الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المناطق الكوردية المتنازع عليها والطريق إلى الأمم المتحدة

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

لا تقتصر الأهمية الإستراتيجية للمنطقة الكوردية المتنازع عليها على موقعها الجغرافي فحسب، بل تشمل أيضاً أهميتها الاقتصادية والإثنوغرافية(1)؛ فهي ملتقى القوميات والطوائف والأديان، مثلما هي مركز تسويق وتبادل للسلع والبضائع والخدمات بين منطقة الجبال والمرتفعات (كوردستان) من جهة، والبوادي والسهول (المناطق العربية) من جهة أخرى. فليس غريباً أن تكون المناطق المتنازع عليها محور نزاع استمر، ولا يزال، عقوداً طويلة بين القيادات الكوردية في كوردستان العراق والحكومات المركزية المتعاقبة في بغداد، كما تُعدّ مقياساً (محراراً) لمستوى العلاقة بينهما.

ومع تزايد الأهمية الإستراتيجية لهذه المنطقة اقتصادياً وديموغرافياً، وتنامي الوعي القومي الكوردي بين مواطني كوردستان العراق عامة، ومواطني المناطق المتنازع عليها خاصة، وحرصهم على انتزاع حقوقهم القومية المشروعة، استخدمت الحكومات العراقية المتعاقبة شتى الطرق والوسائل لإحكام سيطرتها على المنطقة الكوردية، وكثّفت جهودها لتغيير الطابع القومي الكوردي لسكانها لصالح العرب الوافدين إليها من وسط العراق وجنوبه، أي تعريبها. وكانت عمليات الأنفال السيئة الصيت أخطر صور التطهير العرقي التي تعرّض لها الشعب الكوردي.

وإذا تجاوزنا الماضي البعيد من التاريخ القومي الكوردي للمناطق المتنازع عليها، فإن المعروف عند المؤرخين أن ولاية الموصل (كوردستان العراق) كانت ذات أغلبية كوردية، وكانت مدينة كركوك الكوردية من أبرز مدنها، كما كانت مركزاً لولاية شهرزور الكوردية قبل تشكيل ولاية الموصل. وقد أكد تقرير لجنة عصبة الأمم لتقصي الحقائق سنة 1925 هذه الحقيقة، وجاء فيه:

1- أن ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية، كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية، وضمنها الأراضي المتنازع عليها، لم تكن يوماً من الأيام جزءاً من العراق العربي، بل كانت تعود إلى عراق العجم (المنطقة الكوردية).

2- أن حدود العراق العربي لا تمتد شمالاً أبعد من تكريت على نهر دجلة وهيت على نهر الفرات.

3- أن في منطقة العراق ثلاثة أقاليم متميزة هي: العراق الجنوبي العربي، والجزيرة الكوردية الغربية، وإقليم عراق العجم (كوردستان العراق الحالية).

ويتفق معظم المؤرخين العرب والمستشرقين على أن كركوك كانت جزءاً من المنطقة الكوردية (كوردستان)، وعاصمةً لولاية شهرزور الكوردية، ووصفها كتاب «دليل مشاهير الألوية العراقية» في مقدمته بأنها «عروس كوردستان».

وعلى الرغم من تعدد الطروحات الخاصة بحل مشكلة كركوك والمناطق الكوردية الأخرى المتنازع عليها من قبل الأطراف المعنية بالقضية الكوردية، فإنها عجزت عن إيجاد مخرج عادل يرضي جميع الأطراف، بل كثيراً ما كانت المفاوضات حول مدينة كركوك تعيد النقاش بين تلك الأطراف إلى نقطة الصفر!

وبعد سقوط النظام السابق وحزب البعث في 9 نيسان 2003، اعترفت الإدارة العراقية الجديدة بالحكم الفيدرالي وبحكومة إقليم كوردستان، وذلك على النحو الآتي:

1- الاعتراف بالنظام القائم في إقليم كوردستان العراق بعد انتفاضة سنة 1991 وبحدوده الحالية.

2- إرجاء البت في المناطق الكوردية الأخرى المتنازع عليها خارج حدود الإقليم، بما فيها كركوك، في ضوء المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، التي تنص على ضرورة التطبيع في تلك المناطق، وإجراء إحصاء لسكانها تمهيداً لاستفتاء أبنائها. وهكذا وضعت المادة (58) حجر الأساس لحل عادل ومقبول يكون أساساً لترسيم الحدود الإدارية لإقليم كوردستان العراق. ثم جاءت المادة (140) من الدستور العراقي الحالي امتداداً للمادة (58) المذكورة.

وتتجلى أهمية المادة (140) في أنها حدّدت المراحل الثلاث بسقف زمني نهايته 31 كانون الأول 2007، إلا أنها لم تحدّد المناطق المعنية بها، ولا طريقة تحديد المشمولين بالاستفتاء، مما فتح باب الاجتهاد على مصراعيه خلال مراحل التنفيذ.

وبينما كان تطبيق المادة (140) يسير ببطء شديد ويتعرض لصعوبات جدية، أعاد مشروع «بيكر – هاملتون» المسألة إلى المربع الأول! إذ صوّر الأمر قنبلةً موقوتة، ودعا إلى التدخل الدولي والإقليمي وتأجيل الاستفتاء.

وفي قناعتي أن مثل هذه الطروحات كانت متوقعة على الساحة العراقية، سواء من قبل الأمريكيين أو الدول الإقليمية. وقد سبق أن أشار الدكتور خليل إسماعيل محمد، في مقالة نُشرت في مجلة «گولان» الأربيلية في آب 2007 بعنوان «المادة 140 بين التفعيل والتأجيل»، إلى «أن القيادة الكوردية يفترض أن تكون مستعدة لمثل هذه الاحتمالات، وأن تكون لها بدائل للخروج من مأزق متوقع. ومن بين البدائل التي طُرحت الموافقة على تمديد الفترة الزمنية للمادة (140)، شريطة إلحاق الوحدات الإدارية ذات الأغلبية الكوردية الكبيرة بإقليم كوردستان استثناءً من المادة (140)».

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها: دراسة في الجغرافية السياسية، مؤسسة موكرياني للبحوث والنشر، أربيل.