الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الموقف الكوردي من الوضع الحالي
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2013
1. موقف التحالف الكوردستاني من وحدة العراق
إن حكومة إقليم كوردستان تتمسك بوحدة العراق في ضوء المادة (1) من الدستور، التي تنص على أن: “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق”.
2. الموقف من تفرد رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بالسلطة
يؤكد الدستور توزيع الرئاسات الثلاث أو الأربع بين مكونات الشعب العراقي، وعلى هذا قُبل ما اتُّفق عليه في اتفاقية أربيل من إناطة رئاسة الجمهورية بالأستاذ جلال الطالباني من التحالف الكوردستاني، ورئاسة مجلس الوزراء بالسيد نوري المالكي رئيس حزب الدعوة من التحالف الوطني، ورئاسة مجلس النواب بالسيد أسامة النجيفي من القائمة العراقية، ورئاسة مجلس القضاء الأعلى بالسيد مدحت المحمود من المكون الشيعي. وعلى هذا الأساس وُزّعت الوزارات بين المكونات الرئيسة المذكورة.
غير أن رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي لم يرشّح، عند تشكيل وزارته، وزراء للداخلية والدفاع والأمن الوطني ولا رئيساً لجهاز المخابرات، وتولى إدارتها بنفسه، إضافة إلى تفرده بإدارة القيادة العامة للقوات المسلحة متخطياً دور رئيس أركان الجيش العراقي، وهو من التحالف الكوردستاني. وقد وفّر له ذلك إمكانية التفرد بالسلطة المادية المتمثلة بقوات تلك الأجهزة، واتخاذ قرارات تنطوي على تجاوز صريح وخطير لنصوص الدستور. ومن أمثلة ذلك حشد قوات الجيش في مواجهة المناطق الكوردية المتنازع عليها في إقليم كوردستان العراق، وتشكيل قيادات للمناطق خلافاً للدستور وللهيكل التنظيمي لوزارة الدفاع، ونصب قادة عليها على أن يُقسموا على الولاء والتبعية له شخصياً بصفته رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس حزب الدعوة. وقد أخلّ ذلك بأهم مبدأ دستوري أكدته المادة (9/أولاً)، وهو أن الجيش لا يتدخل في الشؤون السياسية، وإنما هو كفيل بحماية حدود البلاد وسيادتها.
يضاف إلى ما تقدم أن رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي زجّ قوات الجيش والشرطة الاتحادية في حملات اعتقال منهجية وعشوائية بحق آلاف المواطنين، وكان يستهدف بها غالباً المكون السني، أو يتهمهم بموجب المادة (4) إرهاب، بدلالة المخبر السري وشهود الزور والاعترافات المنتزعة بالتعذيب.
كل ذلك دفع التحالف الكوردستاني إلى رفض سياسات التفرد والدكتاتورية المتمثلة بخرق نصوص الدستور، التي قادت البلاد إلى مزيد من الأزمات المتلاحقة، وكان من آثارها المواجهة شبه المسلحة مع قوات إقليم كوردستان (البيشمركه)، وتُوّجت أخيراً بالانتفاضة الشعبية في المحافظات السنية (الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى والتأميم) بسبب تراكم الظلم، ولا سيما على مكون معين هو السنة، وغياب الحد الأدنى من الخدمات ومن التوازن الاجتماعي في مؤسسات الدولة كافة.
وفي خطوات سابقة لُفت نظر رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي مراراً إلى ضرورة الإسراع في ترشيح وزراء للداخلية والدفاع والأمن الوطني ورئيس لجهاز المخابرات، لكنه استمر في المماطلة والتسويف. وتُوّجت هذه المطالبات المتكررة منذ تشكيل الحكومة العراقية باجتماع أربيل، الذي ضم قيادات القائمة العراقية والتحالف الكوردستاني والتيار الصدري، وطُرح فيه مشروع سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي لعدم تنفيذه بنود اتفاقية أربيل والدستور العراقي، وعلى رأسها إشغال الوزارات الأمنية المذكورة، لكن المحاولات والاستدراج والوعود من جانب التحالف الوطني حالت دون سحب الثقة.
ولا يفوتني أن أذكر أن رئيس إقليم كوردستان الأستاذ مسعود البارزاني قد شخّص مبكراً خطورة تفرد رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي بالسلطة واستغلاله منصب القائد العام للقوات المسلحة، وهو ما سيقود حتماً إلى صورة من صور الدكتاتورية الضارة بمصلحة الشعب العراقي والتحالف الكوردستاني. وقد حاول مرات عدة ثني رئيس مجلس الوزراء عن هذا النهج الذي لم يعد مقبولاً من عموم الشعب العراقي، ومن الشعب الكوردي خصوصاً، بسبب ما عاناه من سياسات الأنظمة الدكتاتورية السابقة في حكومات بغداد، التي قادت إلى الاقتتال عقوداً من الزمن بين إخوة الوطن من العرب والكورد.
3. الموقف من استئثار حزب واحد بالسلطة
تنفيذاً لأحكام الدستور، ولا سيما المادة (9/أولاً) التي أكدت تشكيل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي بما يراعي توازنها وتماثلها دون إقصاء أو تهميش، فإن استئثار حزب واحد أو مكون واحد بهذه الأجهزة وبمؤسسات الدولة ينطوي على خرق فاضح للنصوص الدستورية. وطالما طالب التحالف الكوردستاني، في اللقاءات والاجتماعات والمخاطبات والتصريحات كافة وعبر كل الوسائل، بوجوب التوازن الاجتماعي لجميع المكونات في مؤسسات الدولة كافة، فضلاً عن تأكيده رفض استئثار حزب الدعوة بالمناصب القيادية في مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش والشرطة والأمن الوطني والمخابرات وقوة مكافحة الإرهاب، التي أضحت، بعلم القاصي والداني، حكراً على قيادات حزب الدعوة. وقد أتاح ذلك للقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي، المسيطر على هذه الأجهزة، الجرأة على التلويح بقوتها والتهديد باستخدامها ضد معارضيه من شركائه في العملية السياسية، ناهيك عن استخدامها المفرط في كثير من الأحيان لتهديد المعارضين لسياساته الاستبدادية والدكتاتورية.
4. الموقف من تفعيل المادة (86) من الدستور العراقي
لقد طالب التحالف الكوردستاني منذ ولاية نوري المالكي الأولى بتفعيل المادة (86) من الدستور العراقي، وتقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب العراقي يحدد هياكل الوزارات واختصاصاتها وواجباتها وصلاحيات الوزير ووكلائه والمديرين العامين في كل وزارة. لكن نوري المالكي ظل على مدى أكثر من ست سنوات يماطل ويسوّف في تقديم هذا المشروع إلى مجلس النواب، متحكماً في صلاحيات هذه الوزارات وواجباتها وفق أهوائه وأهواء حزب الدعوة الذي يرأسه.
5. الموقف من استخدام الجيش والشرطة في قمع الشعب العراقي
لقد طالب التحالف الكوردستاني نوري المالكي منذ ست سنوات بتفعيل المادة (9/أولاً) من الدستور، التي حددت واجبات الجيش بحماية حدود البلاد وسيادتها، ومنعت استخدام الشرطة في قمع الشعب العراقي، ونصت على ألا تتدخل القوات المسلحة والقوات الأمنية في الشؤون السياسية، وألا يكون لها دور في تداول السلطة. لكن نوري المالكي ظل متجاوزاً هذا النص الدستوري، مستخدماً الجيش والشرطة الاتحادية في قمع الشعب العراقي، ومُلوّحاً بالقوة المسلحة ضد إقليم كوردستان وقوات الإقليم (البيشمركه)، وكادت تصرفاته أن تقود أكثر من مرة إلى مواجهة عسكرية لا نريدها ولا نتمناها.
- أما بالنسبة لاستخدام الشرطة الاتحادية في قمع الشعب العراقي، فقد طالب التحالف الكوردستاني منذ سنين كذلك بتفعيل المادة (84/أولاً) من الدستور العراقي، التي نصت على أن يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون ينظم عمل الأجهزة الأمنية وجهاز المخابرات الوطني، ويحدد واجباتها وصلاحياتها، على أن تعمل وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان، ولا تُستخدم لقمع الشعب العراقي، وتخضع في واجباتها لرقابة مجلس النواب. لكن نوري المالكي لم يقدم مشروع القانون، لكي تظل هذه الواجبات والاختصاصات مفتوحة النهايات يمارسها كيفما يشاء في محاربة المعارضين لسياساته الاستبدادية.
6. الموقف من تجاوز صلاحيات رئيس أركان الجيش العراقي
حين وافق التحالف الكوردستاني على إسناد وزارة الدفاع إلى مرشح القائمة العراقية، كان يهدف إلى إيجاد حالة من توازن القوى في إطار هذه الوزارة المهمة، وقد قبل إناطة رئاسة أركان الجيش وكالةً بالفريق بابكر الزيباري من التحالف الكوردستاني لتحاشي سياسات الأنظمة السابقة التي استغلت قوات الجيش العراقي في ممارسات غير دستورية وزجّتها في مواجهات داخلية. لكن نوري المالكي تعمد للأسف الشديد، منذ سنوات عدة، تهميش وكيل رئيس أركان الجيش الفريق بابكر الزيباري وعزله وسلب صلاحياته، مع أن دول العالم كلها تدرك أن القائد المهني الفعلي للجيش هو رئيس أركانه ومعاونوه، الذين يعلمون علم اليقين أن الجيوش في العالم حيادية ومهنية، لا تُقاد لأسباب أو دواعٍ فردية أو فئوية ضيقة، ولا يمكن أن تُستخدم لقمع الشعوب. ولعل أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك موقف الجيشين المصري والتونسي وقيادتيهما من الانتفاضات الشعبية، حرصاً منهما على الالتزام بأحكام الدساتير وعلى دورهما في حماية البلاد، لا في قمع الشعوب أو الخضوع لإرادات سياسية ذات طابع حزبي أو فئوي أو تابعة لتوجيهات دول أجنبية.
7. موقف القيادة الكوردية الكوردستانية من الانتفاضة السنية
إن القيادة الكوردستانية تنظر إلى المظاهرات التي اندلعت وتوسعت سريعاً في المحافظات ذات الأغلبية السنية، ومنها أحياء كثيرة من العاصمة بغداد، على أنها ناتجة عن حجم الظلم الفاحش الذي نال العرب السنة من العراقيين على يد الحكومة المركزية بقيادة نوري المالكي القائد العام للقوات المسلحة، من حملات القتل والاعتقالات المفتوحة والتهجير والإقصاء والتهميش في المجالات كلها، وفق قوانين سُوّغت بها العقوبات الجماعية التي نالت السنة، الذين وُصفوا ظلماً بالصداميين والبعثيين والتكفيريين وغير ذلك من الأوصاف التي لا تليق بهم. وقد أدت المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب، وقانون المساءلة والعدالة، وما عُرف بشرعية دور المخبر السري، دوراً في الاتهامات المفتوحة، ومن ذلك التخويل المطلق لقوى الأمن والجيش كلها بإلقاء القبض على من تشاء من العرب السنة بأوامر قبض موقّعة سلفاً. إلا أن أكثر القضايا التي أثارت هذه الجماهير المظلومة هي حالات الاغتصاب الجماعي التي طالت النساء من أهل السنة، اللاتي يُعتقلن بجريرة أزواجهن أو أبنائهن أو إخوانهن؛ إذ تعرضت 3374 امرأة للاغتصاب من أصل 5658 معتقلة، وقُتلت منهن أكثر من 200 امرأة تحت التعذيب، وفق آخر إحصائية من داخل السجون العراقية حتى عام 2012.
إن القيادة الكوردية الكوردستانية قد أثارت كثيراً من القضايا المتعلقة بالنهج الدكتاتوري للحكومة المركزية بقيادة نوري المالكي، الذي نقض 90% من الاتفاقيات كلها، ومنها اتفاقية أربيل الشهيرة التي عُقدت بين أركان النظام العراقي الجديد بعد التغيير عام 2003. وقد شكّل تجاوز الحكومة المركزية على الفقرات الأساسية للدستور العراقي المحور الأساسي للخلاف معها، ومن ذلك المادة (140) الخاصة بالمناطق الكوردية (الكوردستانية) المختلف عليها، ناهيك عن حصة الإقليم الكوردي وما يتصل بها من استثمار الطاقة.
وعليه فإن موقف القيادة الكوردية الكوردستانية يتضمن ما يأتي:
القيادة الكوردية قد سحبت ثقتها بالكامل من الحكومة المركزية بقيادة نوري المالكي.
القيادة الكوردية طالبت الحكومة المركزية في بغداد بالاستجابة للمطالب المشروعة التي نادت بها القوى المنتفضة من السنة، لأنها حقوق منتهكة.
القيادة الكوردية مع أي إجماع على سحب الثقة من حكومة نوري المالكي.
القيادة الكوردية مع أي مشروع لإصلاح السلطتين التنفيذية والقضائية.
القيادة الكوردية تعمل من أجل عراق موحد فدرالي اتحادي.
القيادة الكوردية مع أي حلول سلمية للمشكلات العالقة بين الإقليم والحكومة المركزية.
القيادة الكوردية تشجب أي مواقف تؤدي إلى إشعال الحرب الأهلية بين العراقيين جميعاً.
8. موقف التحالف الكوردستاني من المادة (140) من الدستور العراقي
نص المادة (140) من الدستور العراقي:
أولاً: تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها.
ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور، على أن تنجز كاملة (التطبيع والإحصاء وتنتهي بالاستفتاء في كركوك والمناطق الكوردية/الكوردستانية المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول سنة 2007.
يدرك التحالف الكوردستاني أن النص على المادة (140) في الدستور، باعتباره عقداً اجتماعياً وقانونياً وسياسياً، إنما يهدف إلى تسوية المسائل كافة في إطار الشعب الواحد والبلد الواحد بالحوار والمنطق والعقلانية، على أساس الإحصاء السكاني والتطبيع في هذه المناطق، والاستفتاء الحر النزيه لتحديد إرادة مواطنيها، بما يكفل العيش المشترك بين مكونات الشعب العراقي بعيداً عن أجواء الإقصاء ولغة الغالب والمغلوب، لكي يسود الوئام والسلام ربوع عراقنا الواحد الموحد.
9. المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية
تقوم الحكومة العراقية الانتقالية، ولا سيما الهيئة العليا لحل نزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، باتخاذ تدابير من أجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق، والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك، من خلال نفي الأفراد من الكورد وترحيلهم، أي التعريب سابقاً.
ويشمل ذلك الأفراد المقيمين والمرحَّلين والمنفيين والمهجَّرين قسراً والمهاجرين، بإعادتهم أو تعويضهم.