الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

القومية العربية والقومية الكوردية في العراق

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

العراقيون اليوم وحدويون أصلاء، إذ ظل انتماؤهم العنصري مشدوداً إلى الصحراء الأم، تعمّقه انتماءات إقليمية عشائرية وثقافية قومية فطرية، تشهد عليها عادات وتقاليد عربية رفيعة ثابتة متجذرة في البيئة، وتؤكدها مشاعر ذاتية تبدو في أتم عافيتها في مجابهة التحديات على مر الزمن، وتسمو بها لغة قومية في لهجات متقاربة، لكنها عربية صافية حتى في عاميتها المتداولة.

العراق هو العراق منذ يوم الفتح الإسلامي حتى الآن، فالعروبة حادة في العراق، بحيث يستطيع المراقب أن يحكم بأن مستواها من أعلى المستويات في العالم العربي. ولعل واقع العراق العربي القومي ظل يفرض عليه حساسية بالغة أمام أي تحركات يشعر بأنها قد تحول بينه وبين أبناء قوميته وتدعيمها، أو تحول بينه وبين تحقيق طموحاته وأهدافه الوحدوية.

لقد ظل العراق مسرحاً دائماً للاضطرابات، فكانت الانفجارات والثورات مستمرة في تاريخه، وكانت الدولة مضطرة إلى استعمال القسوة والشدة لإخماد القلاقل والقضاء على الفتن، وهذه الحالة هي التي خلقت الحجاج بن يوسف الثقفي وأشباه الحجاج من قساة الولاة في التاريخ العربي. وواجه العراق في العصور اللاحقة أخطار الشعوبية، ومنذ فجر التاريخ العربي كان الصراع محتدماً في العراق بين العروبة والشعوبية. وفي العراق أماكن مقدسة يشترك في تقديسها أقوام غير العرب، فزيارة تلك الأماكن ومجاورتها والإقامة الطويلة أو المتقطعة فيها من قبل هذه الأقوام لم تكن أموراً محرمة ولا ممنوعة، مما ترك تأثيراً كبيراً في واقع المجتمع العراقي.

وعلى أي حال فقد بدت القضية الكوردية ومسائلها الملحّة وكأنها إحدى المخاطر المتربصة بعروبة العراق. ومن الطبيعي أن الاحتلال البريطاني وأدواته كانوا يعززون هذه المخاوف وينفخون في نارها، ولكنها لم تستطع أن تتغلب على العلاقات التاريخية الأخوية الثابتة والمستمرة بين الشعبين العربي والكوردي، ولم يُصنَّف الكورد يوماً على أنهم من الشعوبيين، إذ إن الشعوبية ممارسة عدوانية وليست انتماءً عنصرياً فحسب.

إن البحث في العلاقات العربية الكوردية بشكل عام، والعلاقات العربية الكوردية في العراق بشكل خاص، يقود إلى البحث في موقف الأمة العربية ككل من مسألة القوميات في الوطن العربي، والقومية الكوردية منها بشكل خاص.

إن من الخصائص البارزة للأمة العربية أنها أمة كبيرة عريقة الجذور في التاريخ الإنساني، يبلغ تاريخها عدة آلاف من السنين، وقد كانت لها في أكثر من حقبة من التاريخ دولة كبرى ضمت بين جناحيها قوميات وأقواماً عديدة.

لهذه الأسباب، وبسبب نزعة التفتح الأصيلة لدى الأمة العربية التي تجسدت في مراحل تاريخها، وبخاصة في مرحلة النهضة والتقدم، فإن مستوى الامتزاج الحضاري بين الأمة العربية وبين القوميات والأقوام التي ضمتها الدولة العربية الكبرى كان واسعاً وعميقاً، دون أن تفقد الأمة العربية شخصيتها وأصالتها القومية، سواء في ظل دولتها الكبرى أو حتى في عهود الانحطاط، عندما تحللت تلك الدولة وسيطرت على شتى أجزاء الوطن العربي، ولقرون عديدة، قوى أجنبية مختلفة من الشرق والغرب، وهذه ميزة عظيمة وتاريخية للأمة العربية.

وكانت حركة القومية العربية، وهي تعالج في مسيرتها مسألة القوميات، ترى ضرورة ألا يستخدم الاستعمار والصهيونية والقوى المعادية الأخرى تلك القضية لبث الفرقة في العالم العربي.

إن الحركة القومية لا تشترط العامل العنصري في الرابط القومي ولا تركز عليه، وهي ترفض التركيز على العامل العنصري في تكوين الأمة العربية، لأنه ينطوي على موقف غير علمي. وفي العراق بالذات كان العربي يُعرَّف بأنه من كانت لغته العربية، وعاش في الأرض العربية أو تطلع إلى الحياة فيها، وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية.

ويعني التعريف السابق شمول الهوية العربية لكل الأفراد والمجموعات التي ينطبق عليها دون اشتراط العامل العنصري، وهو يفسح المجال واسعاً لتعميق امتزاج الأقليات والأقوام الصغيرة في الأمة العربية.

أما بالنسبة للقوميات ذات الثقل السكاني النسبي، التي تمتلك لغة وسمات فيها قدر من التميز عن اللغة والسمات القومية العربية، مثل القومية الكوردية، فلا بد من القبول بخصوصيتها المحلية في الوطن العراقي على وجه التحديد، والانطلاق من هذه الخصوصية بعيداً عن أي تعارض بينها وبين القومية العربية؛ لأن هذه القوميات تمتلك لغات وسمات متميزة عن اللغة والقومية العربية بالمعنى نفسه الذي تختلف فيه القومية الفارسية أو الهندية أو التركية أو غيرها من القوميات.

إن القوميات المتآخية تاريخياً مع العروبة، والتي تمتلك لغات وسمات متميزة عن اللغة العربية والسمات العربية، قد ارتبطت بالأمة العربية والوطن العربي بروابط مادية وروحية عميقة الجذور جداً؛ فالأرض التي تعيش عليها هذه القوميات كانت جزءاً من الدول العربية التاريخية، التي كان آخرها الدولة العباسية الكبرى (750–1258م)، وهذه الأرض هي في الوقت نفسه موطن تلك الأقليات ومنبتها الأصلي، أي وطنها القومي.

وعلى هذا الأساس الواضح فإن الهوية العربية والأرض التي تعيش عليها هذه الأقليات القومية نفسها لم تأتِ عن طريق القهر والاستعمار أو السلب، وإنما أتت نتيجة لهذا الواقع التاريخي الممتد عبر آلاف السنين، ثم نتيجة ظروف إقليمية في العصور اللاحقة. وهذا الواقع قابل للنقاش والبحث والحوار الهادئ المشروط، بما يؤدي إلى تعميقه وتوضيح جوانبه، ويحل أي مشكلات أو تعقيدات تنجم عن التمسك به واحترامه. يضاف إلى ذلك أن هذه القوميات كانت خلال مراحل هذا التاريخ المشترك جزءاً حياً من الكيان العربي، مرتبطاً به ومتفاعلاً معه، ولم تكن يوماً جسماً غريباً فيه أو متناقضاً معه أو ذيلاً تابعاً له.

ولقد بلغت الروابط بين الأمة العربية وبين هذه القوميات مستوى عميقاً جداً وشاملاً في إطار العقيدة الإسلامية المشتركة، وفي رحاب الدولة العربية الإسلامية التي امتدت عدة قرون. فأغلب هذه القوميات كانت جزءاً حياً من الدولة العربية الإسلامية، واحتل أبناؤها فيها مراكز هامة في السلطة العليا وفي الجيش وفي الثقافة والمراكز الدينية والتوجيهية وغيرها، كما أن أبناء هذه القوميات يشكلون حالياً جزءاً حياً ومتفاعلاً في الحياة العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن العلاقات العربية الكوردية المتميزة، والترابط الأخوي فيها جراء التاريخ المشترك والعيش المشترك، أمر معترف به في الوسط الكوردي، كما هو ثابت عند العرب. والكورد يدركون المشاعر العربية الودية تجاههم، ونستثني من ذلك الإجراءات الرسمية التي كانت تتخذها الحكومات المتعاقبة في العراق من منطلق المسؤولية الأمنية. وصحيح أنه صدرت تصريحات حكومية من بعض المسؤولين ضد الطموحات القومية الكوردية، لكن ذلك كان بتأثير عدم إدراك حقيقة المطالب الكوردية القومية والوطنية، وبتأثير مصالح طبقية؛ لأن الحكام كانوا يخشون أن تمتد أساليب الكفاح المسلح الكوردي إلى الطبقات الشعبية الكادحة في المدن والأرياف، مما يهدد بقيام حركات كوردية ذات طابع طبقي عنيف ضد تسلطهم البرجوازي الإقطاعي على مقدرات العراق العربي الكوردستاني على حد سواء، وضد تحالفاتهم الإقليمية والدولية وجرّهم العراق إلى خيمة الإمبريالية العالمية.

إن بين العرب والكورد تقارباً نفسياً تركه تاريخهما المشترك عبر قرون طويلة. لقد كان تضامن جماهير الكورد مع الجماهير العربية في نضالها ضد الاستعمار وسياسة الإرهاب قوياً ورائعاً، على أن فتور جماهير العرب تجاه المسألة الكوردية من شأنه أن يفسح المجال لنمو بذور الشك لدى الجماهير الكوردية في الأكثرية العربية. لقد انخرط الكورد في الأحزاب والحركات العربية في العراق وسوريا، وكان بينهم من تولى مراكز قيادية وتوجيهية وثقافية، حيث ضمت الأحزاب العراقية آلاف الكورد. كما أن هذه الأحزاب لم تعلن في برامجها أي مبادئ تتناقض مع القومية الكوردية أو تحول بينهم وبين الاعتزاز بكورديتهم، ولم يشعر الكورد بأي غربة وسط تلك الأحزاب، إذ كانت لهم فيها كل الحقوق وعليهم الواجبات نفسها، كما لم يلمسوا أي توجيه معادٍ للحقوق الكوردية وللكورد أو لأي قومية أخرى.

لقد انخرط الكورد في الحركة القومية العربية، ولم يجدوا في ذلك إلا امتداداً للنضال العربي الكوردي المشترك على مدى التاريخ، كما في مرحلة القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي والدولة الأيوبية. وقد ناضل كورد كثيرون في حركة التحرر العربي وهم يؤمنون في قرارة أنفسهم ومشاعرهم بأنهم يناضلون في صفوف الحركة الواعية التي تضع الكورد وقضيتهم القومية في منزلة القضية العربية ومستواها، وتجد فيهم إخوة يتميزون بوعي كبير للأهداف التي يناضلون من أجل تحقيقها، وهي أهداف مشتركة تستهدف مصالح شعوب المنطقة جمعاء ومستقبلها، وبخاصة العرب والكورد، على أساس الشراكة العربية الكوردية في العراق.

ومن منطلق هذا التآخي العربي الكوردي شارك الكورد عام 1954م، جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية العربية في العراق، في مظاهرات لدعم الحركة التحررية في مصر ضد الاستعمار الإنكليزي. كما أن الدماء العراقية الكوردية التي أريقت مع الدماء العربية والعراقية في حرب فلسطين عام 1948م كانت دفاعاً عن عروبة فلسطين.

كما أيد الكورد كفاح سوريا ضد الدكتاتورية، ووقفوا موقف الدفاع عنها أثناء تعرضها لضغط العراق وتركيا والاستعمار في سنتي 1956م و1957م. وأثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م وقف الشعب الكوردي مع الشعب العربي في العراق بجانب مصر، ونظم أبناؤه المظاهرات ضد العدوان تأييداً لمصر العربية.