الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المحاضرة الأولى: مؤتمر القاهرة والقضية الكوردية آذار 1921

الكورد في مؤتمر القاهرة آذار 1921

* مؤتمر القاهرة الأول في 24-12 آذار عام 1921م

كان تأمين الحدود الشمالية العراقية ضد التهديد التركي في الفترة (1921 - 1923م) من أهم أولويات السياسة البريطانية في العراق، فقامت بريطانيا بدعم الحركة القومية الكوردية وتطويرها، من أجل الوقوف بوجه تيار الجامعة الإسلامية (السياسية التركية) بين الكورد الذي كان يشجعه وتستخدمه تركيا، لتحريض الكورد لمقاومة الإدارة البريطانية في كوردستان - العراق. وكان على الحكومة البريطانية أن توافق أيضاً بين آمال القوميين الكورد في الاستقلال، ومصالحها السياسية البريطانية في العراق الجديد، الداعية إلى توطيد حكومة الملك فيصل الاول في بغداد، ليصبح العراق العربي الجديد مستعمرة تنعم بالاستقرار فكان تأسيس حكومة الشيخ محمود الحفيد الثانية سياسية وقتية، لخدمة أهدافه السياسة البريطانية في العراق العربي الجديد.

إن الخسائر التي سببتها الثورة المعادية للانجليز في العراق العربي الجديد عام 1920 أدت إلى حملة قوية في إنجلترا، للتقليل من تكاليف الحملات العسكرية في الخارج؛ ولقد وضعت خطة للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط، في مؤتمر القاهرة في 24-12 آذار عام 1921. إن مؤتمر القاهرة جاء استجابة لنجاح القوات الكمالية التركية في أناضوليا (تركيا) والتي أدت إلى تمزيق سياسة لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني في تركيا. لقد كانت تركيا الحديثة المعادية في تحد مستمر لمنع سيطرة الإنجليز على كوردستان العراق، (شمال العراق)-ولاية الموصل- وإن المطالبة بتقليل الحملات العسكرية كانت متوافقة مع المطالب الإستراتيجية البريطانية؛ وبإيعاز من السيد ونستن تشرشل (Churchill) وزير الدولة البريطاني للمستعمرات، عقد مؤتمر القاهرة في آذار 12-24/1921 للتباحث في أوضاع الشرق الأوسط، ووضع أسس جديدة للسياسة الإنجليزية. وقد جرى الاتفاق على تسليم الإدارة في العراق الجديد إلى حكومة عربية؛ واستغلال نفوذ الإنجليز لضمان ترشيح فيصل الاول ملكا للعراق العربي الجديد، ثم الدخول في مفاوضات مع هذه الحكومة لإبرام اتفاقية التحالف؛ لتحل محل حكم الانتداب (Mandate) البريطاني.

وكان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تقليل نفقات البعثات العسكرية، ومساعدة الحكومة البريطانية على تقليل النفقات، بالتدرج من 32 مليون جنيه إسترليني سنوياً في عام 1921 إلى 4.5 مليون جنيه؛ في نهاية العشرينيات، كما جرى الاتفاق على تخفيض عدد القوات البريطانية في العراق، من سبعة وثلاثين فرقة عسكرية إلى أربعة فرق فقط، وقيام الموظفين و الضباط السياسيين البريطانيين بتشكيل جيش عراقي محلي لملء الفراغ، قبل تكوين الجيش النظامي العراقي، وانسحاب القوات البريطانية. كما تم الاتفاق على تعزيز الجيش العراقي عن طريق الاستفادة من ثمانية أسراب من الطائرات، التابعة للقوة الجوية الملكية البريطانية.

ومن أجل تجنب الحساسيات القومية العربية تجاه سياسة الوصاية البريطانية على العراق العربي الجديد: ولتمكين الملك فيصل الاول من التعامل مع لندن، بدون أي تحفظ، رأت الحكومة البريطانية عقد اتفاق التعاون المشترك مع حكومة الملك فيصل الاول. وكذلك فقد كان من المتوقع عقد اتفاق للسلام بين تركيا وبريطانيا في وقت قريب؛ الأمر الذي سيجعل حكومة العراق العربي الجديد قادرة على تطوير مواردها النفطية في ولاية الموصل، وهذا يتطلب إعطاء دعم للعراق العربي الجديد، مما سيمكن بريطانيا من جعل العراق مستعمرة؛ قادرة على الإنفاق الذاتي على نفسها.

مما سبق، يتبين أن التصور البريطاني في القاهرة آذار 1921م، كان قائماً على وجود نوع من السلم في جنوب كردستان؛ ووجود علاقات ودية مع تركيا الحديثة، ولذلك فإن المسألة الكوردية كانت من القضايا الرئيسة التي جرت مناقشتها في مؤتمر القاهرة اذار 1921م، وأكثر المسائل إثارة لوجود وجهات نظر متباينة بين الموظفين والضباط السياسيين البريطانيين حول السياسة التي يجب إتباعها في جنوب كوردستان.

لقد تمركز النقاش حول محوريين أساسيين:

المحور الأول: الذي نادى بإقامة كيان كوردي مستقل في العراق العربي الجديد، ومن مؤيدي هذا الرأي ونستن تشرشل وزير المستعمرات البريطاني وغيره من رجال الدولة، فقد رأى ونستن تشرشل أن الحكومة البريطانية يجب أن تقيم دولة كوردية في جنوب كوردستان، بدلا من الدولة الكوردية (الملحق أ) التي جرى إقرارها في مؤتمر سيفر (Sever) 10 اب 1920 والتي كان من المقرر إقامتها في أناضوليا (جنوب شرقي تركيا)، مع إعطاء الكورد في ولاية الموصل الخيار في الانضمام إلى تلك الدولة الكوردية التي لم تقم بسبب مقاومة القوات الكمالية التركية لها، وقد قرر في حينه أن كل المدن التي لا تتوفر فيها الأغلبية العربية أي المدن الكوردية ستضم إلى الدولة الكوردية. لقد ناقش ونستن تشرشل ورفاقه كراهية الكورد الشديدة للعرب. وأدركوا أن الكورد سيصابون بخيبة أمل كبيرة، إذا أخرجوا من يد الترك، وسلموا للعرب، والذين هم ليسوا بأكثر حضارة من الترك في نظر الكورد.

كما ناقش ونستن تشرشل إمكانية جعل الدولة الكوردية أداة لعرقلة انتشار الخطط الروسية البلشفية الشيوعية في المنطقة، ومنع الإمبراطورية الروسية الجديدة من التوسع. وقال ونستن تشرشل: "إنه في حالة إذا ما قرر إثارة عداء الكورد للعرب، فإن عملية الدفاع عن ولاية الموصل -كوردستان- ستكون غالية الثمن، إذا ما قرر الترك مهاجمتها، لأن الكورد سيقفون بدون شك مع القوات التركية.

المحور الثاني: الذي يمثله (السير بيرسي كوكس)، المندوب السامي البريطاني في العراق، واغلب الموظفين والضباط السياسيين البريطانيين ومن أهم الأسباب التي يراها هؤلاء في رفض قيام الدولة الكوردية هي الطبيعة الجغرافية للعراق الجديد، إذ لا يمكن الدفاع عن العراق العربي الجديد بدون أن تكون الجبال كوردستان الكوردية تحت السيطرة في الشمال والشمال الشرقي (لكوردستان العراق).

ولقد شاركت (مس جيرترود بيل)؛ السكرتيرة الشرقية في المندوبية السامية البريطانية في العراق العربي الجديد، مشاركة فعالة هذا المؤتمر(القاهرة)، ورأت أنه من الأهمية المحافظة على حدود العراق الإستراتيجية على خط الهدنة (موندرس) لعام 1918م؛ وإلا فإن السهول العراقية حتى البصرة ستكون مفتوحة للقوات التركية. وأكدت كذلك أن انفصال جنوب كوردستان (ولاية الموصل) كوردستان العراق سيجعل حقول النفط في المنطقة الكوردية بيد الأتراك؛ وسيهدد حقول النفط التابعة لشركة النفط الإنجليزية الفارسية في جنوب إيران.

وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هناك معارضة كبيرة لدى القوميين العرب في بغداد لإقامة دولة كوردية، وقد كان هؤلاء القوميون العرب يشككون في السياسة البريطانية في كوردستان (ولاية الموصل)؛ ويرون أن بريطانيا تحاول أن تجعل ولاية الموصل (كوردستان-العراق) السلاح الذي تعاقب به العراقيين المعارضين له. كما أن الملك فيصل الاول كان متردداً فى قبول فكرة تشكيل دولة كوردية مستقلة، لأن ذلك يضعف موقفه عند القوميين العرب العراقيين، لأنهم سيعدونه عميلاً لبريطانيا، ومساعداً في عملية تمزيق العراق العربي الجديد. يقول برسي كوكس في هذا الصدد: "في الحقيقة كان السلاح الأنجح لمقاومة أي هجوم تركي، أو بلشفي روسي، هو تماسك التكتل القومي العربي، وينبغي لنا أن نتجه في سياستنا نحو هذا الاتجاه". كما فكر (برسي كوكس) - وهو الخبير في هذه المسالة - بعدم قدرة الكورد على القيام بالحكم المستقل. وأدعى أنهم منقسمون جداً فيما بينهم، ويفتقرون إلى الشعور القومي المتماسك, وقد أيد هذا الرأي "ستيفن لنغريغ" المشرف الإداري في كركوك. ورأي أيضاً أن الكورد مقسمون إلى قبائل كوردية متعددة، زعماؤها رؤساء الكورد متناحرون، ولا يملكون أي شيء من الشعور القومي المتماسك.

كانت السيدة (مس بيل) مقتنعة تماماً أن أية مغامرة في كوردستان العراق-ولاية الموصل ستكون فاشلة، وقالت: "إن موضوعكم سيكتب له الفشل، فأغلب الكورد يظنون أنهم مقدسون، وشبه عقلاء؛ وشبه جياع؛ وبربريون تماما، والكل في كوردستان يعادي الكل، فكيف تخلقون دولة كوردية مستقلة؟".

لقد أخذ مؤتمر القاهرة في 24-12 اذار1921 ما لقضية الكوردية بسبب حساسية القضية الكوردية، وذلك بتشجيع من السير برسي كوكس، الذي أراد أن يجمد المسألة الكوردية إلى حين؛ لكي يستطيع أن ينفذ سياسة تهدف إلى الدمج التدريجى للمناطق الكوردية في العراق العربي الجديد. وقد كان هناك إجماع أيضاً على أن أية محاولة لإجبار الكورد على الدخول، مباشرة، تحت حكومة عربية في بغداد، سيقاوم بلا شك. ولذلك فقد أوصى المؤتمر (القاهرة) ببقاء كوردستان (ولاية الموصل) تحت إشراف المندوب السامي البريطاني في العراق، المباشر وتكون كوردستان المستقل عن العراق العربي الجديد، إلى أن يأتي الوقت الملائم الذي يستطيع فيه الكورد تقرير مصيرهم.

ويبدو أن المحورين أعلاه في النقاش (ونستن تشرشل وبرسي كوكس) قد تركا مؤتمر القاهرة بعد انتهائها، وهما مقتنعان بأن الجانب الآخر قد قبل وجهة نظرهم, في السياسة التي ستتبع في كوردستان. فقد كتب برسي كوكس إلى وزير المستعمرات ونستن تشرشل قائلاً: "إنه وتماشياً مع السياسة التي أقرت في مؤتمر القاهرة، فقد عقد اجتماعاً مع الخبراء المحليين (الضباط السياسيون) البريطانيين، بعد عودته إلى العراق مباشرة، للاستماع إلى آرائهم في السياسة التي ستتبع في جنوب كوردستان-كوردستان العراق (ولاية الموصل) وكذلك أكد المندوب السامي البريطاني برسي كوكس لوزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرشل أنه يفكر في إقامة منطقة كوردية (كوردستان) تتمتع بالحكم الذاتي ضمن العراق العربي الجديد. ومن أجل تخفيف المخاوف التي طرحها ونستن تشرشل من إمكانية تقارب الكورد مع الأتراك قال برسي كوكس: "أشعر بأن برنامجنا يجب أن يكون أكثر جاذبية من أي بديل، يمكن أن تطرحه تركيا الحديثة، ولا بد أن يكون هذا المشروع واسع النطاق في ولاية الموصل كوردستان الجنوبية حتى يضم تحت جناحيه أغلب الكورد القوميين الطموحين".

وقد رد ونستن تشرشل كلام برسى كوكس قائلاً: إنه مقتنع تماماً بأن ترك الشعب الكوردي تحت أى حكومة عربية لن يكون في صالح الحكومة البريطانية، وأضاف: "لقد رجعت (ونستن تشرشل) من مؤتمر القاهرة في اذار 1921 بانطباع مختلف عن برسي كوكس، وكان رأيي متوازنا تجاه السياسة البريطانية في كوردستان العراق (ولاية الموصل-كوردستان العراق)، وقد كان في ذهني أن تقام دولة كوردية مستقلة في جنوب كوردستان (ولاية الموصل)، لتكون حاجزاً بين تركيا الحديثة والعراق العربي الجديد.

لقد كانت فكرة ونستن تشرشل وزير المستعمرات البريطاني هي جعل المنطقة الكوردية درعاً لحماية العراق العربي الجديد من تركيا الحديثة وإيران الفارسية،وهذه الدولة الكوردية المستقلة (ولاية الموصل) ستوفر تلك الحماية، وتحرر العراق العربي الجديد من الدفاع عن نفسه بجيش نظامي؛ وهذه الخطة هي إحياء للخطة التي وضعها السير (هنري رولنس) لهذا الغرض في عام 1853. ولكن (برسي كوكس) كان له رأي مخالف.

لقد كان للأوضاع المحلية في العراق العربي الجديد تأثير كبير، فقد ضغط الملك فيصل الاول بمعاونة بعض رجال الإدارة البريطانيين على المندوب السامي البريطاني برسي كوكس، لتنفيذ سياسة الضم لهذه الولاية (الموصل/كوردستان العراق)، فقد أقنع الملك فيصل المندوب السامي البريطاني برسي كوكس بأن وجود دولة كوردية مستقلة سيحرم العراق العربي من نسبة كبيرة من السكان السنة؛ الأمر الذي سيجعل حكمه في دولة أغلبيتها شيعية ولايتي (بغداد والبصرة) صعباً للغاية، وكان الملك فيصل الاول يرى أنه لن يقبل بفصل ولاية الموصل /كوردستان الجنوبية (شمال العراق) عن العراق العربي الجديد. لكن (الميجر يونغ) رفض طلب الملك فيصل الاول بضم كوردستان (ولاية الموصل) الى العراق العربي الجديد؛ وبين أن الملك فيصل الاول لم يطالب بكوردستان (ولاية الموصل) عندما قدم له العرش العراق في لندن، بقوله: "نحن وعدنا بتشجيع القومية العربية وليس الإمبريالية العربية. ومع ذلك فقد قرر المندوب السامي البريطاني برسي كوكس تقوية موقف الملك فيصل الاول، عن طريق إدعاء أن مصالح الإنكليز ستكون مع تقوية دولة العراق العربي الجديد. فكتب برسي كوكس إلى ونستن تشرشل قائلاً: "لا ينبغي لنا بأي حال من الأحوال أن نغفل عن الحقيقة التي تؤكد أن قضية كردستان الجنوبية (ولاية الموصل) تأتي في المرتبة الثانية بعد القضية العربية، وإذا أردنا أن نكسب ود العرب في العراق العربي.

فلا يمكن لنا أن نعمل أي شيء يؤثر فيهم على نحو سلبي، ويبقى العراق العربي الجديد منفذنا إلى كوردستان الجنوبية" (ولاية الموصل). استطاع برسي كوكس في آب 1921 أن يقنع ونستون تشرشل بتأييد سياسته في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل). فقد كتب ونستن تشرشل في يوم 25 آب 1921م مؤكداً له أن القضية الأساسية هي تأمين مكانة الملك فيصل الاول، وأن القضايا الأخرى ثانوية ولكنه وفي الوقت نفسه أمره بأن لا يفضل العرب على الكورد في جنوب كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل). وقد أمر وزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرشل المندوب السامي البريطاني برسي كوكس بتنفيذ خطته؛ وإعطاء الكورد في كوردستان الجنوبية حكماً ذاتياً واسع النطاق لمدة سنتين، حتى يتم توطيد حكم الملك فيصل الاول. إن الاختلاف بين برسي كوكس وونستن تشرشل كان امتداداً للخلاف حول القضية نفسها كوردستان العراق (ولاية الموصل) بين اللورد كيرزون وزير الخارجية ورئيس وزراء بريطانيا وارنولد ولسن المندوب السامي البريطاني في العراق قبل برسي كوكس بين عامي 1918 - 1920، وهذا يؤكد عدم وجود سياسة واضحة في القضية الكوردية. وربما يعود السبب في عدم الوضوح هذا إلى عدم وجود اتفاقية سلام مع تركيا الحديثة. كانت خطة برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق في الحكم الذاتي لكوردستان (ولاية الموصل) تتألف من نقاط رئيسية ثلاث هي: 1. تكوين شبه لواء كوردي يشمل أربع أقضية من ولاية الموصل، وهي: زيبار، وعقرة، والعمادية، ودهوك؛ وستكون المنطقة هذه تحت إمرة مساعد المتصرف البريطاني، مؤقتا، إلى أن يتوفر موظف إداري كوردي كفو. 2. تكوين لواء في أربيل، وتشمل هذه المنطقة، كوي (كويسنجق)، وراوندوز، وستعطى بعض التعيينات الحكومية المهمة للكورد في بغداد بالتعاون بين الإنجليز والعراقيين العرب. 3. وأما منطقة السليمانية فسيحكمها متصرف ومجلس اللواء، وسيتولى الضابط السياسي البريطاني منصب المتصرف مؤقتا، وسيكون المندوب السامي البريطاني هو حلقة الوصل بين المتصرف (السليمانية) ومجلس الدولة في بغداد. وقد أخبر الرائد (ميجر) غولد سميث الضابط السياسي البريطاني في السليمانية، الزعماء الكورد أن سياسة الحكومة البريطانية تهدف إلى تدريب الكرد على قيادة أنفسهم, تحت سيطرة الإدارة الإنجليزية إلى أن يجري تكوين مؤسسات الحكم الذاتي في كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق) ولاية الموصل.

لم يقتنع الملك فيصل الاول، ومن خلفه القوميون العرب، بالسياسة التي اتبعها برسي كوكس. وعدوها خطة لإقامة دولة كوردية مستقلة (كوردستان الجنوبية-ولاية الموصل)، وفي عام 1921 استفسر الملك فيصل الاول عن هذه السياسة، وطرح الأسئلة الآتية على برسي كوكس: 1. هل بريطانيا مستعدة للدفاع عن كوردستان الجنوبية ولاية الموصل إذا ما هوجمت من الخارج؟ وبالتالي هل هي (بريطانيا) قادرة على تأمين العراق العربي الجديد من أي هجوم عبر كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)؟ ولو كان الأمر كذلك. فإلى متى؟

2. هل بريطانيا مستعدة لتحمل المسؤولية في منع أية فوضى، داخل كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل)، والتي قد تكون خطراً على العراق العربي الجديد، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإلى متى؟ وإذا عبرت بعض المجموعات الكوردية عن رغبتها في الدمج مع العراق العربي، فهل في نية بريطانيا إجبارهم على الانفصال والاستقلال لكوردستان عن العراق العربي الجديد؟

3. وفي حالة الانفصال (استقلال كوردستان-ولاية الموصل)، فأي نوع من الحكومة تتصوره بريطانيا لكوردستان الجنوبية؟

وقد أجاب ونستن تشرشل على هذه الأسئلة بقوله: "إن الحكومة البريطانية لم تكن تتطلع إلى تأسيس دولة كوردية مستقلة، بل كانت تفكر في إلحاق جنوب كردستان (ولاية الموصل) بالعراق العربي الجديد في إطار كونفدرالي. والحكومة البريطانية لن تمنع أي جزء من كوردستان في الانضمام إلى العراق العربي الجديد، كما أن إعطاء كوردستان حكماً ذاتياً، كان بمثابة إرضاء الشعب الكوردي، حتى لا يتجاوبوا ويتعاونوا مع الحملات التركية عبر الحدود".

إن الأسئلة التي وجهها الملك فيصل الاول إلى برسي كوكس توحي بفهم الملك فيصل الاول الدقيق للوضع الهش في كوردستان الجنوبية-ولاية الموصل. لقد كان الملك فيصل واعياً بأن الحكومة البريطانية ليست مستعدة لتحمل المسؤولية فى كوردستان (ولاية الموصل)، ولعله أراد بهذه الأسئلة أن يترك الإنكليز الحرية للعراق العربى الجديد في إقامة الحكم الذاتى في المنطقة الكوردية (كوردستان العراق). كما أن رد ونستن تشرشل يظهر أن مسألة الحكم الذاتي في كوردستان لم تكن أمراً ثابتاً، بل كانت حركة سياسية بريطانية تهدف إلى احتواء التأثيرات التركية في الشعب الكوردي.

إن نجاح إستراتيجية مؤتمر القاهرة 12-24 آذار 1921 كان متوقفاً على وجود السلم في كوردستان، هناك عدم ارتياح في المنطقة من الخطة السياسية البريطانية في كوردستان، وقد زاد عدم الارتياح هذه الدعوة التركية الحديثة لإقامة الجامعة الإسلامية، وقد ترك هذا الأمر أثراً سلبياً في المصالح البريطانية في المنطقة. وقد ظهر عدم الارتياح في البحث الذي قام به برسي كوكس في مايس 1921، والاستفتاء الذي تلاه عند تتويج الملك فيصل الاول على عرش العراق العربي الجديد. حاول المندوب السامي البريطاني برسي كوكس بعد عودته من مؤتمر القاهرة آذار 1921م أن يتعرف إلى شعور الشعب الكوردي تجاه حكومة الملك فيصل الاول. وقد قام بعض القوميين الكورد، في السليمانية، بالتحريض على إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان العراق (ولاية الموصل). وكان هؤلاء من النخبة الكوردية المثقفة والقوية، على الرغم من قلتهم؛ وقد رفضوا أية علاقة لكوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) مع العراق العربي الجديد في بغداد. لقد كانوا واعين تماماً بأن هناك صلات اقتصادية قوية بين كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) وسائر مناطق العراق ولايتي (بغداد والبصرة)، ولكنهم رأوا أن هذه العلاقات الاقتصادية يجب أن تقام على مبدأ التبادل المشترك بين دولتين ذواتي سيادة (كوردستان-ولاية الموصل والعراق العربي الجديد). لقد عدوا إدعاء برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق بأن عدم وحدة الكورد أمر يمنع الإنجليز من تشكيل دولة قومية كوردية غير صحيح. وقد وجه الكورد سؤالاً إلى الميجر غولد سميث. الضابط السياسي البريطاني في السليمانية: "لماذا يجعل المندوب السامي البريطاني برسي كوكس إقامة دولة كوردية في المناطق الكوردية التي تقع تحت الانتداب البريطاني أمراً مستحيلاً؟ ولماذا لا يقدم لهم المساعدة والتوجيه لتشكيل حكومة قومية مثلما فعل مع العرب في العراق. وكانت آراء وجهاء الكورد وزعمائهم في كركوك وأربيل والموصل تتباين حول مسألة الدمج الكامل لكوردستان مع العراق العربي الجديد، وفي الحكم الذاتي لكوردستان تحت الانتداب البريطاني. إن الاستفتاء الذي أجراه برسي كوكس يعطي مؤشراً واضحاً لموقف الكورد تجاه الوحدة مع العراق العربي الجديد، فقد رفض الكورد في السليمانية المشاركة في الاستفتاء. وكانت الأصوات المشاركة في كركوك تشكل أربعة بالمئة من الناخبين فقط. وصوت القليل من الناس في أربيل للملك فيصل الاول؛ ولكن هذا التصويت كان من طبخ الرائد ليون، مساعد الضابط السياسي هناك في اربيل ودسيسته؛ وعلى الرغم من أن وجهاء الكورد في الموصل انتخبوا الملك فيصل الاول، إلا أن ولاءهم كان مشروطاً ب: 1. استمرار انتداب بريطانيا في العراق العربي الجديد. 2. الاعتراف بأن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية للتعليم والقضاء والإدارة في المناطق الكوردية (كوردستان-العراق- ولاية الموصل). 3. توفير ضمان قانوني لحقوق الشعب الكوردي.

4. وأن للكورد الحق أن ينضموا إلى كوردستان الشمالي (كوردستان تركيا) متى ما أصبحت كوردستان دولة كوردية مستقلة كما هو منصوص عليه في اتفاقية سيفر في 10 آب 1920.

ولم يحضر أي وفد كوردي من السليمانية أو كركوك حفلة تنصيب الملك فيصل الاول في 23 آب عام 1921 وذلك لإظهار عدم الرضا. لقد برهن الاستفتاء الذي قام به برسي كوكس في مايس 1921 واستفتاء حزيران 1921 في العراق العربي أن الكورد في السليمانية وأربيل وكركوك التي تشمل أكثر من ثلثي سكان جنوب كوردستان (كوردستان العراق)؛ وقد أجمعوا على رفض الملك فيصل الاول ملكا عليهم وهذا أمر طبيعي لأنهم لم يألفوه. ولم يعرفوه من قبل. إن الإشارات المتناقضة التي كانت تأتي من قبل ونستن تشرشل؛ ومن بغداد من قبل برسي كوكس قد سببت إلى حد ما الاتجاه السلبي في كوردستان تجاه الملك فيصل الاول، وهذا مؤشر آخر على أن الملك فيصل الاول لا يفضل الكورد في حكومته؛ وقد استغل هذا التوتر الواضح في محاولته لإعادة سيطرته على ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية-ولاية الموصل) ذات الاغلبية الكوردية.

لقد عقد هذا المؤتمر (القاهرة) في 12-24 آذار 1921 لوضع الخطوط الأساسية للسياسة البريطانية فى الشرق الأوسط حيث صدر بعد ذلك على هامش المؤتمر (القاهرة) تصريحاً في 1921/5/6م: اقترح فيه الإنكليز ما يلي حول مصير المنطقة الكوردية كوردستان الجنوبية-ولاية الموصل: 1. يشكل لواء كوردياً في السليمانية على غرار لواء الموصل ويكون تحت إدارة بريطانية عملياً ويفضل أن تكون أغلب موظفيه من الأكراد. 2. تعتبر السليمانية متصرفية ويحكمها مجلس متصرفية من الأكراد المنتخبين والمختارين. 3. اعتبر اعتراف الحكومة البريطانية بوضع الأكراد حينذاك بمثابة تبدلاً ملحوظاً في سياسة الإنكليز، وقد نشأ هذا بسبب عوامل منها ما يلي: أ. مطالبة تركيا الحديثة بولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية (كوردستان الجنوبية/شمال العراق) واعتراضها على معاهدة سيفر 1920م. ب. وصول مبعوث تركيا الحديثة من قبل مصطفى كمال أتاتورك إلى راوندوز واتصاله مع رؤساء العشائر الكوردية لغرض كسبهم إلى جانب تركيا الحديثة وتحريضهم ضد الإنكليز.

الفريق الركن الدكتور عبد العزيز المفتي عمان أيلول 2013


الهوامش

(1) Curzon, the Last Phase, pp. 260 — 262; Harold Nicolson.

(2) Ireland, P. 311 — 313.

(3) Bullard, Camel, P. 117; H. young, Independent Arab, pp. 324 — 325; Ireland pp. 311 — 314, 1. O. 371/6344, The Middle East Committee, minutes of a meeting held at a Colonial office on Monday 2nd 1921; Stives, p. 77; A. S. Klieman, The Foundation of British Policy in the Arab World: The Cairo Conference of 1921, (Baltimore; the Johns Hopkins Press, 1970), P. 111.

(4) Niama, pp. 59 - 60, F. O. 371/23724, May 31, 1921, Teleg. Numb. From Churchill to Curzon.

(5) Strivers, p. 76.

(6) British High Commissioner file, from now on BHCF.O. 13 - 14; Events in Kurdistan (Kurdistan Policy), Vol. 1, Teleg. No. 196 June 24, 1921, Churchill to Cox. إن كردستان المستقلة التي يعنيها ونستن تشرشل هي تلك التي كانت تحت الحماية البريطانية، وتدار مباشرة بواسطة المندوب السامي البريطاني، عبر جهاز مكون من مجلس محلي من الزعماء، يديرون فيها شؤونهم الداخلية ويتلقون معونات من الحكومة البريطانية.

(7) F. 0. 371/634646 Teleq. Churchill to Cox, June 13, 1921

(8) Spencer Noel, P. 123; Klieman, p. 110

(9) Cab. 24921, C. P. 2743. Feb 26, 1921, Memo. (South Kurdistan).

(10) Graves, pp. 278 — 279; F. 0. 371/6346 Teleq. No. 201.

(11) Lady bell, Personal Papers.

(12) BHCF, 13/14, Events in Kurdistan, Vol. 1, Teleg No. 201, 21 June 1921, Cox to Churchill.

(13) BHCF, 13/14, Events in Kurdistan, Vol. 1, teleg No. 257, July 1, 1921, HC to Churchill.

(14) Craves, P. 284.

(15) Iraq: 1900 — 1950, P. 131

(16) Lady Bell, Personal papers, 2. P. 134.

(17) Cab. 24/121. C. P. 2866, Report for the period March 24th to 30th 1921.

(18) F. O. 371/6346 Teleg. No. 196 June 21, 1921. Churchill to Cox.

(19) F. O. 371/6346 Teleg. No. 201, June, 9, 1921, Cox to Churchill; Administrative report on Iraq 1921, p. 7.

(20) F. O. 371/6346 Teleg. No. 196 June 21, 1921, Churchill to Cox F. O. 371/6397, Teleg. No. 503, Sept. 23, 1923, Cox to Churchill.

(21) Busch, p. 373

(22) BHCF 13/14, Events in Kurdistan. Vol. 2 Teleg. No. 1072, May 14, 1921, Office Political Officer, Sulaimani, to HC. Baghdad; Busch, P. 373; Teleg. No. 616. Oct. 25. 1921 Cox to Churchill, cited in Aziz al Haj, P. 188.

(23) F. 0. 371/6367 Teleg. No. 616, From HC to 5. 5. col. Oct. 26, 1921; BHCF 13/14 Events in Kurdistan, Vol. 1 (Major Young s. appreciation of position as regards Kurdistan), Oct. 24, 1921.

(24) BHCF, Events in Kurdistan, Vol. 2, U/D

(25) BHCF, Events Kurdistan, Vol. 1 Teleg. No. 2109 August 25, 1921, Churchill to Cox; F.O. 371/6397 C. P. 3460, (Cabinet Meeting: The Military Situation in Iraq) Dispatch, No. 622, Dobbs to Churchill.

(26) Special Report on Progress of Iraq, P. 252 - 254 Peshkawtin, May 12, 1921; 1. 0. 371/6387, memo. P. 1954.

(27) F. O. 371/6397, Meeting of the Eastern Committee with regard to policy in Kurdistan, Nov 2, 1921.

(28) Memo. By E. G. Adam

(29) كانت فرنسا تعارض بشدة مجيء فيصل للرئاسة في عرش العراق، وحاولت مراراً زعزعة نظامه وكانت فرنسا وبريطانيا تقودان سياسات مختلفة تجاه تركيا الحديثة، في أثناء فترة ما بعد الحرب، العالمية الاولى وكانت بريطانيا من جانبها تبدو وكأنها ترغب في سحق تركيا وتحويلها إلى قوة ضعيفة على المستوى الدولي، وذلك عن طريق تقسيمها إلى وحدات صغيرة من الدويلات؛ ولهذا فقد ساعدت بريطانيا بشدة الهجوم اليوناني على تركيا في حربهما عام 1920 - 1922؛ والفرنسيون كانوا يرغبون من جانبهم في مساعدة الأتراك الكماليين، ووقعوا مع تركيا اتفاقية فرنكلين بويون في 20 تشرين الأول عام 1921، والتي تضمن لتركيا إقليم سيليسيا، وممر آمن إلى أسيا الصغرى، مع الاحتلال الفرنسي لسوريا، وقد استنكرت الحكومة البريطانية هذه الاتفاقية بين تركيا وفرنسا، لأنها تعطي قوة لتركيا. ولكن فرنسا لم تساير بريطانيا في ذلك؛ على الرغم من كون فرنسا عضواً في دول المجموعة التي حاربت ضد تركيا في الحرب العالمية؛ انظر: Lady Bell, Personal Papers, 2, p. 271. وحاول الفرنسيون إثارة الشكوك حول الملك فيصل الاول؛ وذلك بتصويره للبريطانيين بأنه شخص ضعيف، ثم إنهم قالوا للبريطانيين أن الملك فيصل طموحاته كبيرة، وأنه شخص خطير، ولصرف الأنظار عن مخاوف فرنسا حاول السيد لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا عند توضيحه للمتاعب التي تواجه بريطانيا، في العراق، أن يبالغ في هذه المتاعب فقال: "إن لدى بريطانيا خيارين في العراق، فإما أن يكون هناك حاكم عربي في العراق أو أن تحتفظ بريطانيا فيها بأكبر عدد ممكن من القوات؛ والخيار الأخير لا ترغب فيه بريطانيا، انظر: Teleg. March 14, 1921,Churchill to Lloyd George, F. O. 371/6350. وفضلاً عن ذلك فإن بريطانيا وعدت المسؤولين الفرنسيين بأن الملك فيصل لا يملك أي مطالب في سوريا الآن، وأن تحركاته داخل العراق العربي الجديد أيضاً سوف تخضع لمراقبة دقيقة، من قبل البريطانيين.

(30) BHCF 13/14 events in Kurdistan, Vol. 2, Dispatch, No. 1072/1/1, 2. O. Sulaimani, may 14,

(31) Administrative Report Iraq October 1921 to march 1922, p. 7; F. O. 371/6345, Intelligence report Iraq No. 20, Feb. 20, 1921; The Daily Telegraph, June 13, 1921.

(32) Administrative Report Iraq October 1920 to march 1922, P. 7.

(33) في 28 و29 تموز 1921 أجرت الحكومة البريطانية استفتاء عاماً حول صعود الملك فيصل لعرش العراق، وهذا الاستفتاء سبقته اجتماعات للحكومات المحلية (بين مراقين من الحكومة البريطانية وبين رؤساء هذه الحكومات المحلية) حيث أوضحوا أنهم يرغبون في التصويت بالإيجاب. والالتماس الرسمي من قبل العناصر الموالية لبريطانيا، أو العناصر المؤيدة للانتداب قد تلقت قبولاً؛ في حين رفضت الالتماسات المقدمة من قبل المعارضين للملك فيصل، أو المعارضين للانتداب، وتمت معاقبة مقدميها. انظر: Administrative Report Iraq October 1920 to March 1922, P. 14; Spencer Noel, P. 55 — 7; Sluglett, PP. 332-35

(34) Teleg. August 2, 1922. BHCF 13/14, Events in Kurdistan, Vol. 3

(35) F. O. 371/6397, Intelligence report, Iraq No. Nov. 1921; Iraq Administrative Report October 1920 to march 1922, P. 7; Longrigg, Iraq 1900 — 1950, P. 133; Graves, p. 301; Birdwood, Nori Said — A study in Arab leadership (London: Cassell and Co., 1959)

(36) رفيق حلمي - خلاصة المسألة الكردية.