الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

المناطق الكوردية المتنازع عليها ومشكلات تنفيذ المادة (140) الدستورية

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

منذ إلحاق ولاية الموصل (كوردستان العراق) ذات الأغلبية الكوردية بالدولة العراقية العربية الجديدة سنة 1925، أخذت القضية الكوردية في العراق حيزاً واسعاً في أولويات برامج الحكومات العراقية المتعاقبة، بهدف تعزيز نفوذها على المنطقة الكوردية وإحكام السيطرة عليها وعلى القضية الكوردية، وذلك من خلال ترقيق الوجود الكوردي وتقليله في المنطقة الكوردية (كوردستان العراق)، وإضعاف دور الكورد، تمهيداً لصهر الكورد في بوتقة الأمة العربية.(1)

وكانت المنطقة الكوردية من كوردستان العراق الممتدة من قضاء سنجار/شنكال في محافظة نينوى إلى قضاء بدرة في محافظة واسط هي الأكثر معاناةً من سياسة الصهر القومي هذه، التي تمثلت في حملات التهجير والترحيل والتسفير القسري، وعمليات الأنفال والإبادة الجماعية، حتى سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003.

تباين الآراء في تحديد المنطقة الكوردية

وتتباين الآراء في تحديد مثل تلك المناطق الكوردية، كما تختلف في تحديد جغرافية إقليم كوردستان العراق. فمن الملاحظ أن الحكومات العراقية المتعاقبة على حكم العراق ترى في تحديد المنطقة الكوردية خطراً لا يجوز الحديث عنه بأي حال من الأحوال؛ لذلك كانت مصطلحات «كوردستان» و«الوطن الكوردي» وحتى «المنطقة الكوردية»، ولا تزال، محظورة التداول في أغلب الأدبيات السياسية في مؤسسات الدولة الرسمية. ولعل الدعوة إلى «اللامركزية» للكورد في العقد السادس من القرن الماضي، و«فدرالية المحافظات» بعد سقوط النظام العراقي في 9 نيسان 2003، تكشف بجلاء مثل هذا الاتجاه.

كما أن الجانب الكوردي كان، إلى وقت قريب، يتردد في ترسيم الحدود القومية للوطن الكوردي في كوردستان العراق، في ظل تباين الآراء واختلاف وجهات النظر. ففي سنة 1929 قدّم عدد من النواب الكورد مذكرة إلى الحكومة العراقية في حينها، طالبوا فيها بتشكيل إدارة ذاتية كوردية تضم ألوية أربيل والسليمانية وكركوك، ولواءً جديداً باسم «دهوك». فيما قدّم الشيخ محمود الحفيد مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس، طالب فيها بإقامة كيان كوردي مستقل (كوردستان العراق) يمتد من زاخو إلى خانقين.

وتقدمت القيادة الكوردية سنة 1944 بطلب إلى الحكومة العراقية لتشكيل «ولاية كوردستان» تتكون من ألوية أربيل والسليمانية وكركوك، والأقضية الكوردية من لواء الموصل دون تحديدها، بالإضافة إلى قضائي خانقين ومندلي في لواء ديالى. وفي سنة 1964 تقدم الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمشروع يتضمن تحديد المنطقة الكوردية بألوية أربيل والسليمانية وكركوك، والنواحي التي تسكنها أكثرية كوردية في لوائي الموصل وديالى، وقد شُكّل منها لاحقاً لواء دهوك.

أما قانون «ولاية كوردستان» لسنة 1972 فكان يضم محافظات أربيل والسليمانية وكركوك ودهوك، بالإضافة إلى أقضية سنجار وتلعفر وتلكيف وعقرة والحمدانية من محافظة نينوى، وأقضية خانقين ومندلي ومركز قضاء المقدادية (شهربان) وناحية المنصورية من محافظة ديالى. وفي الأدبيات السياسية للاتحاد الوطني الكوردستاني تبدأ المنطقة الكوردية في كوردستان العراق من مندلي عند الحدود العراقية-الإيرانية، وتمتد باتجاه سنجار/شنكال على الحدود العراقية-السورية (انظر الخارطة أدناه).

خارطة إقليم كوردستان العراق

خارطة إقليم كوردستان العراق

أما مشروعا دستور إقليم كوردستان العراق لسنتي 2002 و2005 فقد حدّدا الإقليم الكوردي بمحافظات أربيل والسليمانية وكركوك ودهوك، وأقضية عقرة وسنجار وتلعفر وتلكيف والشيخان، ونواحي زمار وبعشيقة وإسكي كلك من محافظة نينوى، بالإضافة إلى أقضية خانقين ومندلي وبدرة من محافظة ديالى، والمناطق الكوردية الأخرى التي تقطنها أغلبية كوردية دون تحديدها.

مما سبق يظهر التباين في آراء السياسيين الكورد وتوجهاتهم في تحديد إقليم كوردستان العراق حتى سنة 2006، حين أُعدّت خريطة للإقليم الكوردي (كوردستان العراق) حظيت بموافقة البرلمان الكوردستاني والقيادة السياسية للإقليم، وتتمثل في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وكركوك، وأقضية سنجار وتلعفر (عدا المركز) والشيخان والحمدانية وتلكيف من محافظة نينوى، ومندلي (عدا بلدروز) وخانقين في محافظة ديالى، وقضاء بدرة في محافظة واسط.

وهذا يعني أن أكثر من 50% من مساحة إقليم كوردستان العراق هي اليوم خارج الإدارة الكوردية للإقليم، ضمن منطقة الحكم العراقي (الاتحادي)، وتمثل في نظر الدستور العراقي مناطق كوردية متنازعاً عليها شملتها المادة (140) منه. لاحظ الجدول الآتي:

جدول (1): سكان ومساحة المناطق الكوردية المتنازع عليها

الوحدة الإدارية السكان % المساحة %
قضاء سنجار 9.4 7.2
قضاء تلعفر 12.8 11.1
قضاء تلكيف 5.0 3.1
قضاء الشيخان 2.2 3.3
قضاء الحمدانية 4.7 2.9
قضاء مخمور 6.5 6.8
قضاء كركوك 25.1 13.8
قضاء الحويجة 4.8 7.7
قضاء دوبز 1.7 4.0
قضاء كفري 4.0 5.5
قضاء دوز خورماتو 8.4 5.8
قضاء خانقين 10.5 8.7
ناحية مندلي 2.6 2.9
ناحية قزانية 0.9 8.1
قضاء بدرة 1.4 9.1

المادة (140) وأسباب تعثر تنفيذها

وتقضي المادة (140) من دستور العراق الحالي بأن يصار إلى تطبيع الأوضاع في المناطق الكوردية المتنازع عليها، وإجراء إحصاء لسكانها الكورد، تمهيداً لاستفتائهم حول الالتحاق بإقليم كوردستان أو البقاء ضمن إدارة الحكومة العراقية الاتحادية. كما حُدّد 31 كانون الأول 2007 سقفاً زمنياً لتنفيذ ذلك، إلا أن تباطؤ السلطة التنفيذية في العراق حال دون تنفيذ المادة حتى الآن، لأسباب معروفة لدى الجميع.

وإلى جانب اللوم الذي يقع على القيادة السياسية لإقليم كوردستان في اعتمادها الكلي على السلطة الاتحادية في بغداد في إجراءات تنفيذ المادة (140)، وفي حسن النية الذي كان يؤطر الاجتماعات معها، فإن عدداً من الثغرات التي احتوتها المادة كانت من أبرز أسباب عدم تنفيذها بالشكل المطلوب، ومنها:

1- عدم تحديد المناطق الكوردية المتنازع عليها، والاكتفاء بعبارة «كركوك والمناطق الأخرى».

2- عدم الإشارة، عند تحديد صلاحيات الإقليم (كوردستان) والدولة الاتحادية (بغداد)، إلى وضع المناطق الكوردية المتنازع عليها، مما جعل صلاحية التعامل معها محل اجتهاد.

3- استمرار إجراءات التعريب بأشكال وصور مختلفة في المناطق الكوردية المتنازع عليها من قبل السلطات المحلية، دون أن تضع الحكومة الاتحادية في بغداد حداً لها.

كما أن تشكيل ما يسمى أفواج «الصحوات» و«الإسناد»، وتحريك الجيش صعوداً إلى هذه المناطق الكوردية، حالا دون تطبيع الأوضاع فيها حتى الوقت الحاضر.

وفي ضوء ما سبق، لا يزال المواطنون الكورد في تلك المناطق يحلمون بالأمن والاستقرار والرعاية والاهتمام من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، ومن قبل حكومة إقليم كوردستان كذلك، لا سيما في الجانب الخدمي، وبتشجيع المهجّرين الكورد على العودة إلى ديارهم ومناطقهم التي شُرّدوا وهُجّروا منها، ومساعدة العائدين على الحياة الكريمة الآمنة في المناطق التي هُجّروا منها قسراً.

إن إنهاء مشكلة المواطنين الكورد في المناطق الكوردية المتنازع عليها، من خلال الإسراع في تنفيذ المادة (140)، سيسهم في إسدال الستار على قضية كانت حتى عهد قريب تستنزف الكثير من إمكانات هذا البلد وطاقاته، بل حتى سيادته واستقلاله، كما سيعزز العلاقات التاريخية بين أبناء هذه المناطق لصالح وحدة الأرض والوطن (العراق).

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص91-96.