الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الوضع الإداري في كوردستان من معاهدة أرضروم إلى قيام الدولة العراقية

أ- الوضع الإداري الجديد في منطقة كوردستان

بعد عقد معاهدة أرضروم الثانية عام 1847. أسدل الستار نهائياً على إمكان تجدد الخلافات بين إيران الصفوية وتركيا العثمانية بشأن الحدود. وامتنعت إيران عن تقديم أي عون للتحركات الكوردية على طرف الحدود(1)... وكرست (اصبحت) كوردستان الشرقية من جديد تحت "الحكم الإيراني الصفوي " وحتى يومنا هذا.

وضعت الحكومة العثمانية ترتيبات وتبديلات إدارية جديدة بعد اصلاحات السلطان محمود الثاني وضم المناطق الكوردية (كوردستان) للإدارة العثمانية المباشرة. فقد غدت (اصبحت) الولايات العراقية الثلاثة (الموصل/كوردستان العراق الحالي وبغداد والبصرة) وأقاليمها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يجاورها وبمركز الإمبراطورية العثمانية وأصبحت العزلة السابقة السابقة بين ايران الصفوية والعثمانية التركية في حكم الماضي تقريباً، إن لم يكن بالنسبة لمناطق الجبال كوردستان وكانت أقل بالنسبة للمدن المتاخمة.

وعندما تولى مدحت باشا ولاية (بغداد) العراق عام 1869 وهو (أبو الدستور) صرف اهتمامه بشكل خاص نحو إكمال إدماج الولاية الثلاثة (الموصل وبغداد والبصرة) بالسلطنة العثمانية وانهاء عهد انفصالية الإقطاعات والإمارات والباشوات العرب والأكراد. فقرر أن يجذب إلى جانبه الإقطاعيين والمتنفذين ورؤساء القبائل وأن يثير اهتمامهم إلى الاستثمار السلمي الهادئ للفلاحين، وبدأ يبيع أراضي الدولة (الميري) إلى شيوخ ورؤساء وأغوات القبائل العربية والكوردية؛ وعمد أيضاً إلى إجراء إصلاحات واسعة في مجالات الزراعة واستصلاح الأراضي وفتح الطرق البرية وتطوير الملاحة النهرية، وإنشاء المدارس والمعاهد.

ب- الوضع الكوردي بعد قيام دولة العراق العربي الجديد كدولة عربية

وقد استتبع ذلك إجراء خطوات أخرى في مجال الإدارة. بخصوص ما يعرف حالياً بكوردستان الجنوبية أو كوردستان العراق حيث ألحقت بولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية. أما كوردستان الشمالية أو كوردستان التركية كما يطلقون عليها الآن فقد ألحقت بولاية ديار بكر.

وقد جعلوا من ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية ثلاثة سناجق هي:

1. سنجق المركز الموصل وتتبعه أقضية: دهوك وزاخو والعمادية وسنجار وعقرة.

2. سنجق كركوك وتتبعه أقضية: أربيل ورانية وراوندوز وكوي سنجق وكفري.

3. سنجق السليمانية وتتبعه أقضية: بازيان وحلبجة وشهر زور ومركة.

كان هذا الوضع الإداري الذي وجده البريطانيون فى كوردستان بعد احتلالهم العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، فتبنوه وأدخلوا هذه السناجق ضمن حدود الدولة العراقية العربية الجديدة عام 1921، وهي الحدود التي أقرها صك الانتداب البريطاني وقرارات عصبة الأمم ثم دساتير العراق المتتابعة التي شارك في وضعها ومناقشتها تحت قبة البرلمان ممثلو هذه السناجق التي انقلبت إلى ألوية ثم (محافظات) بعد قيام الدولة العراقية العربية الجديدة.

إنه الوضع الجغرافي والسياسي الذي نتحدث عنه الآن في هذا الكتاب/المحاضرة أي منطقة جغرافية "كوردستان العراق" ولاية الموصل سابقا والتي قد جرى اقتطاعه من الدولة العثمانية أو الجمهورية التركية الوريثة لها بعد الحرب العالمية الاولى والاحتلال البريطاني ثم جرى ضمه (هذه المناطق) إلى العراق العربي الجديد بعد استخلاص ولاية الموصل كوردستان العراق الحالي وسناجقها الكوردية وقيام نظام الحكم "الملكي " في 23 اب 1921 في العراق العربي الجديد والصاعد تحت تاج الملك فيصل بن الشريف حسين واصبح كما هو عليه الحال في العهد الجمهوري الذي قام بعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط الملكية في العراق والثورات التالية ولحد الان.

وخلافاً لما يظنه الكثيرون وخاصة من العراقيين العرب فإن جغرافية منطقة كوردستان العراق هي كيان كوردي مائة بالمائة أرضاً وشعباً واصبح كوردستان حسب مصالح بريطانيا المحتلة والمنتدبة لها جزء من الدولة العراقية العربية الجديدة, لكنها ليست جزء من الوطن العربي ولا من العراق التاريخي والجغرافي. وجرى ضمها للعراق ضما دستورياً برضاء الجانبين العربي والكوردي بموجب "استفتاء عام" جرى بين أبناء العراق من العرب والأكراد والأقليات العرقية الاخرى فيه بعد قيام المملكة العراقية العربية الجديدة رسمياً في آب 1921.

(محاضرتنا/كتابنا) هذا يطرح هذه المعلومات الموسعة نسبياً حتى تترابط الأحداث ويتعرف القارئ على القضية الكوردية بأبعادها التاريخية والجغرافية والسياسية؛ وحتى يعرف الأكراد كيف ولماذا جرى ضم بلادهم "كردستان" للعراق وما حمله هذا الم المنطقة الجغرافية لكوردستان العراق الى العراق العربي الجديد وليس مهما عذاب ومآس وخسائر أصابت وكوردستان والشعب الكوردى لغاية المصالح البريطانية فيها.

إن ما قدمناه من معلومات يجعل كل عربي أو كوردي عراقي يتعرف على تاريخ كوردستان ككل لاسيما تاريخ كوردستان العراق السياسي مرحلة بعد مرحلة إلى أن يصل إلى الوضع الذي آلت إليه بعد الحرب العالمية الأولى، وهو الوضع الحالي الذي يبحث فيه هذاه المحاضرة/الكتاب بدءاً في تشكيل الدولة العراقية العربية الجديدة في 23 آب 1921 وحتى يومناً هذا بشكل مفصل وموثق.

نستنتج إذن بأنه لم يكن للعرب أية مبادرات لضم كوردستان للعراق العربي الجديد؛ لكن هذا لا يحول دون الاعتراف بأن قيام الدولة العراقية الجديدة "المملكة العراقية" لم يكن نتيجة قرار بريطاني مباشر بل بعد اندلاع ثورة العشرين أو ثورة الفرات الأوسط جنوب العراق1920، وقام الأكراد بحركة مماثلة في السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في عام 1918م ضد الاحتلال البريطاني فاضطرت بريطانيا للاعتراف باستقلال العراق واقترحت أن يكون دولة العراق ملكية ورشح لها ملك سورية السابق الامير فيصل بن الشريف حسين، وهو ما جرى بالفعل بموجب استفتاء شعبي شارك فيه العرب والأكراد... وكانت بريطانيا تنوي قبل ذلك جعل العراق محمية بريطانية تتبع حكومة نائب الملك البريطاني في الهند، وكانت الهند مستعمرة بريطانية آنذاك... وهو ما سنبحث فيه بشيء من التفصيل في جزء لاحق من هذاه المحاضرة/الكتاب.

إن مصير كوردستان العراق كان سيلقى مصير كوردستان تركيا لو لم تضم للعراق دولة عراقية الجديدة، نعم الأكراد في العراق بوضع سياسي وحياتي أفضل، بينما أكراد كوردستان تركيا في الوضع الأسوأ وهم مواطنون من الدرجة الثانية هناك في كوردستان تركيا وغير معترف بهم ولا بحقوقهم القومية الكوردية ويمنع عليهم استعمال لغتهم الكوردية أو التخاطب بها. بينما أصبح الأكراد عبئاً على العراق وأداة تعطيل لدولاب الحياة الاقتصادية، واشغال القوات المسلحة بمعارك جانبية وهدر سلاحها وتخريب المنشات والمؤسسات وتعطيل الإنتاج في كوردستان، بسبب عدم فهم قادة العراق كيفية التعامل مع هذا الشعب الكوردي في كوردستان العراق الذي يعيش في المنطقة الجغرافية (كوردستان) منذ الاف السنين. وان حق تقرير المصير هو حق مشروع لكل الشعوب المظطهدة في العالم..وينطبق على كوردستان إيران كما ينطبق على كوردستان تركيا من وطأة السلطة الحاكمة فيها وعدم الاعتراف بأية حقوق كوردية لهم هناك.

العرب وحدهم يتعايشون مع الأكراد في العراق وفي كل بلد عربي آخر يتواجد فيها الكورد، وهذا التعايش ينحدر من تاريخ مشترك بينهم وعلاقات ثقافية واسلامية وسيقوى ويتعمق رغم جميع المعوقات المصطنعة (عاجلا او اجلا).

ج- ثورات كوردية في كوردستان تركيا

ومنذ تأسيس تركيا الحديثة عام 1923 كانت كوردستان مسرحاً لعدة ثورات وانتفاضات دامية أخمدتها السلطات العثمانية التركية من أهم هذه الثورات الكوردية هي:

1- كانت ثورة الشيخ سعيد بيران، والتي اندلعت في عام 1925 وكانت في رأيهم بمثابة ثورة شعبية شملت عدة مناطق كوردية في كوردستان، حيث كونت بعض الشخصيات الكوردية لجنة أطلق عليها لجنة الاستقلال الكوردي، في أعقاب إعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة عام 1923م وكان الشيخ سعيد بيران يجوب القرى الكوردية ويمارس توعية الفلاحين واقناعهم بضرورة إقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان وتحريرها من الظلم التركي لكن الحكومة التركية الحديثة استبقت الأحداث ولم تمهل الشيخ سعيد بيران حتى يكمل استعداده للثورة الكوردية فقامت ببضع الأعمال الاستفزازية على أثرها ثار الأكراد في عام 1924 وأعلنت قيادة الثورة الكوردية إنشاء حكومة كوردية مؤقتة وفي عام 1925 احتل الثوار الأكراد مدينة خربوط الهامة، وتسمى الآن (الازيج)، بالتركية وتقدمت القوات الكوردية حتى وصلت ديار بكر في كوردستان تركيا وكوردستان العراق وسيطرت على أكثر من ثلث كوردستان ككل وأمام هذا الزحف الكوردي السريع جردت تركيا حملة عسكرية بمساعدة فرنسا وأخمدت الثورة الكوردية بوحشية غير مسبوقة وأصدرت الحكومة التركية منذ ذلك الوقت أهم قوانين الطوارئ التى تطبق في المنطقة الكوردية حتى الآن.

2-وفي إيران كانت أول ثورة كوردية في القرن العشرين تهدف إلى إقامة الدولة الكوردية الكبرى المستقلة في كوردستان وقد استطاع سيمكو (إسماعيل آغا الشكاك) أن يسيطر في الفترة 1925 - 1930 على المنطقة الكوردية (كوردستان) غرب بحيرة اورميا وقام بالتنسيق مع الزعيم الكوردي الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في السليمانية كوردستان العراق، وحققا معاً بعض النجاحات مما أخاف انجلترا فعملت على إضعاف الحركة والثورة الكوردية.

وفي عام 1925 سعى الحاكم الإيراني رضا خان بهلوي إلى فرض سلطة طهران على كل الأراضي الخاضعة للدولة الإيرانية وأراد أن يتخلص من سيمكو آغا الشكاك والحركة الكوردية في كوردستان ايران.

3- لكن سرعان ما اندلعت ثورة أخرى في عام 1931 في جنوب كوردستان إيران بقيادة جعفر سلطان وكانت محدودة وكانت بداية التحول في أهداف الحركة الكوردية في إيران من المطالب بالحقوق القومية إلى المطالب الوطنية

4- ففي عام 1944 تشكلت منظمة كوردية باسم جمعية الإحياء الكوردي، والتي مهدت لقيام الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كوردستان إيران وكان قاضي محمد وهو شخصية دينية وسياسية مرموقة في مهاباد ومن مؤّسسي الحزب وكان برنامج الحزب: تحقيق الحرية في كوردستان إيران والحكم الذاتي في ايران داخل الحدود الإيرانية والإخاء مع الشعب الأذربيجاني وكل الأقليات غير الفارسية.

5- وبالفعل أعلن قاضي محمد في 1946 قيام جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد ضمن الكيان العام الإيراني واستناداً إلى حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وتم تشكيل الحكومة الكوردية في مهاباد ورفع العلم الكوردي كما تم عقد معاهدة بين الحكومة الكوردية الجديدة في مهاباد وحكومة أذربيجان وحاول قاضي محمد التفاوض مع حكومة طهران حول علاقة جمهورية مهاباد الكوردية وهي سلطة حكم ذاتي بالحكومة المركزية ولم تقبل إيران التفاوض وتمكنت ايران من استعادة مهاباد وبسط سيادتها على الإقليم الكوردي وانهارت الحركة الكوردية؛ بعد أن انسحبت القوات الروسية من كوردستان إيران.

د- العلاقة الكوردية العربية في هذه المرحلة

وقد انقلبت العلاقة الكوردية - العربية إلى صدا داخل العراق وداخل سوريا وعدم وجود علاقات محسوسة أو واضحة مع باقي الدول والشعوب العربية أو مع جامعة الدول العربية فإن أيا من الدول العربية لم تسع إلى محو الهوية الكوردية كما حدث في تركيا، ويرى البعض من المثقفين العرب يصفون كل محاولة كوردية رامية إلى تحقيق هدف قومي بالخيانة والتآمر على الأمة العربية والحساسية تجاه وحدة وتماسك كياناتها وقوة جبهاتها الداخلية ولعل ذلك يرد على كل الأقليات في الدول العربية وفي مواجهة الدول التي تعيش فيها.

الدكتور
عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) لم تجدد إيران تقديم هذا العون إلا بعد أكثر من مائة عام عندما تدخلت لأول مرة في النشاط البارزاني المسلح شمال العراق وأمدته بالمال والسلاح والدعم السياسي للتشويش على النظام البعثي الوطني بعد عام 1968 وعقد اتفاقية الحكم الذاتي لعام 1970.