الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المناطق الكوردية المتنازع عليها والإحصاء السكاني القادم في العراق
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
انشغل مجلس النواب العراقي كثيراً بقانون الانتخابات، ودار جدل واسع بشأن القوائم والمناطق والقانون الجديد وتعديل عدد من بنود مواده القديمة. (1)
وأثار عدد من النواب موضوعات تهدف أساساً إلى عرقلة إجراء الانتخابات، فيما أثار آخرون حفيظة الكورد في كوردستان العراق بشأن كركوك والمناطق الكوردية المتنازع عليها. وحاول بعضهم التصدي للأفكار والآراء التي تعادي العملية الديمقراطية في العراق، فيما أحيل الموضوع برمته إلى المجلس السياسي الوطني ليقول كلمته.
لا شك في أن الانتخابات تمثل ظاهرة صحية وضرورية للمجتمعات عموماً، ولا سيما للمجتمع العراقي الذي عانى الدكتاتورية والشمولية في الحكم والإدارة عقوداً طويلة حتى الانتخابات الأولى سنة 2005. ولعل الشعب الكوردي في كوردستان كان الأكثر معاناة، في ضوء ما تعرض له من ظلم وحرمان وتشرد. ولذلك تعد مثل هذه الانتخابات إحدى أبرز الظواهر الإيجابية في النظام الديمقراطي، الأمر الذي دفع الكورد في كوردستان العراق إلى الاهتمام بها والالتزام بقواعدها.
ولم تكن الانتخابات الثانية (آذار 2010) ظاهرة ديمقراطية فحسب بالنسبة لإقليم كوردستان العراق، بل كانت تعد امتحاناً للشعب الكوردي في تقرير مصيره ومستقبله. فلا غرو أن نلاحظ المنافسة الحادة والصراع المتصاعد بين أطياف المجتمع العراقي بشأن الانتخابات، بين مؤيد لها ومعارض. ذلك أن معظم تلك الأطياف ترى أن الكورد باتوا يشكلون ضغطاً متزايداً على الدولة العراقية، ولذلك يسعى بعض العرب، رغم اختلافاتهم الكثيرة، إلى تحجيم دور الكورد وما حققوه من إنجازات بعد 9 نيسان 2003 تحديداً.
وبينما يميل بعض المعنيين بالعملية الانتخابية إلى القائمة المفتوحة، يتجه آخرون إلى القائمة المغلقة، ولكل منهما إيجابياتها وسلبياتها؛ فالقائمة المفتوحة تهيئ للمجتمع أعضاء مؤهلين ليمثلوا الشعب العراقي، فيما تحدد القائمة المغلقة القوائم الخاصة بالكتل والأحزاب السياسية.
وقد دفعت تجربة انتخابات سنة 2005 كثيرين إلى الاتجاه نحو القائمة المفتوحة. ومن الملاحظ أن الكورد لا يصرون على أي منهما بقدر حرصهم على نجاح العملية الانتخابية، تاركين للأطراف الأخرى من الإخوة العرب حق اختيار الأفضل. كذلك كان الجدل لا يزال قائماً حول أن يكون العراق دائرة انتخابية واحدة أو أكثر، ومن أجل ألا تضاف مشكلات أخرى إلى العملية الانتخابية، تنازلت القيادة السياسية الكوردية مرة أخرى بقبولها أياً من الطرق التي تفضلها الأطراف الأخرى من الإخوة العرب.
ولعل الافتقار إلى بيانات دقيقة وشاملة وحديثة هو أبرز المشكلات التي تعانيها الانتخابات الثالثة سنة 2014، ولا سيما في المناطق الكوردية المتنازع عليها، وتحديداً مدينة كركوك. فثمة توجهات من غير الكورد (القوميين العرب والتركمان) تدعو إلى عدم شمولها بالعمليات الانتخابية، لأنهم يعرفون حقاً أن نتائجها ستكون لصالح إقليم كوردستان العراق والكورد. ولذلك كانوا يحاولون قدر الإمكان تأجيل الإحصاء السكاني القادم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، رغم أن الإحصاءات تعد أساساً للعمليات التنموية، ولا سيما في المرحلة التي يمر بها العراق في الوقت الحاضر، ورغم أن الإحصاء سبيل لمعرفة الثقل الديموغرافي للكورد في العراق، وخاصة في مدينة كركوك. ومع أنه كان مقرراً إجراء مثل هذا الإحصاء سنة 2007، فقد تم تأجيله أكثر من مرة للأسباب التي أشرنا إليها، وربما إلى إشعار آخر.
ومن المعلوم أن المناطق الكوردية المتنازع عليها، وهي أجزاء من محافظات نينوى وكركوك وديالى، ترزح منذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921 وحتى اليوم تحت حكم الدولة المركزية، على خلاف محافظات دهوك والسليمانية وأربيل. وقد عانت تلك المناطق الكوردية من كوردستان العراق، ولا تزال تعاني، الحرمان والإهمال والتشتت. وكانت المادة (140) الدستورية هي الأمل في عودتها إلى إقليم كوردستان.
وشهدت هذه المناطق عودة كثير من المهجرين الكورد إليها في ظل مرحلة التطبيع، الأمر الذي خلق هواجس متزايدة لدى الأطراف الحاكمة من الإخوة العرب والتركمان في بغداد تجاه الزيادات التي حصلت في سكان هذه المناطق التي هُجّر منها الكورد قسراً في العهود والأنظمة السابقة، سواء بسبب النمو الطبيعي الذي تشهده كل محافظات العراق، أو بسبب حركة الهجرة الريفية إلى المدن الرئيسة. وهذه حالات طبيعية في محافظات الموصل والبصرة والأنبار وديالى، إذ تعد المدن مراكز نشاط واسع وفرص عمل أفضل وخدمات أكثر. والزيادة التي حصلت في مدينة كركوك الكوردستانية لا تخرج كثيراً عن ذلك، بل إن الزيادات التي شهدتها مدينة الموصل أكثر بكثير مما حصل في مدينة كركوك الكوردية.
إن العراق أمام امتحان صعب وعسير، ولا سيما بعد انتهاء انتخابات 2014، ولن تكون هذه الانتخابات سبيلاً إلى حل مشكلة كركوك أو سواها من المناطق الكوردية المتنازع عليها. وستستمر عمليات التسويف والتأجيل في تنفيذ المادة (140) الدستورية، لأن ذلك في صالح الحكومة الاتحادية في بغداد.
ومن جانب آخر، تتعرض القيادة السياسية في بغداد لضغوط إقليمية ودولية من أمريكا أو سواها، كما تتعرض لضغوط عراقية، للحيلولة دون تشددها في تنفيذ المادة (140) الدستورية.
إن المخططات المطروحة للتسويف في تنفيذ المادة (140)، ولا سيما في سنة 2010، وهو العام الذي تقرر فيه إجراء الإحصاء السكاني الشامل للعراق (وكنت أشك في أنه سيتم)، سببها الظروف الإيجابية التي يعيشها إقليم كوردستان العراق دون سائر مناطق العراق الأخرى، وخاصة مناطق الوسط والجنوب. والحكومة المركزية في بغداد ليست مستعدة لتنفيذ المادة (140) الدستورية إلا في الظروف التي تجدها مناسبة لها، وهي تراهن على تحول الإقليم إلى وضع مضطرب أمنياً أو غير مستقر اقتصادياً أو سياسياً، أو على أن يصبح العراق في أفضل حالاته من القوة العسكرية بحيث يستطيع فرض إرادته وتنفيذ توجهاته كما في الحكومات السابقة.
الأمر الذي يدعو الأكراد إلى التكاتف والعمل الجماعي، وعدم فسح المجال للأعداء للنيل من الكورد وكوردستان ومن التجربة الديمقراطية في الإقليم. كما ندعو القيادة الكوردية إلى مزيد من التعاطف مع السكان الأكراد وغيرهم في المناطق الكوردية المتنازع عليها، وتلبية احتياجاتهم من الخدمات الأساسية، سواء في سنجار أو مندلي أو كركوك أو خانقين. ونهيب بمؤسسات المجتمع المدني والجامعات والمعاهد أن يكون لها دورها في التوعية في هذا المجال.
التعريب في المناطق الكوردية المتنازع عليها تمهيداً للتعداد السكاني القادم (2)
تتصاعد وتائر سياسة التعريب من جديد، ولا سيما في المناطق الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق، مع اقتراب موعد التعداد السكاني الذي كان مزمعاً إجراؤه في تشرين الأول 2010، بهدف ترقيق الوجود الكوردي فيها وتقليله، وتمرير الأهداف العنصرية من خلال القفز على تنفيذ المادة (140) الدستورية، بالشكل الذي يحقق أهدافهم في تعريب المناطق الكوردية المتنازع عليها.
فإلى جانب ما يتعرض له سكان مدينة كركوك من ضغوط اقتصادية وسياسية أملاً في إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، والمحاولات المستمرة لتأجيل التعداد العام للسكان أو استثناء محافظة كركوك من إجرائه فيها، تزداد الضغوط، كلما اقترب موعد هذا التعداد، باتجاه محور خانقين – مندلي – بدرة، للحيلولة دون عودة المرحّلين والمهجرين قسراً من الكورد إليه من جهة، وتشجيع المستوطنين العرب الذين أتوا لغرض تعريب المنطقة الكوردية على الاستقرار فيها من جهة أخرى، تمهيداً لرسم صورة مغايرة لواقع التوزيع الجغرافي والقومي للسكان في تلك المنطقة الكوردية عبر النتائج التي يتمخض عنها التعداد المزمع القيام به.
إن الاهتمام المتزايد بهذا المحور (خانقين، مندلي، بدرة) من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، بهدف احتوائه أرضاً وسكاناً، ليس جديداً؛ فقد ترتب على التخطيط الأخير للحدود العراقية – الإيرانية وفقاً لبروتوكولات الآستانة بين سنتي (1913-1914) أن اكتسب هذا المحور أهمية استراتيجية لكلا البلدين، العراق وإيران، وذلك من خلال:
سيطرة إيران العسكرية على السهل العراقي الممتد باتجاه العاصمة بغداد، من مرتفعات جبال زاكروس الكوردية التي تمثل في جزء منها الحدود بين البلدين.
تحكم الإيرانيين بمنابع السيول والجداول والأنهار القادمة إلى العراق من داخل إيران (كوردستان إيران)، والتي يعتمد عليها سكان خانقين ومندلي وبدرة في حياتهم اليومية والزراعية.
تقسيم حقول النفط بين الدولتين العراقية والإيرانية، كما تمت تجزئة العشائر الكوردية على طرفي الحدود بين العراق وإيران.
وتأسيساً على ذلك، اكتسبت هذه المنطقة ذات الأغلبية الكوردية أهمية استراتيجية، كونها تقع أيضاً في قلب منطقة التخصّر الحدودي بين البلدين، التي تبدأ من حلبجة في محافظة السليمانية وتنتهي عند بدرة في محافظة واسط، وعندها تقترب الحدود العراقية – الإيرانية من العاصمة بغداد بحيث لا تزيد المسافة بينهما على (150) كم فقط.
ولهذا سعت الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ تأسيس الدولة العراقية العربية في 23 آب 1921، إلى وضع برامج وخطط تهدف إلى ترقيق الوجود الكوردي وتقليله في كوردستان العراق أرضاً وشعباً. فأصدرت سنة 1925 قانون الجنسية العراقية الذي صنف المجتمع العراقي إلى تبعية عثمانية تركية وتبعية إيرانية فارسية. وفي الوقت الذي شجعت فيه الحكومة العراقية المجموعة الأولى (التبعية العثمانية) على الحصول على الجنسية العراقية، وضعت كثيراً من العقبات أمام المجموعة الثانية (التبعية الإيرانية)، الأمر الذي أدى إلى حرمان شريحة واسعة من الكورد الفيليين من الجنسية العراقية، وكان مبرراً لموجات متكررة من تسفيرهم إلى خارج الوطن. وكانت هذه الحملات تتصاعد كلما زاد التوتر السياسي أو العسكري بين البلدين الجارين إيران والعراق، ولا سيما في النصف الثاني من القرن الماضي.
وكان من نتائج تلك السياسة اللاعقلانية للحكومات العراقية السابقة الانخفاض المستمر للسكان الكورد في محافظة ديالى، إذ انخفضت نسبتهم من (26%) من مجموع سكانها إلى أقل من (11%) خلال الفترة بين سنتي (1947-1977)، بمعدل (5%) كل عشر سنوات. وانخفضت في مركز قضاء خانقين من (81%) إلى (27%)، بمعدل (18%) كل عشر سنوات، ومثل ذلك في مركز ناحية مندلي وفي ناحية قزلرباط (السعدية).
ومع سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 تنفس الأكراد من سكان هذه المناطق الكوردية الصعداء، آملين عودة المسفرين والمهجرين قسراً من الكورد إلى أرض الوطن، والتعويض عما فاتهم من الظلم والتشرد والحرمان، إلا أن خيبة الأمل بقيت تراودهم. فمع أن عدداً من هؤلاء الأكراد عادوا إلى ديارهم، فإن محاولات السلطات الحكومية القائمة، ولا سيما في نواحي قره تبه والسعدية (قزلرباط) وجلولاء، وأكثرهم من العرب القادمين إلى المنطقة الكوردية من أجل التعريب، والهادفة إلى تصفية الكورد في تلك النواحي، دفعت كثيراً من العائدين الكورد إلى التشرد والغربة من جديد، بل كاد القتال يتجدد في آب 2008 بين الجيش العراقي الزاحف إلى المنطقة الكوردية وبين السكان الكورد في منطقة خانقين.
ولا شك في أن اقتراب موعد التعداد السكاني القادم سنة 2010 دفع السلطات العراقية في ذلك الوقت إلى مزيد من الضغوط باتجاه تهجير العوائل الكوردية قسراً من جديد من تلك المناطق الكوردية المتنازع عليها، وتشجيع العرب القادمين من جنوب العراق ووسطه لغرض التعريب على الاستقرار في تلك النواحي الكوردية التي تركها الأكراد قسراً، الأمر الذي خلق فيها بؤر توتر قابلة للانفجار في كل حين.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الجدل لا يزال قائماً حتى الآن بين ممثلي إقليم كوردستان العراق في الهيئة المشرفة على تعداد السكان في العراق وممثلي الحكومة المركزية في بغداد حول تثبيت فقرة «القومية» في استمارة التعداد، إذ لم تتم الموافقة عليها، بينما لم يكن هناك اعتراض على فقرة «الديانة». وهذا يعكس مخاوف السلطات المركزية في حال تنفيذ التعداد المذكور، لأنه سيكشف لأول مرة، وبشكل قريب من الواقع، الثقل السكاني للكورد في العراق من جهة، وتوزيعهم الجغرافي والقومي على مستوى العراق والمحافظات من جهة أخرى، كما سيميط اللثام عن حقيقة التوزيع القومي للكورد في المناطق الكوردية المتنازع عليها، ويمهد الطريق لتنفيذ المادة (140) الدستورية، وبالتالي تثبيت الحدود الإدارية لإقليم كوردستان الفدرالي.
من هنا تتضح بجلاء الهواجس المتراكمة لدى السلطات الاتحادية في بغداد، وترددها المستمر في تنفيذ التعداد السكاني الشامل للعراق أو تنفيذ المادة (140) من دستور العراق. فقد سبق أن تم تأجيل التعداد السكاني الذي كان مزمعاً إجراؤه سنة 2007 تمهيداً لتنفيذ تلك المادة إلى سنة 2008، ثم إلى 2009، ثم إلى 2010، وهكذا. ومن يدري، فقد يتم تأجيله من جديد في اللحظة الأخيرة إلى إشعار آخر، مثلما جرى بالنسبة للتعداد السكاني لسنة 1970، الذي كان متفقاً على أن يجري في تشرين الأول من ذلك العام، كما نصت عليه بنود اتفاقية 11 آذار 1970 بين القيادة الكوردية والحكومة العراقية السابقة، بهدف تحديد منطقة كوردستان للحكم الذاتي، إلا أنه أُجّل إلى إشعار آخر، ولم يجرِ إلا سنة 1977.
تُرى، هل ترى الحكومة الاتحادية أو سواها أن الوقت لم يكن مناسباً لإجراء التعداد السكاني للعراق خلال السنوات السابقة، أم أنه لم يكن في مصلحتها إجراؤه؟ فهي والحالة هذه تنتظر ظروفاً مماثلة لظروف الكورد سنة 1977 لتقوم بتنفيذه.
والغريب ألا تعتبر الحكومات العراقية المتعاقبة وتأخذ الدرس وتستفيد من تاريخها، والأغرب منه ألا تعيد النظر في مواقفها بين الحين والآخر حينما تستجد الأحداث وتتغير المعطيات. فقد سبق أن عُيّن علي حسن المجيد حاكماً عاماً على كوردستان في نيسان 1987، وذلك قبل عدة شهور من التعداد السكاني للعراق الذي جرى في تشرين الأول 1987، وكان الهدف وضع الخطط والبرامج لتجريد الريف الكوردستاني من مراكزه السكنية تمهيداً لتنفيذ التعداد المذكور. واستُخدم من أجل ذلك التهجير القسري ووسائل القتل والدمار لإخلاء السكان الكورد وتشريدهم قسراً من مناطقهم الجغرافية والتاريخية في كوردستان العراق التي عاشوا فيها منذ آلاف السنين، بما في ذلك استخدام الأسلحة المحرمة دولياً ضد الشعب الكوردي الذي لم يقبل ترك أرضه ووطنه كوردستان.
وبعد الانتهاء من تعداد 1987 تجمعت لدى علي حسن المجيد كل المعلومات عن التوزيع الجغرافي للقرى الكوردية المتبقية وعدد سكانها الأكراد في كوردستان العراق، مما أتاح له وضع مخططه الإجرامي المعروف بعمليات الأنفال السيئة الصيت خلال الفترة بين شهري شباط وأيلول من سنة 1988.
وبعد كل ذلك، هل لنا أن نعتبر من الماضي، ونتجاوز مآسي عمليات الأنفال السيئة الصيت، وحروب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الكوردي، وسنين الظلم والتشرد والحرمان، وآهات الثكالى وأنين الجرحى وبكاء اليتامى، ونفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الشعبين العربي والكوردي، نكتب عليها سطور البناء والإعمار لعراق مزدهر وآمن ومستقر وديمقراطي يتسع لجميع مكوناته؟
التعداد القادم للسكان في العراق ومستقبل العملية السياسية في العراق الجديد (3)
ينشغل العراقيون اليوم بموضوع التعداد السكاني القادم بدرجة لا تقل عن اهتمامهم بمستقبل العملية السياسية في البلاد. فالتعداد بالمفهوم العلمي هو: “حصر وتسجيل المعلومات والبيانات الديموغرافية للمجتمع المعني”، وقد توسع هذا المفهوم في العقود الأخيرة ليشمل “تسجيل كافة الموارد البشرية في منطقة معينة وفي وقت محدد”.
لذلك تعد مثل هذه العمليات الأساس لوضع أي برامج وخطط ذات علاقة بالتطور والتنمية القومية، وعلى كافة المستويات: المحلية والإقليمية والقومية.
أما أهداف التعدادات السكانية فقد كانت محصورة في الوصول إلى عدد من المؤشرات الديموغرافية ذات العلاقة المباشرة بجمع الضرائب، أو معرفة الشباب القادرين على العمل، أو المشمولين بالتجنيد العسكري. إلا أن أهداف التعداد قد توسعت اليوم لتشمل كثيراً من الجوانب الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، ولا سيما ذات العلاقة باتجاهات خصوبة الأسرة، وسن الزواج، والمستوى التعليمي والصحي، إلى جانب الخصائص الديموغرافية ذات العلاقة بالأسرة، وفي مقدمتها التكوين القومي واللغوي والديني للسكان.
في ضوء ذلك تتجلى أهمية التعدادات السكانية التي نالت اهتمام الدول منذ القدم، إذ سعى الصينيون والبابليون والمصريون، وكذلك الرومان، إلى معرفة خصائص المجتمعات التي يسيطرون عليها، ليسهل عليهم إدارتها وتنظيم شؤونها والتحكم بها.
وفي العصر الحديث كانت أمريكا وعدد من الدول الأوروبية في مقدمة الأقطار التي اهتمت بتطوير تعدادات سكانها؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية جرى أول تعداد سنة 1790م، وفي بريطانيا وفرنسا سنة 1801م، وفي مصر جرى أول تعداد سنة 1897م، بينما لم تجرِ التعدادات في دول الخليج إلا في فترة متأخرة: ففي دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1968، وفي دولة قطر سنة 1970.
وفي العراق كانت أول محاولة لتعداد السكان في سنة 1927، لمعرفة حجم السكان وتوزيعهم الجغرافي، لكنها لم يكتب لها النجاح، لحداثة عهد الحكومة الملكية العراقية بمثل هذه العمليات من جهة، وظروف عدم الاستقرار في البلاد من جهة أخرى، كما فشلت المحاولة الثانية سنة 1934.
ويعد التعداد العام في العراق سنة 1947 أول تعداد يمكن الاعتماد عليه رسمياً، إذ وُزّعت استمارة التعداد على الأسر العراقية، وأُعلن يوم التعداد عطلة رسمية. وعلى الرغم من الملاحظات الكثيرة على نتائجه، فقد نُشرت بياناته في ثلاثة مجلدات: الأول عن الألوية الشمالية الكوردية في كوردستان العراق، والثاني عن الألوية الوسطى، فيما تناول الثالث الألوية الجنوبية. بيد أن ظروف عدم الاستقرار التي كانت تمر بها المنطقة الكوردية بسبب تفاعلات حركات بارزان بين 1943 و1947 انعكست سلباً على نتائجه، فجاءت بعيدة عن الواقع الديموغرافي لسكان كوردستان.
ولما كان العراق يجري تعداداته كل عشر سنوات، فقد كان عام 1957 موعداً لتعداد سكانه، وذلك في شهر تشرين الأول 1957، الذي أصبح قاعدة لكل التعدادات، لملاءمته من حيث المناخ واستقرار السكان، واستفادة الدولة من الطلبة والكادر التدريسي في شؤون التعداد، إضافة إلى مبررات ديموغرافية خاصة.
ويعد تعداد السكان لسنة 1957 الأفضل بين جميع تعدادات السكان في العراق، ولا سيما في كوردستان العراق التي كانت تنعم آنذاك بالأمن والاستقرار، كما ساهمت الأمم المتحدة في نجاحه، ونُشرت بياناته في (18) مجلداً بين سنتي (1961-1963).
وبينما كان مقرراً إجراء التعداد التالي سنة 1967، دفع سعي العراق إلى الوحدة مع سوريا ومصر الحكومةَ العراقية إلى تقديمه إلى سنة 1965، على الرغم من أن المنطقة الكوردية في كوردستان العراق كانت ساحة لحركات عسكرية منذ ثورة 11 أيلول 1961، ولذلك فشل التعداد في الوصول إلى نتائج واقعية، ولا سيما في كوردستان العراق، ونُشرت نتائجه في مجلد واحد فقط سنة 1973.
وفي ضوء اتفاقية 11 آذار 1970 بين القيادة الكوردية والحكومة العراقية تقرر إجراء تعداد لسكان العراق في السنة نفسها لترسيم الحدود الإدارية لمنطقة كوردستان العراق، وكانت الظروف مهيأة تماماً لذلك، إلا أن الحكومة العراقية السابقة قررت تأجيله إلى إشعار آخر، للحيلولة دون الكشف عن الوزن الديموغرافي للكورد في كوردستان العراق من جهة، ودون تحديد منطقة كوردستان العراق من جهة أخرى.
وفي سنة 1977 جرى تعداد آخر لسكان العراق، وجندت له الحكومة العراقية كل الإمكانات اللازمة لنجاحه، إلا أن الظروف التي كانت تمر بها المنطقة الكوردية لم تكن مشجعة على نجاحه؛ إذ كانت لانتكاسة ثورة 11 أيلول 1961 الكوردية وتنفيذ اتفاقية الجزائر في 6 آذار 1975 انعكاساتها في عمليات الترحيل والتهجير الواسعة التي تعرض لها السكان الكورد العائدون، الذين هُجّروا من مناطق سكناهم الكوردية إلى محافظات وسط العراق وجنوبه، كما جُمع الآلاف من سكان القرى الكوردية المرحّلة في معسكرات خاصة بالقرب من المدن الكبيرة أو على امتداد الطرق العامة. ولذلك جاءت نتائج التعداد المذكور بعيدة عن الواقع الديموغرافي للسكان.
ومع تصاعد حدة الحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت سنة 1980، حلّ الموعد المقرر لتعداد السكان سنة 1987. وقد شمل لهيب هذه الحرب كافة المحافظات المجاورة لإيران، ولا سيما منطقة كوردستان العراق، حيث أُحرقت ودُمّرت مئات القرى والقصبات الكوردية الحدودية، واستعملت الحكومة العراقية كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرمة دولياً، بهدف إبادة السكان الكورد في المنطقة الكوردية الحدودية، الأمر الذي انعكست نتائجه على مجريات التعداد المذكور، وبات غير عملي الاستفادة منه بأي حال من الأحوال. ومع ذلك نُشرت نتائجه على أساس مجلد واحد لكل محافظة، مثلما حصل لنتائج تعداد السكان لسنة 1977 أيضاً.
وكان عام 1997 موعداً لآخر تعداد سكاني جرى في العراق، ولم تشارك فيه المحافظات الكوردية دهوك وأربيل والسليمانية وأجزاء من محافظتي ديالى وكركوك، لأنها كانت خارج إدارة الحكومة العراقية السابقة.
وتأسيساً على ذلك، فإن التعداد القادم لسكان العراق يمثل أملاً يراود شعب كوردستان لإثبات وجوده وحجمه ودوره في بناء الدولة العراقية الجديدة وتكوينها، كما ستكون نتائجه الحجر الأساس لكافة البرامج والخطط الخاصة بعمليات التنمية التي تجري اليوم في الإقليم، فضلاً عن أن نتائج التعداد القادم ستمهد الطريق لحل كثير من المشكلات القائمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، وفي مقدمتها مشكلة المناطق الكوردية المتنازع عليها في كوردستان العراق.
ومن المتوقع أن تسعى الحكومات العراقية إلى الحيلولة دون إجراء مثل هذه التعدادات في الوقت الذي ينعم فيه شعب كوردستان بالأمن والاستقرار، للحيلولة دون الوصول إلى معرفة حقيقة الوزن الديموغرافي للكورد في كوردستان العراق أو تحديد المنطقة الجغرافية الكوردية في كوردستان العراق. ولقد فعلتها الحكومة السابقة وقيادة حزب البعث حينما أجلت التعداد الذي كان مقرراً سنة 1970 إلى إشعار آخر، وها هي الحكومات العراقية الجديدة تسعى إلى تأجيل مستمر للتعداد القادم للسكان في العراق، الذي كان مقرراً له قانوناً ودستوراً سنة 2007، متذرعة بحجج لا ترتقي إلى مستوى أهمية مثل هذه التعدادات وضرورتها.
ولا شك في أن ورقة العمل التي قدمتها الكتل الكوردستانية في البرلمان العراقي مؤخراً إلى الكتل الفائزة في انتخابات ربيع عام 2014، متضمنة بنداً يتعلق بضرورة إجراء التعداد السكاني في موعده، إنما تعكس أهمية هذا التعداد لشعب كوردستان وللعملية السياسية في العراق. وربما سيكون التعداد القادم محراراً يحدد العلاقات المستقبلية بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.
المصادر
د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص106-108.
د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص109-112.
د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص113-116.