الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الكورد والدولة العراقية 1968–1980: الطريق الطويل نحو الحكم الذاتي الكوردي

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

النهج البعثي إزاء القومية الكوردية: مفارقة تاريخية

يكشف صعود البعث إلى السلطة في 17 تموز 1968 عن مفارقة تاريخية في ما يتعلق بالكورد. فمن ناحية، لم يكن في الأيديولوجية العربية الشاملة للبعث متسع لأمة أخرى؛ إذ إن الكورد، بحسب الوثائق والأيديولوجية البعثية، جزء من الأمة العربية لأنهم عاشوا على الأرض التي سكنها العرب منذ آلاف السنين. ومن ناحية أخرى، تمادى هذا النظام نفسه أكثر من أي نظام آخر – سواء في العراق أو في أي بلد آخر يسكنه الكورد – في الاعتراف بوجود أمة كوردية. والمفارقة التاريخية الأخرى هي زواج المصلحة الذي جمع القوتين، مع أن قوى التغيير التي كان يقودها صدام حسين والملا مصطفى البارزاني كانت تشك إحداهما في الأخرى شكاً عميقاً. ولكي نفهم هاتين المفارقتين، لا بد من تحليل المشكلة التي واجهت نظام البعث الجديد أثناء صعوده إلى السلطة، وتقييم موازين القوى بين حزب البعث والكورد في ستينيات القرن العشرين.

وإذا أردنا أن نتحدث باعتدال، فإننا نقول إن صعود البعث إلى السلطة، عقب الانقلاب المزدوج في 17–30 تموز/يوليو 1968، لم يُستقبل بحماسة، لا في العراق ولا خارجه. وكان ذلك بسبب الذكريات المؤلمة لحكومة البعث الأولى القصيرة العمر، من شباط/فبراير إلى تشرين الثاني/نوفمبر 1963. كما أن الشعب العراقي كان قد ملّ الانقلابات والانقلابات المضادة التي شهدها العراق بعد استقلاله، وفقد الثقة في قدرة الثوريين المختلفين على تحسين أوضاع البلد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وخلال أول سنتين من حكمه، كان يُنظر إلى نظام البعث على أنه نظام ضعيف، غير مستقر، منقسم داخلياً، عنيف ومتطرف. وقد ظهر ضعفه بوضوح في الصراع على السلطة بين النخبة الحاكمة، وفي افتقاره إلى قاعدة سياسية تدعمه، وانعزاله عن ساحة الوحدة العربية، وافتقاره إلى الدعم الدولي، وأخيراً في نزاعه المتصاعد مع إيران.

إن الصراع على السلطة، الذي كان سمةً ميّزت أولى سنتي حكم البعث، شكّل خطراً على بقاء النظام نفسه، وأعاقه عن رسم سياسة شاملة واضحة المعالم. وقد تمحور ذلك الصراع حول أربع شخصيات رئيسية:

  1. أحمد حسن البكر – رئيس الجمهورية.
  2. حردان عبد الغفار التكريتي – وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء.
  3. صالح مهدي عماش – وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء.
  4. صدام حسين – نائب أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث.

ومع أن الصراع كان يبدو للوهلة الأولى ذا طبيعة شخصية، فإن التحليل المعمّق يُظهر أنه كان يحمل في طياته قضايا سياسية مهمة: ما ملامح النظام وما توجّهه؟ هل سيكون نظاماً عسكرياً أو شبه عسكري يديره أناس قاعدةُ دعمهم الرئيسية هي الجيش؟ أم ستكون للنظام شخصية مدنية، ربما بقيادة حزب البعث وجناحه المدني؟ لقد كان كل واحد من اللاعبين الأربعة يحمل تحت جناحيه العنصر الذي يسعى إلى تقويته: صدام حسين يدعم الحزب وجهازه الأمني، وحردان عبد الغفار التكريتي يدعم الجيش، وصالح مهدي عماش يدعم الجيش وأجهزة قوى الأمن الداخلي، أما أحمد حسن البكر فكان من الجلي أنه يناور بين الجيش والحزب.

وقد بلغ الصراع على السلطة ذروته في نهاية عام 1969. ففي تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر من ذلك العام، أدت التغييرات الدستورية والإدارية إلى تحويل النظام إلى نظام شبه رئاسي، من خلال تركيز سلطات إضافية في يد الرئيس. كما تعزز موقع صدام حسين كثيراً بتعيينه نائباً للرئيس ونائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وهو أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية في الدولة. وفي المقابل ضعف موقع كل من صالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار التكريتي حين فقدا منصب نائب رئيس الوزراء. وقد كان لتركيز السلطة في يدي الثنائي أحمد حسن البكر وصدام حسين، وإضعاف موقع الجيش في الوقت نفسه، تأثيرٌ في القضية الكوردية.

لقد قاد سعي نظام البعث في بداياته إلى تعزيز نفسه إلى مواجهات مع قطاعات مختلفة من المجتمع العراقي، بما فيها القطاعان المدني والعسكري، والمجموعات الدينية والعرقية (الكورد والشيعة والمسيحيون واليهود)، والأحزاب السياسية والنقابات المهنية. وطوّر النظام جهازاً لكشف شبكات التجسس والمحاولات الانقلابية، وأتبع ذلك بحملات تطهير ممنهجة كانت نتائجها، من وجهة نظره، مدهشة؛ فقد سُرّح المئات من الضباط واعتُقلوا وأُعدموا. وجرى اعتقال ساسة قدامى ومعروفين أو إعدامهم بتهم التجسس والتآمر على النظام، مثل رئيس الوزراء السابق عبد الرحمن البزاز، وفؤاد الركابي الأمين العام السابق لحزب البعث، وكثيرين غيرهما. وحُلّت الأحزاب السياسية التي كانت في موقف ضعيف حتى قبل صعود حزب البعث، كالجناح اليساري أو الموالي لسوريا من حزب البعث، والحزب الوطني الديمقراطي، والفصائل الناصرية. إلا أن إضعاف الخصوم لم يؤدِّ في النتيجة إلى تقوية النظام، لأن حزب البعث في تلك المرحلة كان لا يزال صغيراً ويفتقر إلى الدعم الجماهيري. أما الجيش فكان قد عانى كثيراً من الهزات بسبب استمرار حملات التطهير وإعادة خلط الأوراق في صفوفه.

أما على الصعيد الشعبي، فقد كانت شعبية النظام متدنية بسبب معاداته الكورد والشيعة. فقد عجّل تدهور علاقات بغداد مع إيران، وعداء المؤسسة الدينية الشيعية والسكان الشيعة – الذين كانوا يشكلون نصف السكان – للبعث العلماني الصريح، بحصول أزمة عام 1969، التي تُعد من أشد الأزمات في تاريخ الجمهورية العراقية. وقد اشتملت أعمال الشغب على مظاهرات في المدن الشيعية، واستُخدم السلاح لإعادة الهدوء. كما أسهمت الأعمال الاستفزازية من قبل النظام – كاعتقال رجال الدين الشيعة، وإغلاق المعاهد الدينية، ومنح رخص بيع المشروبات الكحولية في أماكن مقدسة لدى الشيعة – في زيادة تفاقم الأمور.

وقد فشلت كذلك محاولة النظام كسر طوق عزلته ببدء الحوار مع الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية) بهدف تشكيل جبهة وطنية. فقد ظل الحزب الشيوعي، أقوى خصوم النظام في العراق، ينظر إلى البعث نظرة ملؤها الشك، لا بسبب التنافس الدموي بينهما في فترة حكم عبد الكريم قاسم وخلال فترة حكم البعث الأولى فحسب، بل بسبب أعمال النظام البعثي الجديد أيضاً. ولهذا نرى أن النظام البعثي، إلى جانب دعوات الحوار، حاول قمع الحزب الشيوعي، في الوقت الذي أحكم فيه قبضته أكثر على النقابات العمالية، وهي أقوى معاقل الحزب الشيوعي.

كما عانى نظام البعث عزلة خانقة على الصعيد الدولي بسبب سياساته الانعزالية؛ فقد رمى بكل ثقله في تثبيت نفسه على الساحة الداخلية، مبدياً اهتماماً ضئيلاً بالسياسة الخارجية. والمفارقة أن الدول المجاورة نظرت إليه على أنه نظام ضعيف وخطير، وانعزالي وتوسعي في آن واحد. ورغم إعلان القادة العراقيين المتكرر عن سياسة حسن النوايا تجاه دول الجوار، فإن العلاقات بقيت متوترة، ولا سيما مع سوريا والسعودية ولبنان ومصر، وكانت أسوأها مع إيران. بل إن بغداد اتهمت العرب بعدم دعمها في نزاعها مع إيران.

لقد كانت إيران على الدوام العامل الأبرز الذي أثّر في مصير الكورد في العراق وفي سياسة النظام تجاههم. وفي مثلث العلاقات هذا تطورت صيغة شبه بديهية: فالعلاقات السيئة بين العراق وإيران كانت تؤدي تلقائياً إلى قيام الأخيرة بتحريض الكورد المجاورين لها على التمرد ضد بغداد. ومن ناحية أخرى، لم تسهم الثورة الكوردية في إضعاف الموقف الداخلي لبغداد البعثية فحسب، بل أضعفت أيضاً قدرتها على التنافس مع إيران. وقد وصلت العلاقات بين العراق وإيران إلى أدنى مستوياتها بسبب النزاع على الممر المائي في شط العرب، وقرار إيران الأحادي الجانب في نيسان/أبريل 1969 إيقاف العمل باتفاقية عام 1937 بين البلدين. وكانت تلك الاتفاقية تأكيداً لاتفاقية عام 1847 بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، التي نصّت على أن الحدود بين البلدين في شط العرب تمر بمحاذاة الضفة الشرقية للنهر لا على طول خط التالوك، باستثناء المناطق المواجهة لمدينتي عبادان والمحمرة، وبذلك كانت السيطرة على النهر بيد العراقيين. وكانت الذريعة المعلنة لهذا التصرف الإيراني، كما ذُكر، هي الاستفزازات العراقية ضد السفن الإيرانية، إلا أن السبب الحقيقي كان تقدير إيران أن نظام البعث في بغداد أضعف من أن يعيق خطوة كهذه.

وقد تضمن ردّ بغداد اعتراضات شفوية، وترحيل الإيرانيين ورجال الدين الشيعة، والضغط على السكان الشيعة، وإثارة القلاقل في منطقة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط، التي تسكنها أغلبية عربية، وكان العراق يسميها «عربستان». وفي نيسان/أبريل 1969 مضى وزير الداخلية العراقي صالح مهدي عماش أبعد من ذلك، حين طالب بإعادة منطقة عربستان إلى العراق، بحجة أنها اقتُطعت منه أثناء الانتداب البريطاني.

وينبغي النظر إلى النزاع الإيراني – العراقي في سياق إقليمي وعالمي أوسع، وتحديداً من منظور التنافس الإيراني – العراقي في منطقة الخليج، الذي ازداد حدة بعد إعلان بريطانيا في كانون الثاني/يناير 1968 نيتها إتمام سحب قواتها من المنطقة بحلول أواخر عام 1971. وقد دفع هذا الإعلان القوى الرئيسية إلى تكثيف جهودها لملء الفراغ الذي سينجم عن انسحاب البريطانيين، ولترسيخ نفوذها في دول الخليج.

وقد سعى كل من العراق وإيران إلى تحقيق تطلعاته من خلال ضمان دعم القوى العظمى. غير أنه في الوقت الذي كانت فيه إيران تهدف إلى أن تصبح «شرطي الخليج» بمباركة من الولايات المتحدة، وكانت تزداد قوة من الناحية العسكرية، وأقامت علاقات مع كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، كان موقف العراق الدولي إزاء القوى العظمى لا يُحسد عليه. فقد كانت بغداد قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967، وكانت علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي فاترة، مع أن العراق كان قد منحه امتيازاً في حقل الرميلة النفطي.

ومنذ البداية وصف الرئيس العراقي الاتحاد السوفيتي بأنه يحتل موقع الصدارة في علاقات العراق الخارجية. ومع ذلك، وحتى إن كان الاتحاد السوفيتي ينظر إلى العراق وسيلةً لتعزيز النفوذ السوفيتي في الخليج، فإنه لم يكن مستعداً في تلك المرحلة لمنح العراق دعماً غير مشروط. فقد كان حريصاً على عدم إغضاب إيران، التي أقام معها علاقات ودية في السنوات الأخيرة، مع أن السياسة السوفيتية كانت قائمة على تحييد النفوذ الإيراني، ومن ثم الأمريكي، في الخليج. والسبب الآخر هو تحفظات الاتحاد السوفيتي الجدية على سياسات نظام البعث الداخلية، ولا سيما ما يتعلق منها بالحزب الشيوعي والكورد؛ إذ كان يدعو إلى إشراك الحزب الشيوعي العراقي في جبهة وطنية عراقية، وإلى التوصل إلى حل سلمي للمشكلة الكوردية. وقد أجبر انعدام التقدم في هاتين القضيتين، علاوة على عدم استقرار العراق وعزلته، الاتحادَ السوفيتي على التعامل معه بحذر شديد.