الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المادة (140) أمام المحكمة الدستورية حول المناطق الكوردية المتنازع عليها
من محاضرات «المادة (140) الدستورية»
منذ ما يقارب سبع سنوات قدّم الدكتور خليل إسماعيل محمد إلى مجلة (كولان) الأسبوعية مقالاً بعنوانٍ مثيرٍ آنذاك هو: «المادة (140) بين التفعيل والتأجيل». وكان وجه الإثارة فيه طرحَ مسألة التأجيل في مرحلةٍ لم تكن فيها هذه المسألة مقبولةً أصلاً، ولا سيما أن الفترة الزمنية المتبقية لتطبيق المادة (140) وموعد الاستفتاء كانت لا تزال كافية.(1)
لكن هذه الإثارة سرعان ما تبدّدت حين قرأتُ في العدد نفسه من المجلة آراءً مماثلةً لقياديَّين ذوي علاقة مباشرة بالمادة (140)، يكشفان فيها عن احتمال تأجيل تطبيقها أيضاً. ومن هنا يمكن القول إن مسألة التأجيل، التي اتخذت بعد ذلك صيغاً قريبةً منها أو مؤدّيةً إليها، كانت قد طُرحت منذ ذلك الوقت، وقد حذّر كثيرون من نتائج تأجيل تطبيق المادة (140) على مستقبل القضية الكوردية في كوردستان العراق.
وكان تقرير بيكر - هاملتون جرسَ إنذارٍ للمكتسبات التي تحققت للشعب الكوردي، ولا سيما ما يخص المادة (140)؛ فقد حذّر التقرير من خطورة تنفيذ هذه المادة، وعدّها «قنبلة موقوتة» تتجاوز آثارُها العراقَ إلى المنطقة!
ومع أن رئيس الوزراء نوري المالكي بادر إلى تخفيف الضغط الكوردي إزاء تهاون السلطة التنفيذية، ولا سيما رئيس لجنتها، في آليات تنفيذ المادة (140)، وذلك بتحديد جدول زمني لمراحل تنفيذها: التطبيع في مدة لا تتجاوز 19/3/2007، والإحصاء في 21/7/2007، ثم الاستفتاء في 15/11/2007، فإن ذلك لم يغيّر من قناعات السلطات التنفيذية في بغداد، التي سعت منذ وقت مبكر إلى الالتفاف على نهاية المدة الدستورية للمادة (140)، مستفيدةً من كل «الأوراق» الضاغطة على جميع المستويات: المحلية والإقليمية والدولية، ومستقطبةً تأييد الجماهير ومساندتها، وهي جماهير كانت تعيش حالة من الضبابية بسبب إعلامٍ مقصورٍ على الإداريين والسياسيين. وكان يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تكون رديفاً لهؤلاء وأولئك في تعزيز دورهم في هذا المجال.
لقد غالى كثيرٌ من المعنيين بالمادة (140) الخاصة بالمناطق الكوردية المتنازع عليها في إقليم كوردستان العراق، بل حتى المسؤولون الكورد في بغداد، في التفاؤل طوال السنتين الأخيرتين من المدة المحددة لتطبيقها، حتى إن أحدهم أعلن عن إجراء الاستفتاء المزعوم خلال شهر تشرين الثاني من العام 2007، وحذّر آخرون من طرح مسألة «التأجيل» أو «التمديد» بأي حال من الأحوال، باعتبار ذلك «خطاً أحمر» لا يجوز الخوض فيه.
وقد بلغت بهم القناعة أن الأمر مفروغ منه، ولا يحتاج إلى تمديد أو تأجيل، مع أنه لم يكن قد بقي من المدة الدستورية للمادة (140) سوى ثلاثة أسابيع لا غير! هذا فضلاً عن التباين في وجهات نظر المسؤولين داخل الإقليم وخارجه، سواء المعنيون في برلمان إقليم كوردستان، أو أعضاء التحالف الكوردستاني في البرلمان العراقي في بغداد، أو حتى المسؤولون في قائمة التآخي في مجلس محافظة كركوك.
حكام بغداد وحدود الكيان الكوردي
هكذا كانت مسيرة الأيام الأخيرة من المدة المحددة لتنفيذ المادة (140) الخاصة بالمناطق الكوردية المتنازع عليها. وكان الدكتور خليل إسماعيل محمد وآخرون قد حذّروا منذ وقت مبكر، في كتاباتهم المقروءة وأحاديثهم المرئية، بل في محاضراتهم داخل الجامعة وخارجها، من أنه لا أمل في أن تتكوّن لدى حكام العراق في بغداد، الحاليين منهم بل والقادمين إلى الحكم أيضاً، قناعةٌ بأحقية الشعب الكوردي في قيام كيان قومي كوردي مستقر في كوردستان العراق، أو بالموافقة على ترسيم حدود إدارية دستورية لهذا الكيان، إلا إذا كان ذلك أمراً واقعاً أو أُكرهوا عليه.
وما كانت موافقة حكام بغداد على مبدأ الفدرالية أو الإدارة الكوردية لإقليم كوردستان، كما ورد في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وفي المادة (140) من الدستور العراقي الدائم، إلا انطلاقاً من هذا المنطق ليس إلا. فليس غريباً إذن أن يغتنم هؤلاء فرصة انتهاء المدة المخصصة للمادة (140) ليعلنوا فوراً انتهاء العمل بها، في حين دعا آخرون إلى تدويلها، وقررت أغلبية البرلمان العراقي إحالتها إلى المحكمة الدستورية للبتّ في استمرار العمل بها أو إلغائها.
وتأسيساً على ما سبق، ينبغي علينا - نحن الكورد - أن نعيد قراءة التاريخ باستمرار، لنرى مثلاً كيف تراجعت القيادة العراقية عن إجراء إحصاء شامل للسكان، ولا سيما في منطقة كوردستان، كما جاء في اتفاقية 11 آذار 1970؛ لأن من شأن ذلك أن يحدد المناطق الكوردية التي «ستُضاف» إلى المحافظات الكوردية الثلاث: دهوك وأربيل والسليمانية، ومن ثم ترسيم حدود منطقة كوردستان للحكم الذاتي، وهو ما عدّته تلك القيادة خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه بأي حال من الأحوال.
ومن هنا كانت «اللامركزية الإدارية» سابقاً، و«فدرالية المحافظات» حالياً، الهدفَ الذي تسعى القيادات العراقية عموماً إلى الترويج له وتحقيقه.
مقترحات البحث
ويسلّط البحث الضوء في نهاية هذا النفق المظلم الطويل على ما يقودنا إلى ترجمة مراحل المادة (140) إلى واقع، فنقترح ما يأتي:
1- العمل على جميع المستويات (الحزبية والإدارية والجماهيرية) لإخراج المادة (140) من أروقة المحكمة الدستورية معافاةً سليمةً دون تغيير أو تعديل، مع استمرار عمل اللجنة العليا وفق جدول زمني يأخذ بنظر الاعتبار المدة الأخيرة التي اتُّفق على تمديدها، والتي انتهت في 30/6/2008.
2- تحديد أسماء العوائل العربية الوافدة إلى المناطق الكوردية المتنازع عليها، وتصنيفها إلى راغبين في العودة إلى المحافظات التي قدموا منها وراغبين في البقاء، على أن يصدر قرار ملزم بعدم جواز مشاركة هؤلاء في أي استفتاء يتعلق بمصير الوحدة الإدارية الكوردية التي يقيمون فيها.
3- الإسراع بإصدار مراسيم جمهورية بإعادة الوحدات الإدارية الكوردية في المناطق المتنازع عليها إلى ما كانت عليه قبل سنة 1968.
4- تفعيل عمل المكاتب الخاصة بالمناطق الكوردية المتنازع عليها، وتوفير المستلزمات المادية والمعنوية لها، ولا سيما مكتبَي شنكال وخانقين، لتؤدي دوراً أكثر إيجابية في تنفيذ آليات المادة (140).
5- تكثيف العمل الإعلامي لتعميق الوعي القومي الكوردي لدى الجماهير الكوردية في المناطق المتنازع عليها، لتأخذ دورها في دعم القيادة الكوردية من أجل الإسراع في التطبيق الفعلي لبنود المادة (140) من قبل السلطات التنفيذية في بغداد.
6- استمرار الانفتاح على الأحزاب والتجمعات السياسية غير الكوردية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب تعزيز العلاقات مع دول الجوار بهدف طمأنتها، وحثّها على عدم التدخل في شؤون إقليم كوردستان، والتنسيق معها من أجل استقرار الأوضاع على امتداد الحدود المشتركة.
الدكتور عبد العزيز المفتي
الهوامش
(1) د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص97-99.