القوة التي أسهمت في وقف إطلاق النار بين عبد الله أوجلان وأنقرة لمدة من الزمن (9).

ويعلق عبد الله أوجلان نفسه، في مقابلة له مع صحيفة الفيغارو الفرنسية في آذار عام 1992م، بالقول: «إن المشكلة الكوردية لا يمكن أن تُسوّى دون حزب العمال الكوردستاني، وسينتهي الأمر بإدراك الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ذلك» (10). أما عن العراق، فقد أشار عبد الله أوجلان إلى أن الرئيس العراقي صدام حسين لا يمكنه أن يحل المشكلة الكوردية بمفرده، معللاً ذلك بأنه إذا ما اقترب صدام حسين من تركيا أخاف الأمريكيين والإيرانيين، وإذا ما اقترب من الأكراد أقلق تركيا (11). وقد قام حزب PKK بفتح جبهة جديدة في منطقتي أنطاكيا ولواء الإسكندرون لمقاتلة الجيش التركي، وهو ما يتطلب من أنقرة إدراكه (12).

تم التوصل إلى اتفاق بين أنقرة وواشنطن حول استخدام وحدة حرس الأمم المتحدة، بحدود (500) شخص، في 17 و18 أيار عام 1991 في كوردستان العراق. ولضمان تعبئتهم ستُتخذ ترتيبات خاصة لضمان هبوط الطائرات السمتية التي تحمل إشارة الأمم المتحدة في مدن كوردستان العراق: دهوك وزاخو والموصل، وهي تحمل الدعم اللوجستي (13). وعلى هذا علّق الرئيس الأمريكي بوش الأب بالقول: «وجّهتُ جيش الولايات المتحدة للبدء بتأسيس “مواقع تجمع” في كوردستان العراق تكون فيها مواد الإغاثة للاجئين متوفرة لكي توزع بصورة منتظمة» (14). وتوافقاً مع قرار الأمم المتحدة المرقم (688) فإن واشنطن كانت تنوي تحويل حماية هذه المواقع إلى الأمم المتحدة في أقرب وقت ممكن (15). فيما أصدرت وزارة الخارجية التركية موافقتها في الرابع والعشرين من تموز عام 1991، وقد تضمنت النقاط التالية: تأمين رضوخ العراق لقرار مجلس الأمن (688) دون تكرار هجرة الأكراد من بيوتهم مرة أخرى، وأن تمركز القوات الدولية في جنوب تركيا (قاعدة إنجرليك وبطمان) هو ضمن فعاليات حلف شمال الأطلسي، وأن وحدات تركية ستشارك فيها بصفة عنصر قيادي، إذ إن تركيا هي الدولة المنظمة للوجود العسكري (16).

أما توزيع الجنود في قوة المطرقة المتأهبة في تشرين الثاني من عام 1992 فقد كان على النحو التالي:

أ. ظهر وجود (1416) جندياً أمريكياً و(183) جندياً بريطانياً و(139) جندياً فرنسياً و(74) جندياً تركياً، وقد توزعوا في قاعدتين تركيتين هما إنجرليك (803) جنود، وبيرينجليك (49) أمريكياً و(6) أتراك وبريطانيان وفرنسي واحد. أما في قاعدة زاخو العراقية فقد كان هناك (10) جنود من الولايات المتحدة الأمريكية و(5) أتراك وبريطانيان وفرنسي واحد.

ب. كان لدى الولايات المتحدة الأمريكية قوة جوية مكونة من (9) طائرات عمودية و(32) طائرة مقاتلة من طراز F-16 وA-10 وF-111. واستخدمت بريطانيا (8) طائرات مقاتلة من طراز جاغوار وطائرتي نقل وعدداً من الدبابات، فيما كان لفرنسا (8) طائرات مقاتلة من طراز F-1CR، ولتركيا (4) طائرات مقاتلة من طراز F-16 وF-4.

ج. أمّنت البحرية الأمريكية حاملة الطائرات «فورستال» المتواجدة في شرق البحر الأبيض المتوسط لتقديم المعاونة الجوية لقوات المطرقة المتأهبة إذا ما تطلب الأمر (17).

إن إسداء المعونات الإنسانية للأكراد في كوردستان العراق لا يعني التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، وهو ما ذهبت إليه المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، التي رأت أن خطوط العرض الوهمية 36 و32 لا يتضمنها القرار الأممي (688)، وأن الفقرتين (3) و(7) منه تطالبان العراق بأن يتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة لتحقيق الغاية منه.

المصادر

  1. القرار (688): أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 688 في الخامس من نيسان عام 1991 إثر تفاقم الأوضاع المأساوية للهاربين من بطش القوات العراقية، ويطالب بموجبه الحكومة العراقية بأن تقوم على الفور، كإسهام منها في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن في المنطقة، بوقف هذا القمع. كما يدين القرار القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكوردية في كوردستان العراق، وتهدد نتائجه السلم والأمن في المنطقة. ومن نصوص القرار 688 الطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق، أي أن مسؤوليات الأمم المتحدة ليست قانونية فحسب بل إنسانية أيضاً. ورغم مرور أحد عشر عاماً على صدور القرار المتعلق بحالة حقوق الإنسان، فالواقع يشير إلى أن ضحايا القمع يزدادون يوماً بعد يوم، وتقارير المقرر الدولي الخاص عن وضع حقوق الإنسان في العراق تؤكد بالأرقام والشهادات الحية والمعلومات الموثقة حجم الانتهاكات وتعدد صورها. ويعد القرار 688 أول قرار تصدره المنظمة الدولية عن حالة حقوق الإنسان بحق دولة عضو في الأمم المتحدة، إلا أن السلطات العراقية لم تحترم نصوصه، التي هي في غاية الشفافية واحترام السيادة الوطنية، خلافاً للعديد من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بعد حرب الخليج الثانية، بل تمادت طوال السنوات الماضية في تحديها لإرادة المنظمة الدولية والمجتمع الدولي في ممارساتها القمعية، وتضاعف عدد ضحاياها، من حملات الإعدام الأسبوعية التي ما زالت مستمرة، والتي تجسدت أبشع صورها فيما سمي بحملات تنظيف السجون، وقطع رؤوس النساء بالسيف، وقطع اللسان، وعمليات الترحيل القسري، وتغيير الواقع السكاني لمدينة كركوك، وسياسة التعريب، وتغيير القومية الذي نص عليه قرار مجلس قيادة الثورة رقم 199 الصادر في السادس من أيلول من العام 1990: «لكل عراقي أتم الثامنة عشرة من العمر الحق في طلب تغيير قوميته إلى القومية العربية». إن حماية الشعب العراقي من مسؤوليات المنظمة الدولية وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وبهذه المناسبة نناشد المجتمع الدولي ومؤسساته تشكيل قوة ضغط على الحكومة العراقية لإيقاف القمع وتفعيل القرار 688، والتدخل للحد من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعريب، وحماية شعب العراق من إرهاب الدولة المنظم بنشر مراقبين دوليين لرصد الخروقات والانتهاكات الفظة لحقوق الإنسان. انظر: إصدارات الجمعية العراقية لحقوق الإنسان حول القرار أعلاه.

  2. صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في (6) نيسان عام 1991.

  3. Najeeb Al-Nauimi, op. cit., p. 858.

  4. بيتر غالبريث، المصدر السابق، ص 80.

  5. صحيفة صباح التركية الصادرة في (6) نيسان 1991.

  6. هيثم الكيلاني، تركيا والعرب: دراسة في العلاقات العربية التركية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 1996، ص 59–60.

  7. أحمد النعيمي، المصدر السابق، ص 240.

  8. يحرص المسؤولون الأتراك على التمييز بين الأكراد وعدم وضع الجميع في سلة واحدة. وفي نظرهم ينقسم الأكراد إلى فئتين: الأولى تتعايش مع الأتراك بأمان وتؤلف جزءاً من النسيج الوطني التركي، واستطاعت أن تصل إلى أعلى المناصب في الدولة، مثل الرئيس الراحل تورغوت أوزال ورئيس مجلس النواب حكمت جتين، ويقولون إن ثلث أعضاء مجلس النواب من الأكراد، بعضهم أحفاد الشيخ سعيد بيران الذي قاد الثورة الكوردية عام 1925م. ويرى كثيرون أن من المستحيل تحقيق انتصار عسكري على شعب، رغم ضعف حزب العمال الكوردستاني PKK وتقهقره. انظر: عايدة العلي سري الدين، المسألة الكوردية في ملف السياسة الدولية، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط1، 2000م، ص 226.

  9. محمد نور الدين، المسألة الكوردية في تركيا بعد اعتقال أوجلان، مجلة الشرق الأوسط، No. 78-79, Dec. 98 – Jan. 1999.

  10. صحيفة الفيغارو الفرنسية الصادرة في 13 آذار عام 1992م.

  11. صحيفة الفيغارو الفرنسية الصادرة في 13 آذار 1991.

  12. هاينتس كرامر، تركيا المتغيرة تبحث عن ثوب جديد (التحدي الماثل أمام كل أوروبا والولايات المتحدة)، تعريب فاضل جتكر، الرياض، مطبعة العبيكان، 2001م، ص 79–80.

  13. Najeeb Al-Nauimi, op. cit., pp. 862–863.

  14. Ibid., p. 867.

  15. أحمد نوري النعيمي، المصدر السابق، ص 293.

  16. أحمد نوري النعيمي، المصدر السابق، ص 295.

  17. مصطفى الأنصاري، العراق والأمم المتحدة 1990–1997، بنك المعلومات العراقي، 1998، ص 37.