الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المشكلة الكردية وأهمية الحوار

من محاضرات «مقالات منشورة في جريدة الكاردينيا» – 2013

أقوال مأثورة عن الكرد

  • من أقوال الزعيم الهندي جواهر لال نهرو:

«أستغرب كيف أن الأتراك الذين ناضلوا من أجل حريتهم يقمعون بهذه الوحشية الشعبَ الكردي الذي يناضل من أجل الهدف نفسه، أي الحرية. وكم هو غريب أن تتحول قومية أعلنت احترامها لحقوق الإنسان إلى قومية عدوانية بهذا الشكل، وأن يتحول نضالها من أجل الحرية إلى محاولة لاستعباد الآخرين. ونسمع عن المآسي التي يتعرض لها الشعب الكردي الذي استقر في عدة دول، ولم تُتِح له الظروف التاريخية أو السياسية تشكيل دولة تضم قوميته الكردية.»

— جواهر لال نهرو

«وهكذا فالأتراك الذين لم يمضِ إلا وقت قصير على كفاحهم من أجل حريتهم عمدوا إلى سحق الكرد الذين سعوا بدورهم إلى نيل حريتهم. ومن الغريب كيف تنقلب القومية المدافعة إلى قومية معتدية، ويتحول الكفاح من أجل الحرية إلى كفاح من أجل التحكم بالآخرين. ففي عام 1929 نشبت ثورة أخرى عند الكرد، إلا أنها سُحقت من جديد، مؤقتاً على الأقل. ولكن كيف يُسمح لأحد أن يسحق شعباً يصرّ على نيل حريته وحقوقه القومية، وهو على استعداد لدفع ثمنها؟»

— جواهر لال نهرو

  • وصف الكاتب التركي س. أوستونغل:

«نشاهد القرويين عائدين من مراكز الشرطة والجندرمة وهم على قيد الحياة، رغم أن الكثير منهم كانوا مثخنين بالجراح. أما في القسوة تجاه الشعب الكردي فقد فاق الكماليون السلاطينَ العثمانيين المخضبةَ أيديهم بالدم الكردي. إنهم يتفننون في القسوة التي ينتهجونها إزاء الأكراد والأقليات الأخرى التي يحاولون تتريكها بالقوة. لقد رحّلوا القبائل الكردية عن أوطانها، وهم يُجهزون على الكرد بالجملة، مثلما فعلوا بالأرمن تماماً.»

— الكاتب التركي س. أوستونغل

  • نلسون مانديلا:

سأل أحد الصحفيين السيد نلسون مانديلا عن سبب رفضه جائزة أتاتورك، فقال مانديلا: «حاول أن تكون كردياً ساعة واحدة، ثم أخبرني عن شعورك، وستعلم لماذا رفضت جائزة أتاتورك.»

— نلسون مانديلا

  • من أقوال الدكتور عبد الرحمن البزاز، رئيس وزراء العراق الأسبق:
  1. «إن القضية الكردية هي مشكلة العراق الأساسية المرتبطة بوجوده، ولن يتأتى له الاستقرار إلا إذا حلّها حلاً عادلاً ينصف الأطراف المعنية كلها، فتتحقق نتيجة ذلك وحدة الشعب الكردي.» (من كتابه «العراق من الاحتلال إلى الاستقلال»)
  2. «القضية الكردية ليست وليدة فترة زمنية متأخرة، أو حصيلة وضع سياسي معين، أو نتيجة تحريض شخص أو بضعة أشخاص، كما يتوهم بعض العراقيين اليوم. وإن تأكيد هذا الأمر أصبح في الوقت الحاضر ضرورياً، لأن بعض المسؤولين لم يدركوا بعدُ حقيقة هذه المشكلة الكردية في العراق، ولم يُتَح لهم أن يسبروا عمق أغوارها.» (من كتابه «العراق من الاحتلال إلى الاستقلال»)
  3. «الشعب الكردي لا يريد الانفصال، ولا يريد إلا الحفاظ على وجوده، ونحن مستعدون أن نعترف بالوجود الكردي، وأن نعترف بالذاتية الكردية كقومية متميزة لها لغتها وتراثها وأمجادها، ومن حقهم الحفاظ عليها.» (ندوة تلفزيونية في 15/6/1966م)
  • الدكتور (الطبيب) فهمي الشناوي، في كتابه «الكرد يتامى المسلمين أم ضحاياهم»:
  1. «إن الأكراد هم يتامى المسلمين، وإن ثرواتهم الطائلة قد قام عليها إخوتهم المسلمون الآخرون، ونهبوها لأنفسهم دون الوريث المستحق الأصلي» (ص 8).
  2. «الأكراد الخمسة والثلاثون مليوناً يملكون منابع أنهار الشرق الأوسط، ويملكون معظم نفط هذه البلدان؛ يملكونه أصلاً، ولكنهم محرومون منه فعلاً. يملكون المياه والنفط، ولكن ملكياتهم منهوبة عند إخوانهم وجيرانهم» (ص 41).
  3. «وأقصى ما وصل إليه وازعُ ضمير المغتصب هو أن يعطي الأكراد في مناطقهم ما يشبه الحكم الذاتي، ولكن لا يتمتع صاحب هذا الحكم الذاتي برسم السياسة، أو الاشتراك في الحكم، ولا بتوجيه الدولة حرباً ولا سلماً ولا تفاوضاً مع الأجنبي بأي حال، لأنه غير مؤتمن على الدولة؛ فوضعهم مثلُ وضع عرب فلسطين تحت الحكم الإسرائيلي» (ص 15).
  4. «الحكم الذاتي ما هو إلا رقّ واسترقاق سياسي» (ص 16).
  5. «كل من حول الأكراد يتباهى بالوطنية صباح مساء، ويجعل منها أيديولوجيا، ويتغنى بتراب الوطن، ويتشدق بالموت في سبيل الوطن، حتى إذا طلب الأخ الكردي أن يكون له وطن مثلهم، لا أكثر ولا أقل، أنكروا عليه ذلك، واعتبروه معتدياً على ما في يدهم» (ص 20).
  6. «فالقومية العربية لا تكفّ عن التباهي والتفاخر، ولها مؤسساتها، فاشلة كانت أو ناجحة، ويجعل زعماؤها منها ديناً مقدساً، فإذا طلب الأكراد أن تكون لهم قومية استنكروا هذا» (ص 21).
  • صدام حسين:

«كردستان جنة الله على الأرض.»

— صدام حسين

  • نزار بابان (كاتب ومناضل كردي):

«كردستان جنة الله وجحيم أمة.»

— نزار بابان

المشكلة الكردية وأهمية الحوار

نحن الشعب الكردي نعيش وسط شعوب فارسية وتركية وعربية منذ آلاف السنين. وعلينا أن نقول الحقيقة ولا نخجل منها: إن الشعب الكردي لم يكن هو الأكثرية بين تلك الشعوب. غير أن ذلك لا يمنعنا أن نكون جزءاً من أمتنا الكردية، ولا يمنع أن نتمتع نحن الكرد بشخصية معنوية مستقلة بين بقية الأمم أو القوميات الأخرى، نعتز بتاريخنا ورموزنا، وخاصة الكرد الذين ناصروا الإسلام ودافعوا عنه، مثل القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي في وجه الموجات الصليبية في القرون الوسطى.

في كل الأدبيات والكتب التي تناولت القضية الكردية، وخاصة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921م، كان الحديث الرسمي والشعبي يذهب إلى التآخي بين القوميتين الكردية والعربية، وأحياناً إلى ضرورة إعطاء الأكراد حكماً ذاتياً ضمن حدود الدولة العراقية. وقد تكون مثل هذه الوعود التي سُجِّلت في التاريخ للكرد هي ما أثقل كاهل الأكراد في عيشهم، وفي نظرتهم المستمرة إلى مركز الحكم في بغداد، بل هي سبب انعدام ثقة الكردي بأي مسؤول عراقي يجلس على كرسي الرئاسة في بغداد. ويجد الكرد في تقسيم كردستان في القرن السادس عشر بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، إثر معركة جالديران عام 1514، بعضَ العذر، كي لا يقع اللوم على كاهل العرب وحدهم دون الفرس والأتراك؛ خصوصاً أن العرب والكرد الذين كانوا ضمن حدود دولة العراق قد خضعوا معاً للمحتل الأجنبي، التركي ثم الإنجليزي، منذ سقوط بغداد على يد المغول عام 1258 وحتى قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958. وهي فترة ربما قاربت سبعة قرون من الزمن، ولم يكن فيها من يصنع القرار لتأسيس دولة كردية مستقلة.

وكان تناوب الأتراك والفرس على حكم الولايات العراقية الثلاث (البصرة، بغداد، الموصل) في فترات متباينة من الزمن هو ما أرهق حالة التآخي بين العرب والكرد، وهما لا ينكران ذلك، لأن متطلبات الحكم أجبرتهما على اتباع سياسة الثأر والضغينة لإبعاد أحدهما عن الآخر، وقد ترسبت بمرور الزمن حالة من الشك والريبة. وكان المستعمر البريطاني، الذي وطئت أقدامه ولاية البصرة عام 1914م في الحرب العالمية الأولى، على معرفة تامة بطبيعة المجتمع العراقي (السنة والشيعة، والعرب والأكراد)، وبمطالب الكرد المشروعة في نيل الحكم الذاتي في المناطق الكردية الجبلية (كردستان العراق).

وربما وجدها الشعب الكردي، بزعامة القائد الكردي الشيخ محمود الحفيد عام 1919، فرصةً لنيل الحقوق القومية للأكراد في ولاية الموصل، المتكونة من كركوك والسليمانية وأربيل وقضاء دهوك وأجزاء من الموصل، بالتفاهم مع المستعمر البريطاني لا بالتمرد عليه، ما دامت وزارة الخارجية البريطانية قد استجابت لتأسيس دولة للعرب في العراق كقومية، وأهملت مطالب القومية الكردية، وهي القومية الثانية في البلاد.

وقد يكون العيب كل العيب في السياسة البريطانية التي أثقلتها مشاكل اليهود في أوروبا، وهي التي قادت إلى إعدام الملك الإنكليزي شارل الأول عام 1649، دون أن يتمكن محامٍ إنكليزي من إنقاذ حياته. وهو ما حدث في فرنسا أيضاً، وتسبب في إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت عام 1793. وكان ذلك يقيناً ما دفع لندن وباريس إلى تبني اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 لتقسيم ولايات الدولة العثمانية بينهما، ولإسكان اليهود وجمعهم في وطن مستقل لهم (فلسطين)، ولكن دون ولاية نفطية مثل ولاية الموصل في العراق ومسجد سليمان في إيران، لحاجة بريطانيا إلى الإمبراطورية في حكم الشرق الأوسط بعد أن خسرت المستعمرة الأمريكية عام 1776. وإذا كان اليهود والنفط هما مصدرَي القلق في لندن، فإن العامل الأيديولوجي (الفكري) قد أضاف هو الآخر عبئاً جديداً تمثّل في قيام ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا عام 1917م، التي كانت سبباً في توقف القتال ضد الدولة العثمانية في الشرق. وربما وجدت بريطانيا أن الخطر الشيوعي هو الذي ستخشاه بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في قادم الزمن، وليس الدولة العثمانية الآيلة إلى النكوص والاندحار.

لم يكن الكرد ولا العرب على إدراك تام بالسياسة الدولية والإقليمية وامتداداتها في ذلك الوقت. وإن أدرك الكرد بعضاً من هذه السياسة، وخاصة ما يتعلق بدولتي الجوار، بلاد فارس وتركيا، فقد كان المستعمر البريطاني صاحب الخبرة السياسية في شبه القارة الهندية ومشاكلها القومية والإثنية، التي أذعنت للسياسة البريطانية منذ منتصف القرن التاسع عشر. ولم يكن العرب والكرد والتركمان أكثر عسراً وتعقيداً من مشاكل الهندوس والمسلمين في شبه القارة الهندية، حتى مع قيام ثورة شعبية في الفرات الأوسط عام 1920، وانتفاضة كردية في كردستان العراق للاستقلال عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية. وقد أوحى تأثيرهما بإضافة أعباء على الدولة المهزومة في الحرب، تركيا (الإمبراطورية العثمانية)، بأن تحتضن على ترابها دولتين، كردية وأرمنية، في معاهدة سيفر عام 1920. وبقدر ما استفاد القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك من المقاتلين الكرد الشجعان لهزيمة الجيش اليوناني، فإنه سرعان ما تنصّل من وعوده للكرد، فأصبحت معاهدة سيفر 1920 ليست أكثر من أوراق تعب عليها موظفو وزارة الخارجية البريطانية.

إن مشكلة اسمها ولاية الموصل بين بريطانيا وتركيا عام 1918، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، قد رتّبت للمنتصر في الحرب (بريطانيا) أن يأخذ منها مادة النفط، كما رتّبت بريطانيا بقاء محمية الكويت منفصلة عن ولاية البصرة النفطية منذ عام 1899، لضمان استمرار سريان شريان النفط إلى بريطانيا. وقد أصبحت الخلجان والموانئ البحرية في الخليج مضمونة لرسوّ الأسطول البحري الإنكليزي فيها، ولنقل النفط إلى مستعمرتها الهند (درة التاج البريطاني). ومثل هذا التفكير الاستراتيجي البريطاني، الذي ينظر إلى مصالح بريطانيا بالدرجة الأساس، لم يكن بوسعه في ذلك الوقت إغضاب إيران النفطية، ولا تركيا العلمانية التي تدافع عن مصالحها ضد الخطر الشيوعي الروسي. وهكذا أصبحت انتفاضة بارزان الأولى (1931-1932) بقيادة الشيخ أحمد البارزاني، وانتفاضة بارزان الثانية (1943-1945) بقيادة الملا مصطفى البارزاني من أجل الاستقلال، من وجهة النظر البريطانية، ليستا أكثر من تمرد على السلطة في العراق الحديث وعلى مصالح بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط، ومثلهما حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، التي وصفوا رموزها بالخونة العاملين لصالح الألمان. وهذا غير صحيح، لأنها كانت حركة وطنية تطالب باستقلالية القرار والسيادة في العراق.

شعر الشعب الكردي في كردستان بالفخر والاعتزاز القومي بزعيمنا الخالد الملا مصطفى البارزاني الذي عاد إلى الوطن بعد ثورة 14 تموز 1958، خصوصاً وهو يستمع من الزعيم عبد الكريم قاسم أن العرب والكرد شركاء في الوطن. ولكن في واقع السياسة الدولية، كان العراق الذي تخلص من الاستعمار البريطاني قد رهن أمره إلى حد ما بسياسة شيوعية وهو ليس شيوعياً، وذلك لضمان تدفق السلاح السوفيتي إلى العراق أولاً، والوصول إلى منطقة الخليج النفطية ثانياً.

ولعل ما كان في تفكير موسكو، التي مهدت لعودة الزعيم والقائد الكردي الملا مصطفى البارزاني، أن يكون البارزاني الساعدَ الأيمن للزعيم عبد الكريم قاسم في سياسته لإخماد أي تمرد عشائري في المنطقة الكردية الجبلية الوعرة. وفهمها عبد الكريم قاسم على أن يؤدي له الملا مصطفى البارزاني وعائلته وعشيرته والشعب الكردي التحية العسكرية أينما حلّ، وأن شعار «الكرد والعرب شركاء في الوطن» ليس أكثر من شعار أملته الظروف السياسية لتجنب انقلاب تقوم به القوى القومية على سياسة عبد الكريم قاسم المتلونة، تارة مع الشيوعيين وتارة مع القوميين. وقد كشفت أحداث 11 أيلول عام 1961 (الثورة الكردية في العراق) كيف حمل عبد الكريم قاسم على الكرد وأنكر وجودهم القومي، الأمر الذي أجبر الزعيم والقائد الكردي الملا مصطفى البارزاني على مقاتلة وحدات الجيش العراقي التي أرسلها عبد الكريم قاسم إلى كردستان العراق. وقد وصلت رسالة الحاكم في بغداد: لا حكم ذاتي للكرد، حتى وهو على غير وفاق مع سياسة طهران وأنقرة.

كان زعماء الكرد وقادتهم والشعب الكردي، ولا يزالون، يؤمنون بلغة الحوار والتفاوض والمناقشة مع بغداد قبل لغة السلاح. ولعل ما جرى من حديث بين جلال الطالباني والرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1963 مما يمكن وصفه بحديث القلب إلى القلب. والكرد إذ يمجّدون الرئيس جمال عبد الناصر، وهو رائد القومية العربية، كما أنه زعيم مرموق بين الرؤساء المؤسسين لحركة عدم الانحياز، فإن زعماء حركة عدم الانحياز أبعد ما يكونون عن العنصرية.

ولكن للأمة الكردية حقوقاً مشروعة ينبغي التشاور فيها. وهي، فضلاً عن كونها معنوية، وإن كان الرئيس جمال عبد الناصر يستمع إلى مطالب الكرد وحقهم في اللغة والتعليم والمشاركة في صنع القرار، إلا أنها في النهاية لا تمثل واقعاً على الأرض. وكان الرئيس العراقي عبد السلام عارف، التوّاق إلى الوحدة مع مصر، بحاجة إلى إعادة الثقة مع مفاوضيه الأكراد للوصول إلى أرضية متفق عليها، لا أرضية لحشد الدبابات والمدفعية لضرب المكوّن الثاني بعد العرب، وهم الكرد. وكان بالإمكان تعويض ذلك بحسن النية تجاه الكرد، بإطلاق سراح كل المعتقلين والسجناء بسبب الثورة الكردية، ليجد من قادة الكرد من يمجّد موقفه الإنساني؛ فردّ الجميل صفة متأصلة في نفوس الكرد عامة، وليس الغدر كما يفعل بهم ساسة اليوم.

ربما وصف بعض السياسيين لقاء جلال الطالباني مع جمال عبد الناصر عام 1963م بأنه لقاء قُدِّر له أن يضيف شعبية لجمال عبد الناصر، وأن يضيف للقضية الكردية، التي آن لها أن تُعرف على صعيد الرؤساء العرب والشعوب العربية، وذلك قبل أن يصل إلى أذنَي جمال عبد الناصر أن الوحدة الفكرية التي يتمتع بها الشعب المصري ليست هي ذاتها في العراق، وأن إعطاء الكرد حقوقاً وميزانية قد يطالب بمثله الشيعة في جنوب العراق، ما دام حاكم بغداد عربياً سنياً. ولكن ذلك لم يعطّل الحوار ومطالبة الكرد بحقوقهم المشروعة بعد هجوم الربيع على الكرد عام 1964. ونلاحظ هنا سوء نية الحكومة، وهي تتفاوض مع قادة الكرد وتتهيأ في الوقت نفسه لشن هجوم كاسح على الثورة الكردية. ثم ظهرت بنود التاسع والعشرين من حزيران 1966 على يد رئيس الوزراء المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز، قبل أن يجبره العسكريون المتنفذون في الحكومة على الاستقالة. والحق الذي يجب عدم إغفاله أن ما وضعه الدكتور عبد الرحمن البزاز من قاعدة للتفاوض قد مهّد لأن تجتاز الثورة الكردية بعض العقبات، ومنها قبول الكرد في الوظائف العامة والكليات العسكرية والبعثات بما يتناسب وعددهم بموجب إحصاء عام 1957.

وربما كان مثل هذا القرار الجريء الصادر من بغداد لا يُعجب ساسة طهران وأنقرة، وهو كذلك منذ اتفاق عام 1926 بين الدولتين، الموجّه بالدرجة الأساس إلى تحجيم الحركة الكردية وحصرها في أضيق نطاق.

إن الأثر النفسي الذي تركته حرب 5 حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل كان كبيراً. ورغم تبدل بعض القيادات العربية بأخرى، فقد بقيت يد العسكريين في مركز القرار هي المسيطرة. وهناك من تطرّف في الحديث عن الكرد وقياداتهم، فعدّهم أحد أسباب النكسة، وهو ما يحمل في ثناياه ألّا عودة للحديث عن حكم ذاتي أو عن الحوار. ولنكن منصفين: ما علاقة الكرد بخسارة الجيوش العربية أمام إسرائيل؟ وقد يكون الصحيح هو العودة إلى ما طرحه الكرد في مناسبات عدة: ماذا لو اعتمد العرب عامة، والعراق بصفة خاصة، مبدأ الديمقراطية للعراق والحقوق القومية للأكراد داخل الخيمة العراقية؟ أليس ذلك ما كان يضمن ولاء كل العراقيين، عرباً وكرداً، لبلدهم، دون الخشية من المعارضة، ودون مراقبة من يخالف رأي حاكم بغداد ويعارضه، وهو ليس نبياً معصوماً؟

والواقع أن ما يجتهد به الكرد لحل المسائل العالقة وتطوير البنية التحتية كثيراً ما يُفسَّر بسوء النية، وأحياناً يقال إن الأجنبي هو من لقّنهم! وعسى ذلك الملقِّن، وهو يذكر في صحفه وأجهزة إعلامه أن ملايين الكرد باتوا محشورين بين الجبل والسهل، بلا حقوق مشروعة، يشعرون بأنهم محرومون من حق المواطنة والمشاركة في صنع القرار السياسي. وقد لا أكون منحرفاً في حديثي عندما أقول إن الكثير من الحكام العرب تستهويهم مشورة الأجنبي حين يواجهون مأزقاً صعباً، أو حين يريدون إزاحة المعارضة أو تكبيلها حفاظاً على كرسي الحكم.

ولم يكن اتفاق (بيان) 11 آذار عام 1970 بين الكرد وحزب البعث الحاكم في بغداد أبعد مما ذهبنا إليه وطالبنا به نحن الكرد، ليظهر للعالم العربي والإسلامي والدولي أن بغداد أبدت حسن النية تجاه الكرد، ولكن الكرد رفضوه. والكثير من الشعب العراقي، وخاصة من الإخوة العرب، لا يعلمون أن البنود المتفق عليها في 11 آذار 1970 لم يحققها حكام بغداد، ولم يأخذوها بنظر الاعتبار حتى 11 آذار عام 1974، أي أنها أصبحت مجرد حبر على ورق. وكان الرد المناسب أن بغداد لا تزال تمارس لعبة تجنيد الكرد للتجسس على أبناء جلدتهم، ودين الإسلام الذي يؤمن به الكرد قولاً وفعلاً لا يقبل ذلك. وعليكم أن تتصوروا كيف يمكن أن تكون المشاركة في القرارات المصيرية التي تهم الوطن!

وهنا لا بد لي من الإشارة إلى اتفاقية السادس من آذار 1975 في الجزائر، المعروفة باتفاقية الجزائر، بين النائب صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، التي حصلت إيران بموجبها على نصف شط العرب وعلى أراضٍ عراقية في سيف سعد وزين القوس، وضُرب بموجبها الأكراد وحركتهم المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الكردي في إطار العراق الديمقراطي. والحق الذي لا أتحرج منه أنه لو كان اتفاق 11 آذار عام 1970 رصيناً وزاكياً للكرد، لما تحرّج كرد العراق من الوقوف إلى جانب صدام حسين في إثارة كرد إيران على الشاه، والأخير يمقت العرب، ويمقت جمال عبد الناصر، ويمقت صدام حسين. هذا هو ما كنا نقول به عن المشاركة في القرارات المصيرية، وعن إتاحة الفرصة للديمقراطية لتنمو على حساب الديكتاتورية التي ضيّعت الوطن في وقت لاحق من الزمن.

ونقول: هل من الصحيح أن نضيّع الوطن، وطننا العراق، في متاهات الحروب، ولا نصغي إلى مطالب الكرد المشروعة في كردستان العراق، وهم جزء من الشعب والوطن العراقي؟ وما كان لمصطفى كمال أتاتورك، القائد التركي، أن يحوّل هزيمة تركيا إلى نصر على اليونان عام 1922 لولا مساعدة المقاتلين الكرد، المؤمنين بالله أولاً، ورغبتهم الصادقة في معاونة الأتراك ومن يقف إلى جانبهم، وهم أهل عزة وعُرفٍ في إجارة من يلجأ إليهم، وفق قواعد الدين الإسلامي الحنيف والحق والعدل؛ ودون أن يُحمَّلوا وزر أخطاء قرارات الحرب العالمية الأولى وعواقبها الجسيمة والصعبة، كما حدث في غزو الكويت في 2 آب عام 1990.

وإن قال قائل إن العراق قُسِّم إلى دويلة شيعية ودويلة سنية وأخرى كردية، فإن حاكم بغداد وحده من يتحمل وزر المسؤولية، مهما قيل عن انتفاضة للشيعة وأخرى للكرد عام 1991. وهي تحصيل حاصل للكرد الذين حوصروا مرات بين الجبل والسهل، بل باتوا بعد اتفاقية الجزائر في 6 آذار عام 1975 على قمم الجبال خشية جحيم قصف الطائرات بالنابالم والكيمياوي، والتهجير القسري والإبادة الجماعية، وجحود سياسة أنقرة وطهران تجاه الأقليات، ومنهم الكرد، في تنسّم هواء الحرية. والحرية لها ثمن، بعد أن تم تدمير 90% من ريف كردستان وقراها، أي تدمير (4500) قرية كردية، وهُجِّر سكانها قسرياً إلى معسكرات تشبه معسكرات النازية في الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن حملات الإبادة الجماعية فيما سُمّي بحملات «الأنفال» السيئة الصيت (تهجير 182 ألف كردي). والله لا ينصر إلا من نصره، وهو يجازي من يقتل عبثاً، لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. ثم لُمَّ شمل الشعب الكردي، وظهرت المنطقة الآمنة في كردستان العراق، وتأسس برلمان وحكومة كردية في أيار/مايو 1992 من مؤيدي الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وآخرين تحمّلوا وزر المسؤولية التاريخية لبناء إقليم كردستان الفيدرالي، وهو نواة لدولة كردستان الكبرى.