الكورد في ولاية الموصل
الفريق الركن الدكتور
عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المحاضرة الثانية
نقاشات كوردية – بريطانية – عربية بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921م
كانت بغداد لا تزال راغبة في الاعتراف بالهوية الكوردية في كوردستان العراق، وإن تكن في داخل العراق، ولكن (برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق قرر أنه من الضروري "أخذ" رأي الشعب الكوردي رسمياً وأصدر بياناً في 6 أيار/ماي 1921 "للحصول على مؤشر بالرغبات الحقيقية للجاليات العربية والكوردية إذا ما فضلت البقاء في ظل الحكومة العراقية العربية الجديدة ...".(1) وعرض (برسي كوكس) تشكيل إقليم فرعي للأجزاء الكوردية من ولاية الموصل (زاخو، عقرة، دهوك، والعمادية) وترتيبات مشابهة بالنسبة لإقليمي أربيل (أربيل، كويسنجق، ورواندوز).
وفي كلتا الحالتين كان ينبغي تبديل الموظفين البريطانيين بآخرين أكراداً أو من العرب الناطقين بالكوردية فور توافر المرشحين لذلك. وينبغي عمل كل ذلك بعد التشاور وبما يتناسب مع رغبات الشعب الكوردي، وهكذا عرضت على السليمانية الوضعية المقترحة للمتصرفية والتي يحكمها متصرف ثانياً على أن يكون المتصرف الأول في السليمانية ضابطاً سياسياً بريطانياً.
إذا أراد الأكراد كياناً ذا حكماً ذاتي، فالآن هي اللحظة الحاسمة للنضال من أجله. ولكن ورغم وصفه فيما بعد بالاستفتاء العام، فإن تشاور المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس لم يكن سوى استطلاع عام لآراء الأعيان الكورد وأعضاء المجالس المحليين المنتخبين من الكورد إضافة إلى الأخوات
(1) العراق: تقرير عن إدارة العراق، تشرين الأول/أكتوبر 1920 - آذار/مارس 1922، ص 126.
الكورد المعترف بهم. فلقد كان معظم الأعيان الكورد يعرفون الجهة التي تهب منها رياح السياسة البريطانية والقلة من الكورد شعروا بالاستعداد لتحديها. وحتى لو أرادت نخبة من الأعيان الكورد تشكيل هيئة متحدة (وهو احتمال بعيد جداً في ظل تلك الظروف) ولم يكن يتوفر لديهم الوقت لحشد أنفسهم.
إن استجاباتهم (الكورد) اتسمت بطابع محلي بحت حيث بدت كل من (دهوك وعقرة) راضيتان تماماً بالترتيبات المحلية حتى أنهما لم تكونا تريدان شبه انفصال عن مدينة الموصل العربية، بينما كانت (زاخو والعمادية) تحملان طموحات في أن تصبحا مركزاً للمتصرفية الكوردية الجديدة. فإنهما (زاخو والعمادية) كانا يعربان عن الانفصال عن مدينة الموصل بشكل انتحار اقتصادياً. وبعيداً عن مسألة الأسواق للمنتجات الكوردية المنطلقة من الجبال والتي تؤدي إلى سهول بلاد الرافدين، إذا لم يكن هناك طريق يستحق الذكر من العمادية إلى السليمانية. لقد أصرت أربيل على الانفصال الإداري عن كركوك. أما فيما يتعلق بالسليمانية فإنها رفضت بإصرار أي نوع من الالتحاق بالحكومة العراقية العربية الجديدة ولكنها كانت الوحيدة في هذا الموقف.
في هذه الأثناء أعرب (برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني في العراق أكثرية المناطق الكوردية (كوردستان) للتعاون مع السياسة البريطانية، وامتدت سلطة النظام الجديد في العراق العربي إلى ألوية كركوك وأربيل والموصل فيما لواء/محافظة السليمانية "بقي على وضعية المتصرفية تحت السيطرة البريطانية المباشرة". وبدأت كلمة "الوضعية" من أجل تطوير الإدارة المحلية وفق أسس طبيعية.(2) كان (برسي كوكس) لا يزال يتعامل مع ما تبقى في لندن من إحساس بالالتزام تجاه الأكراد، وقد جادل (برسي كوكس) مع (ونستن تشرشل) رئيس وزراء بريطانيا بأن الحكم العربي في العراق يجب أن يظل مقتصراً على المناطق العربية الخالصة، أي بلاد ما بين النهرين (ميسوبوتاميا) وولايتي (بغداد
(2) تقرير العراق 1922-23، ونستون، فقرة عامة من القضايا الكوردية، ص 478.
والبصرة) فقط لكن (برسي كوكس) استطاع في حينه أن يشير (لونستن تشرشل) وقناعه أنه تمت مشاورة معظم الأكراد وقد اختاروا (الأكراد) سياسة عدم الانفصال عن العراق العربي الجديد. إنه من الصعوبة بمكان الآن تجاهل الأكراد أمامهم وشعورهم القومي، إضافة إلى ذلك كان القوميون العرب يتوقعون الآن عراقاً جديداً يشمل ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية) كلها ذات الأكثرية الكوردية. وبدا أن إجماعهم (الانكليز) قد يؤدي إلى ثورة أخرى شبيهة بتلك التي اندلعت في العراق في 30 حزيران 1920 (ثورة العشرين). كان ذلك هو الرأي في بغداد. ومع أن (ونستن تشرشل) ذكر (برسي كوكس) بأن ضم المقاطعات الكوردية إلى المجلس الوطني العراقي الجديد (البرلمان) العراقي ينبغي أن يراعي فيها مبدأ أن "الأكراد يجب ألا يوضعوا تحت الحكم العربي في العراق بعد ما لم يرغبوا في ذلك".(3) فإن مقتضيات إقامة الدولة العراقية العربية الجديدة فاقت أهمية المطالب الخاصة بالأكراد.
لقد باتت مسألة إقامة شكل من الحكم الذاتي للأكراد والمقنع في العراق العربي الجديد تلقى بظلالها على كافة القضايا الأخرى في فكر البريطانيين. وبدا أن مشكلة الحاكم في العراق العربي الجديد سوف تنحل في شخص الملك فيصل الأول. فقد كان شخصاً متسامحاً دينياً وبالتالي مقبولاً لدى الشيعة في جنوبي العراق وأيضاً فهو قومي عربي مجرب. ومع ذلك كان من الضروري إظهاره منتخباً من قبل الشعب العراقي وليس مفروضاً عليهم من قبل الانكليز وأنه كعميلة في يد البريطانيين.
وهكذا جرت الانتخابات في أواخر شهر تموز/1921 التي منحت ما يقارب 96% من الأصوات لصالح صعود الأمير فيصل العرش في العراق العربي الجديد. وبالطبع كان الكل يدرك أن الأمير فيصل هو خيار بريطانيين.
(2) FO رقم 371/6347 وزير خارجية المستعمرات إلى المندوب السامي في بغداد، 3 تشرين الأول/أكتوبر 1921.
أما في كوردستان العراق فقد كانت النتيجة غير محسومة. فقد طالبت كركوك بحكومة كوردية على أن تكون منفصلة عن السليمانية، تماماً كما أصرت أربيل على الانفصال الإداري عن كركوك قبل شهرين من ذلك، في الوقت الذي رفضت فيه السليمانية الاشتراك في الانتخابات (لتنصيب الملك فيصل الأول) بشكل مطلق. عند ذلك بات الأمير فيصل واثقاً من العرش العراقي أما بالنسبة إلى كوردستان العراق، التي تعيش في حالة شقاق، فيمكن التعامل معها بشكل حاسم فيما بعد.
إن مسألة كوردستان، بالنسبة للملك فيصل الأول، فلم تكن مقتصرة على النفط والشؤون الاستراتيجية. ففي أيلول/ سبتمبر 1921، وبعد أربع أسابيع من تسلمه رسمياً العرش الجديد للعراق في 30 آب 1921، أعلن بشكل واضح تماماً بأنه لا يريد احتمال انفصال المقاطعات والمناطق الكوردية (كوردستان) عن مملكته (العراق العربي الجديد) مما أجازت بذلك معاهدة سيفر 1920م. ورغم كل تسامحه الملك فيصل الديني لم يكن يريد رؤية بروز الشيعة في بلاد الرافدين (العراق الجديد) كقوة مهيمنة في السياسة العراقية العربية الجديدة. واعتبر الوجود الكوردي ضرورياً من أجل التوازن السني مع التفوق الشيعي من دون الكورد، وهو عامل جديد وجدي بالنسبة لواضعي السياسة البريطانية.
كذلك تخوف الملك فيصل أيضاً من أن يقيم الكيان الكوردي مستقل والمنفصل عن العراق العربي الجديد بعلاقاته مع الأكراد في تركيا وإيران وهو ما يشكل تهديداً دائماً في العراق العربي الجديد، وتاريخياً بين التأكيدات بأن الأكراد سوف لن يجبروا على الانضمام إلى دولة عربية وبين الأوامر السياسية بخصوص إقامة دولة كوردية قابلة للتطبيق، أكد (برسي كوكس للملك فيصل) بأن الأكراد سوف يبقون في ظل الاتحاد الاقتصادي والسياسي للعرش العراقي العربي الجديد، حتى وإن كانوا يتمتعون بوضع إداري مختلف. وأشار أيضاً بأنه سوف يعمل من أجل إشراكهم في المجلس الوطني العراقي (البرلمان). وبذلك أصبح الأكراد وبشكل جوهري يشكلون الأرضية الضرورية للمملكة الجديدة
(العراق العربي). وبعد ذلك بسنة، وتحديداً في تشرين الأول/أكتوبر 1922 أصدر الملك فيصل مرسوماً يقضي بعقد مجلس تأسيسي (البرلمان) حيث تقرر ضم كافة المناطق الكوردية بما فيها كركوك التي اعترضت على بيان ولائها للعراق العربي الجديد في عملية التسجيل الانتخابي. وقد كتب (ميجر نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في كركوك والسليمانية في حينه:
"أنا ضد الشك العام الذي يرقى في بعض الحالات إلى حد اليقين، من أننا مصممون على إلحاق الأكراد (كوردستان) بالعراق العربي الجديد بأية وسيلة كانت وبأية عملية الانتخاب المجلس التأسيسي مجرد ذر رماد في العيون .... أو أن أشير إلى أنه في القضية الكوردية لا يمكن أن تستمر التأكيدات بأنه سوف لن يتم إجبار أي كوردي على الانضمام إلى العراق العربي الجديد مع مبدأ كون لواء كركوك هيئة انتخابية".(4)
ينبغي التذكير هنا أنه كان هناك في هذه المرحلة عصيان مسلح كوردي بتحريض تركي ينتشر بسرعة باتجاه جنوب كوردستان انطلاقاً من رواندوز، وأنه تم استدعاء الشيخ محمود الحفيد من أجل إنقاذ عهد القوة. كذلك يبدو أن بعض القوميين الكورد في السليمانية مصممون على زيادة فرصهم. في 2 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1921 قابل وفد كوردي المندوب السامي البريطاني برسي كوكس في بغداد، طالباً منه الاعتراف بالاستقلال بجنوبي كوردستان في (العراق الجديد)، وتشكيل لجنة لرسم الحدود بين كوردستان الجنوبية (شمال العراق) وولاية الموصل والعراق العربي الجديد، والاعتراف بالشيخ محمود الحفيد كحكمكدار(5) لكوردستان الجنوبية، وأخيراً بأن يشكل المنتخبين الثانويين (المنتخبين من العملية الانتخابية التي تجري من قبل في أماكن أخرى) نواة المجلس القومي الكوردي.
(1) BHCF أحداث في كوردستان 13/14، المجلد الثاني، مذكرة إلى بورديلون Bourdillon، السليمانية، 10 تشرين الأول/أكتوبر 1922، تجيبها بوسكيني في كتابها بريطانيا في العراق، ص 120.
(5) أيضاً حكمكدار، كما جاء في النص الانكليزي على حاكم. (الباحث).
اعترض المندوب السامي البريطاني في العراق طالباً منهم (الوفد الكوردي) الاعتدال في طلباتهم، لكنه عرف أن مصير السليمانية بجبالها وكل سلسلة الجبال الكوردية مرهون بالتوازن، وأنه إذا ما استردتها تركيا الحديثة فالمنطقة الكوردية (كوردستان العراق) أي ولاية الموصل فربما يكون من المتعذر الدفاع عن بقية بلاد الرافدين (العراق العربي الجديد) وولايتي بغداد والبصرة فقط. وفي هذه الحالة لابد من الاعتراف بحقوق الأكراد. وهكذا وبعد تزايد الخطر على السليمانية تم الاتفاق على بيان (أنكلو – عراقي) مشترك في لندن يتعلق بالأكراد وصدر في 20 كانون الثاني من عام 1922. وقد نص البيان على:
"إن حكومة صاحبة جلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة تعترفان بحق الأكراد، القاطنين ضمن حدود العراق العربي الجديد (كوردستان العراق)، في تأسيس حكومة كوردية مستقلة ضمن هذه الحدود (كوردستان). وأن الحكومتين تأملان أن تتوصل الأطراف الكوردية المختلفة، وبأسرع ما يمكن، إلى اتفاق فيما بينهما حول شكل تلك الدولة الكوردية (كوردستان) وحدودها وإرسال وفد كوردي مسؤول إلى بغداد لمناقشة علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومة العراقية العربية الجديدة".(6)
إن هذا يتناقض مع ما أعطاه برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق من قبل إلى الملك فيصل الأول لتطمئنه، ولكن ليس ذلك بالأمر المهم. فقد أكد سراً لفيصل بأن بيانه لا يعني بأي شكل من الأشكال "انفصال كوردستان الجنوبي السياسي والاقتصادي عن العراق العربي الجديد".(7) لأن العراق العربي الجديد سوف لن يتحمل أي انفصال سياسي أو اقتصادي لأي جزء من كوردستان عنها، وأولئك الذين صاغوا البيان عرفوا بأن الأكراد منقسمون جداً باتجاه بعضهم.
(5) أدرجنا حكمكدار، كما جاء في النص الانكليزي على حاكم. (الباحث).
(2) لقد تم نشر ذلك كبلاغ رسمي باللغة الكوردية من قبل بغداد، وقد تلقاه شفوياً من قبل الموظف السياسي ميجر أدموندز C.J.Edmonds إلى الشيخ عبد الكريم من قادة حركة أمودة الأكراد، بريطانيا في العراق، ص 312.
(1) FO رقم 371/9009، تقرير الاستشارات عن العراق رقم 1، 4 كانون الأول/ديسمبر 1923.
والبيان هو "للتوصل إلى اتفاق فيما بينهم (الأكراد)".(8) في هذه الأثناء أظهر الشيخ محمود الحفيد بأنه غير ملم بالمهمة الدبلوماسية التي أصبحت مطلوبة الآن. وإذا كان الأكراد قد وصلوا أن الشيخ محمود الحفيد بعدم الكفاءة السياسية، فإن السياسيين البريطانيين وصغوا من خلال برسي كوكس بأخذ رأس السياسي للأكراد.
ما إن عادت القوات البريطانية إلى السليمانية في نهاية شهر أيار/مايو عام 1922م حتى تم إرسال رئيس الوزراء العراقي (عبد المحسن السعدون) لمناقشة فكرة شكل من الحكم الذاتي مع القادة الأكراد على مبدأ "الخضوع الحر للعراق" وسوف يديرها أكراد حيث يخضع الكبار منهم فقط لتصديق الملك والمندوب السامي، وسوف لن يطالب مندوبها بأداء القسم للولاء بل سوف يقيمون في مجلس بغداد. حتى إن الملك فيصل، الخائف من قيام ثورة كوردية قومية أخرى في السليمانية ومن الخطر أن تعطي عصبة الأمم المنطقة الكوردية (كوردستان الجنوبية) ولاية الموصل إلى تركيا بدأ مستعداً لإعلان الحكم الذاتي للسليمانية في إطار اتحادي دائم مع العراق العربي، غير أن أنباء الهزيمة المناوئة للشيخ محمود الحفيد في تموز/جويلية عام 1922 إثر انسحاب القوات البريطانية من كوردستان انتقدت الملك فيصل الأول من تحمل هذه المسؤوليات.
مع ذلك واجه الملك فيصل الأول المقاومة من الأكراد في كركوك وأربيل للمشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان). لقد كان اشتراكهم ضرورياً لجذبهم بشكل تام إلى الدولة العراقية العربية الجديدة وعزل التمرد الكوردي (الثورة الكوردية) داخل السليمانية. في الحادي عشر من تموز/جويلية عام 1923، وفي اليوم الذي دخل فيه الشيخ محمود الحفيد مجدداً إلى السليمانية، قرر مجلس الوزراء العراقي وبشكل رسمي ما يلي:
1- الحكومة العراقية العربية الجديدة سوف لن تقوم بتعيين أي موظفين عرباً في المناطق الكوردية ما عدا الموظفين الفنيين.
(2) FO رقم 371/9004، إدموندز، مذكرة حول القضية الكوردية، 4 كانون الأول/ديسمبر 1923.
2- وسوف لن تجبر السكان الكورد في تلك المناطق الكوردية على استعمال اللغة العربية في المراسلات الرسمية.
3- ضمان الحقوق (غير المحدودة) للسكان الكورد وكذلك الحقوق المدنية والدينية للجاليات في هذه المناطق.(9)
في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1923 تم تجاوز الأزمة، وهدفت كل من بريطانيا والعراق العربي القضية الكوردية إلى الوراء ضمن حدود سياستها. لقد اعتبر البريطانيون أن فكرة الاستقلال الكوردي قد أصبحت لاغية في كل المناطق الكوردية باستثناء تلك المناطق المحيطة بالسليمانية مباشرة؛ وأن المناطق الكوردية الأخرى قد تلتحق بالعراق الجديد على أساس الحد الأدنى من المرجعية. وبصرف النظر عن السليمانية اشترك الأكراد أيضاً في المجلس التأسيسي (البرلمان). وفي الحقيقة فقد ذهب الكثير من سكان السليمانية للتصويت في المناطق المجاورة، وبالنتيجة تم انتخاب خمسة مندوبين عن السليمانية بما فيهم الشيخ قادر البرزنجي. في هذه الأثناء يبدو أن قيادة السليمانية لم يقوموا بأي حركة لكسب تعهد بغداد الواقعي في عرضها المقدم في شهر أيار/ مايو عام 1923م.
حتى الآن كان مجلس الوزراء العراقي قد احتفظ ببيان عن الحقوق الثقافية الكوردية لاستخدامه في حال الصعوبات في كوردستان أثناء الانتخابات. وقد ذكرت لندن وبغداد بأن ونستن تشرشل قد وعد مجلس العموم البريطاني في السنة الماضية 1922م بأن الأكراد سوف يمنحون فرصة حقيقية لتحديد موقفهم بأنفسهم (بدون).(10) في هذه الأثناء بقيت السليمانية خاضعة للمندوب السامي البريطاني مباشرة وليس للحكومة العراقية. في 1925 عندما جاءت لجنة الحدود التابعة لعصبة الأمم إلى المنطقة الكوردية (ولاية الموصل) بدا وكأن المسألة
(1) FO رقم 371/15311، همفريز Humphreys إلى باسفيلد Passfield، بغداد، 27 شباط/فبراير 1931، جاء في قسم المسودة عن الأكراد لتقرير العشر سنوات الذي كان من المفروض إعداده إلى عصبة الأمم.
(10) تم إعطاء الوعد في مجلس العموم في 11 تموز/جويلية 1923.
الكوردية في حالة ركود مؤقت باستثناء الشيخ محمود الحفيد. فالمندوبون الأكراد والأعيان القليلون يمثلون المنطقة الكوردية في البرلمان العراقي مع أن عدة سحب سلبية كانت تلوح في الأفق. ولقد بقيت السليمانية مركز الشعور القومي الكوردي في حين كانت كركوك تضم شعوراً قومياً كوردياً قوياً. ولكن على المستوى التمثيلي فإن عدد الذين يرون بأن مصالحهم تسير بشكل أفضل من خلال الولاء للتاج البريطاني يفوق بكثير عدد أولئك القوميين الكورد. فبعد صدور حكم عصبة الأمم بشأن قضية ولاية الموصل ذات الأكثرية الكوردية بدت الوعود البريطانية بخصوص الموظفين الأكراد واستعمال اللغة الكوردية في المناطق الكوردية مقبولة بشكل عام.
عند ذلك، شعرت بريطانيا بأنها قد تخلصت من العواقب بكل سهولة لخوفها من المطالب الكوردية بنوع من الحكم الذاتي الرسمي.
لقد أثبت الأكراد حتى الآن مدى أهميتهم في السياسة البريطانية في العراق العربي الجديد. وكما ذكر هنري دوبس Henry Dobbs، خليفة برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في بغداد فإن الأكراد، بعيداً عن الاعتبارات الإستراتيجية والطائفية، قد أنجزوا أنهم:
"الملاذ الأخير للنفوذ البريطاني في العراق ... إذ من خلال الكتلة الكوردية المؤيدة لبريطانيا في المجلس التأسيسي (البرلمان) العراقي تمت الموافقة على معاهدة 1922 الأنكلو-عراقية، ومنذ ذلك الوقت بدأوا باستمرار يدعمون السياسة البريطانية من خلال أصواتهم ونفوذهم".(11)
أصبح من الممكن الآن التخلي عن الكلمة المروعة "الحكم الذاتي" الكوردي حتى من بين الكلمات المهددة التي استخدمتها بغداد لوقت طويل مع الأكراد. ولم تحتوي الاتفاقية الجديدة التي تم التوقيع عليها مع الملك فيصل
(1) FO رقم 371/11460 دوبس إلى شوكبيرغ Shuckburgh، ليزمور Lizmore، برقية، 16 آذار/مارس 1922.
الأول في كانون الثاني عام 1926، والتي أخذت في الاعتبار حكم عصبة الأمم، على أية ضمانات بخصوص الأكراد، بل كان هناك فقط ملحق أشار إلى مطالب العصبة.
كانت علاقات العراق العربية الجديدة الكوردي مع تركيا الحديثة المسار الأخير في نفس الحكم الذاتي في أوائل كانون الثاني عام 1922 لوحظ أن المفاوضات مع تركيا قد تشهد انفراجاً إذا ما نظر بالترتيبات المتعلقة بالأكراد داخل العراق بأنها تتجاهل الشرط المنصوص عنه في (معاهدة سيفر 10 آب 1920) باعتبار أن ذلك سوف يقلل من خطر الحكم الذاتي عبر الحدود. بينما كانت المفاوضات جارية اتفقت العراق وبريطانيا على بروتوكول في 23 نيسان/أبريل 1922 والتي تضمنت "التخلي عن السياسة السابقة والتي تبقى إدارة لواء السليمانية تحت المسؤولية المباشرة للمندوب السامي البريطاني وإعلان إدارة كوردية". يجب أن توحد لواء السليمانية بشكل قاطع مع الحكومة العراقية.
وهكذا في غضون أربعة أشهر من بيان كانون الأول/ديسمبر عام 1922 تم التخلي نهائياً عن وعد إنشاء الحكومة (الدولة) الكوردية مستقلة أو حكم ذاتي للأكراد.
لم تتردد بريطانيا في إرضاء الأتراك وتحقيقاً لمصالح الأخيرة (تركيا الحديثة) فقد أشارت بريطانيا بلغة التحفيز بالتخلي عن مسألة الحكم الذاتي الكوردي نهائياً وعلى نحو حاسم. ومن بين كافة تعهدات بريطانيا للأكراد إجراءها كان الذي أعطي في كانون الأول/ديسمبر عام 1922. والذي من الممكن الآن استبعاده من الفكر والوجدان.
".... إن كل من حكومتي جلالة الملك (بريطانيا) وحكومة العراق العربي الجديد بريتان تماماً من أي التزام قد يسمح بإنشاء دولة كوردية مستقلة إثر الإخفاق الكامل للعناصر الكوردية، حتى لحظة إعداد هذا البيان، من مجرد محاولة التوصل إلى اتفاقية فيما بينهم أو تقديم أية مقترحات محددة..."(13).
وهكذا وبحلول عام 1926 تقلصت الوعود الممنوحة لاستقلال كوردستان منذ عام 1918 إلى الحقوق الكوردية المتبقية التي وعدت بها عصبة الأمم للأكراد. لذلك، فإن كان القادة الأكراد مقصرين نتيجة لعدم كفاءتهم السياسية، فإن بريطانيا مذنبة بحكم خيانتها والنكث بوعودها للأكراد.
الفريق الركن الدكتور
عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
عمان نيسان 2014
(1) FO رقم 471/15311، همفريز Humphreys إلى باسفيلد، مسودة القسم الخاص بالأكراد في تقرير السنوات العشر إلى عصبة الأمم، بغداد، 27 شباط/فبراير 1931، المقتبس عن إدارة العراق للفترة من تشرين الأول/أكتوبر 1922 إلى نيسان/أبريل 1923، ص 37.
(2) FO رقم 371/11460، دوبس إلى شوكبيرغ، ليزمور، 16 آذار/مارس 1926.