الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المادة (140) من الدستور العراقي

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

تنفيذ المادة (140) الطريق لتحديد الحدود الجغرافية لإقليم كوردستان

وضعت ثورة 14 تموز 1958 اللبنة الأساسية للاعتراف بالشعب الكوردي شريكاً إلى جانب الشعب العربي في بناء العراق الجديد، وفقاً للمادة الثالثة من دستور العراق المؤقت لسنة 1958، التي نصت على أن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». وقد أقرّ هذا الدستور للشعب الكوردي هويته القومية، لكنه تجنّب ذكر كوردستان وطناً قومياً للكورد في العراق، كما تجاهل تحديد الوحدات الإدارية الكوردية التي تمثلها، وهي محاولة محسوبة للتهرب من تحديد الوطن القومي للشعب الكوردي في كوردستان العراق. وقد ظلت (عقدة) ترسيم الحدود الإدارية لكوردستان العراق تحول دون الوصول إلى حل عادل ونهائي للقضية الكوردية في العراق حتى اليوم.

بل إن مشروع قانون الإدارة اللامركزية لكوردستان العراق لسنة 1963 كان في الواقع محاولة لتجاوز كل ما من شأنه وضع حدود للمنطقة الكوردية (كوردستان)؛ إذ قسّم العراق إلى (ألوية/محافظات كبرى)، من بينها (لواء/محافظة السليمانية) الذي ضمّ، إلى جانب السليمانية، لوائَي (محافظتَي) أربيل ودهوك والأقضيةَ الكوردية من لواء (محافظة) الموصل آنذاك. فلا غرابة أن نجد هذه (العقدة) قد انتقلت إلى القيادات في بغداد حتى بعد سقوط النظام العراقي السابق سنة 2003، حين طُرحت فدرالية (المحافظات) للحيلولة دون تثبيت النظام الفدرالي لإقليم كوردستان العراق.

واستمر سكان تلك المناطق الكوردية محرومين من الحرية والعدالة والمساواة، يعانون في ظل النظام العنصري السابق شتى أنواع القهر والاضطهاد، حتى كادت أجزاء كبيرة منها تفقد صفتها القومية الكوردية تماماً بسبب التهجير القسري والتعريب.

ويمكن القول إن اتفاقية 11 آذار 1970 طرحت، لأول مرة على الصعيد الرسمي للدولة العراقية منذ تأسيسها في آب 1921، مصطلح «كوردستان»؛ إذ دعت في البند (14) إلى «توحيد المحافظات والوحدات الإدارية التي تقطنها كثرة كوردية وفقاً للإحصاء الذي يجرى ضماناً لتمتعه بالحكم الذاتي». كما جاء في قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق رقم (33) لسنة 1974: «تتحدد المنطقة الكوردية (كوردستان) حيث يكون الأكراد غالبية سكانها، ويثبت الإحصاء العام حدود منطقة كوردستان وفقاً لما جاء في بيان 11 آذار 1970».

ومع تأجيل الإحصاء (المزعوم) لم تتجاوز منطقة الحكم الذاتي لكوردستان العراق حدود المحافظات الثلاث: دهوك وأربيل والسليمانية، التي أُلحق بها قضاءا جمجمال وكلار. وهذا يعني أن أكثر من نصف مساحة المنطقة الكوردية (كوردستان) بقي خارج الإدارة الكوردية، كما بقي خارج إدارة إقليم كوردستان بعد التحرير سنة 1991.

وبعد تحرير العراق سنة 2003، وفي ظل مفاوضات عقيمة بين الطرفين الكوردي والعربي، لم يستطع أيٌّ منهما إقناع الآخر بأحقيته في تقرير مصير المناطق الواقعة خارج الإقليم، الأمر الذي اضطرهما إلى الاتفاق على صيغة حُددت في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وسُميت بـ(المنطقة المتنازع عليها)، دون تحديد لمساحتها أو حدودها الجغرافية. ورغم نقل هذه المادة إلى الدستور العراقي الجديد في المادة (140)، فإن حدود هذه المنطقة (كوردستان)، أو الوحدات الإدارية الكوردية التي تشملها، لم تُبيَّن! مما جعل ذلك أسير اجتهادات مستقبلية، حتى على صعيد القيادات الكوردية التي ركزت على مدينة كركوك وما حولها، في حين جاء نصيب الأجزاء الأخرى دون المستوى المطلوب.

ومن الملاحظ أن (الآخرين) استطاعوا جرّ القيادات الكوردية إلى ذلك، من خلال السعي الدؤوب إلى وضع العراقيل وافتعال المشكلات في طريق تطبيع الأوضاع في مدينة كركوك بالذات، وهو ما شجّع (الدولة التركية) على التدخل للحيلولة دون تطبيق المادة (140).

فما حقيقة المنطقة الكوردية المتنازع عليها؟ ولماذا كل هذا الإصرار على تأجيل البتّ في الحل النهائي لمصيرها؟!

البعد الاستراتيجي للمنطقة: تتمثل المنطقة الكوردية المتنازع عليها بالشريط الممتد من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، بدءاً من قضاء سنجار في محافظة نينوى، مروراً بمحافظة كركوك، وانتهاءً بقضاء بدرة في محافظة واسط، وتعادل مساحتها أكثر من نصف مساحة إقليم كوردستان، ويقارب عدد سكانها من الكورد ذلك أيضاً. وهذه المنطقة من كوردستان العراق مراكز تسويق بالغة الأهمية لمنتجات المنطقة الجبلية الكوردية من جهة، ولمنتجات السهول والبوادي من جهة أخرى، ناهيك عن أهميتها الزراعية؛ فقد كانت حتى عهد قريب (سلة غذاء) العراق. كما تحتوي على أحواض نفطية كانت ولا تزال القاعدة الأساس لاقتصاد العراق، سواء في عين زالة في محافظة نينوى، أو في آبار بابا كركر في كركوك، أو في المنطقة الواقعة بين خانقين ومندلي. وإلى جانب ما سبق، تتميز المنطقة الكوردية من كوردستان العراق بما يأتي:

1- أهميتها في الموارد المائية بنوعيها السطحية والجوفية، مما شجّع على نمط منتشر في توزيع المراكز الاستيطانية.

2- أهمية موقعها الجغرافي المجاور للحدود العراقية–السورية والعراقية–الإيرانية والعراقية–التركية؛ وقد اكتسب هذا الموقع أهمية استراتيجية، لا سيما بالنسبة إلى الجوار الإيراني، إذ تقترب الحدود الإيرانية كثيراً من العاصمة بغداد، وكذلك بالنسبة إلى تركيا.

3- الأهمية الديموغرافية: فالمنطقة تُعدّ (متحفاً) إثنولوجياً في تعدد القوميات وتنوع الطوائف والأديان؛ فإلى جانب الكورد الذين يمثلون أغلبية سكانها يعيش التركمان والعرب والكلدان والأرمن، كما تضم، إلى جانب الأغلبية المسلمة، المسيحيين والإيزيديين الكورد.

فلا غرو أن تسعى الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ وقت مبكر من تأسيس الدولة، إلى تنفيذ سياسة التعريب السيئة الصيت، بهدف ترقيق الوجود القومي للشعب الكوردي في المنطقة (كوردستان العراق) للتحكم بها والسيطرة عليها، وذلك على مراحل، لكل مرحلة خصائصها وأساليبها التي تتناسب مع الظروف السياسية والاقتصادية للبلاد آنذاك.

وقد قُدّر لسكان المناطق الجنوبية من الإقليم (كوردستان) أن يكون لهم النصيب الأكبر من سياسة التعريب هذه، لا لكونها الأقرب إلى العاصمة بغداد فحسب، بل للميزات التي تمت الإشارة إليها أيضاً. فكانت حملات الترحيل والتهجير القسري، وعمليات الأنفال السيئة الصيت، واستخدام الأسلحة كافة بما فيها المحرمة دولياً (الكيمياوي)، وسائلَ للإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الكوردي في هذه المناطق الكوردية المتنازع عليها.

وتأسيساً على ذلك، أخذت المناطق الكوردية المتنازع عليها تفقد الكثير من سماتها القومية الكوردية، ناهيك عن تكوينها الديموغرافي، لا سيما بزرعها بالمستوطنين العرب، الأمر الذي زاد من تعقيد الوصول إلى حل عادل ومناسب لإلحاقها بإقليم كوردستان العراق. فجاءت المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، ثم المادة (140) من دستور العراق الجديد، حلاً (وسطاً) يرضي الأطراف المعنية كافة، على أمل أن يكون الفصل في تبعية هذه المنطقة إلى كوردستان العراق، من عدمها، بيد سكانها الأصليين الكورد.

ومع تزايد حماس المعنيين بتنفيذ المادة (140) للوصول إلى حل عادل ونهائي للمنطقة الكوردية المتنازع عليها، تتزايد الصعوبات وتتعقد المشكلات في طريق الحل؛ إذ تعمد القوى المعادية إلى خلق ظروف أمنية غير مناسبة، ويتزايد تدخل دول الجوار للحيلولة دون تطبيق المادة في مواعيدها. وهذا يضاعف مسؤولية القيادة الكوردية تجاه سكان المنطقة الكوردية المتنازع عليها، لأنها تتصل بمستقبل القضية الكوردية في العراق، إذ تؤدي لأول مرة إلى ترسيم الحدود الجغرافية والإدارية لإقليم كوردستان العراق(1).

أكراد العراق بين الحكم الذاتي والانفصال

محاور الحوار: مشكلة المادة (140) من الدستور العراقي ومصير المناطق الكوردية المتنازع عليها، ومؤشرات الانفصال في مشروع الدستور الكوردستاني، ومبادئ دستور الإقليم وضوابط ارتباطه بالدستور الاتحادي، وأهم نقاط الجدل والحلول الدستورية والقانونية لها.

وقد افتُتح الحوار بالأسئلة الآتية:

  • مع اقتراب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في كوردستان العراق، لماذا صعّد السيد مسعود البارزاني، رئيس الإقليم، لهجته في المطالبة بضم كركوك الغنية بالنفط؟ هل يأتي ذلك ضمن حملته الانتخابية لرئاسة الإقليم، أم تأكيداً لما أقرّه برلمان كوردستان حين وافق على دستور الإقليم الذي عُدّ مقدمةً لتقسيم العراق، لا سيما أنه يؤكد مزاعم الأكراد بشأن الأرض والنفط؟ ولماذا أُجّل الاستفتاء على هذا الدستور ليتزامن مع الانتخابات؟
  • هل أدرك الأكراد أنهم تمادوا في مطالبهم، مما يزيد شُقّة الخلاف مع بغداد، وهو ما أكدته واشنطن؟ ولكن ألم تنصّ المادة (140) من الدستور العراقي الاتحادي على رسم الحدود الإدارية لإقليم كوردستان؟ أم أن الدستور الاتحادي كُتب تحت ضغوط الأكراد وتواطؤ حلفائهم من المعارضة العراقية قبل الاحتلال؟
  • هل كركوك، التي تعوم على عشرة مليارات برميل من الاحتياطي النفطي، هي «قدس الأقداس» كما قال جلال الطالباني عام 2001، بل يجب أن تكون عاصمةً للإقليم بدلاً من أربيل كما قال السيد مسعود البارزاني عام 2004؟
  • لماذا يماطل المركز في بغداد في تطبيق ما جاء في الدستور الاتحادي، في المادة (140)، بشأن ما يُسمّى المناطق الكوردية المتنازع عليها؟ وهل أدرك رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي شارك في كتابة الدستور، أن صلاحيات واسعة قد مُنحت للأكراد بموجب النظام الفيدرالي الذي فرضه الأكراد عام 1992 في مؤتمر المعارضة العراقية في صلاح الدين، مما دفعه إلى القول إنه تمنى لو قُطع الإصبع الذي وقّع على الفيدرالية؟
  • لماذا فشلت واشنطن والأمم المتحدة في حل الخلافات العراقية، ولا سيما حول كركوك بمكوناتها الكوردية والعربية والتركمانية والآشورية؟ وإذا كانت كركوك تشكّل أكبر تحدٍّ للعراقيين، كما حذّر رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الذي زارها، فهل ستُضمّ إلى كوردستان كما يطالب الأكراد، أم ستصبح إقليماً له وضعه الخاص كما يقترح التركمان، أم تبقى محافظةً عراقيةً كما يرغب سكانها العرب؟
  • ولماذا لا تكون كركوك لوحةً تجمع فسيفساء التعدد العرقي والديني والمذهبي، ورمزاً للتآخي بدلاً من الخلاف بين ورثة العراق بعد عام 2003؟

مشكلة المادة (140) ومصير المناطق الكوردية المتنازع عليها

بعد إقرار برلمان كوردستان العراق دستور الإقليم الذي يطالب بضم المناطق الكوردية المتنازع عليها، قال رئيس الإقليم السيد مسعود البارزاني: «إن الذين يفكرون بأن تأخير حل مسألة كركوك سيجعل الأكراد ينسونها واهمون»، في إشارة ربما إلى بغداد؛ أي إننا، الشعب الكوردي، لن ننسى كركوك. فهل يعني ذلك تصعيداً؟

باعتقادي، هذا لا يعني أي تصعيد في المطالبة بمحافظة كركوك أو التمسك بها، ولا بالمناطق الأخرى التي تُسمّى المناطق الكوردية المتنازع عليها؛ فهناك ثبات واستقرار في رأي الشعب الكوردي والجانب الكوردي والتحالف الكوردستاني في المطالبة بضم هذه المناطق إلى إقليم كوردستان، لأنها في الأساس مناطق كوردية. ثم إن إقليم كوردستان منطقة عراقية، وضمّ هذه المحافظة أو أي مناطق أخرى من محافظات كركوك أو ديالى أو الموصل إلى الإقليم يُبقيها في الأساس مناطق عراقية. إذاً، فمطالبة الكورد، ومطالبة رئيس الإقليم مسعود البارزاني، بضم هذه المناطق الكوردية باقية على المنوال نفسه بثبات واستقرار. والكورد حين يطالبون بذلك يستندون إلى حقائق ووثائق وأدلة جغرافية وتاريخية، ليست من المصادر الكوردية فحسب، وإنما من مصادر تركية وعربية وأجنبية مسندة بالوثائق؛ وهذا ما يجعلهم يطالبون بها، لأنها من حقوقهم المشروعة قانوناً وعرفاً.

يرى رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني أن عدم تطبيق المادة (140)، أي عدم ضم المناطق الكوردية إلى الإقليم، قد يؤدي إلى قتال بين الحكومة المركزية والشعب الكوردي.

أعتقد أن المادة (140) من الدستور العراقي الدائم تستند إلى المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وهذه المادة تستند أساساً إلى رأي سكان المناطق الكوردية، كمنطقة كركوك ومناطق شنگال (سنجار) والشيخان وخانقين ومخمور، أو أي منطقة أخرى سيجري فيها استفتاء لمعرفة آراء سكانها. فإذا أصرّ سكان تلك المناطق على البقاء تابعين للحكومة الاتحادية، فإنها ستبقى ضمن مناطق الحكومة الاتحادية بموجب المادة (140) والمادة (58) التي تستند إليها؛ أما إذا طالبوا بغير ذلك فعلى جميع الجهات احترام إرادة السكان الكورد في هذه المناطق. إذاً، فمحور المادة (140) هو الاستفتاء، أي إرادة الشعب. ولذلك يستغرب الكورد آراء الذين يريدون إنكار المادة أو عدم تنفيذها، لأنها في الأساس تستند إلى إرادة سكان هذه المناطق. هذه هي النقطة الأولى.

وهنا نشير إلى مادة مهمة من مشروع دستور إقليم كوردستان، هي الفقرة الثانية من المادة الثانية، التي تنصّ على أن تُحدَّد الحدود السياسية لإقليم كوردستان بتنفيذ المادة (140) من الدستور العراقي. فماذا تعني هذه الفقرة؟ إن ما أُثير حولها لا يستند إلى موافقة الكورد؛ فإذا جرى الاستفتاء ووافق شعب إقليم كوردستان على هذه المادة وهذه الفقرة، فإن ذلك يشير إلى موافقة مسبقة منا على نتائج تنفيذ المادة (140)، التي ستُظهِر بعد تنفيذها أحقية هذه المناطق الكوردية وعائديتها.

ويجب أن يُعلم أن المادة (140) لا تعني ضم كركوك إلى إقليم كوردستان، وإنما تتحدث عن ثلاث مراحل للتعاطي مع مشكلة كركوك وما يُسمّى المناطق المتنازع عليها، هي:

1- التطبيع.

2- الإحصاء.

3- الاستفتاء.

قد يُسأل عن كلمة «التطبيع»: هل هو تطبيع بين العرب والإسرائيليين، أم بين العراقيين أنفسهم؟

أعتقد أن المقصود بالتطبيع أن الحكومات السابقة، ولا سيما نظام صدام حسين، قامت بحملات تطهير عرقي وتهجير قسري وإبادة جماعية في هذه المناطق الكوردية، فأجبرت كثيراً من العوائل الكوردية والقاطنين فيها على النزوح عنها، واستقدمت عرباً من جنوب العراق ووسطه ومن مناطق أخرى لإسكانهم فيها. وبعد سقوط النظام السابق في نيسان 2003 بدأ الكورد والتركمان بالعودة إلى مناطقهم الأصلية التي هُجّروا منها قسراً، فظنّ البعض أن ذلك «تكريد» للمنطقة؛ وهذا غير صحيح، وإنما هو عودة أهلها الأصليين المهجّرين منها قسراً. ولهذا سُمّيت المناطق الكوردية المتنازع عليها، لأن هناك نزاعاً فعلياً عليها.

ولا ينكر الكورد أن كركوك نموذج عراقي وفسيفساء تضم جميع الألوان والمكونات، ففيها العرب والتركمان والمسيحيون إلى جانب الأكثرية الكوردية.

لماذا تماطل الحكومة العراقية في تنفيذ المادة (140)؟

كانت هناك مدة محددة تنتهي في 31 كانون الأول 2007، وقد انتهت ولا تزال الحكومة تماطل. وكما قال السيد مسعود البارزاني، لا يمكن للكورد ولا للعالم أن ينسوا المادة (140)، على الرغم من مماطلة الحكومة في تنفيذها لغاية في نفس يعقوب.

ويقول البعض إن المادة (140) سقطت من الدستور العراقي بانتهاء مدتها الزمنية، وأعتقد أن هذا لا يجوز، لأنها مسألة قانونية لا يقررها السياسيون، وإنما يقررها القضاء. وقد أُحيلت المادة فعلاً إلى المحكمة الدستورية، ولم تبتّ فيها حتى الآن؛ وعلى أي حال تُترك المسألة للمحكمة لتقرر هل هي ساقطة أم غير ساقطة. والأهم من ذلك أن الحكومة الاتحادية في بغداد تقول إنها لا تماطل في تطبيق المادة، وإنما ترى أن النزاع القائم على تلك المناطق الكوردية يستلزم اتباع آلية توافقية تضمن حقوق جميع المكونات في كوردستان. وهذه العملية بطيئة جداً من جانب الحكومة المركزية، علماً أنها خصصت مبالغ هائلة لتعويض المتضررين لأجل التطبيع في المناطق الكوردية المتنازع عليها.

هناك من يقول إن الدستور العراقي كُتب على عجل.

هذا برأيي الشخصي صحيح، لكن المهم أن الشعب صوّت على هذا الدستور ووافق عليه، فأصبح وثيقة قانونية وشرعية يجب أن يلتزم بها الجميع.

ويُثار الجدل حول كتابة الدستور العراقي على عجل، وحول المادة (140) وموضوع الفيدرالية التي طلبها الكورد في مؤتمر صلاح الدين عام 1992 ثم في مؤتمر نيويورك عام 1999، ووافقت عليها جميع أحزاب المعارضة يومئذٍ دون أي اعتراض؛ وكانت في الحقيقة اتفاقات مسبقة جرت بين أطراف المعارضة قبل الاحتلال.

ونلاحظ أن تلك الأحزاب المعارضة، حين قويت واستلمت السلطة، أخذت تنكث وعودها السابقة. وهذا ما يجعلنا نعود إلى التاريخ: فكلما قويت الحكومات العراقية المركزية المتعاقبة نكثت وعودها للشعب الكوردي، والتاريخ يعيد نفسه. وهذه هي العقلية الشوفينية العنصرية في القيادات الحكومية، سابقاً ولاحقاً، بسبب تفضيلها مصالحها الشخصية والحزبية على مصلحة العراق بشعبيه العربي والكوردي.

علماً أن المادة (140) استُقدمت من المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، فكانت ثمرتها. إذاً، نستطيع القول إن الدستور العراقي لم يُكتب على عجل فيما يخص المادة (140)، بل نُقلت إليه من المادة (58) كما كانت في قانون إدارة الدولة.

مؤشرات الانفصال في مشروع الدستور الكوردستاني

هل تقسيم العراق إلى فيدرالية كوردية (كوردستان العراق) وفيدرالية شيعية في الجنوب وعراق سنّي في الوسط هو ما يفكر فيه الكورد والشيعة لغرض التقسيم؟

إن الفيدرالية لإقليم كوردستان هي ما ناضل الشعب الكوردي من أجله، وقدّم في سبيله الكثير من الدماء والشهداء منذ مئات السنين حتى الآن، للحصول على حقوقه القومية المشروعة. وأعتقد أن هذا حق دستوري ثبّته الدستور العراقي، الذي نصّ على أن النظام في العراق نظام فيدرالي. وهذه المسألة لم ينتزعها الكورد أو يطالبوا بها وحدهم، وإنما تحققت بالتوافق والاتفاق بين الجميع، وثُبّتت في الدستور العراقي؛ فقد وافقوا على إعطاء إقليم كوردستان حكماً ذاتياً بدستوره الخاص، وصوّت على دستور 2005 نحو 80% من أبناء الشعب العراقي بعربه وكورده. أما فيما يتعلق بكوردستان والمادة (140) والقضايا المتنازع عليها، فهل يجوز أن نلوم الكورد الذين ذاقوا الأمرّين منذ السبعينيات حتى الغزو (الاحتلال) في نيسان 2003، من تعذيب وتشريد وطرد وتهجير وضربات كيمياوية وقتل جماعي في نهاية الحرب العراقية الإيرانية وعمليات الأنفال وغيرها؟ وهل نلومهم إذا أرادوا أن يحتفظوا بنوع من الدرع الواقي من أي نظام في المستقبل، ضمن العراق الفيدرالي الموحد؟

وحتى لو فكّر الكورد في الانفصال أو حلموا به، فليس عيباً لشعب وأمة لها مميزاتها وخصائصها وتقاليدها الاجتماعية ولغتها الخاصة وتاريخها الأصيل أن تحلم بذلك.

مبادئ دستور إقليم كوردستان وضوابطه وارتباطه بالدستور الاتحادي

يعتقد بعضهم، ومنهم سياسيون، أن دستور إقليم كوردستان يرسي أسس دولة كوردية مستقلة، وحجتهم أن في مقدمة دستور إقليم كوردستان العراق (ديباجته) حديثاً بليغاً عن الاضطهاد والعذاب الذي مرّ به الشعب الكوردي على يد النظام السابق والعهود السابقة، ولا سيما منذ استلام حزب البعث السلطة حتى الغزو الأميركي البريطاني، وهو ما عاناه أيضاً إخواننا العرب في الجنوب.

ولكن دستور إقليم كوردستان مكتوب للإقليم، فهو يتحدث عن إقليم كوردستان وعن الأحداث التاريخية التي مرّ بها. وإذا ما تشكّل إقليم في الجنوب، فإن أهله أحرار في أن يكتبوا ما يرونه منسجماً مع الأحداث التاريخية في الجنوب، وهذا حق دستوري مشروع لهم.

وماذا عن معارضة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي لهذا الدستور، وهو الذي كان عضواً في لجنة كتابة الدستور العراقي؟

دولة رئيس الوزراء الأستاذ نوري المالكي ينتمي إلى أحد الأحزاب (حزب الدعوة) التي كانت متحالفة مع الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو حرّ، من موقعه في الحكومة العراقية أو في حزب الدعوة، في أن يقرأ في الدستور ما يراه منسجماً. لكن رأيي في هذا التصريح أن المالكي كانت لديه ملاحظات على هذا الدستور قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، غير أن تصريحاته بعد انتخابات مجالس المحافظات، التي حصلت فيها قائمة دولة القانون (حزب الدعوة) على ما حصلت عليه، اختلفت نوعاً ما عن تصريحاته قبل تلك الانتخابات.

إن أحد المبادئ التي استند إليها مشروع دستور إقليم كوردستان في كتابته أن يكون منسجماً انسجاماً كلياً مع الدستور العراقي الدائم وألا يتعارض معه؛ فالفقرة (ثانياً) من المادة (13) من الدستور الدائم تنص على أنه يُعدّ باطلاً كل نص يرد في دساتير الأقاليم يتعارض مع أحكامه. ولذلك كان من أهم المبادئ التي استند إليها دستور الإقليم ألا يتعارض مع الدستور العراقي الدائم. أما حدود إقليم كوردستان التي حُدّدت في المادة الثانية من مشروع دستور الإقليم، ففيها فقرتان: الأولى تتحدث عن الحدود التاريخية والجغرافية، والثانية، وهي الأهم، تتحدث عن الحدود السياسية التي تُحدَّد بتنفيذ المادة (140). إذاً، فلو فقدنا المناطق الكوردية المتنازع عليها بتنفيذ المادة (140)، فإن دستور إقليم كوردستان يُبدي موافقة مسبقة على هذا الأمر، أي على نتائج تنفيذ المادة في المناطق الكوردية المتنازع عليها.

يتضمن مشروع الدستور حق تقرير المصير للشعب الكوردي، بما يتيح إعادة النظر في اختيار مستقبل إقليم كوردستان وتحديد مركزه السياسي (نظام جمهوري برلماني)، وحق عقد اتفاقات مع دول أجنبية، وإرسال بعثات دبلوماسية، وعلماً خاصاً وشعاراً ونشيداً وطنياً وعيداً قومياً، وقوات البيشمركة للدفاع عن حدود الإقليم، والعمل على اكتشاف مصادر الطاقة ضمن الإقليم، وأن الموارد العامة ومصادر الثروات الطبيعية ملك للأجيال القادمة، وأن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما وبيعهما وتسويقهما يتم وفق قوانين الإقليم. ويعدّ البعض ذلك مقدمات لإنشاء دولة مستقلة منفصلة عن العراق.

أعتقد أن هذا غير صحيح أبداً. وأريد أن أشير إلى نقطة مهمة: كما أن لدى الإخوة العرب شوفينيين، فإن لدينا نحن الكورد أيضاً، وللأسف الشديد، شوفينيين. والكورد الشوفينيون يتهمون القيادة السياسية الكوردية بأنها انتقصت، في كتابة هذا الدستور، من حق تقرير المصير للشعب الكوردي في كوردستان، ويرون أنه لا يجوز التقليل منه أو الانتقاص منه. والحقيقة أن لجنة كتابة دستور إقليم كوردستان غير ملزمة بالأخذ بآراء الشوفينيين، كورداً كانوا أو عرباً أو تركماناً أو من أي جهة أخرى، لأن اللجنة استندت في كتابته إلى الدستور العراقي الدائم. وأما خارج المادة (140)، فهناك المادة (110) التي تتحدث عن الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية، والمادة (114) التي تتحدث عن الاختصاصات المشتركة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، والمادة (142) التي تتحدث عن إمكانية تعديل الدستور.

أهم نقاط الجدل والحلول الدستورية والقانونية لها

تقول المادة الثامنة من دستور كوردستان: «لا تُعتبر الاتفاقات التي تبرمها الحكومة الاتحادية وتمسّ إقليم كوردستان نافذةً إلا إذا حظيت بموافقة الأغلبية المطلقة من برلمان الإقليم، وفي حال تنازع قوانين الإقليم مع أي قوانين أخرى تُطبَّق»؛ أي إن قرارات بغداد مرهونة بقرارات الإقليم، وكأن الأصل يتبع الفرع.

أعتقد أن هذا يقتصر على الاختصاصات الحصرية للإقليم. فالدستور يحدد اختصاصات حصرية للحكومة الاتحادية، واختصاصات حصرية للإقليم، واختصاصات مشتركة تُمارَس بصورة مشتركة. وفيما يخص الاختصاصات الحصرية للإقليم، نعم، يقرّها برلمان الإقليم.

هناك من يرى أن دستور إقليم كوردستان لا يعطي الحقوق للقوميات الموجودة في كوردستان، وأنه لا يجيز للجيش العراقي دخول أراضي كوردستان إلا بموافقة برلمانها، وأن النفط المستخرج في كوردستان ملك للشعب الكوردي. ويقول آخرون: لقد اعترض الكورد على إبراهيم الجعفري لأنه أدى اليمين الدستورية ولم يذكر أن العراق دولة فيدرالية اتحادية؛ فإذا كانوا يتمسكون حتى بهذه العبارة، فلماذا لا يتمسكون بما هو موجود فعلاً في الدستور العراقي؟

أعتقد أن من يفكر هكذا يتضح، للأسف الشديد، أنه لم يقرأ دستور إقليم كوردستان ولم يطّلع عليه؛ ولو اطّلع على مشروع دستور الإقليم لما فكّر في ذلك أو قاله.

إن الفصل الثالث من دستور إقليم كوردستان ينص على حقوق الأقليات والطوائف التي تعيش في الإقليم من غير القومية الكوردية، وهي حقوق واسعة تُمنح للإخوة التركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن، إضافةً إلى تمتعهم بالحقوق الأخرى الواردة في الدستور، بما ينسجم مع التطورات الحاصلة في مجتمع إقليم كوردستان.

أما قَسَم رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، فالحقيقة أن القوانين تنص على صيغة معينة لهذا القسم، وقد خالفها، ولذلك أعاد أداءه.

ودستور إقليم كوردستان لا يسمو على الدستور الاتحادي؛ فالفقرة الثانية من المادة (13)، كما ذكرتُ سابقاً، تقول: يُعدّ باطلاً أي نص يرد في دساتير الأقاليم يتعارض مع أحكام الدستور الاتحادي. أي إنه حتى لو أقرّ شعب كوردستان مشروع دستور الإقليم، فإن أي فقرة أو حكم أو مادة فيه تتعارض مع أحكام الدستور العراقي الدائم أو بنوده تُعدّ باطلة. وتفسير نصوص مشروع دستور الإقليم، أو دستور الإقليم بعد إقراره، يعود إلى المحكمة الاتحادية. وبالنسبة إلى موضوع الثروات (مصادر الطاقة) فيجب، باختصار، أن يعود إلى المحكمة الاتحادية أيضاً. فالمادة (111) من الدستور العراقي تنص على أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي، وقد سكت الدستور عن الثروات الأخرى، مما يعني أن الأقاليم هي التي تملكها.

ونعود إلى موضوع حلّ مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها، وهو موضوع مهم جداً؛ فلكي نحصل على تركيبة سياسية متجانسة في العراق يجب أن نحلّ هذه المشكلة استناداً إلى المواد القانونية والدستورية التي تقوم في الأساس على الاستفتاء واستطلاع رأي سكان هذه المناطق، فهي الكفيلة بحلها.

والغاية من الاستفتاء التأكد ممن هم الموجودون في هذه المنطقة أو تلك، بعد التهجير القسري وجلب أناس (عرب) إلى المناطق الكوردية. ودستور إقليم كوردستان، حتى لو وافق عليه الشعب الكوردي، فإن أي نص فيه يتعارض مع الدستور الاتحادي نص باطل. وقد قرر الدستور الاتحادي بصورة واضحة أن حق تشكيل الأقاليم راجع إلى شعب الإقليم نفسه، فشعب الإقليم هو الذي يقرر كيف يُشكَّل إقليمه؛ هذا هو النص الدستوري الموجود في الدستور العراقي الاتحادي، وأي نص آخر يخالفه باطل.

إخواني، هناك مقولة للروائي الروسي العملاق تولستوي في رائعته «الحرب والسلم» تقول: «إذا أردنا أن نشكر الحرب فلأنها علمتنا السلام». فهل يتعظ العراقيون من ذلك، أم أن تطبيق هذه المقولة مستحيل في العراق الجديد الذي تُغلَّب فيه مصالح المكونات الإثنية والمذهبية والدينية؟(2)

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) د. خليل إسماعيل محمد، تنفيذ المادة (140) الطريق لتحديد جغرافية إقليم كردستان.

(2) محطة الجزيرة التلفزيونية.