الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المحاضرة التاسعة: مؤتمر القاهرة وتشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة

الكورد في مؤتمر القاهرة آذار 1921

- السير برسي كوكس ودوره في تشكيل الدولة العراقية الجديدة

عن معهد الدراسات الإستراتيجية في بيروت صدر للمؤلف (سعد اسكندر) كتاب تحت عنوان "كوردستان العراق الجذور التاريخية لمشروع الفيدرالية" (راجع كتابنا الأمة الكوردية دولة بدون دولة - للمؤلف الدكتور عبد العزيز المفتي) حول موضوع الفيدرالية، حيث يكشف المؤلف فيه أن الفيدرالية كمشروع سياسي لتنظيم العلاقة بين كوردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد (العراق الجديد) هو مشروع قديم يعود إلى بداية تشكيل الدولة العراقية الجديدة.

فكرة الفيدرالية جاءت كاقتباس أو امتداد لما طرحه السير برسي كوكس (المندوب السامي البريطاني الأول في بغداد) المكلف بتشكيل الدولة العراقية الجديدة عام 1921.

أول طرح لمشروع الفيدرالية كان في (مؤتمر القاهرة) الذي انعقد في (12-24) آذار عام 1921، وكان الهدف من (مؤتمر القاهرة) تحديد مستقبل الولايات الثلاثة العثمانية (البصرة، والموصل، وبغداد) حيث احتدم النقاش بين الداعين إلى فكرة دولة كوردستان الجنوبية من ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية منفصلة وغير خاضعة للحكم العربي في بغداد وبين فكرة دمج دولة كوردستان الجنوبية بالعراق العربي الجديد.

وكان من نتائج (مؤتمر القاهرة) ظهور رأيين بصدد العلاقة المستقبلية بين الدولة العربية في بغداد وإقليم أو دولة كوردستان الجنوبية (كوردستان العراق)، نادى برسي كوكس وغرترود بيل مس بيل (السكرتيرة الشرقية في دار الانتداب) بإلحاق إقليم كوردستان (كوردستان الجنوبية) المقصود ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية بالدولة العراقية العربية الجديدة في حين طالب الأكثرية هيوبرت يونغ (مساعد سكرتير شعبة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات) وميجر ادوارد نوئيل (خبير الشؤون الكوردية) وونستون تشرشل (وزير المستعمرات في الحكومة البريطانية) بإقامة دولة كوردستان الجنوبية.

السيد برسي كوكس الذي تجاهل (قرارات مؤتمر القاهرة آذار 1921) قام بطرح مشروع إداري وسياسي معقد ثلاثي الأبعاد لإدارة إقليم كوردستان الجنوبية. كان على أقضية مقاطعة (محافظة) الموصل الكوردية أن تشكل وحدة إدارية خاصة أي لواء (محافظة) ثانية. يمكن اعتبار مشروع برسي كوكس هذا كان (أول مشروع فيدرالي) استهدف تنظيم العلاقات السياسية والإدارية والمالية بين اقليم كوردستان والدولة العراقية الجديدة عبر دور بريطاني مباشر.

في حين أن (تشرشل) كان يحبذ بقاء إقليم كوردستان الجنوبية منفصلاً عن الدولة العراقية العربية الجديدة كدولة مستقلة كوردية.

أما بالنسبة إلى موقف الملك فيصل الأول ملك العراق فقد دعا البريطانيين إلى تبني سياسة التصدي للتهديدات التركية عن طريق إقناع سكان كوردستان الشمالية أي كوردستان تركيا بالانضمام إلى كوردستان الجنوبية كي تتمتع بحكومة ذاتية ضمن المملكة العراقية الجديدة.

بعد مجيء حكومة المحافظين (البريطانيين إلى الحكم) إلى السلطة في لندن تغيرت السياسة البريطانية تجاه كوردستان الجنوبية حيث تم التراجع عن مشروع إنشاء كيان سياسي مستقل (دولة كوردية) فيها لصالح إلحاقها بالدولة العربية الجديدة (العراق) وأصدر (الملك فيصل وبرسي كوكس) بياناً عراقياً بريطانيا مشتركاً في كانون الأول يناير 1921 يطلب من الكورد القبول بفكرة الفيدرالية مع العراق العربي الجديد.

لكن الملك فيصل لم يتراجع عن فكرة الفيدرالية بين إقليم كوردستان الجنوبية والعراق الجديد فحسب بل قاوم الرغبات الكوردية المتواضعة كحق التعليم باللغة الكوردية وتعيين موظفين كرد في المناطق الكوردية وفقاً لرغبات سكانها.

كانت نتائج (مؤتمر القاهرة آذار 1921) واضحة في اعتماد مبدأ يقضي بعدم إكراه الأكراد في كوردستان الجنوبية على الذوبان في الدولة العراقية الجديدة (العربية). ويتمثل موقف بريطانيا من كوردستان جنوبية بأن فرض حكم عربي على الكورد في جنوب كوردستان سوف يزيد من عدم الاستقرار السياسي هذا من جانب ومن جانب آخر قد يؤدي إلى قيام تحالف كوردستاني (الأكراد) مع كمال مصطفى أتاتورك (تركيا الحديثة) ضد بريطانيا في العراق الجديد (العربي).

واصل برسي كوكس معارضته في العراق توصيات مؤتمر القاهرة آذار 1921 وصرف الوقت على تنظيم الدولة العربية في العراق الجديد وترشيح الأمير فيصل للجلوس على عرش العراق.

وتجاهل برسي كوكس - حسب المراسلات بينه وبين وزارة المستعمرات البريطانية ونستن تشرشل - مبادرة مؤتمر القاهرة وأوصى المؤتمر بدلا عنها بدمج كوردستان الجنوبية بالدولة العراقية الجديدة من منطلقات اقتصادية مالية وسياسية عدة. ورفضت الأكثرية الساحقة من الكورد (الشعب الكوردي) الجنوبيين كوردستان الجنوبية الحكم العربي حيث يورد الكتاب (موضوع) اعتماداً على تلك المراسلات أن 32 شخصاً في منطقة السليمانية أيد المشروع دمج كوردستان الجنوبية مع العراق الجديد في مقابل رفض 6000 شخص الفكرة الجديدة في شاربزير (منطقة في حدود السليمانية) كانت المعارضة فيها بالإجماع بدمج كوردستان في العراق العربي، واصل برسي كوكس خطواته رغم المعارضة الكوردية بضم كوردستان العراق (الجنوبية) إلى الدولة العراقية العربية الجديدة حين أقدم برسي كوكس على تطهير الأجهزة البريطانية في كوردستان الجنوبية من أولئك الموظفين المؤيدين لفكرة كوردستان جنوبية منفصلة عن العراق الجديد فيهم الميجر سون.

وأطاح برسي كوكس بالحكومة الكوردية الأولى التي كان يترأسها الشيخ محمود الحفيد في السليمانية - والتي تم تشكيلها تحت أشراف بريطاني- في تشرين الأول أكتوبر 1918 (كانت قبل أن تشكل حكومة العراق الجديد في عام 1921) حيث تمت الإطاحة به (الشيخ محمود) وإرساله إلى المنفى من قبل السلطات البريطانية في بغداد بحجة أن ذلك يدفع سكان البصرة وجماعات أخرى كالتركمانيين واليهود والمسيحيين بمطالب قومية لهم. ولطمأنة تشرشل زعم كوكس أن من شأن اعتماد إدارة (بريطانية - كوردية) مشتركة لمدة ثلاث سنوات في المناطق الكوردية أن تحفز الكورد على تغيير موقفهم القائم على رفض الحكم في العراق الجديد. وحينما تم إبلاغ كوكس بأن سياسته تجاه مستقبل كوردستان الجنوبية لا تتوافق مع الخط العام الذي قام عليه مؤتمر القاهرة في آذار 1921 ادعى برسي كوكس بأنه عاد من (مؤتمر القاهرة) بانطباع يقول بأن وزارة المستعمرات البريطانية ووزيرها ونستن تشرشل مؤيدة لخياره القائم على دمج كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل) ذات الأغلبية الكوردية أي (كوردستان الجنوبية) رغم أن محاضر المؤتمر تبين أن الكفة المرجحة بوضوح كما سبق ذكره لموضوع الانفصال دولة كوردستان. تعمد برسي كوكس نسف توصيات مؤتمر القاهرة الداعية إلى إقامة دولة كوردية عازلة بين تركيا الحديثة والعراق الجديد كما أن تحركاته اللاحقة تشير بوضوح إلى انه كان عازماً على التمهيد لإقحام كوردستان الجنوبية في العراق الجديد بصرف النظر عن التمنيات والآمال والمطالب المشروعة الكوردية.

وطرح مشروعاً لمستقبل كوردستان الجنوبية دعا فيه إلى تمزيق كوردستان الجنوبية على الصعيدين السياسي والإداري تمهيداً لوضعها تحت السيطرة العربية في العراق الجديد. غير إن سياسة بريطانيا وبالتحديد (تشرشل) وزير المستعمرات البريطاني كانت واضحة بعكس برسي كوكس المندوب السياسي البريطاني في بلاد ما بين النهرين (العراق الجديد).

فتشرشل كان يريد من أكراد الجنوب كوردستان العراق أن يقوموا بإدارة شؤونهم السياسية الإدارية الخاصة وأن يتولوا مهمات الشرطة المحلية والدفاع عن أنفسهم. وفي حديث يورده الكتاب قال تشرشل لكوكس "أن الهدف لا يعدو كونه إبقاء كوردستان الجنوبية متميزة عن البلدان العربية تماماً مثل نيبال متميزة عن الهند" في حين كان كوكس يدعو إلى نوع من الدمج الجزئي أو المؤقت لكوردستان الجنوبية بالعراق الجديد. في هذا الصدد قام تشرشل بمساعدة من الضباط البريطانيين (ميجر نوئيل وميجر سون وميجر بولغ) بإثبات عدم وجود أي صعوبة جدية أمام رسم الحدود الفاصلة بين كوردستان الجنوبية وما بين بلاد ما بين النهرين العراق العربي الجديد. كما قام تشرشل بإدخال جميع المناطق التي زعم كوكس أنها غير كوردية خالصة بوجود أقليات كوردية وتركمانية بها مثل كركوك وكفري وأربيل في خارطته للكيان الكوردي.

أثرت قضية تنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق الجديد على مستقبل كوردستان الجنوبية حيث تبادل وجهات النظر حول مستقبل كوردستان الجنوبية ولمنع القضية الكوردية من أن تصبح دولة مستقلة ثم تكون عقبة أمام ذلك التنصيب (ملكاً على العراق الجديد) بادرت وزارة المستعمرات البريطانية إلى تأجيل رسم الحدود العراقية بين كوردستان الجنوبية وما بين بلاد ما بين النهرين العراق العربي الجديد.

كان بنظر برسي كوكس والأمير فيصل أن مسألة الاستفتاء على تنصيب الملك على عرش العراق الجديد ومشاركة الكورد فيه ستوفر فرصة مثالية لإظهار أن سكان كوردستان الجنوبية كانوا سوف يصوتون لصالح مشروعه الاندماجي وهو ما كان سيفضي إلى حسم مستقبل هذا الإقليم الكوردي ومطالبه القومية مرة أخرى والى الأبد وكان كوكس وفيصل متفائلين وواثقين من قدرتهم على إقناع الكورد بالتصويت لصالح الانضمام إلى العراق الجديد والذوبان للشعب الكوردي فيه.

يرى السيد رفيق حلمي الباحث والمؤرخ الكوردي أن عملية انتخاب الأمير فيصل هي محاولة بريطانية لتسوية المسألة الكوردية عن طريق اقناع كوردستان الجنوبية بالحكم العربي في العراق الجديد.

لكن أكثرية الكورد أصرت على رفض التصويت لصالح تنصيب الأمير فيصل ملكاً عليهم (الشعب الكوردي) واعتبار العراق دولة لهم وللعرب. واخفق برسي كوكس في إقناع كوردستان الجنوبية بالانضمام إلى العراق الجديد. وصاحب ذلك عدم استقرار سياسي في العراق مما دفع خيار الفصل بين الكورد والعرب إلى الواجهة من جديد وسارعت وزارة المستعمرات إلى التدخل المباشر عقب انتهاء الاستفتاء وقررت تمكين القوميين الوطنيين الكورد من إعادة تأسيس حكومة كوردية ثانية في السليمانية يرأسها الشيخ محمود الحفيد كل ذلك على الرغم من معارضة كوكس كذلك.

وعاد الشيخ محمود الحفيد من منفاه في الهند وكان بصحبة الميجر نوئيل احد المؤيدين لمشروع الانفصال الكوردي وتشكيل دولة كوردية مستقلة وقد كلفه تشرشل بمهمة تسهيل المهمة.

مجدداً دعم الاضطراب السياسي في كوردستان الجنوبية حيث كان الكورد متوجسين من فرض الحكم العربي في العراق الجديد على كوردستان الجنوبية وطالبوا البريطانيين بضمانات ملموسة.

وكان الكورد يريدون إبقاء البريطانيين والعرب خارج منطقتهم كوردستان واتجهت أنظار الكورد نحو الأتراك (تركيا الحديثة) وتصور الكورد أن تعاونهم مع الأتراك سوف يقربهم من بلوغ هدفهم من إبقاء العرب والبريطانيين بعيدين عن كوردستان.

زود الكماليون الأتراك الكورد بالأسلحة وحاولوا كسب ود الكورد على حساب البريطانيين فحسب التقارير البريطانية ووزارة المستعمرات كان البريطانيون يعرفون أن الأتراك يحاولون دق إسفين بينهم (بريطانيا) وبين الكورد ويعلمون أن تركيا الحديثة تسعى لمنح قدر من الحكم الذاتي لكوردستان الشمالية (كوردستان التركية).

لذلك توجهت "وزارة المستعمرات البريطانية" إلى ضرورة طمأنة أكراد الجنوب (كوردستان الجنوبية) من أن لندن لن تخضعهم لحكم العرب في العراق العربي الجديد رغماً عنهم.

برز الشيخ محمود الحفيد من جديد كالشخص الكوردي الوحيد القادر على وضع أكراد الجنوب (كوردستان الجنوبية) تحت رايته لمحاربة الكماليين الأتراك في تركيا الحديثة واستعادة الاستقرار في كوردستان الجنوبية، لكن كوكس كان يرى فيه عكس ما تراه الإدارة البريطانية حين كانت ترى فيه (الشيخ محمود) "شخصية ينطلق من منطلقات شخصية متجاهلاً الأهداف الوطنية والقومية والدستورية" ويضيف في تقريره عن الشيخ محمود الحفيد "في الواقع أن أنصاره لم يكونوا سوى بعض من المأجورين الذين اجتذبهم بالرشوة" وكان كوكس يرى أن إطلاق سراح الشيخ محمود الحفيد من الهند ينطوي على تأثير ناسف للاستقرار في كوردستان واستمر كوكس على معارضته لفصل كوردستان الجنوبية عن العراق الجديد وطرح مشروع سعيد طه (حفيد الشيخ عبيد الله النهري الذي قاد انتفاضة كوردية كبرى في عام 1880) كان برسي كوكس يطمح من وراء دعم الشيخ سعيد طه إلى ضرب عصفورين بحجر واحد.

أولاً: إحباط تجربة الحكم الذاتي الكوردي.

ثانياً: باعتبار الشيخ سعيد طه شخصية قومية منافسة للشيخ محمود الحفيد فأنها تقوض نفوذ الشيخ محمود الحفيد وصولاً إلى تمزيق صفوف القوميين الكورد. أصيب الشيخ محمود بشيء من الحيرة من السياسة البريطانية التي رحبت بعودته إلى كوردستان وتأسيس حكومة كوردية ثانية بموافقة بريطانيا بهدف احتواء التهديد التركي الكمالي ومن جهة أخرى دعم الشيخ سعيد طه لتقويض حكم الشيخ محمود الحفيد وخاصة بعد تجربته المريرة الأولى مع (العقيد ولسن) نائب الحاكم البريطاني في العراق إبان فترة حكمه الأولى.

شكلت الحكومة الكوردية الثانية في السليمانية برئاسة الشيخ محمود وعبر القوميون الوطنيون الكورد عن استعدادهم لاحتواء النفوذ التركي الكمالي وتم اعتقال ثلاثة من أعيان الكورد الموالين لتركيا حفاظاً على العلاقة الوثيقة مع المفوضية السامية البريطانية في بغداد.

هناك أسباب رئيسية كامنة وراء رجحان كفة خيار برسي كوكس الداعي إلى الدمج الكوردي (كوردستان العراق) مع العراق الجديد على كفة القرار في قيام كوردستان جنوبية منفصلة أواخر عام 1922 وبداية عام 1923 أولاً تحكم برسي كوكس بمسار الأحداث في كوردستان الجنوبية وبوصفه المندوب السامي البريطاني كما كان هو القناة التي تنفذ الحكومة البريطانية من خلالها سياساتها تجاه الكورد في (كوردستان الجنوبية)، وإصرار كوكس على السير على نهج سلفه العقيد ولسن نائب الحاكم البريطاني في العراق على صعيد جملة من الترتيبات السياسية والإدارية في جنوب كوردستان القائلة بإذابة كوردستان الجنوبية في بوتقة العراق العربي الجديد أولاً.

وثانياً: انهيار حكومة بريطانيا ورئيسها ووزيرها لويد جورج الائتلافية ولم يعد ونستون تشرشل وزيراً للمستعمرات والوزير الجديد كان (ليو آمري) لم يكن مطلعاً على الشؤون الكوردية في كوردستان الجنوبية (ولاية الموصل). وثالثاً عقد مؤتمر لوزان في تشرين الثاني نوفمبر 1923 وتصميم الحكومة البريطانية المحافظة على التوصل إلى اتفاقية سلام مع تركيا الكمالية (تركيا الحديثة).

وبرأي رفيق حلمي (كردي قومي معتدل عمل لبعض الوقت مترجماً لدى الموظفين البريطانيين في كوردستان الجنوبية) أن ثمة سلسلة من التطورات كانت مسؤولة عن تدهور علاقات الشيخ محمود الحفيد مع البريطانيين وإحجام البريطانيين عن تزويده بالأسلحة وعدم تزويده بالمساعدات المالية الضرورية للشيخ محمود الحفيد لطرد العناصر الكمالية ثانياً امتناع البريطانيين عن مقاتلة الكماليين الأتراك فهم من جانب الشيخ محمود الحفيد على انه إشارة للتخلي عن كوردستان الجنوبية.

لجملة هذه الأسباب اتصل الشيخ محمود الحفيد بالكماليين الأتراك وسبب ذلك برأي رفيق حلمي هو أن الشيخ محمود الحفيد أراد إبقاء خياراته مفتوحة ما لم يسارع البريطانيون إلى إبداء استعداد قوي للقبول بقيام كوردستان جنوبية دولة منفصلة عن العراق الجديد وتكون تحت حكمه. لكن برسي كوكس ظل مصمماً على خنق الحكومة الكوردية اقتصادياً عبر إجبارها على دفع الضرائب للحكومة العراقية العربية الجديدة ولدى سماع الشيخ محمود الحفيد بخبر شمول انتخابات الجمعية العراقية العربية لكوردستان الجنوبية حتى بادر إلى إعلان نفسه ملكا لكوردستان العراق. فكان الصدام بين التطلعات الكوردية والسلطات البريطانية حتمياً.

فرداً على رفض برسي كوكس لطلب الشيخ محمود بمد الحكم الكوردي إلى رانية وكويسنجق اللتين كانتا إدارياً جزءاً من السليمانية عمد الشيخ محمود الحفيد إلى إبعاد جميع الموظفين الأكراد المتهمين بالولاء للبريطانيين.

لم يكن برسي كوكس مستعداً للتفاوض مع الشيخ محمود الحفيد سوى على إضفاء (قبول) ثوب الحكم الذاتي المحلي على السليمانية وذلك ما رفضه الشيخ محمود الحفيد الذي أعلن التمرد للمرة الثانية على السلطات البريطانية وأمله في تحقيق هدفه السياسي وتحرير الشعب الكوردي بالقوة.

في النهاية يقول الكاتب (سعد اسكندر) أن تأثير برسي كوكس الحاسم في مستقبل كوردستان الجنوبية السياسي ظاهرة غير عادية كما أن تاريخ الإمبراطورية البريطانية زاخر بالعديد من الأمثلة التي تؤكد أن موظفين بريطانيين ميدانيين نجحوا في إملاء تصوراتهم الشخصية وتجاهل خط لندن الرسمي رأى هؤلاء المندوبين البريطانيين الذين كانوا يعرفون واقع الدولة الكوردية وخاصة كوردستان الجنوب والإصرار على اعتماد أجندتهم الخاصة.

مؤتمر القاهرة 12-24 آذار 1921

هو المؤتمر الذي انعقد في 12-24 من آذار سنة 1921 وكانت الغاية من عقد مؤتمر القاهرة هو لتأسيس سياسة بريطانية موحدة في الشرق الأوسط، وخاصة لحل السياسات المتضاربة المحددة في مراسلات حسين-مكماهون (1915)، اتفاقية (سايكس-بيكو 1916)، ووعد بلفور (1917). ونستون تشرشل، الذي عين حديثاً وزير المستعمرات البريطاني؛ دعا جميع القادة العسكريين البريطانيين والمديرين المدنيين في الشرق الأوسط لحضور المؤتمر (مؤتمر القاهرة) في آذار 1921 في فندق سميراميس بالقاهرة لمناقشة هذه القضايا.

في مؤتمر القاهرة، تم الاتفاق على أن (لبنان وسوريا) يجب أن يظلا تحت الإدارة الفرنسية وأن تحافظ بريطانيا على الانتداب على فلسطين وتستمر في دعم تأسيس وطن قومي يهودي هناك. القرار الخاص ببقية الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن تم تأجيله حتى يذهب ونستن تشرشل إلى القدس لعقد مزيد من المناقشات هناك. تقرر إنهاء الحماية (النفقات البريطانية) غير المرحب بها على بلاد الرافدين (العراق الجديد) وأن يصبح الأمير فيصل الأول ملكاً على مملكة العراق الجديدة ابن الشريف الحسين (شريف مكة)، الذي كان ملكاً على الحجاز وتولى الأمير عبد العزيز بن سعود حكم نجد في قلب شبه الجزيرة العربية. واستمر كلاهما في تلقي دعم مالي من بريطانيا العظمى.

واستمر مؤتمر القاهرة أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل. وبحضور زهاء أربعين موظفاً إدارياً وسياسياً وضابطاً عسكرياً من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في مختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك.

وعُقد مؤتمر القاهرة من 12-24 آذار 1921 في فندق سميراميس بالقاهرة لبحث شؤون الشرق الأوسط، برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وحضره وفد عراقي يضم: برسي كوكس المندوب السامي البريطاني، والجنرال إلمر هالدن قائد القوات البريطانية في العراق، وجعفر العسكري وزير الدفاع، وساسون حسقيل وزير المالية، وسليتر مستشار وزارة المالية العراقية، وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين، والعقيد لورانس، وكلايتون، وقد ناقش المؤتمر العديد من الأمور التي تخص العراق الجديد، ومنها شخصية من يتولى حكم العراق الجديد، ووفقاً لما قاله برسي كوكس؛ فقد رأى أن ترشيح أحد أبناء الشريف حسين بن علي (شريف مكة) من شأنه أن يحوز رضا أغلبية الشعب العراقي إن لم يكن أجمعه؛ ومن هنا وقع الاختيار على الأمير فيصل ليكون ملكا على العراق العربي الجديد.

وكانت إدارة السياسة البريطانية في الوطن العربي قد نقلت في مطلع سنة 1921 من وزارة الخارجية البريطانية إلى وزارة المستعمرات البريطانية التي تولاها ونستون تشرشل. وقام (ونستن تشرشل) بإنشاء (دائرة لشؤون الشرق الأوسط) في 1921/2/14، واستدعى (العقيد لورنس) ليكون مستشاراً رئيساً في الوزارة (المستعمرات). وأشار تشرشل في مجلس العموم (1921/2/21) إلى أن الحكومة البريطانية قررت عقد مؤتمرين في (القاهرة والقدس) أوائل آذار 1921 لغرضين: أولهما خفض النفقات البريطانية التي يتطلبها وجود الإدارات والحاميات البريطانية في الشرق، وثانيهما مراجعة الوضع البريطاني في مناطق المشرق العربي ووضع خطط استعمارية موحدة لمستقبل السياسة البريطانية في تلك المناطق وإعداد الطرق الجديدة لإدارتها بمردود أكبر ونفقات أقل، وذلك بعد التبدلات الكبرى إثر مقررات مؤتمر سان ريمو 1919 في باريس وتوزيع الانتدابات وما تلا هذا من انهيار الحكم العربي في دمشق ووصول الأمير (عبد الله بن الشريف الحسين بن علي) إلى شرقي الأردن وتهديداته بإثارة حرب ضد فرنسا في سوريا ثم ثورة العراق الكبرى بعد قيام الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920 ضد الانتداب البريطاني على العراق الجديد، وسقوط مئات الضحايا بين صفوف الجيش البريطاني؛ نادت قطاعات من الصحافة البريطانية بإنهاء الانتداب على العراق الجديد، وردود الفعل العنيفة في فلسطين ضد سياسة إقامة الوطن القومي اليهودي.

أصدر مؤتمر القاهرة القرارات الآتية:

1. تعطى ملكية العراق الجديد للأمير فيصل ملك سوريا المخلوع.

2. تعطى إمارة شرقي الأردن للأمير عبد الله شقيق الأمير فيصل الأكبر.

المشاركون في مؤتمر القاهرة آذار 1921:

- ونستون تشرشل - وزير الدولة للمستعمرات البريطانية.
- لورنس المستشار الخاص لمكتب المستعمرات البريطانية.
- الميجور هيوبرت يونغ ضابط المستعمرات.
- هربرت صمويل المندوب السامي البريطاني في فلسطين.
- سير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق.
- كرترود بل (مس بيل) السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني في العراق.
- جعفر العسكري وزير الدفاع في أول حكومة عراقية (الكوردي الأصل).
- حسقيل ساسون وزير المالية في أول حكومة عراقية (اليهودي الأصل).
- المارشال الجوي سير هيو ترنتشارد رئيس الأركان الجوية للقوات البريطانية.
- المارشال الجوي سير جفري سالموند قيادة الطيران في الشرق الأوسط.
- جفري فرانسيس أرتشر حاكم الصومال البريطاني.
- المارشال إدموند اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر وقائد الجيش البريطاني في مصر.

لم يجد ونستن تشرشل ومستشاروه أي معارضة جدية من أعضاء المؤتمر (مؤتمر القاهرة) لقراراتهم حول القضايا الرئيسة. وقد عملت في المؤتمر ثلاث لجان هي: [اللجنة المالية واللجنة العسكرية واللجنة السياسية]، اللجنة الأخيرة كان أهمها. وقد ترأس ونستن تشرشل جلساتها ولعب لورنس الدور الرئيس فيها.

تضمن جدول الأعمال ثلاثة مواضيع هي: [موضوع الالتزامات البريطانية في ساحل الإمارات المتصالحة على شاطئ الخليج وعدن، موضوع العراق الجديد، موضوع فلسطين وفيه شرقي الأردن]. هذا إلى جانب مسائل عسكرية ومالية أخرى. بعث الأمير عبد الله رسالة إلى ونستن تشرشل الذي كان في القاهرة في آذار 1920 شرح له فيها الأسباب التي دفعته إلى المجيء إلى عمان وأكد أنه لا يحمل أية نية عدوانية ضد فلسطين، وطلب منه مقابلته في فلسطين أو في أي مكان آخر ليعبر له عن إيمانه بالصداقة المتبادلة، وليشرح له أماني الشعوب المتعلقة بمستقبل وطنهم. وقد وعده تشرشل بلقائه في القدس في آذار 1920 بعد مؤتمر القاهرة.

أدى مؤتمر القاهرة إلى إصدار القرارات الآتية: تأسيس دولة عراقية جديدة ومبايعة الأمير فيصل ملكاً عليها إلى اتخاذ قرار آخر يعترف بالأمير عبد الله بن الحسين أميراً على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن حيث كان قد فرض نفسه. وقد سيطرت قضية شرقي الأردن على البند المتعلق بفلسطين، ودار محور النقاش حول نقطة واحدة هي وجوب الفصل بين إدارة فلسطين وإدارة شرقي الأردن فلا تكون منطقة شرقي الأردن مشمولة بالنظام الإداري لفلسطين حتى لا تنطبق عليها شروط الانتداب وفيها الوطن القومي اليهودي مع الاعتراف بالأمير عبد الله بن الشريف الحسين أميراً شرعياً على شرقي الأردن يكون مسؤولاً أمام المندوب السامي البريطاني في القدس.

وتشكل المجلس التأسيسي (برلمان) من بعض زعماء العراق وساسته وشخصياته المعروفة؛ بضمنها نوري السعيد باشا ورشيد عالي الكيلاني باشا وجعفر باشا العسكري وياسين الهاشمي وعبد الوهاب بيك النعيمي الذي عرف بتدوين المراسلات الخاصة بتأسيس المملكة العراقية الجديدة حيث انتخبت نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني رئيسا لوزراء العراق الجديد والذي نادى بالأمير فيصل الأول ملكا على عرش العراق حيث تم تتويجه في 23 آب أغسطس 1921.

توجه الأمير (الملك) فيصل إثر ذلك إلى العراق الجديد. وانصرف الملك فيصل إلى الإصلاح الداخلي؛ فوضع برلماناً للبلاد 1924، وأنشأ مجلساً للأمة، وأقام علاقات بين العراق الجديد وبريطانيا على أسس معاهدات 1922 و1926 و1927 و1930 بين العراق وبريطانيا، وطبق التجنيد الإجباري عام 1926 وأقام العديد من المشروعات في الري، الصناعة، المواصلات، الصحة، التعليم، الكهرباء، وغيرها، وعمل جاهداً على إصلاح ذات البين بين العراق الجديد وجيرانه.

وعلى الرغم من عدم ظهور كلمة "الصهيونية" في جدول أعمال مؤتمر القاهرة فقد بحث موضوعها فيه. وعد مؤتمر القاهرة آذار 1921 "حكومة صاحبة الجلالة" مسؤولة عن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بموجب شروط الانتداب. وجاء في مذكرة وضعتها دائرة الشرق الأوسط في وزارة المستعمرات البريطانية وقدمتها إلى المؤتمر أن الإدارة الفلسطينية العامة تلتزم بدقة بشروط الانتداب.

بحث مؤتمر القاهرة في قضايا أخرى تتعلق بفلسطين منها: مستقبل العلاقات بينها وبين الدول الأجنبية، والجهاز الإداري والسلطات القضائية والمالية في البلاد، وعدد أفراد القوة العسكرية البريطانية التي يجب أن ترابط فيها وسحب العدد الزائد منها، والعلاقات بين "المجلس الاستشاري" الذي يختار أعضاءه المندوب السامي البريطاني على أسس تمثيلية و"المجلس التشريعي" الذي يعتزم المندوب السامي إنشاءه في المستقبل القريب. وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الثالث في (حيفا، كانون الأول 1920) قد اختارت وفداً يتوجه إلى القاهرة ليعرض على تشرشل ظلامات العرب الفلسطينيين. وقد ترأس الوفد الفلسطيني موسى كاظم الحسيني فاستقبله تشرشل على كره منه ولكنه رفض أن يبحث معه المشكلات السياسية ووعد أعضاء الوفد باستقبالهم في القدس في 1921/3/28. وهكذا حددت مقررات مؤتمر القاهرة الخط العام للسياسة الاستعمارية البريطانية في الوطن العربي لسنوات طويلة قادمة ووضعت أساس بناء التجزئة للمنطقة الذي قام على حطام فكرة الوحدة العربية. وقد ادعت بريطانيا أنها قد قامت بالوفاء بتعهداتها لزعماء الحركة العربية أثناء الحرب العالمية الأولى. وعلق لورنس قائلاً فيما بعد: "إن تشرشل قد حقق بتلك الإجراءات وعودنا بنصها وروحها ونفذ تعهدات (هنري مكماهون) حول قضية فلسطين وشرقي الأردن والجزيرة العربية كلها. وأما فيما بين النهرين (العراق الجديد) فقد مضى إلى أبعد من تلك الوعود، ومنح العرب أكثر، وترك لنا أقل مما رآه السير هنري مكماهون مناسباً"، ثم قال: "يجب أن أعترف بأن إنكلترا خرجت من القضية بأيد نظيفة".

العقيد لورنس، الذي كان له أنشطة حربية بدأت بالاستحواذ على الرأي العام والذي كان على صلة وعلاقة وثيقة بأسرة الشريف الحسين بن علي ومقرها الحجاز، ضغط على الحكومة البريطانية من أجل الأمير فيصل الأول. حاول الأمير فيصل تأسيس مملكة مقرها دمشق وحال الجيش الفرنسي دون حدوث ذلك. في تشرين الثاني نوفمبر 1920، ظهر الشقيق الأكبر للأمير فيصل الأمير عبد الله الأول وبرفقته المئات من المناصرين في بلدة معان (الأردن) وأعلن نيته الهجوم على القوات الفرنسية في سوريا واستعادة سلطان شقيقه الأمير فيصل هناك (سوريا).

كانت مهمة تشرشل كوزير جديد للمستعمرات البريطانية هي المسؤولية الخاصة عن الشرق الأوسط وإيجاد حل للاضطرابات في العراق الجديد وتلبية تطلعات الشريف الحسين بن علي وأولاده. عُين لورنس كمستشار خاص له. وعقد سلسلة من اللقاءات مع الأمير فيصل في لندن قبل عقد مؤتمر القاهرة في آذار 1920 لغرض تنصيبه ملكا على عرش العراق الجديد.

الفريق الركن الدكتور
عبد العزيز المفتي - عمان، أيار 2014