الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المحاضرة الرابعة: مؤتمر القاهرة والمسألة الكوردية في العراق العربي
الكورد في مؤتمر القاهرة آذار 1921
تمهيد
ظلت السياسة البريطانية خلال عهدي الاحتلال والانتداب على العراق الجديد، تمارس سياسة المصالح واستثمار الأقليات القومية والدينية لخدمة سياستها الإستراتيجية، ففي الوقت الذي تتظاهر بالدفاع عن الكورد وكوردستان وحقوقهم القومية الكوردية، تقف أكثر من أية جهة أخرى ضدها، بل كانت تسعى لجعل المنطقة الكوردية (كوردستان) تعيش الخوف من الحكومة العراقية العربية الجديدة في بغداد، وفي منع قيام الوحدة الوطنية بينهم.
ولا بد من تأكيد أن حقوق الكورد ظلت تمثل جزءاً لا يتجزأ من حقوق العراقيين ككل، بوصفهم يمثلون تاريخ العراق وجغرافيته وهم السكان الاصليين لكوردستان العراق الجديد، ومثلما عانى الكورد من سياسة الاضطهاد العثماني والبريطاني فإن معاناتهم كانت جزءاً من معاناة كل العراقيين، من الوضع الذي اتسم بتخلف الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وتتسم سياسة بريطانيا إزاء هذه المسألة بأنها كانت غير مستقرة ففي مرحلة ما قبل مؤتمر القاهرة في آذار 1921، كانت تحمل اتجاهات محددة، هي تتمثل بكسب ود وتعاطف زعماء هذه الحركة ليكونوا إلى جانبها، واستخدمت سياسة الترغيب، ومنح الآمال إلى جانب تطلعاتهم في حين اتخذت هذه السياسة بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921 شكلاً آخر، واتجاهاً تظهر فيه كل مظاهر الرفض لحقوقهم إلا بحدود معينة، بمعنى آخر أن السياسة البريطانية لبست لبوساً يتلاءم مع طبيعة علاقاتها ومصالحها ومواقفها السياسية المتناقضة.
ولابد من تأكيد حقيقة أساسية هي، أن حركة التحرر الوطني الكوردي في كوردستان العراق، ارتبطت بالوجهاء المحليين الكورد، وبالأخص منهم زعماء القبائل والشيوخ الدينين الكورد، وكان في مقدمتهم الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، الذي انضم إلى جانب الأتراك ضد الإنكليز، في بداية الحرب العالمية الأولى، ولكن سرعان ما قطع الشيخ محمود الحفيد علاقته بالعثمانيين (تركيا)، ليقود انتفاضات الأهالي الكوردية ضد الحاميات العثمانية التركية في مدينة السليمانية، بل ونظم في ربيع 1918 وبإسناد من بريطانيا انتفاضة كوردية ضد الحكم التركي في السليمانية لتصبح السليمانية تحت حكمه بعد هدنة موندرس في 30 تشرين الأول 1918م ولكنه بعد احتلالهم (بريطانيا) الموصل بداية تشرين الثاني 1918 قام الإنكليز بتحديد سلطته (الشيخ محمود الحفيد)؛ مما تدل هذه الواقعة على أن بريطانيا كان تعاملها مع المسألة الكوردية (كوردستان) على وفق مصالحها (بريطانيا) وليس مصلحة الكورد وكوردستان بوصفهم جزءاً من العراق العربي الجديد، وهذا ما سنحاول الإشارة إليه في بحثنا.
1- المسألة الكوردية قبل مؤتمر القاهرة آذار 1921
قبل الحرب العالمية الأولى 1914، وبالأخص في العهد الحميدي (السلطان عبد الحميد الثاني)، لم يكن هناك ما تسمى بالمسألة الكوردية، وشيوخ الكورد، كانوا يعدون أنفسهم جزءاً مستفيداً من السكان الكورد، وهذا يعني أن المصالح المتضاربة لشيوخهم؛ لم تكن تسمح لهم بأن يوضعوا شعار الاستقلال أو الانفصال والقضية الكوردية وكوردستان في العهد العثماني التركي وبدأت بالتبلور حالها حال قضايا الشعوب غير التركية الأخرى الداخلة في الإمبراطورية العثمانية، في الوقت الذي ظهرت انتفاضة بدرخان ذات الملامح القومية الكوردية. وفي عام 1880 ورفعت انتفاضة الشيخ عبيد الله النهري شعار استقلال كوردستان عن الإمبراطورية العثمانية، وعندما وضعت الحرب العالمية الاولى أوزارها، وعقدت هدنة موندرس (Mondres) في 30 تشرين الأول 1918 ظهرت في كوردستان العراق (كوردستان الجنوبية) او ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية حركات تدعو إلى قيام (كردستان الجنوبية تحت الرعاية البريطانية)، وكان البريطانيون يشجعون هذه الاتجاهات، التي ازدادت بعد قيام الشيخ محمود الحفيد البرزنجي بتنصيب نفسه حاكماً على السليمانية، بل طرح نفسه ليكون المرشح لرئاسة الحكومة الكوردية لكوردستان العراق، (كوردستان الجنوبي) ولكن هذا الحلم الكوردي لم يتحقق لأن وكيل الحاكم السياسي البريطاني العام في العراق ارنولد ولسن (A. Wilson) لم يساند سياسته ويؤيده، وقرر أن تصبح كوردستان العراق الكوردية جزءاً من إدارته البريطانية في العراق ويشرف على مناطقها كوردستان الضباط السياسيون (Political Officers) البريطانيون وعين في المدن الكوردية حكام عسكريين (Military Governors) كبقية مناطق العراق الجديد المحتل من قبل بريطانيا، وفي عهد الاحتلال البريطاني كان هؤلاء الضباط السياسيون البريطانيون يقومون بكتابة التقارير فقد أشار تقرير الضابط الإنكليزي وأسمه هي (He) كتب عن هذه المرحلة من حياة الكورد بقوله "أخذ الفقراء في أثناء مجاعة 1918 يجمعون القرنة (نوع من النباتات البقلية) ويطبخون بالبذور ويعملون من هذا الطحين خبزاً" والسبب في ذلك ربما لأن الكورد لم يجرؤوا على زراعة أراضيهم، خوفاً من أن يأخذ العثمانيون الأتراك محاصيلهم ولأن القوات العثمانية التركية كانت تقوم بمصادرة الأموال والممتلكات والماشية في كوردستان ولجأت الدولة العثمانية التركية إلى استخدام أسلوب (الفتن العرقية) بين الكورد والأرمن والأثوريين الأمر الذي زادت في صعوبة الوضع بالنسبة للكورد وكوردستان وطلب تقرير اخر رفعه الميجر روس (Ros) (أحد الضباط السياسيين البريطانيين في المنطقة الكوردية-كوردستان) إلى حكومته بريطانيا في آب 1919 "أنه إذا لم يتدخل الإنكليز بحزم في الأراضي الإيرانية، في ذلك الوقت سوف يؤدي إلى أن تصبح فكرة تكوين دولة كوردية مستقلة حقيقية (كوردستان)" لذا اقترح الميجر روس (إيقاف تقدم الكورد في إيران بالقوة في حالة إذا ما حققوا نجاحات أكثر) وحتى أن اتفاقية سيفر 1920 (Treaty Sevres) التي قطعت العديد من الأجزاء الحيوية من تركيا احتوت على مادة مشوشة تتعلق بكوردستان وهي أنه بعد سنة واحدة من هذه الاتفاقية سيفر وهي ليس إلا بتخطيط من الدولة المنتصرة في الحرب. كانت دول الحلفاء على وشك أن تسمح بتأسيس دولة كوردية مستقلة (كوردستان) ويتحقق ذلك بفعل تشابك المصالح بين شيوخ الكورد كما كانت دولة الحلفاء تخطط من أجل إقامة كوردستان فى مثلث سكانى يقع بين العراق العربى وأرمينيا المسيحية وإيران الفارسية من جانب، وآخر من جانب تركيا الحديثة الاتراك، ولكن انتصارات تركيا الحديثة على اليونان في هذه الحرب، جعلت هذه الخطط وهمية؛ وغير الحقيقة لهذا توزع الكورد في ثلاث مناطق كوردية رئيسة بالمثلث العراقي العربي وتركيا التركية وإيران الفارسية وأصبح هناك (500,000) كوردي في العراق العربي واكثر من (700,000) كوردي في تركيا التركية وأجهضت الحركة الكوردية من قبل الأتراك؛ وقد أدان الرأي العام التركي بريطانيا في كونها هي المسؤولية عن هذه المسالة الكوردية التي اسماها (بالإزعاج)، ولا بد من الإشارة إلى حقيقة أساسية هي أنه لم يجر أي اتصال بين الضباط السياسيين البريطانيين الذين يتقدمون مع الجيش البريطاني من أجل بناء علاقات مع شيوخ الكورد في المناطق الكوردية المحتلة والمتنفذين فيها، وبين الكورد في العراق العربي قبل سقوط بغداد في 11 آذار 1917 وكانت خانقين هي المنطقة الكوردية الوحيدة التي أقاموا فيها مثل هذه العلاقات. وقامت بريطانيا بعد أن استقرت الأوضاع بالاستفادة من بعض الكورد في الوظائف حتى أن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي اصدر بياناً قال فيه "طالما أن حكومة بريطانيا العظمى قررت أن تحرر شعوب الشرق من النير العثماني التركي، وأن تقدم لها المساعدة في نيل الاستقلال، أن الزعماء الأكراد باعتبارهم ممثلين للشعب الكوردي يلتمسون حكومة بريطانيا العظمى، أن تضعهم تحت حمايتها وأن تضم المناطق التي يحتلونها إلى العراق"، واعترفت الحكومة البريطانية بالشيخ محمود الحفيد (حكمدار) للسليمانية وخصصت له راتباً شهرياً قدره (15) ألف روبية، ووضع ارنولد ولسن وكيل المندوب السامي البريطاني في العراق برسي كوكس تحت سلطة الشيخ محمود الحفيد كل المنطقة المأهولة بالكورد والممتدة من الزاب الكبير إلى ديالى. وكتب مراسل جريدة التايمز في 22 أيار 1911 ليقول:
(أن الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلام في المنطقة الكوردية خانقين والسليمانية هي ضم كوردستان الجنوبية إلى العراق العربي الجديد).
وقبل عقد مؤتمر القاهرة في آذار 1921 قرر الإنكليز بعد أن وجدوا اتساع نفوذ الشيخ محمود الحفيد أن تصبح كوردستان جزءاً من العراق العربي ورفض الممثل البريطاني ارنولد ولسن وكيل المندوب السامي برسي كوكس منح المنطقة الكوردية (كوردستان) حكماً ذاتياً وبرر ذلك ب (تأخر كوردستان والمنازعات القبلية الكوردية فيها وانعدام السكك الحديد).
وبرزت الحركة الكوردية الوطنية في كوردستان للتعبير عن رأيها في مواجهة السياسة البريطانية وإجراءاتها الاضطهادية، حيث قام الإنكليز بسياسة جمع الضرائب ومصادرة الممتلكات في كوردستان، واستخدام سياسة (الأفقار) للآلاف من أبناء هذه المنطقة الكوردية كوردستان، وتركيز بريطانيا السلطة بيد الإقطاعيين الكورد وكبار ملاكي الأراضي الكورد مقابل اضطهاد الأكثرية الكوردية ومصادرة الأراضي الكوردية في كوردستان ومنحها للتيارين المسيحيين (الآثوريين)، ولهذا قامت عدة انتفاضات كوردية في كوردستان بدأتها قبيلة كويان الكوردية في منطقة زاخو ضد الإنكليز حيث هاجمت فصيلاً إنكليزا في نيسان 1919، وثار أكراد برزان تحت قيادة الشيخ أحمد البرزاني وكانت انتفاضات الكورد في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد من أكبرها وأكثرها تأثيراً، وبدأت في 20 أيار 1918، حيث تمكن الثوار الكورد من تطهير مناطق كوردستان الكوردية الواسعة من المحتلين الانكليز ووصلوا الثوار الاكراد إلى مدينة كركوك الكوردية تقريباً.
لقد ظل الإنكليز طويلاً الرغم من تفوقهم، عاجزين فى القضاء الثورات والانتفاضة ومقاومة الشعب الكوردي حتى أنهم قرروا البدء ببناء سكك الحديد لتسهيل السيطرة على كوردستان والاحتفاظ بها، وقد اقترح هذا المشروع الميجر نوئيل مستشار الشيخ محمود الحفيد سابقا، وذلك بعد مد سكك حديد قزلرباط - كفري - كركوك.
وتمكن الإنكليز من السيطرة على الأوضاع في كوردستان في صيف 1919، وقاموا بإعداد العناصر الفعالة في الانتفاضة؛ أما الشيخ محمود الحفيد فتمت محاكمته عسكرياً في بغداد. وحكم عليه بالإعدام، غير أن الحكومة البريطانية أبدلته بالسجن عشر سنوات، ونفيه إلى الهند، وتم وضع مدينة السليمانية تحت حكم السلطات البريطانية مباشرة ووضعوا أنصارهم من الكورد في الوظائف الإدارية.
وعند تشكيل الحكومة المؤقتة في العراق العربي الجديد برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني في 25 تشرين الأول 1920 وهو ما تعد أول خطوة بريطانية باتجاه تغيير سياستها تجاه العراق الجديد، والانتقال من صيغة الحكومة المباشرة (الإدارة البريطانية المطلقة) إلى خلق واجهة وطنية عراقية في الحكم ويكون البريطانيون مشاوريه ومستشارين للعراقيين ولكن ظلت السلطة العليا في العراق الجديد بيد بريطانيا، والمعتمد السامي البريطاني الجديد برسي كوكس (Persy Cox) الذي قام من أجل استتباب الأمن بعد ثورة العشرين بإعادة تعيين الشيخ محمود الحفيد حاكماً على السليمانية، وجماعته مسؤولين في الوحدات الإدارية بمشورة ومعاونة الضباط السياسيين البريطانيين، وبرزت أمامه برسي كوكس مشكلة ضم المناطق الكوردية (كوردستان العراق) إلى سلطة الحكومة العراقية العربية المؤقتة ورغم أنه منح العديد من الامتيازات للكورد منها تطمينهم على حقوقهم القومية الكوردية، إلا أن منطقة السليمانية هي الوحيدة التي رفضت الانتماء إلى الحكومة العراقية العربية الجديدة، ووافقت سليمانية على أن تخضع للإشراف المباشر من قبل المعتمد السامي البريطاني برسي كوكس نفسه أي أن بريطانيا هي التي أشرفت على المنطقة الكوردية (كوردستان) وليست الحكومة العراقية العربية الجديدة ولكن سرعان ما أعلن الشيخ محمود الحفيد، من جديد نفسه حاكماً عاماً للمنطقة الكوردية (كوردستان) الأمر الذي أثار استياء الإنكليز وغضبهم ثانية عليه.
وفشلت بريطانيا معه (الشيخ محمود الحفيد) مرتين، الأولى في عام 1918 فيما حاولت بعد تعيينه حاكماً للسليمانية، استخدام عدد من الضباط الكورد الذين خدموا في الجيش العثماني، للانضمام إلى جماعة الشيخ محمود الحفيد، وكانوا يحملون الشعارات الوطنية الكوردية مثل زملائهم الضباط العرب، لكي يخلقوا أحساساً من الوطنية الكوردية عند جماعة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، أما التجربة البريطانية الثانية معه فهي عام 1922 عندما قام الشيخ محمود الحفيد أبعاد الضباط الكورد وتعيين أقاربه في الوظائف العامة بالسليمانية واتصاله بالأتراك؛ وهو ما سبب عداء بريطانيا ضده وأبعاده نهائياً عن العراق العربي في عام 1923، لهذا نلاحظ أن بريطانيا كانت حريصة على تقريب شيوخ المنطقة الكوردية كوردستان إليها ودعمهم ورفضت أية محاولة من أجل استقلال هذه المنطقة (كوردستان) وانفصالها عن جسم العراق العربي الجديد، ليس دفاعاً عن العراق الجديد العربي بل حماية لمصالحهم (بريطانيا).
2- مؤتمر القاهرة آذار 1921م والمسألة الكوردية في كوردستان العراق
كان هدف مؤتمر القاهرة الذي عقد في 12 - 24 آذار 1921 في الأساس هو رسم سياسة بريطانية أقل كلفة في الشرقين الأدنى والأوسط، وإلى إيجاد إشراف موحد عليها، بدلا من تعدد مراكز السلطة وانقسامها بين وزارات الخارجية البريطانية والهند والمستعمرات البريطانية وأنيطت هذه المهمة بونستن تشرشل، الذي كان حينذاك وزيراً للمستعمرات البريطانية لترؤس أعمال هذه المؤتمر (القاهرة) والذي تقرر فيه نقل شؤون العراق العربي الجديد من وزارة الهند البريطانية إلى وزارة المستعمرات البريطانية. وفيما يتعلق بالعراق العربي الجديد كان النقاط الأساسية التي طرحت في المؤتمر (القاهرة) تتحدد بالتخفيض العاجل في المصروفات البريطانية، وهذا يعني إعادة النظر في السياسة تجاه العراق العربي من خلال تحديد مستقبل العلاقة بين الدولة الجديدة العراق العربي وبريطانيا واختيار العاهل لعرش العراق ملكا وبين الأسماء المطروحة أمام صانعي القرار البريطاني وتحديد طبيعة التشكيلات الدفاعية للدولة العربية العراق الجديدة. أما عن آخر القضايا التي تتصل بالعراق العربي الجديد تحديداً فهي تحدد بوضع المناطق الكوردية كوردستان وعلاقتها بالعراق العربي وتم تحديد الوفد الذي يمثل العراق الجديد إلى المؤتمر(القاهرة)، وكان برئاسة برسي كوكس المعتمد السامي البريطاني والقائد العام للقوات البريطانية الجنرال ايلمر هالدين وساسون حسقيل وزير المالية وجعفر باشا العسكري وزير الدفاع بصفة مراقبين. ولم يتوصل المؤتمر (القاهرة) إلى خيار أو سياسة واحدة: فقد ناقش سياسيتين بديلتين هما: أولاهما أن المناطق الكوردية (ولاية الموصل) ذات الاغلبية الكوردية يجب أن تعد جزءاً من العراق العربي الجديد. وثانيهما أن المناطق الكوردية (كوردستان العراق) ولاية الموصل يجب أن تشجع على الانفصال بدولة كوردستان. ولكن كانت موازنة الرأي في صالح الاتجاه الأول وخرج المؤتمر(القاهرة) برأي موحد هو الاعتراف بوجود تمييز بين القوميتين العرب والكورد بالنسبة للإجراءات الإدارية ومعاملة الكورد باللطف وأخذ رغبتهم في الانضمام إلى حكومة العراق العربي الجديد وللتوثق من رغبة الكورد في الاندماج بالعراق العربي الجديد أو الانفصال عنه وفضلت الغالبية داخل المؤتمر (القاهرة) ارتباط هذه المنطقة الكوردية كوردستان بالعراق العربي الجديد، مع تنظيم إجراء خاص للإدارة الكوردية؛ كما أن برسي كوكس عقد مؤتمراً (للخبراء المحليين) عند عودته إلى بغداد من القاهرة، فطلبت غالبية الآراء فيه الانضمام إلى العراق العربي الجديد مع اتخاذ إجراء خاص للإدارة التي سميت (بالانكو - الكوردية)، ولكن لم تحسم أياً من السياستين المطروحتين حتى بعد إنتهاء أعمال المؤتمر(القاهرة)، وشدد برسي كوكس على أهمية الاختيار الأول وليكون أكثر جاذبية من أي بدل قد يطرحه الكورد وأن يرضي الكثير من القوميين الكورد الطموحين من الأكراد لذلك فانه سوف يتطلب تغيراً، كما أكد المؤتمر (القاهرة) أنه من غير الممكن منح معاملة موحدة إلى جميع المناطق الكوردية التي قسمها إلى أربع مجاميع. أ- شمال الزابين / الزاب الأعلى والأسفل. ب- المنطقة شبه الجبلية المتمركزة على أربيل الواقعة بين الزابين. ج- المناطق الجبلية بين الزابين عموماً إلى الزاب الأعلى. د- السليمانية. وقال برسي كوكس "أن دهوك وعقرة قد عبرتا عن كرههما لأي تغيير في المنطقة الحالية؛ إذا استمر القائممقام في أن يكون إنكليزياً يعمل بصورة مباشرة مع الحكومة العراقية العربي الجديدة، ويحتفظ المعتمد السامي البريطاني بصورة محدد في تعيين الموظفين المحليين" واقترح أن تكون زاخو مركز متصرف (المحافظ) الكوردي الجديد (مجموعة واحدة) وقد أدرك بأن هذه المناطق كانت مرتبطة إدارياً بمتصرفية الموصل) وأضاف:
(في الحقيقة أن جميع شرايين الاتصال تمتد إلى الشمال أو باتجاه الموصل، إذ لا توجد هناك اتصالات وطنية كوردية متقاطعة مع السليمانية، وبالنتيجة لا توجد أي محاولة حالية لإجبار تلك المناطق الكوردية، وخاصة العمادية، على الالتحاق بالوحدة الكوردية (كوردستان) أما في رواندوز أو السليمانية سوف تقودها (كما يقول برسي كوكس) إلى أن ترتبط نفسها مع كوردستان العراق).
وقال برسي كوكس "إن الموصل هي مدينة السوق الطبيعي بالنسبة لهم (الاكراد)، ومن المحتمل أن تكون الثانية هي الأفضل بالدرجة الثانية، أن النتيجة التي تم الوصول إليها بعد التفكير بهذه الأجوبة، كانت بالنسبة للحد الأقصى الحالي هي أننا نستطيع أن نعمل فيما يتعلق بهذه المجموعة في نهاية المدة ولنقل ثلاث سنوات، ففي خلال ذلك الوقت ربما تعمل السليمانية الكوردية (مجموعة واحدة) على إعادة النظر في قرارها وتعمل على الارتباط بالمنطقة" الكوردية (كوردستان العراق).
(أما في ما يتعلق بالمجموعة الثالثة فإن "المنطقة (كوردستان) في الوقت الحالي ليس تحت السيطرة الإدارية وأن النشاط التركي منتشر ضدها" "أنني خرجت من مؤتمر القاهرة بانطباع مختلف نوعاً ما عن توازن الآراء هناك وبالإشارة إلى سياستنا الكوردية، (وأضاف) تصورت أنك وافقت على الوسيط بين البديلين في الجزء الأول من برقيتك، وقبلت بضرورة عمل اختلاف واضح منذ البداية بين ذلك الجزء الأول من العراق العربي الجديد والذي يجب أن تتحكم فيه بنفسك مباشرة في الوقت الحاضر مهما تكن نهايتها وبين ذلك الجزء الذي يجب أن يقع في الآخر تحت سيطرة الحكومة العراقية العربية الجديدة في أي حال من الأحوال وأشار برسي كوكس في برقية لونستن تشرشل (طلبت منك في برقتي المرقمة (109) في الخامس والعشرين من أيار 1921 حول موضوع الضرائب إذا فكرت بأن كركوك يجب أن تعامل كجزء من كوردستان أو كجزء من العراق العربي الجديد يجول في خاطري صورة الدولة الثانوية التي تتألف مع العناصر غير العربية والمتداخلة بين العراق الجديد وتركيا الحديثة وهذا يعني أن بريطانيا أبعدت منطقة كركوك عن مناطق العراق الكوردية لأهميتها). وأضاف:
"أنني أدرك تماماً الصعوبات المحلية التي يجب أن تكافح معها، ولقد أعطيت أهمية كاملة للمناقشات التي قدمت من قبلك ولكنني لا استطيع رؤية طريق في قبول نتائجك دون تفكير بعيد بعد تقسيم مناطق العراق الكوردية إلى أربع مجموعات تعطي التوصيات إلى المجموعات واحد، ثلاثة، وأربعة ولكن ليس واضحاً تماماً ما اقترحته للمجموعات الثانية وفيما يتعلق بالمجموعات الرابعة فمن الممكن تحقيق رغباتك بدقة، أن برقيتي المرقمة (153) لم تفكر في أن المصالح المالية حقاً مجموعة واحدة، وفصل قسم من السليمانية من أجل التناسق لقبول الترتيب الذي يكون أقل اختلافاً من ذلك والذي تجبرنا الظروف على أن نتبناه من أجل المجاميع الأولى والثانية على أية حال فأن هناك طلب كوردي مهم للانفصال عن الخطوط التي تقترحها، وأني أقترح الآن العمل وفقاً لذلك إذا انضمت المجموعة الثالثة فأنك سوف تحصل على مقاطعة كبيرة ومحكمة تماماً يتألف الأكراد فيها من قسم السليمانية الكامل والمناطق الجبلية في قسم اربيل سوف تعمل الترتيبات هناك للتوصل إلى إدارة كوردية وتحت إشراف مباشر بريطاني وليس عن طريق وزير عربي في بغداد، وكذلك سوف يختم بترتيب يكون نوعاً ما على شكل اتفاقية وذلك تجنباً لضرورة وضع الحواجز غير الجاهزة بين العراق العربي الجديد والسليمانية الكوردية) وأضاف في تعليقاته على مقررات مؤتمر القاهرة (أن التفاصيل تتطلب فحصاً آخر ولكن أرجو أن تكون الخطة عملية إلى الحد الذي تكون فيه بعيدة عن الحفاظ عن الأمن الذي سوف يكون جاهزاً عن طريق نظام التجنيد في جميع المناطق الكوردية (كوردستان) في العراق الجديد أن المقاطعة الجديدة (كوردستان) سوف تكون قادرة على أن تعيل نفسها بنفسها في البداية).
وأضاف برسي كوكس في برقيته لونستن تشرشل (أن التعبير عن أي رغبة عفوية في هذه المناطق من أجل الالتحاق بالدولة الكوردية قبل انتهاء ثلاثة أعوام سوف يكون من السهل مواجهتها، ولكن لا اعتقد في البداية سوف يكون من غير الملائم اقتراح مدة قصيرة في الوقت نفسه فأن من رأي بأن اقتراحي سوف يشيع الطموحات الكبيرة لكثير من القوميين الكورد المتقدمين هنا.
لقد تأثرت كثيراً بأهمية اتخاذ القرار الصحيح الآن إلى الحد الذي قررت فيه أن أحصل على النصيحة والخبرة من (الميجر سون والعقيد لونكريك) الضابطين السياسيين البريطانيين.
وذلك للاستفادة من وجودهم في هذا البلد السليمانية، ولقد نوقش السؤال بأكمله وبصورة شاملة معهم وأن آرائهم تعزز رأيي السابق أن السياسة التي تحتم علي أن أكون سعيداً برأيك المهم قبل أن أصدر الحكم النهائي هي كما (إن المقياس لتعزيز خط الحدود بين المناطق الكوردية (كوردستان) الذي يدار بالتعاقب من قبلك ومن قبل الحكومة العراقية العربية الجديدة يجب أن يكون الى الحد العرقي للمناطق العربية الصرفة بدلاً من ذلك الحد العرقي للمناطق الكوردية الصرفة وأن مدن (إربيل، وكفري وكركوك) هي ليست مدن عربية صرفة بالرغم من الاكثرية الكوردية فيها وكونها ليست كوردية صرفة، ولقد نصحت بأن الموقف السياسي من المحتمل أن يكون سهلاً عند انسحاب الحامية الإنكليزية، وإذا استبدلنا بوحدات تكون تحت سيطرة الضباط السياسيين الإنكليز بدلاً من جيش العرب أن هذا يبدو لي سياسة دقيقة تختلف عن وجهة نظرنا أيضاً) كما أشار برسي كوكس في برقية إلى ونستن تشرشل (أننا نقترح أن نعطي الحكومة العراقية العربية مساعدة حرة وأن من رأي أنه من غير المحبذ أن تمتد تأثيراتها إلى المناطق الكوردية غير العربية أن موقفنا (بريطانيا) كقوة انتدابية يجعلنا ملزمين من الهجوم المعادي ولن يكون من الصعب إقناعهم بأن من اجل أن نفعل هذا بشكل فعال فأننا نفكر في إنشاء قوة حدودية تحت سيطرة الضباط السياسيين الإنكليز في المناطق الكوردية (لقد قررنا في النهاية أن تكون تحت سيطرة الضباط السياسيين الإنكليز وحدات غير العربية وأن هذه القوة الحدودية يجب أن تتألف من التركمان والأكراد والآثوريين).
أما برقية وزير المستعمرات (ونستن تشرشل) الجوابية فقد تضمنت ما يأتي: "أنني أقترح أن المقاطعة الكوردية غير العربية يجب أن تبدأ بحدود يمتد من (سهل شهرزور) ويدور حول الموصل ويتبع الحد العرقي للسكان العرب الصرف وإلى أسفل نحو ركن الحدود الإيراني الذي يقع في جوار نقطة (منطقة) كلار يجب أن تنظم هذه المقاطعة بثلاثة أجزاء مستقلة.
الجزء الأول: يشمل المنطقة الواقعة شمال غرب الزاب الكبير.
الجزء الثاني: لكركوك.
الجزء الثالث: للسليمانية أن هذا الجزء الموجود قد يمتد قليلاً ليشمل العناصر الكوردية الموجودة في وسط ديالى إلى الشمال (قزلرباط) والعناصر العربية الموجودة حالياً في جزء كركوك سوف تتقسم بين سامراء والموصل يجب أن يكون من السليمانية وكركوك متصرفين وكل منهم لديه (مرشد) إنكليزي يتصل مباشرة معك (المعتمد السامي البريطاني) من الممكن السيطرة على الجزء الشمالي من الموصل وإذا كان ضرورياً فعن طريق ضابط سياسي بريطاني أو عن طريق المرشد الإنكليزي إلى المتصرف والذي بهذا سيؤدي وظيفة مزدوجة مشابهة لوظيفتك، وأضاف ونستن تشرشل في تعليماته إلى برسي كوكس من أجل تنفيذ قرارات مؤتمر القاهرة. بقوله (أنني أميل بشدة إلى المعلومات التي أمامي لا اعتبر هذا هو الحل الصحيح أن الأجزاء الثلاثة الكوردية سوف تصبح في أي وقت (حرة) أما لتبقى مستقلة عن بعضها بعض أو لتنظيم لواء او الوية واحدة لجنوب كوردستان إن بإمكانك أن تحصل على ضابط سياسي بريطاني لمساعدتك وخاصة مسؤول عن مهمة الحفاظ على الاتصال مع الأجزاء غير العربية أو في تحسن الاتصالات فيما يفكر فإن ضابط السياسي إنكليزي واحد قد يوضع في كركوك أو أي مكان آخر في منطقة كوردية غير عربية وأن يكون مسؤولاً عاماً عن المرشدين الثلاثة).
ويتضح من خلال دراسة هذه البرقيات الواردة في هذه الوثيقة أن بريطانيا تمسكت بموقفها الذي رسمته في مؤتمر القاهرة، وذلك بإدارة هذه المنطقة (كوردستان) بشكل مباشر، ورفض كل محاولة للانفصال، والدفاع عن وحدة العراق الوطنية، وهي دفاع عن مصالحها المالية والسياسية وبأنها (كوردستان) ليست مدناً عربية خالصة.
وعدت هذه الوثيقة مدن (اربيل، كفري، وكركوك) ذات الاغلبية الكوردية ليست مدناً كوردية صرفة كما تعكس هذه الوثيقة وغيرها كيفية استغلال القضية الكوردية للضغط على الحكومة العربية الجديدة من أجل إجبارها على اتخاذ مواقف تنسجم مع إراداتها ورغباتها في عقد المعاهدات الثنائية. وأصدرت بريطانيا بياناً في 11 أيار 1921 بعد انفضاض أعمال المؤتمر (القاهرة) حول المنطقة الكوردية (كوردستان) جاء فيه (أن المعتمد السامي البريطاني في بغداد يرغب في التحقق من أماني الكورد الحقيقة وإذا كانوا يفضلون البقاء في كنف الدولة العراقية الجديدة). وجاء فيه أيضاً:
وقد دعا برسي كوكس إلى إجراء الاستفتاء حيث ظهر كما أشار في برقيته إلى ونستن تشرشل في 2 حزيران 1921 أن المناطق الكوردية (كوردستان) وافقت عليه... باستثناء السليمانية.
3- مؤتمر القاهرة لا يقر بدولة كوردية مستقلة -كوردستان- (المسألة الكوردية بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921)
وجدت السلطات البريطانية أن الاستمرار في سياساتها الاضطهادية ضد الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية (شمال العراق)، وأتساع مساحة الانتفاضات والثورات الوطنية الكوردية لتشمل كوردستان (المنطقة الكوردية)، سياسة مكلفة بالنسبة لها، لهذا بدأت بعد مرحلة ما بعد مؤتمر القاهرة آذار 1921 مباشرة بأتباع سياسة بريطانيا الجديدة بإعادة الحقوق للشيخ محمود الحفيد الذي عاد فى منفاه إلى بغداد فى 21 أيلول 1922، ووعد الشيخ محمود الحفيد بمساندة السياسة البريطانية، ووعدوه بدعمه وبالحصول على المساندة من الحكومة العراقية العربية الجديدة في توحيد الكورد كما سمح الملك فيصل الاول لبعض الضباط الكورد بمساعدة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في تنظيم قوات المجندين الكوردية، ولكن ما لبث الشيخ محمود الحفيد، وبعد شهر واحد من وصوله إلى السليمانية التي كانت تحت الإشراف المباشر في ظل الانتداب البريطاني. وفي الوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الإنكليز حيث طلب الشيخ محمود الحفيد من الحكومة التركية الحديثة أن تعترف للكورد بالاستقلال الذاتي في كوردستان؛ ولكنها كانت ترغب تركيا باستقلاله (كوردستان) لكسب التأييد لها لاحتلال ولاية الموصل أما موقف الحكومة البريطانية من قضية تقرير المصير للشعب الكوردي، فكانت تحددها بشكل تام مصالحها الاستعمارية وجاءت هذه الإجراءات بعد فشل التوصل إلى اتخاذ أي قرار فيما يتعلق بالمسألة (القضية) الكوردية، ولما كانت المنطقة (كوردستان) من ناحية أخرى غير مؤهلة للحكم الذاتي، بسبب ضعف المستوى التنموي والثقافي داخل المنطقة (كوردستان)؛ لهذا وجد مؤتمر القاهرة آذار 1921 بضرورة اتخاذ الإجراءات لمنع إثارة المشاكل أمام الإدارة البريطانية وحكومة العراق العربي الجديد ودعا مجلس الوزراء في جلسته 7 شباط 1921 إلى ضرورة أن يكون الكورد جزءاً لا يتجزأ، من العراق العربي الجديد وشعبه. ولقد أصدرت الحكومتان البريطانية والعراقية العربية بياناً نهاية كانون الأول 1922 بهدف التأثير على سير المفاوضات في مؤتمر لوزان تموز 1923م قالت فيه (تعترف حكومة جلالته البريطانية وحكومة العراق العربي الجديد بحق الأكراد القاطنين داخل الحدود العراقية في تكوين حكومة كوردية مستقلة ضمن تلك الحدود العراقية تأملان بأن تتوصل العناصر الكوردية المختلفة فيما بينها قدر الإمكان إلى الالتفاف حول الشكل الذي ستتخذه حكومتهم ودولتهم الكوردية والحدود التي ستمارس ضمنها اختصاصاتها، وترسل هذه العناصر إلى بغداد ممثلين مسؤولين عنها لمناقشة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين البريطانية والعراقية العربية).
ويقصد من ذلك منح هذه المنطقة(كوردستان) شكلاً من الحكم الذاتي المرتبط ببغداد وحكومته الجديدة.
وبعد توقيع الاتفاقية البريطانية العراقية والتي نشر البروتوكول الخاص بها في 30 نيسان 1922 تنازل المعتمد السامي البريطاني عن خطته السابقة في حكم السليمانية حكماً مباشراً من قبله ووضع خطة بالمشاركة مع الحكومة العراقية العربية الجديدة، تقوم على أساس إخضاع المناطق الكوردية (كوردستان الجنوبية/العراق) لحكومة بغداد العربية على أساس نظام السيطرة المشتركة؛ ووافقت الفئات الكوردية المتنفذة الميالة للإنكليز عليها، والاتفاق على بعض القوات الإنكليزية لمنع عودة الشيخ محمود الحفيد إلى السليمانية. وفي آذار 1924 قام الشيخ محمود الحفيد بمهاجمة القوات البريطانية، وإثارة السكان الكورد ضدها (بريطانيا)، وتجددت عملياته للثورة الكوردية في أيار 1925، حيث قامت بريطانيا بتهديد الشيخ محمود الحفيد بقصف السليمانية، وفعلت ذلك؛ أن رفض إنذارها الذي حددته إلى نهاية أيار 1925 هو ما أدى إلى هرب (22) ألف مواطن كوردي من سكانها (السليمانية) ولم يبق بداخلها سوى (750) شخصاً جراء هذا القصف البريطاني وبالرغم من ذلك قامت انتفاضة وثورة كوردية في قرية قره داغ في صيف 1925. ولكن حتى إخماد انتفاضة الشيخ محمود الحفيد، قامت الحركة الكوردية بمطالبة الحكومة العراقية العربية الجديدة بتنفيذ المطالب للشعب الكوردي ففي بداية عام 1929 قدم ستة من النواب الأكراد في البرلمان العراقي، طلباً إلى رئيس الوزراء العراقي ودار الاعتماد البريطانية يطالبون بإنشاء لواء (محافظة) كوردية جديدة وتكون دهوك مركزه الإداري، وتخصيص 20% من مدخولات الحكومة لتحسين المناطق الكوردية (كوردستان) وتطورها وسحب القوات الحكومية من كوردستان العراق وإقرار التعليم الإلزامي باللغة الكوردية وإدخال أثنين من الأكراد في الحكومة العراقية. وقد رفضت الحكومة العراقية هذه المطاليب، وعندما اقترب الانتداب البريطاني من نهايته وقرب التوصل على معاهدة جديدة كانت معاهدة 1930 وجدت الحركة الكوردية أنها لم تتطرق إلى حقوق الشعب الكوردي في العراق العربي الجديد فطلبت تفسيراً لذلك وكان التبرير البريطاني هو أن المعاهدة 1930 بين دولتين صديقتين لا يمكن أن تنطوي على شروط تقيد أحد الجانبين في سياسة إزاء الأقليات والقوميات ولكن هذا التفسير لم يقنع الحركة الكوردية فطلبت عصبة الأمم المتحدة، كشرط من الشروط لدخول العراق العربى عصبة الامم منها استعمال اللغة الكوردية للشعب الكوردي فى كوردستان العراق (ولاية الموصل) ذات الاغلبية الكوردية وتعيين الموظفين الأكراد ولكن ظلت هذه الضمانات حبراً على ورق.
وقد طمأن جعفر باشا العسكري (الكوردي الاصل) وجهاء الكورد في كل من إربيل وكركوك والسليمانية حين أجتمع بهم بوصفه وكيلاً لرئيس الوزراء نوري السعيد باشا (الكوردي الاصل) في 10 آب 1930 وقال (أن الحكومة العراقية الجديدة قررت بعد أن تأخذ بالحسبان الوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها لتطمين رغبات أخواننا الأكراد وهي عازمة على أن تعمل على أساس ليس فقط قبل 1922 وإنما بعد هذا التاريخ أيضاً). وجاءت هذه التطمينات بعد سلسلة العرائض والاجتماعات التي عقدها ممثلي الكورد مع عصبة الأمم حول مطالبيهم وبسبب عدم إشارة معاهدة 1930 لهذه الحقوق للشعب الكوردي كما أصدر وكيل المعتمد السامي البريطاني بياناً قال فيه (فيما يتعلق بالحكومة البريطانية فأنها مقتنعة بأن الحكومة العراقية الجديدة العربية ستفي بشكل كامل تجاه الشعب الكوردي بالالتزامات التي أخذتها الحكومة البريطانية على عاتقها أمام عصبة الأمم وبأن هدفها الوحيد هو إنشاء دولة عراقية حرة ومستقلة ترتبط معها بروابط الأخوة القومية ووحدة المصير المشترك وتكون عضواً في عصبة الأمم على قدم المساواة معها أنها لن تساند بأي شكل النشاط الذي يمكن أن تعده غير منسجم مع هذه السياسة كسعي الشعب الكوردي والأكراد للانفصال وبسبب تطابق وجهات النظر البريطانية العراقية فضلاً عن مصالح دول الجوار تم تجاهل مطلب الشعب الكوردي والحركة القومية الكوردية واستغلت بريطانيا الورقة الكوردية طوال مدة الانتداب البريطاني على العراق العربي الجديد أداة ضغط على الحكومة العراقية الجديدة وإثارة الصدام بينها وبين الكورد من أن تكون أكثر متساهلاً لتشديد تبعيتها إلى السلطات البريطانية.
4- الحركات والثورات الكوردية وموقف دول الجوار منها
ومن الأمور التي نظر إليها مؤتمر القاهرة في آذار 1921 كانت الحركات والثورات الكوردية وموقف الدول خاصة دول الجوار منها (إيران، تركيا) التي اهتمت بريطانيا كثيراً بمتابعتها فيمكن القول أن حركات وثورات الكورد على العموم قد تأثرت إلى حد كبير بالتركيب الاجتماعي للمجتمع الشعب الكوردي الذي يسوده الإقطاع وهو ما هيأ للعناصر الإقطاعية الكوردية فرصة البروز وتسلم قيادة العمليات السياسية والعسكرية وتوجيهها نحو أهدافها القومية الكوردية وهذه الصور متشابهة في كل الدول التي تضم بين أبنائها الكورد كالعراق وتركيا وإيران وسوريا.
ولهذا كانت حركات وثورات الأكراد في هذه الدول محدودة الفوائد في تحقيق الأهداف العامة للشعب الكوردي وتعاونت مع الإنكليز بعد أن وعدوهم (الشعب الكوردي) بالوطن (كوردستان) بالأسلوب نفسه الذي وعدوا به العرب بالحرية والاستقلال وبعد تقسيم الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا، طالب الشعب الكوردي بتأسيس دولة كوردية مستقلة (كوردستان) تحت الإشراف البريطاني.
غير أن الإنكليز ترددوا في تنفيذ وعودهم وأجهضت حركة وثورة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ونفي إلى الهند عام 1919، وعندما عقدت معاهدة لوزان عام 1923 لم يرد فيها أية أشارة للشعب الكوردي وفي الوقت الذي واجه فيه الكورد القاطنون في تركيا وإيران اضطهاداً قومياً وثقافياً وإدارياً، عاشوا في العراق في ظل أجواء سلام وأمن وأقرت حقوق الكورد في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921م وتشريع دستور (21 آذار 1925) وصدر لهم قانون اللغات المحلية عام 1931 ولهذا عارضت دول الجوار (تركيا وإيران) كل هذه القوانين ووقفت ضد قيام العراق الجديد بإعطاء أي شكل استثنائي للكورد في كوردستان العراق الجديد (حقوقهم القومية)، وهناك الكثير من الوثائق التي تعكس السياسة المزدوجة لبريطانيا إزاء الكورد الأتراك فهي تساندهم بالتعاون سراً مع اليونانيين ضد الكماليين الترك وتعاملها مع الشخصيات الكوردية في دول الجوار وتعكس هذه الوثيقة حقيقة ذلك:
"ومن وكيل المعتمد السامي البريطاني إلى المعتمد السامي البريطاني بغداد أرسلت في 5 تموز 1921 رقم 31.
برقيتكم المؤرخة في 20 حزيران 1921.. أرسلت إليك نسخة من برقيتي رقم 476 إلى وزارة الخارجية المتعلقة باتصالات اليونانيين المزعومة مع الكورد من خلال مصطفى وهاكي بي، وكذلك برقيتي رقم 521 بتاريخ 25 مايس 1921 أعلمكم فيها الطلب الأكيد للبدرخانين الكورد أن حكومة صاحب الجلالة لن تساند الحركة الوطنية الكوردية ضد الكماليين (تركيا) الاتراك بالتعاون سراً مع اليونانيين لقد رفضنا أن يكون لنا أي شيء في هذا الاقتراح، وأيدت وزارة الخارجية هذا الرأي، التقارير العاكسة التي تستمر بالوصول إلى القسطنطينية، وتتعلق بالعصيان الكوردي في الشمال غرب كوردستان. أنه من الواضح أنها من الكبر بحيث أنهم تشغلهم في أنقرة ولكن السلطات الوطنية تزعم أن العمليات التأديبية لنور الدين باشا القائد التركي تكللت بالنجاح".
5- بريطانيا وتأسيس دويلات كوردية مستقلة في إيران وتركيا
وحول الموضوع نفسه (التطورات السياسية لمنطقة كوردستان) خارج العراق، والتي تتصل بتأسيس دويلات كوردية مستقلة منفصلة داخل دول الجوار، حيث لم تشجع بريطانيا مثل هذه التوجهات، وكانت تعمل من خلال ضباط سياسيين بريطانيين إلى عقد اللقاءات مع ممثلي هذه الحركات الكوردية على الحدود. وتقول الوثائق التي استعرضت هذه التطورات والمواقف أن الهدف من هذه اللقاءات الاستفادة من فرص التأكد من نواياها لضمان تنفيذ لسياسة بريطانيا في مؤتمر القاهرة آذار 1921م.
ومن الوثائق التي قامت دار الاعتماد البريطانية في بغداد بإرسالها إلى ونستن تشرشل بواسطة سكرتير وزارة المستعمرات البريطاني، حول هذه القضية التي أخذت اهتماماً كبيراً من قبل الإنكليز خاصة بعد قيام ثورة كوردية بقيادة سيمكو آغا الشكاك في إيران. أشارت برقية إلى المعتمد السامي البريطاني تحمل العدد (191) في 5 أيلول 1921 ومما جاء فيها (أن الرسائل التي كانت آخرها برقيتي المرقمة (52) والمؤرخة في الثاني والعشرين من نيسان 1921 ذكرت أن سيمكو آغا الشكاك قد تمرد ضد الحكومة الفارسية، وعلى الرغم من المعلومات المباشرة صعب الحصول عليها، يظهر بأن سيمكو قد نجح في تأسيس كيان كوردي شبه مستقل نوعاً ما في المنطقة (أوروميا) ولقد كانت هناك ثمة إشاعات غير مؤكدة، بعد مدة وجيزة من سقوط (ضياء الدين) عن محاولات لتأسيس اتحاد كوردي يهدف إلى تأسيس دويلات كوردية منفصلة في حالة حدوث مؤامرة روسية ينجم عنها تفتيت إيران إلى عدة دويلات صغيرة). وقال المعتمد السامي البريطاني في برقيته (أنني اقترح أننا في الوقت الذي نرفض فيه المحادثات الروسية مع المسؤولين الأكراد داخل حدودنا الاستفادة من الفرص التي أدى عن نواياهم ولاتخاذ ذلك الإجراء عاجلاً حيث يقتضي الحال لضمان أمن حدود العراق). وكانت هذه الدول (روسيا) تقوم بالرد على الإشاعات أو ما يتعلق بأهداف هذه الحركات والثورات الكوردية.
الفريق الركن الدكتور عبد العزيز المفتي عمان كانون أول 2013
الهوامش
(1) د. ياسين طه ظاهر العسكري، المفصل (في تاريخ العراق المعاصر)، مجموعة باحثين، ص 811.
(2) للمزيد من التفصيلات: ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900 إلى سنة 1950، ط1، ج1، ترجمة سليم طه التكريتي، 1988، ص 37؛ البرت متشاشفيلي، العراق في سنوات الانتداب البريطاني، ترجمة هاشم صالح التكريتي، جامعة بغداد 1978، ص 151.
(3) متشاشفيلي، المصدر نفسه، ص 301.
(4) في هذه الرسالة كان الجنرال روس يتحدث عن الصراع الكردي في إيران ومطالبة حكومته بالتدخل بعد النجاحات التي حققتها الحركة الكردية في إيران. أنظر: S. S. Gavan’s. Kurdistan, Divided nation at the Middle East, London 1985, P. 23.
(5) K. Kruger, Kemalist Turkey and the Middle East, P. 175.
(6) K. Kruger, Kemalist Turkey and the Middle East, P. 175.
(7) لونكريك، مصدر سابق، ص 162.
(8) العراق في سنوات الانتداب البريطاني، مصدر سابق، ص 38.
(9) المصدر نفسه، ص 306.
(10) Waheed, A, The Kurds and their Country, A History of the Kurdish people from Earliest Times to Present, Lahore, 1955, P. 158.
(11) العراق في سنوات الانتداب البريطاني، ص 309.
(12) المصدر نفسه، هامش ص 311.
(13) المصدر نفسه، هامش ص 312.
(14) هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، ط1، ج2، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، مطبعة الفجر، 1989، ص 365.
(15) Phebe Marr, The Modern History of Iraq, Westview Press, London 1985, PP. 37-38.
(16) فيليب ويلارد إيرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، نقله إلى العربية جعفر الخياط، دار الكشاف للنشر والطباعة، بيروت 1949، ص 242 - 243.
(17) حول أسماء المرشحين لعرش العراق، انظر: إيرلاند، المصدر نفسه، ص 237 - 242.
(18) Co. 730 – 2.7960, Tel. From the High Commissioner for Mesopotamia to the Secretary of State for the Colonies, 12 June 1921, P. 138.
(19) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ط1، بيروت، 1971، ص 2.
(20) Co. 730, 7760, op. cit, p. 132.
(21) اشترط مؤتمر القاهرة آذار 1921 من أجل تنفيذ قرار بتقليص القوات البريطانية العاملة في العراق العربي الجديد تشكيل قوات للمرتزقة سميت بقوات الليفي (Levies) وتولى المعتمد السامي البريطاني قيادة هذه القوات مباشرة والإشراف عليها، وتألفت هذه القوة في البداية عام 1922 من أربع سرايا ومثلها من الخيالة وبطارية غير آلية وفوجي مشاة وثلاثة حظائر رشاشات. للمزيد من المعلومات انظر: د. ك. و، البلاط الملكي 311/2509، ملف قوات الليفي، ملف 3/1/6 في 11/8/1921؛ ورياض الحيدري، الآثوريون في العراق 1918-1936، طبعة القاهرة 1977، ص 149.
(22) F. O. 371, 14521 – 5247, op. cit. وكتاب دار الاعتماد حول المنطقة الكردية في 6 أيار 1921.
(23) Co. 730. 28077, op. cit. برقية المعتمد السامي البريطاني إلى وزير المستعمرات المرقمة 135 في حزيران 1921، ص 39.
(24) العراق في سنوات الانتداب البريطاني، مصدر سابق، ص 321.
(25) هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، مصدر سابق، ص 375.
(26) لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900 إلى سنة 1950، مصدر سابق، ص 214.
(27) العراق في سنوات الانتداب، المصدر نفسه، ص 324.
(28) المصدر نفسه، ص 327.
(29) المصدر نفسه، ص 327.
(30) التقرير البريطاني المقدم إلى هيئة الأمم عن سير الإدارة في العراق لعامي 1923 - 1924، ص 24.
(31) المصدر نفسه، ص 333.
(32) Maine E., Iraq from Mandate to Independence, London 1930, P. 137.
(33) العراق في سنوات الانتداب، مصدر سابق، ص 334.
(34) Special Report by His Majesty's Government in the United Kingdom of Great Britain and Northern Ireland to the Council of the League of Nations on the Progress of Iraq during the period 1920 – 1931, London, 1931, P. 328.
(35) جورج حجاز، المسألة الكردية، دار القدس، بيروت 1975، ص 19 - 20.
(36) Co. 371. 6346, 2262, Copy of Telegram From the Acting High Commissioner to H. C. Baghdad, 2nd July 1921, P. 165.
(37) لقد قام سيمكو بثورة عام 1920 وعده الإيرانيون ببساطة قاطع طريق قبلي حافزه الطموح الشخصي، وقامت إيران بإجراءات شديدة وقاسية منها فرض عملية تهجير من أراضيهم الأصلية إلى أخرى. ظهر تنظيم (كومولد) في إيران أي (بعث كردستان) 1942، وبعد أربع سنوات أعلن القاضي محمد قيام جمهورية مهاباد عام 1946. عبد الرحمن قاسملو، كردستان والأكراد، بيروت، ص 98 - 107.