الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المراحل التي مرت بها مشكلة ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية – العراق) ذات الأغلبية الكوردية

من محاضرات «الكورد في ولاية الموصل» – 2015

حددت وزارة الخارجية البريطانية العاشر من حزيران 1924 موعداً أخيراً لقبول المعاهدة البريطانية العراقية لعام 1922 (1)، بعد أن وصلتها أخبار رفض التصديق وتأجيل الاجتماعات المتكرر في شهر آذار 1924م. وأشارت المعلومات إلى أن (كورنواليس)، مستشار بريطانيا في وزارة الداخلية العراقية، همس في أذن رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون ليخبره أن السير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق، لمس وجود تسهيلات في إبقاء ولاية الموصل (كوردستان العراق) للعراق عند وصوله إلى الأستانة، ولكن عندما سمع الأتراك بما دار من نقاشات داخل المجلس التأسيسي العراقي في آذار 1924 غيروا رأيهم وصاروا يطالبون بولاية الموصل (كوردستان العراق). وأضاف أن آخر المعلومات تقول إن الأتراك يرفضون إحالة الأمر إلى عصبة الأمم. وذلك ما أجبر الملك فيصل الأول على التدخل في التاسع من حزيران 1924م، ليقول لأعضاء المجلس التأسيسي (البرلمان) إنه لا وقت للعواطف، وأوحى لهم بأن قبولهم المعاهدة (1922) أنفع لمصلحة البلاد (2). وفي مخرج للأزمة رأى عبد المحسن السعدون في ليلة العاشر من حزيران 1924م أن يأخذ بتقرير جعفر العسكري، وهو رأي الحكومة العراقية، دون تقرير ياسين الهاشمي وسالم الخيون، وهو رأي المعارضة، ثم تم التصديق على المعاهدة (1922) (3)، التي سرعان ما أقرتها عصبة الأمم في السابع والعشرين من تموز عام 1924م (4).

الحوار البريطاني التركي حول ولاية الموصل (كوردستان العراق) (4–31 كانون الأول 1922م)

بدأت المراسلات بشأن قضية ولاية الموصل (كوردستان العراق) بين الطرفين البريطاني، الذي مثله وزير الخارجية اللورد (كيرزون)، والتركي، الذي مثله وزير الخارجية (عصمت إينونو باشا)، وهو من أصل كوردي، في الرابع من شهر كانون الأول 1922م، واستمرت حتى الحادي والثلاثين منه (5). تحدث اللورد كيرزون عن قضية الحدود بين ولاية الموصل (كوردستان العراق) وتركيا الحديثة، في حين كان عصمت باشا إينونو يتحدث عن استفتاء لتقرير مصير أهل ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وخاصة أبناء القوميتين التركية والكوردية، ورغبتهم في الانضمام إلى تركيا الحديثة (6). وهو ما رفضته بريطانيا التي عرفت حجم الدعاية التركية بين أبناء ولاية الموصل (كوردستان العراق)، التي كانت تستغل الدين الإسلامي ضد البريطانيين المسيحيين «الكفار». وسعت بريطانيا بكل جهد إلى دفع الطرف التركي، وفي تفكيرها أن أي لجنة لتقصي الحقائق تشكلها عصبة الأمم لحل إشكالية ولاية الموصل (كوردستان العراق) ستكون في صالحها، نظراً لتأثيرها بوصفها دولة منتصرة في الحرب العالمية الأولى، ولن يؤخذ برأي الجانب التركي المهزوم (7).

ومع استمرار الجدل بين الطرفين التركي والبريطاني، ركز الأتراك على القول إن سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) يطلبون العودة عاجلاً إلى أحضان تركيا الحديثة المسلمة (8)، في حين أنكر البريطانيون أن يكون الأكراد راغبين في الانضمام إلى تركيا الحديثة، لأن الأكراد ليسوا من العرق الطوراني التركي الذي ينتسب إليه الأتراك كما روّج له الاتحاديون الأتراك في نبذهم الدين الإسلامي. وأضاف اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، أن لغة الأكراد وعاداتهم تختلف عن لغة الأتراك وعاداتهم (9). ورد عصمت إينونو باشا، وزير خارجية تركيا، بأن الأكراد لا يختلفون عن الأتراك وإن كانوا يتكلمون لغتين مختلفتين، وأشار إلى أن الشعب الكوردي على استعداد لأن يتحمل أي تضحية، وأن الكورد سيكافحون ليكونوا جزءاً من تركيا الحديثة (10). واستثمر اللورد كيرزون البيانات التي بين يديه، وقد أعدها الضباط السياسيون البريطانيون طوال أربع سنوات وجددوها عام 1920م، ليقول لنظيره التركي عصمت باشا إينونو إن نفوس سكان ولاية الموصل الكوردية ما بين (80–90) ألفاً، وإن عدد العرب والأكراد يتراوح ما بين (50–60) ألفاً (11). وقال اللورد كيرزون إن أتراك ولاية الموصل (والمقصود التركمان في منطقة كركوك) ليسوا من الأتراك العثمانيين، فهم يسمون أنفسهم تركماناً، ولا يتكلمون لغة أهل إسطنبول، ومن المؤكد أنهم جاؤوا إلى العراق قبل أن يؤسس عثمان بك الإمبراطورية العثمانية، أو جاؤوا قوةً لمسك طرق المواصلات (طريق الحرير) بين إسطنبول وولاية الموصل وبغداد (12). وظهر جلياً من البيانات التي حملها الطرفان البريطاني والتركي مقدار الفارق في نفوس الأكراد والأتراك، إذ ادعى الطرف التركي أن الأكراد يؤلفون (4/5) سكان ولاية الموصل، في حين يؤلف العرب وغير المسلمين أقل من (1/5) سكانها (13). انظر الجدول رقم (1).

الجدول رقم (1): البيانات التي أوردها وزير الخارجية التركي عصمت باشا واللورد كيرزون وزير الخارجية البريطاني، كانون الأول 1922م (14)

الإثنيات البيانات التركية البيانات البريطانية
أتراك 146960 66000
أكراد 263830 455000
عرب 43210 186000
مسيحيون – –
يزيديون 18000 –
غير مسلمين 31000 –
يهود – 17000
المجموع 503000 786000

المصدر: الموسوعة العسكرية البريطانية.

وذكّر اللورد كيرزون، وزير خارجية بريطانيا، نظيره التركي عصمت إينونو باشا، الذي كان يتحدث بالنيابة عن رغائب سكان ولاية الموصل، ببياناته غير الدقيقة عن حجم العرب بالقياس إلى الأكراد والأتراك، وقال له إن الأكراد إيرانيون لأن لغتهم التي يتحدثون بها أقرب إلى اللغة الإيرانية (15)، وإنهم منحدرون من الماذيين (الميديين) أجداد الكورد، وإن أوصافهم فارسية أكثر مما هي تركية. أما عدد الأتراك الذي قدّره عصمت باشا إينونو فهو أكثر من ضعفي العدد الذي تحدث به كيرزون (16).

أصر وزير الخارجية التركي عصمت باشا إينونو على عدم عرض قضية ولاية الموصل الكوردية على مجلس عصبة الأمم، في حين رد نظيره البريطاني اللورد كيرزون بأنه متمسك بالمادة الحادية عشرة من ميثاق عصبة الأمم التي تقول: «إن أية حرب، أو أي تهديد بالحرب، سواء أكان يؤثر بصفة مباشرة في أي من أعضاء عصبة الأمم أم في غيرهم، فإنه من اختصاص العصبة، وإن عصبة الأمم سوف تتخذ أي إجراء يبدو حكيماً لصيانة سلام الأمم» (17). وفي هذه النقطة انضم ممثلو اليابان وفرنسا وإيطاليا إلى تأكيد قول اللورد كيرزون، دون الأخذ برأي عصمت إينونو باشا. وفي الحادي والثلاثين من شهر كانون الثاني 1923 أحالت بريطانيا موضوع ولاية الموصل (كوردستان العراق) إلى عصبة الأمم (18). ويعتقد الباحث أن النفوذ البريطاني في عصبة الأمم كان كبيراً، فبريطانيا هي الدولة المنتصرة في الحرب، وهي نفسها التي خاضت الحرب ضد الأتراك العثمانيين وطردتهم من ولاية الموصل (كوردستان العراق)، كما أنها هي نفسها تحتكم إلى عصبة الأمم لصيانة السلام الدائم، ولكن بالطريقة التي تريدها هي.

كوردستان في اتفاق سيفر (10 آب/أغسطس 1920)

تضمنت اتفاقية سيفر (1920)، فيما يخص كوردستان، بموجب المواد 62 و63 و64، ما يلي (19):

  1. فقدان تركيا الحديثة مناطق ما بين النهرين وجنوب شرق الأناضول وسوريا، وهي المناطق التي يقطنها الأكراد (كوردستان)، بالإضافة إلى المناطق العربية الأخرى التي كانت تحت سلطة العثمانيين.

  2. كان المقصود بكوردستان في اتفاق سيفر (10 آب 1920) المنطقة الواقعة جنوب شرق الأناضول، أي كوردستان الشمالية (تركيا) المركزية.

  3. منح الاستقلال الذاتي للأكراد في كوردستان تركيا، والتنويه بإمكان منحهم الاستقلال أيضاً إذا ما أثبت الشعب الكوردي رغبته في ذلك.

وكان الاستقلال الذاتي للأكراد، كما ورد في معاهدة سيفر (10 آب 1920)، مشروطاً بتحفظات قوية هي:

  1. استفتاء أهالي المنطقة الكوردية كوردستان (ولاية الموصل) فيما إذا كانوا يريدون الانفصال عن تركيا الحديثة أم لا.

  2. تعرض نتيجة استفتاء أهالي المنطقة الكوردية (ولاية الموصل – كوردستان العراق) على عصبة الأمم، لتقرر في ضوء ذلك ما إذا كان الأكراد في كوردستان جديرين بالاستقلال أم لا.

  3. إذا ما قررت عصبة الأمم جدارة الأكراد بالاستقلال في كوردستان، يبلغ ذلك إلى تركيا الحديثة التي عليها أن تنفذ قرارات عصبة الأمم في هذا الشأن، ولا يمانع الحلفاء عندئذ في انضمام أكراد ولاية الموصل إلى الدولة الكوردية المقترحة في كوردستان (20).

أما كوردستان إيران والجزء الكوردي من سوريا فقد استبعدا من الدولة الكوردية المستقلة المقترحة (كوردستان)، ولم ترد بشأنهما إشارة في اتفاق سيفر (10 آب 1920) (21).

وينشأ هنا سؤال: هل كانت بريطانيا وفرنسا مهتمتين حقاً، كما أكدت اتفاقية سيفر، بضمان حق تقرير المصير للشعب الكوردي في كوردستان؟ أم كان همهما الحقيقي الحيلولة دون اتساع الأثر الذي أحدثته ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا سنة 1917؟ لقد رأت الدولتان إقامة دولة متخلفة إقطاعية تكون بمثابة العازل بين تركيا وروسيا السوفيتية، ونقطة إستراتيجية محتملة ضد الاتحاد السوفيتي قريبة من حقول النفط في القوقاز. وقد أرعبهما التعاون بين الأكراد والكماليين الأتراك، فرمتا بهذه الخطة إلى فصل الأناضول الشرقي، أي كوردستان تركيا، فتضعفان بذلك موقف الكماليين الأتراك. وكان البريطانيون بوجه خاص يعتقدون أن هذه الدولة الكوردية في كوردستان ستكون لدى قيامها تحت نفوذهم، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تسعى إلى انتزاع ولاية الموصل من تركيا بصفة نهائية (22).

هجرة معاكسة للكورد من كوردستان تركيا إلى كوردستان العراق

أصبحت الأوضاع في المنطقة الكوردية من ولاية الموصل (كوردستان العراق) خلال عام 1925 وأوائل عام 1926 أكثر هدوءاً مما كانت عليه قبل سنوات. ففي محافظة السليمانية أدى فتح طرق المواصلات وبناء مخافر الشرطة ومقراتها إلى الحد من الحركات والانتفاضات الكوردية التي كان الشيخ محمود الحفيد ومن معه من الأكراد ينفذونها ضد القوات البريطانية والعراقية. ونظراً للعمل الذي قام به الجيش العراقي والشرطة العراقية، اضطر الشيخ محمود الحفيد إلى التسلل عبر مدينة حلبجة والمناطق الأخرى التي يديرها العراق العربي الجديد إلى داخل الحدود الفارسية (كوردستان إيران). كما أخفق الشيخ محمود الحفيد في كسب تعاون عشائر الجاف معه، ولم ينجح في كسب بعض العشائر الكوردية الأخرى.

ولم يعد في مدينة راوندوز الكوردية أي وجود لنشاط تركي مباشر، كما أن النزاع في منطقة بشدر الكوردية انتهى بمصالحة كانت لفائدة رئيس عشائر البشدر «بابكر آغا البشدري». أما على الحدود الشمالية مع كوردستان تركيا، التي كانت تمثل المظهر المهم لتلك الفترة، فإلى جانب الزيارة التي قامت بها لجنة التحقيق الأممية (لجنة تقصي الحقائق الأممية) ووصولها إلى تلك الحدود، وهجرة المسيحيين الذين طردوا من كوردستان تركيا الحديثة، كان هناك زخم من اللاجئين الأكراد الذين قدموا من المناطق الكوردية التي نشبت فيها الثورة الكوردية بزعامة الشيخ سعيد بيران في شهر شباط عام 1925، والتي أدى نجاحها المبكر إلى إقدام الأتراك على اقتراف أعمال انتقامية عنيفة ضد الأكراد.

وكانت الجماعات الكوردية التي نجت من انتقام الأتراك في كوردستان تركيا ونزحت إلى كوردستان العراق تحت قيادة ابن سيد قادر رئيس عشيرة «نيري»، وابن الشيخ سعيد بيران نفسه وأخيه. وقد تم توطين هؤلاء اللاجئين داخل كوردستان العراق الجديد في أماكن بعيدة عن الحدود.

وتوجهت جماعات واسعة من الأكراد في أواخر عام 1925، في ظل محاولة عراقية بريطانية لجذبهم، فاجتازت الحدود طالبة اللجوء إلى كوردستان العراق الجديد، أي إلى ولاية الموصل الكوردستانية. وكانت هذه الجماعات تضم أعداداً من عشيرة «ميران» بزعامة «نايف بك»، قدمت في شهر شباط 1926، وتم توطينهم في المنطقة الكوردية ذاتها التي اعتادوا الرعي فيها أثناء الشتاء على ضفاف نهر دجلة، كما تم في شهر تشرين الثاني عام 1925 توطين سبعة آلاف عائلة من عشائر الكويان الكوردية أيضاً.

وفي أعقاب هؤلاء جاء زهاء ألف شخص من المسيحيين الذين قدموا من منطقة طور عابدين الكوردية، في الوقت ذاته الذي توافد فيه، كما قيل، نحو عشرة آلاف شخص من الكورد من عشائر الآتروش الكوردية إلى منطقة العمادية في كوردستان، نتيجة ضغط القوات التركية التي قاتلتهم وأبعدتهم إلى هناك.

كانت المشكلة التي واجهتها السلطات العراقية العربية الجديدة نتيجة لجوء هذه الجماعات الكوردية غير المرغوب فيها، والمعدمة تقريباً، من المشاكل المعقدة بصفة خطيرة. وبصفة عامة كانت النظرة إلى المنطقة الكوردية من كوردستان العراق الجديد في هذه الفترة تبدو ملائمة، ذلك أن الأكراد لم يتأثروا بالانتفاضات والثورات الكوردية التي حلت في كوردستان التركية الحديثة. كما أن الإدارة الاعتيادية ذات النمط الأساسي سادت الولايات الكوردية الأربع (السليمانية وأربيل وكركوك ودهوك)، ما عدا منطقة صغيرة من محافظة السليمانية تقع عند الحدود مع بلاد فارس (كوردستان إيران).

وقدمت مكافآت ملموسة بسخاء إلى الأكراد المتشككين في موضوع استخدام اللغة الكوردية، والقانون الدولي، والإجراءات المطبقة، والمدارس، وتعيين الموظفين. فقد كان المئات من الأكراد يعملون في الدولة العراقية الجديدة في الوظائف المدنية والعسكرية من جميع المستويات. وهو ما ساهم في ظهور قوات مدربة من الجيش وقوات المرتزقة «الليفي» التابعة للحكومة في كل زاوية من الريف الذي كان الأكراد يعيشون فيه. وتم بناء الطرق أو إصلاح ما عطب منها، وفرضت الحراسة عليها، ومدت خطوط البرق، وشجعت تجارة التبغ، وتم تنظيم المؤسسات. وكانت للحكومة المركزية يد وقدم هناك، وأصبح الأمن عاماً. كذلك احتل النواب الأكراد مقاعدهم في مجلسي النواب والأعيان وفي الوزارة ذاتها. وبذلك أصبح اندماجهم التام في الدولة العراقية الجديدة أملاً ليس من المستحيل تحقيقه.

وعلى الرغم من الحنق الذي أصاب العراقيين من وجود الأقلية الآثورية المتمردة الجامحة التي تصعب إدارتها، فقد ظهر أن هؤلاء يجب أن يوطنوا في كوردستان العراق الجديد لا في مكان آخر. ولم تستطع البقية الباقية منهم، التي يقدر عددها بعشرين ألف شخص، أن تتمركز في مكان واحد، لأن العراق الجديد لم يكن يستطيع أن يوفر مكاناً وافياً مزروعاً لا يحتله أحد. وهكذا انتشرت مئات العوائل الآثورية من عشائر «باز» و«جيلو» في سهل الموصل، وفي منطقة التيارية العليا و«تخوما» في مناطق دهوك والعمادية، وكذلك التيارية السفلى حول «برواري بالا». وكان المؤمل فيما بعد أن يتم إيجاد مكان لتوطين نحو ألف أسرة في منطقة «برادوست» في قضاء راوندوز، وعدد أكبر من ذلك في منطقة «برواري زير». وجُمعت الأموال في لندن لمساعدة الآثوريين (23)، وزودوا بالبذور والماشية. كما أن ما كان يحصل عليه المنضمون منهم إلى قوات المرتزقة «الليفي» من مرتبات جعل كثيراً من عوائلهم تعيش معاً. غير أن احتفاظهم بهويتهم الآثورية بوصفهم أقلية، واعتزازهم بديانتهم وتقاليدهم المسيحية، كانا ينتقلان إلى من بعدهم، مثلما انتقلا طويلاً لدى الأقليات المسيحية الأخرى في العراق العربي الجديد.

وكان من الطبيعي أن يحدث انقسام بين أهالي ولاية الموصل عند قدوم لجنة تقصي الحقائق، بسبب اختلاف السكان وأوضاعهم الاجتماعية. فمنهم من كان يريد الرجوع إلى الحكم التركي بدافع أن دين الإسلام هو ما يجمعهم، دون الالتزام بحكم الإنكليز «الكفار» المدمنين على شرب الكحول. وكان على النقيض من الكورد المتدينين وجود الأقليات المسيحية واليهودية التي فضّلت بشدة الحكم الإنكليزي على الحكم التركي. والواقع أن الأكراد، الذين يؤلفون أكثر من (3/5) سكان ولاية الموصل الكوردية، كانوا على النقيض من الحكمين العربي والتركي، ربما باستثناء مجموعة من كبار الملاكين الكورد أصحاب المصالح الذين كانوا يريدون تبعية ولاية الموصل الكوردية لحكومة بغداد العربية. هذه هي حال الكورد والعرب والأقليات الأخرى، إلا أن الاستثناء الكبير في انجذاب الكورد إلى هذا الطرف أو ذاك هو أن أكراد السليمانية عارضوا أي وصاية عربية أو تركية، بل حتى الإنكليزية دون ضمانات. وما يجمع الأكراد مع الأتراك ليس أكثر من دين الإسلام.

وعندما قوض مصطفى كمال أتاتورك الخلافة العثمانية الإسلامية في آذار 1924، وصارت تركيا الحديثة علمانية، أصبح الأتراك دون رابط يجمعهم مع الكورد.

وقد وصفت مذكرة موقعة من رموز أهل السليمانية إلى عصبة الأمم ضم أكراد ولاية الموصل الكوردية إلى تركيا بأنه جريمة ضد حقوق الإنسان عامة وضد حقوق الكورد خاصة. وختمت المذكرة الأولى بالتماس من مجلس عصبة الأمم أن يساعد الكورد على تحسين حال الشعب الكوردي، الشعب المنسي والمهجور، ليخدم السلم والرقي في الشرق الأدنى.

كما أرسلت الجمعية الكوردية في السليمانية مذكرة أخرى إلى عصبة الأمم تذكّرها بأن الواجب أن ترفع العصبة صوت كوردستان بين دول العالم المتمدن، وتعارض بشدة مطالب حكومة «أنقرة» بامتلاك ولاية الموصل الكوردية، لأن أكثرية سكان هذه الولاية من الأكراد.

المصادر

  1. فرج، المصدر السابق، ص 155.
  2. فرج، المصدر السابق، ص 157–161.
  3. كان تقرير المعارضة الذي قدمه ياسين الهاشمي ومعه سالم الخيون والشيخ أحمد الداود ألا يتم التصديق على معاهدة عام 1922 ما لم تُجرَ عليها تعديلات ويُضمن بقاء ولاية الموصل (كوردستان العراق) للعراق. أما التقرير الحكومي المقدم من جعفر العسكري ونوري السعيد وعلي جودت الأيوبي (وزير الداخلية) فقد طلب التصديق على معاهدة 1922، على أن تصبح هذه المعاهدة وملاحقها ملغاة إذا لم تحافظ بريطانيا على حقوق العراق في ولاية الموصل (كوردستان). وحصل تقرير الحكومة على (37) صوتاً من مجموع (69). انظر: فرج، المصدر السابق، ص 165.
  4. صادق المجلس التأسيسي العراقي (البرلمان) على القرارات التالية: المعاهدة العراقية البريطانية في (10) حزيران 1924م، ودستور القانون الأساسي العراقي في (10) تموز 1924م، وقانون انتخاب مجلس النواب في (2) آب 1924. انظر: جواد الظاهر، المصدر السابق، ص 306.
  5. هنري فوستر، المصدر السابق، ص 232.
  6. أوضح عصمت إينونو باشا (وزير الخارجية التركي)، الكوردي الأصل، أنه في الوقت الذي نُظم فيه الاستفتاء المزعوم لتولي الأمير فيصل عرش العراق الجديد، وعلى الرغم من كل الضغوط التي مورست على سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، لم تشارك في التصويت سوى الأقليات في مدينة الموصل، ولذلك فإن الاستفتاء لا يمثل رغبات الشعب. انظر: سجلات وإجراءات مؤتمر لوزان 1922–1923، ص 363–393.
  7. البرقاوي، المصدر السابق، ص 96.
  8. تريب، المصدر السابق، ص 101.
  9. هنري فوستر، المصدر السابق، ص 236.
  10. المصدر نفسه، ص 236.
  11. سجلات ومناقشات مؤتمر لوزان، المصدر السابق، ص 364–365.
  12. فاضل حسين، مشكلة الموصل، ط2، بغداد، 1967، ص 162–163.
  13. هنري فوستر، المصدر السابق، ص 238.
  14. الجدول مقتبس من كتاب هنري فوستر، المصدر السابق، ص 237.
  15. سجلات ومناقشات مؤتمر لوزان 1922–1923، ص 364–365.
  16. الماذيون (الميديون) هم أجداد الكورد، سكان المنطقة المحيطة ببحر قزوين (ما يعرف بأذربيجان)، وقديماً امتدت مملكتهم حتى سواحل البحر الأسود، واجتاحوا بلاد فارس. انظر: هنري فوستر، المصدر السابق، ص 238.
  17. سجلات ومناقشات مؤتمر لوزان، المصدر السابق، ص 433.
  18. البرقاوي، المصدر السابق، ص 99.
  19. Hurewitz, Ibid, p. 64 & Edmonds, Ibid, p. 116.
  20. محمد أمين زكي، تاريخ الكورد وكوردستان، ص 282؛ Laurin, Mc, Ibid, p. 56 & Shaw, Stanford, Ibid, p. 356.
  21. Laurin, Mc, Ibid.
  22. عبد الرحمن قاسملو، كوردستان والأكراد، ص 61.
  23. كان هؤلاء الآثوريون ينتمون إلى الطائفة التيارية في جبال أرمينيا، ثم سكنوا كوردستان العراق بعد الحرب العالمية الأولى، وكان عددهم سنة 1920 نحو أربعين ألف نسمة، لجأ منهم نحو عشرة آلاف نسمة إلى العراق، فمنحتهم الحكومة البريطانية إعانة قدرها (120) روبية في الشهر لكل رجل وامرأة وطفل، واستمرت تعينهم على هذا المنوال ثلاث سنوات كاملة. (أحمد رفيق البرقاوي، العلاقات السياسية بين العراق وبريطانيا 1922–1932، هامش ص 97، طبعة 1980).