الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
القضية الكوردية في ضوء المفهوم الجديد للدولة القومية والإصلاح الديمقراطي
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
تناولنا فيما سبق بالدراسة والتحليل أن الدولة هي الذروة التي تتوج البنيان الاجتماعي، القديم منه والحديث، وتكمن طبيعتها التي تنفرد بها في سيادتها على كل التجمعات الاجتماعية الأخرى داخل حدودها. ورغم أنها ظاهرة قديمة في تاريخ البشرية، فإنها لا تحظى بتعريف متفق عليه بين سائر الفقهاء. وقد تطور مفهوم الدولة القومية من فكرة أن لكل أمة الحق في إقامة دولتها القومية التي تعبر عنها، إلى مفهوم جديد يدور حول إمكانية التعايش بين عدة أمم في نطاق دولة واحدة، استناداً إلى رابطة المصلحة المشتركة التي تتحقق لهذه الأمم من خلال كيان الدولة الواحدة.
ولما كانت القضية الكوردية تعود في نشأتها إلى معاهدة تقسيم الحدود لعام 1639م، حيث قُسّمت كوردستان لأول مرة بين الدولتين الفارسية والعثمانية، فإنها برزت إلى حيز الواقع الدولي والإقليمي منذ فترة الحرب العالمية الأولى. فمع انتهاء هذه الحرب وتفكك الإمبراطورية العثمانية بدأت آمال الشعب الكوردي في التطلع إلى إقامة دولة كردية، خاصة بعد إعلان مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسن التي تضمنت حق الشعوب المقهورة في تقرير مصيرها، وعلى أساس ما ورد في معاهدة سيفر التي وقعها الحلفاء في 10 آب/أغسطس 1920م، إذ نصت المادة 62 منها على تعيين لجنة دولية تتولى الإشراف على إقامة منطقة كردية تتمتع بحكم ذاتي برعاية عصبة الأمم في جنوب تركيا شرقي نهر الفرات. وقد تصدى مصطفى كمال أتاتورك لنصوص تلك المعاهدة، وتمكن من خديعة الأكراد وإقناعهم بالتعاون معه في التخلص من القوات الفرنسية واليونانية التي كانت تحتل غرب تركيا، ثم ما لبث أن انقلب عليهم وسحق تطلعاتهم القديمة، وسعى في سبيل طمس معالم قضيتهم إلى توقيع معاهدة لوزان عام 1923م لتعترف بالدولة التركية الجديدة على حساب الأكراد.
والقضية الكوردية في صورتها الراهنة تمثل معضلة إقليمية ينعكس أثرها بصورة مباشرة على الواقع الدولي، بما يهدد السلام والأمن الدوليين في منطقة بالغة الحساسية، لا سيما أن كوردستان باتت موزعة على ثلاثة أجزاء: نصفها في تركيا، وثلثها في إيران، والباقي في العراق وسوريا. وقد توزعت الأمة الكوردية على تلك الأقاليم تبعاً لتقسيم أرض كوردستان، حتى تعلقت القضية بثلاث دول أساسية (تركيا وإيران والعراق). وعلى حين لم تحقق الحركة الكوردية في أي من الإقليمين (تركيا وإيران) أي اعتراف بحقها في تقرير المصير على الصعيدين الداخلي والدولي، فقد بلغت الحركة الكوردية في العراق درجة من التقدم، لما تحقق لها من خلال المواثيق الدولية والداخلية التي أضحت بمثابة سند يؤيد مطالبها القومية.
فمن ناحية، أوصى مجلس عصبة الأمم في 30 أيلول/سبتمبر 1924م بتشكيل لجنة تحقيق لدراسة مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) على الطبيعة، بعد أن تعذر حلها عن طريق المفاوضات بين بريطانيا وتركيا. وقد أسفرت أعمال تلك اللجنة، كما ثبت في تقريرها المرفوع إلى مجلس العصبة في 26 تموز/يوليو 1925م، عما يلي:
أ. أن خمسة أثمان سكان ولاية الموصل من الأكراد (وإذا أضفنا إليهم اليزيديين الكورد يصبح ستة أثمان السكان من الكورد).
ب. اقترحت اللجنة، في حالة الأخذ بالجانب العنصري، وجوب إنشاء دولة كوردية مستقلة.
ج. يجب أن تراعى رغبات الأكراد فيما يخص تعيين موظفين أكراد لإدارة بلادهم ومناطقهم الكوردية، وترتيب الأمور العلمية في المدارس، وأن تكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في المناطق الكوردية.
ومن ناحية أخرى، اعترف الدستور العراقي المؤقت الصادر في 27 تموز/يوليو 1958م لأول مرة بالقومية الكوردية، وهو ما تأكد بعد ذلك من خلال بيان 11 آذار/مارس 1970م، الذي كان الأساس الذي استند إليه قانون الحكم الذاتي رقم 33 الصادر في 11/3/1974م.
ولقد تغيرت أيديولوجية الأكراد وتوجهاتهم تبعاً للظروف الدولية والإقليمية، فبدلاً من تبني إستراتيجية الاستقلال التام أصبحت المطالب الكوردية تحقيق الحكم الذاتي للأكراد في الأقاليم الثلاثة (تركيا وإيران والعراق) في إطار فيدرالية إقليمية، لما اصطدمت به فكرة الاستقلال من عقبات عديدة، لعل أبرزها ما يتعلق بالتوازنات الإقليمية في هذه المنطقة الحساسة من العالم التي لها خصائصها المميزة؛ إذ إن معظم الدول في هذه المنطقة تتكون من أعراق وقوميات وطوائف متعددة، ومن ثم فإن إقامة دولة كردية استناداً إلى المعيار القومي سابقة جديدة وخطيرة في هذه المنطقة التي تتسم بتعقد تكويناتها البشرية.
فضلاً عن أن إقامة دولة جديدة في هذه المنطقة بإعادة تجميع أوصال كوردستان، التي وُزعت بين أقاليم تركيا وإيران والعراق وسوريا، من شأنه أن يمثل تفكيكاً لدول قائمة، وهو ما يؤثر في التوازن الإقليمي البالغ الحساسية في هذه المنطقة، بل وترى فيه بعض الدول مساساً بأمنها القومي وتهديداً مباشراً له، مما يثير مخاوف تلك الدول ورفضها إقامة الكيان الكوردي المستقل.
يضاف إلى ما تقدم حالة الانقسام والصراع بين القبائل والفصائل الكوردية المختلفة، التي كانت وما تزال بمثابة العائق في مواجهة الحركة الكوردية على مدى تاريخ نضالها؛ إذ إن الأكراد لم يتوحدوا أبداً، واتسم تاريخهم النضالي بالكثير من المراهنات التي أوقعتهم ضحية الأطماع الدولية والإقليمية، والأمثلة على ذلك كثيرة. فرغم ما نصت عليه المادة 62 من معاهدة سيفر من منح الأكراد حقهم في الحكم الذاتي، لم يبادر الأكراد إلى استغلال هذه الفرصة، كما أنهم لم يبدوا ما يكشف عن أهليتهم وجديتهم في تفعيل ما نصت عليه المعاهدة. وفي ظل غياب الخبرة السياسية للقيادة الكوردية، وعدم الإلمام بالأبعاد الإستراتيجية والمستجدات في المنطقة، وأهمها اكتشاف النفط في منطقة كركوك، سعت بريطانيا إلى بسط نفوذها على كوردستان العراق. ولما توحد الأكراد في إيران وأعلنوا جمهورية مهاباد الكوردية في 22 كانون الثاني/يناير 1946م، لم يصمدوا في مواجهة الدولة الإيرانية التي سرعان ما انقضت عليهم وابتسرت تطلعاتهم وقضت على دولتهم في 31 آذار/مارس 1947م، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أبرزها:
- أن الدولة الكوردية لم تكن نابعة من عقيدة كافية تولّد لدى رجالها الحرص على عدم التفريط فيها أو المساومة على أهدافها.
- نشأت الدولة بوازع ودعم سوفيتي، وعلى أساس مبادئ وشعارات غير راسخة في عقول القائمين عليها، حتى بدت وكأنها قالب لثورة دون قلب، وشكل لدولة من غير مضمون، الأمر الذي جعل من اليسير على الحكومة الإيرانية السيطرة عليها، لا سيما بعدما انفض السوفيت عنها وأحجم ستالين عن مد يد العون إليها.
- أن القبائل والعشائر الكوردية التي اندفعت لتأييد الجمهورية في البداية سرعان ما تخلت عنها، بعدما تمكنت الحكومة في إيران من السيطرة عليهم وتقديم الوعود إليهم وتطويعهم في فلكها، فأسلموا إليها زمامهم حرصاً على مصالحهم القبلية وخشية الفتك بهم.
وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991م، وما وفرته من إمكانية أمام الأكراد في العراق ليحكموا أنفسهم حكماً ذاتياً فيما عُرف بالمنطقة الآمنة شمال خط العرض 36، انصرف القادة الأكراد إلى تسخير كل طاقاتهم لتعزيز سلطاتهم الذاتية، ودخل الحزبان الرئيسيان المسيطران على مقاليد الأمور في صراع شديد من أجل تقاسم النفوذ، وسرعان ما تحول الصراع إلى صدام دموي، حتى أصبح تقاسم السلطة مناصفةً الأسلوب الأمثل لحل الخلافات على أساس توافقي.
وهذا يكشف أن الصراعات الكوردية الكوردية صراعات اجتماعية ممتدة بجذورها في أغوار الثقافة السياسية الكوردية والبنية الذهنية للفرد الكوردي، الذي يرتبط بشيخ العشيرة والأعراف والتقاليد القبلية بمساحة كبيرة في إطار جغرافي، حتى تصدق مقولة الشعب الكوردي التي يرددها دائماً: «ليس لنا أصدقاء سوى الجبال»، أكثر من ارتباطه بالنظم المدنية والحياة السياسية التي تقوم على مبدأ المواطنة.
وإزاء ما تقدم، وفي إطار المعطيات القائمة على المستوى الكوردي في النطاقين الإقليمي والدولي، يمكن تقدير القضية الكوردية بما يلي:
أ. الاتجاه نحو إقامة دولة كوردية في كوردستان العراق في حدود ما يتطلع إليه أكراد العراق، وما صرحوا به قبل احتلال العراق في 9 نيسان/أبريل 2003م وبعده من الفيدرالية في إطار العراق، وحاولوا تفعيله بما ورد في قانون إدارة الدولة المؤقت في 8 آذار/مارس 2004م، وهو ما يعني فصل الشمال عن بقية أجزاء العراق، وقد يساعد في هذا المنحى الحالة التي أصبح عليها العراق بعد احتلاله. ومع أن تلك الغاية يمكن توظيفها لحل مشكلة الأكراد في تركيا عن طريق تهجيرهم إلى الدولة الكوردية في كوردستان العراق، فإن هذا الاتجاه يواجه العديد من العقبات، أبرزها:
- أولاً: أنه سيؤدي إلى إقامة دولة ضعيفة في المنطقة تعتمد اعتماداً كلياً على الدعم الخارجي.
- ثانياً: أن هذه الدولة ستكون مصدراً رئيسياً للقلاقل والاضطرابات لجميع دول المنطقة.
- ثالثاً: أن الخلافات الكوردية الكوردية ستنتقل إلى هذه الدولة، بما يمثل عقبة أخرى أمام استقرار أوضاعها.
- رابعاً: المعارضة العربية المتوقعة في حالة تقسيم العراق، لما يشكله من أضرار مباشرة وغير مباشرة ببقية الدول العربية.
ب. الاتجاه نحو إقامة مناطق للحكم الذاتي في نطاق الدول التي توزعت كوردستان بين أقاليمها، وفي إطار حدود هذه الدول، وهو اتجاه يمثل أفضل البدائل المتاحة، إلا أن هناك عقبات تواجه تحقيقه، منها ما يلي:
- أولاً: أن إقامة مثل هذه المناطق للحكم الذاتي تتطلب توافر درجة متطورة من الممارسة السياسية، ونظماً ديمقراطية قوية تقوم على أساس الإقرار بحق التعددية واحترام حقوق المواطنة دون تمييز لأسباب عرقية أو طائفية أو قومية أو دينية، وهو ما لا يتوافر حالياً بالمستوى المطلوب في الدول التي تتقاسم كوردستان.
- ثانياً: أن التجربة التاريخية السلبية للأكراد مع الدول التي أقرت لهم بحكم ذاتي أو ببعض الحقوق ثم ما لبثت أن تراجعت عنه وتنكرت له، كما هو الحال في تركيا (معاهدة سيفر 1920م) والعراق (قانون الحكم الذاتي رقم 33 لسنة 1974م)، تكشف عن ميراث سياسي تاريخي قد يقلل من مصداقية هذا البديل بالنسبة للأكراد.
- ثالثاً: رفض كل من تركيا وإيران طرح مسألة الحكم الذاتي، ومحاولتهما طمس هوية الأكراد؛ إذ ترى فيهم تركيا سكان الجبال، وتتعقبهم في محاولة لقمعهم. أما في إيران فلم يكن حال الأكراد قبل الثورة الإسلامية بأفضل مما هو عليه الآن، إذ تنكرت حكومة إيران لقضية الأكراد قبل الثورة، وبعد الثورة عام 1979م، وفي ظل مبدأ ولاية الفقيه ووحدة أمة الإسلام، لم يحصلوا على حقوقهم. ويرجع ذلك إلى عدم الحياد في تطبيق المبادئ الإسلامية، والخروج بها إلى مقتضيات هيمنة الدولة وسيطرتها، وتطويع الأفكار الإسلامية لخدمة أهداف الدولة، من دون النظر إلى ما يستوجبه مجتمع المسلمين من الاعتراف بحق المسلم وغير المسلم في دولة الإسلام دون النظر إلى اللون أو الدين أو الطائفة أو العرق، على أساس أنه «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
- رابعاً: الخلافات والصراعات الكوردية الكوردية الناجمة عن النشأة القبلية، وسرعة الاستجابة للإغراءات الإقليمية والدولية، فضلاً عن النزوع إلى الطموحات الشخصية، وهي أمور لها من الثقل ما يؤثر في الإحاطة بمدركات الواقع الدولي وكيفية التعاطي معه، لما يستلزمه ذلك من خبرة سياسية وإنكار للذات في سبيل المصلحة القومية الكوردية.
- خامساً: الهامشية وتكريس البنية القبلية؛ إذ تمثل كوردستان إقليماً أرضياً محصوراً، فضلاً عن كونه هامشياً بالنسبة لكل دولة يعيش فيها الأكراد. والهامشية هنا لا تعني مجرد الهامشية الجغرافية، من حيث إن كوردستان تركيا مثلاً تقع في أقصى الطرف الجنوبي لتركيا، وكوردستان إيران تقع في أقصى الطرف الشمالي الغربي لإيران، وكوردستان العراق تقع في أقصى شمال العراق؛ فلأنها مناطق أطراف أصابها الإهمال الذي يحدث عادة للأجزاء الطرفية من دول العالم الثالث، فهي بعيدة عن المركز (العاصمة)، وبالتالي في غير متناول الاهتمام والاتصال الحضاري والتنموي. ولذلك ظلت كوردستان في أجزائها الثلاثة في تركيا وإيران والعراق محرومة اقتصادياً وثقافياً من مشروعات وبرامج التنمية والتطوير والخدمات، ولم يلحقها الكثير من التغيير الاجتماعي الذي تحقق للمناطق الأخرى. ولا يقدح في ذلك ما حدث من تغيير في بعض المناطق التي تمت تنميتها وتطويرها اقتصادياً بواسطة القوى الأجنبية أو الحكومات الوطنية، مثل حقول النفط في كوردستان العراق، إذ إن هذا التغيير لم يمتد إلى المجتمع الذي ظلت تسيطر عليه الروح العشائرية. ولعل ذلك من أهم أسباب فشل الانتفاضات الكوردية المتوالية في مختلف الأقاليم الثلاثة، حيث أدت الولاءات القبلية والعشائرية باستمرار دوراً معوقاً حال دون تحقيق الولاءات القومية وبلوغ تقرير المصير للشعب الكوردي، ولم تجد مفاهيم القومية الكوردية الحديثة مكانها إلا في صفوف الأكراد الذين يعيشون في المدن.
- سادساً: أن التوازنات الإقليمية والدولية قد تكون عائقاً أمام بديل تقرير المصير الكوردي من خلال الاستقلال الذاتي، حيث تقبل بعض القوى الدولية والإقليمية بتحقيقه في دولة وتعارضه في دول أخرى. ولعل أبرز مثال على ذلك موقف الولايات المتحدة الأمريكية من أكراد العراق بعد حرب الخليج الثانية، وكيف دعمت المنطقة الآمنة في الشمال حتى أصبحت وكأنها منطقة حكم ذاتي فرضتها ظروف الواقع، في حين وضعت حزب العمال الكوردستاني التركي على قائمة الإرهاب، وأدرجته فعلياً على تلك القائمة بعد عام من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م. وإزاء تغير الموقف التركي من الحرب على العراق في آذار/مارس 2003م، كان رد الفعل الأمريكي عدم المساس بقواعد الحزب المنتشرة في كوردستان العراق، حتى بدا الأمر للمراقبين وكأنه تطور أمريكي في العلاقة بحزب العمال الكوردستاني، بعد تغيير اسمه إلى «مؤتمر الحرية والديمقراطية – كاديك» وإعلان تخليه عن الكفاح المسلح وتبنيه الحل السلمي للتفاوض من أجل حل أزمة الأكراد.
ج. أن استمرار الصراع الكوردي في نطاق كوردستان على مستوى الدول الثلاث من شأنه أن يرتب خسائر مادية وبشرية، ويكون معوقاً للتنمية، سواء أكان ذلك على صعيد الحركة الكوردية أم على مستوى تلك الدول، ويهدد باستمرار هذا الصراع وامتداده على المستوى الإقليمي، كما حدث في العلاقة بين العراق وإيران ووُقّعت على أثره اتفاقية الجزائر في 6 آذار/مارس 1975م، وما حدث في العلاقة بين سوريا وتركيا ووُقّعت على أثره اتفاقية أضنة في 20 تشرين الأول/أكتوبر 1998م. وقد يتعدى أثر ذلك الصراع حدوده الإقليمية بخلق توترات دولية بعيدة المدى، لحساسية هذه المنطقة من العالم.
وإذا كان ذلك كذلك، فإن القضية الكوردية تثير في وقائعها العديد من التساؤلات، لعل أبرزها ما يتعلق بمفهوم الدولة القومية الجديدة وارتباطه بالإصلاح الديمقراطي، مما نرى معه أن ثمة علاقة ارتباطية ممكنة بين تقرير الحكم في القضية الكوردية والإصلاح الديمقراطي في البلدان التي يتوزع عليها الأكراد؛ ذلك أن مفهوم الدولة القومية قد تطور من فكرة أن لكل أمة الحق في إقامة دولتها القومية التي تعبر عنها، إلى مفهوم جديد يدور حول إمكانية التعايش بين عدة أمم في نطاق دولة واحدة، استناداً إلى رابطة المصلحة المشتركة التي تتحقق لهذه الأمم من خلال كيان الدولة الواحدة.
إلا أن تحقيق هذه المصلحة المشتركة يتطلب نظاماً ديمقراطياً يقوم على أساس الحرية والمساواة والعدالة، بحيث يستطيع النظام السياسي القيام بوظائفه في إطار هذه القيم الحاكمة، ومن ثم يكفل الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع المواطنين، ويحقق العدالة في توزيع الموارد والخدمات بين سائر أفراده، ويؤسس للمساواة القانونية بين جميع المواطنين.
ومن ثم يكون مدخل الإصلاح الديمقراطي للنظم السياسية في الدول التي بها أقليات كوردية كبيرة (تركيا والعراق وإيران) هو الطريق الأمثل لانضواء الأكراد، قوميةً لها ذاتيتها وشخصيتها المتميزة، في نطاق هذه الدول، بما يكفل حلاً سلمياً للقضية الكوردية يتوافق مع مصالح جميع القوى الإقليمية في المنطقة، بما يتجاوز المصالح الخاصة والأهداف الذاتية؛ لا سيما أن الواقع الدولي، بما طرأ عليه من متغيرات حدثت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي وما زالت، أثبت أن الذين يتوهمون أنهم وحدهم يحتكرون الخير أو الحقيقة، والذين يرفضون العمل إلا مع نظائرهم وأشباههم وأبناء جلدتهم وأعراقهم، يتعين عليهم أن ينسحبوا من ساحة العمل السياسي. أما الذين آمنوا بالديمقراطية واقعاً عملياً ومشروعاً سياسياً يستوعب جميع العناصر بصرف النظر عن أفكارهم وأجناسهم وقومياتهم وأعراقهم، معتمدين في ذلك منهج الجمع والاستيعاب باعتباره الطريق السوي والهدى القويم، فهم الذين آمنوا بالديمقراطية فكراً واعتنقوها سبيلاً لحل القضايا القومية العالقة.