الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

بعض المصطلحات الجغرافية والإثنية

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2020

قبل الحديث عن جغرافية كوردستان، دعونا نلقِ الضوء على بعض المصطلحات الجغرافية والإثنية، بقصد تأصيلها، وإزالة اللبس العالق بدلالاتها نتيجة التراكمات والتداخلات التاريخية والسياسية.

  • الشعوب الهندو - أوربية (الآرية): قسّم المؤرخون شعوب العالم إلى مجموعات كبرى، أهمها: الشعوب الهندو - أوربية، والسامية، والحامية، والأورال - ألطائية، ومجموعات جنوب شرقي آسيا، والإسكيمو. وذكروا أن الشعوب الهندو - أوربية تضم الأوربيين والأمريكيين والسلاف والأرمن والفرس والميد أو الميديين (الكورد) وآخرين، ويطلقون على هذه المجموعة اسم «الآريين» أيضًا.

وقد ورد في كتاب «انتصار الحضارة» للمؤرخ جيمس هنري برستد أن مصطلح «الآريين» يُطلق على الفرع الشرقي من الشعوب الهندو - أوربية، وهم: الميد (الميديون) الكورد، والفرس، والأرمن، ومن استقر في أفغانستان والهند. أما الأوربيون والأمريكيون فهم من الفرع الغربي؛ أي إن الآريين أبناء عمومة الأوربيين، وليسوا أجدادهم.

  • إيران: إيران في عصرنا هذا دولة تقع شرقي كلٍّ من العراق وتركيا، وهذه التسمية مشتقة من كلمة «آريا» (Ariya) الواردة في الكتاب الزردشتي المقدس «أفستا» (أبستاق)، وتعني بلاد الآريين. كما أن كلمة «آري» في اللغات الآرية القديمة، ومنها السنسكريتية، تعني «السامي، النبيل». وقد أُطلق اسم «بلاد الآريين» أيضًا على البلاد المعروفة الآن باسم أفغانستان.

  • الهضبة الإيرانية: هي شبه المثلث الواقع بين وادي نهر السند شرقًا ووادي دجلة غربًا، وتنبع أهميتها من كونها تصل آسيا الوسطى والشرق الأقصى بآسيا الغربية والشرق الأدنى.

  • فارس: اسم «فارس» و«بلاد فارس» مشتق من اسم القبيلة الآرية الكبيرة التي استوطنت جنوب غربي بلاد إيران منذ الألف الأول قبل الميلاد، وقد ورد اسم هذه القبيلة بصيغة «برسا» (Parsa)، وهذا المصطلح كثير الورود في المصادر العربية والأوربية.

  • ميديا (الكوردية): هي المنطقة التي استقرت فيها القبيلة الآرية الكبيرة الأخرى «ماداي» أو «مادي» (Madai)، التي وفدت إلى البلاد التي عُرفت بعد ذلك باسم كوردستان. وكما أن إيران تاريخيًا نتاج فارس، فإن كوردستان نتاج ميديا الكوردية.

وهكذا فكوردستان عريقة في التاريخ، وقد ظهرت الحياة البشرية في ربوعها في عهود سحيقة، حتى إن قرية جارمو (Jarmo) الواقعة بين جمجمال (Jamjemal) والسليمانية (في جنوبي كوردستان) تُعدّ من أقدم القرى في الشرق الأوسط، إذ كانت موجودة قبل حوالي (5000 ق.م). وفي سنة 1949م اكتُشفت في كهف «تنگي پبدا» (Tangi Pabda)، الواقع في جبال بختياري إلى الشمال الشرقي من شوشتر (تستر) بكوردستان، بقايا إنسان عاش قبل حوالي مئة ألف سنة.

وتقع كوردستان في جنوب غربي قارة آسيا، في المنطقة التي تُعرف الآن بالشرق الأوسط، وتحدّها شمالًا هضبة أرمينيا، وتُعدّ الأقسام الشمالية والشرقية من كوردستان جزءًا من تلك الهضبة. أما أقسامها الشمالية والغربية فهي جزء من هضبة الأناضول غربًا، كما أنها تتصل بالأقسام الشرقية للهضبة الإيرانية، وأما من الجنوب فتجاور كوردستانَ بلادُ العرب. يقول مينورسكي في كتابه عن الكورد الذي نشره سنة 1915م:

«إذا أردنا أن نبحث عن وطن الكورد في فجر التاريخ يجب علينا أن ندخل في الأقسام الشرقية البعيدة والجنوبية، فالمناطق الثلاث التالية هي موطن الكورد: السلاسل الجبلية العالية في أرمينيا، وكوردستان تركيا، وجبال فارس الغربية (كوردستان إيران). وهكذا نرى الكورد يعيشون في الوقت الحاضر على أرض واسعة عند حدود تركيا وفارس، من مدينة مندلي حتى جبال أرارات، حيث تتعدى أرضهم حدودنا فتدخل في قفقاسيا.

يعيش الكورد مع الأرمن في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا، وتنتهي حدودهم الشمالية في كوردستان تركيا بمحاذاة أرضروم، وفي الجنوب يسيطر الكورد على مناطق واسعة إلى نهاية سهول ما بين النهرين. وفي الغرب حدودهم نهر الفرات، أو بصورة أدق قره صو، وإنهم لم يقفوا عند هذا الحد، وإنما أخذوا يزحفون إلى أعماق آسيا الصغرى، وإنهم لا يشغلون المناطق الجنوبية الشرقية من سيواس فقط، وإنما هناك جماعات متفرقة منهم حتى حوالي قونية في كيليكيا، وبهذه الصورة يصلون إلى البحر الأبيض المتوسط».

تُقدَّر مساحة كوردستان بحوالي مئتي ألف ميل مربع، أي ما يساوي مساحة فرنسا في أوربا، ومساحة كاليفورنيا في أمريكا. وكوردستان أرض الجبال والهضاب والأنهار، وهي لا تخلو من السهول. يقول توما بوا: «إن جبال طوروس وأرارات وسلسلة جبال زاغروس الكوردية العظيمة تكوّن العمود الفقري للبلاد». ويقول باسيلي نيكيتين: «ويمكننا التأكيد بوجه عام على أن الكوردي والجبل لا ينفصل أحدهما عن الآخر».

والحقيقة أن جميع أشكال الجبال، العالية والصغيرة والجرداء والحراجية، موجودة في كوردستان، ويتراوح ارتفاعها بين (3500 - 4000) متر، وقد يصل ارتفاع بعض القمم إلى (5000) متر، ومن أشهرها جبل ألوند في الشمال الشرقي (إيران)، وجبال أرارات (آغري أو آكري) في الشمال (تركيا)، وجبال طوروس في الشمال الغربي (تركيا)، وجبال زاغروس في الشرق.

وتمثّل جبال زاغروس الكوردية الحدود الجغرافية الفاصلة بين هضبة إيران وبلاد الرافدين، وتُعرف جبال زاغروس أيضًا بجبال كوردستان، وتُعرف بعض أقسامها بلورستان، واللور فرع من الكورد، وتُعرف أقسام أخرى بجبال بختياري، والبختياريون ينتمون في الأصل إلى الكورد، ولعلهم يُعدّون الآن من الفرس (بحسب التأثير السياسي). وكانت سلسلة جبال زاغروس الكوردية مستقر السلالة الميدية (الكوردية)، وفيها تقع عاصمة الميديين أگباتانا (همذان)، وقد اتخذها الأخمينيون (الفرس) عاصمة لدولتهم قبل بناء عاصمتهم الجديدة برسيبوليس (إصطخر).

ويقع في جبال زاغروس الكوردية أهم ممرين يربطان شرقي آسيا بغربيها:

  • أولهما الممر التاريخي الذي يبدأ عند خانقين، ويمر بكرمنشاه ثم بهمذان، ويطل بعد ذلك على الهضبة الإيرانية، وقد أطلق عالم الآثار هرتسفيلد على هذا الممر اسم «بوابة آسيا»، وهو معروف منذ القديم باسم «طريق الحرير».
  • ثانيهما ممر حلبجة - بنجوين، ولعله فرع آخر من فروع طريق الحرير.

وتنبع من أراضي كوردستان معظم الأنهار الكبيرة في الشرق الأوسط (دجلة، والفرات، والزاب الأعلى، والزاب الأسفل، وديالى، وآراس)، وتكثر في كوردستان المروج والغابات والفواكه، وقطعان الماعز والأغنام والأبقار والخيول، وكثير من الحيوانات والطيور والأسماك.

وليس باطن الأرض في كوردستان أقل غنى من سطحها، فهناك الفحم والحجر الجيري والملح الصخري والكبريت والحديد والنحاس والكروم والرصاص والذهب والفضة. ولا تفتقر كوردستان إلى الثروة النفطية، فهي متوافرة في مناطق عديدة منها، ويقع أضخم حقولها في كركوك. وذكر دياكونوف أن أرض ميديا (بلاد الكورد المركزية) قديمًا، وتحديدًا السفوح الغربية لجبال زاغروس الكوردية (حيث تقع كركوك الآن)، كانت أول منطقة في العالم تنضح بالنفط، ويقول دياكونوف: «وفي الأزمنة القديمة، حتى في أوربا، كانوا يسمّون النفط بـ”الزيت الميدي”» (الكوردي).

وكانت الثروة النفطية شؤمًا على الشعب الكوردي بدل أن تكون سبيلًا له إلى الرخاء والسعادة. ودعونا في هذا الصدد نتأمل المعلومة الآتية التي يوردها كاتب عربي قومي هو هلال ناجي المحامي، إذ يقول: «المناطق التي يُستخرج منها النفط في كركوك جميعها مناطق كوردية، وما عدا القرى الكوردية وسكانها الكورد لم يكن فيها غيرهم حتى عام (1963م)، حيث قامت الحكومة العراقية العربية بترحيل المواطنين الكورد من قراهم على مرأى من أنظار الرأي العام العالمي، وأسكنت مكانهم العشائر العربية لتعريبها».

انتشار الكورد

يسكن الكورد منذ القديم مناطق واسعة من غرب آسيا، تشمل جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، وغرب إيران (كوردستان إيران)، وشمال العراق (كوردستان العراق)، وشمال سوريا (كوردستان سوريا)، ومناطق من أرمينيا وأذربيجان. ولا يوجد إحصاء دقيق لعددهم، لكنه أكثر من خمسة وثلاثين مليونًا، ولعله يزيد على أربعين مليونًا.

وقد نقل أرشاك سافراستيان عن هيرودوت أنه كان يوجد محاربون قبليون من البخت (Bokhti) (بختان = بوهتان) الكوردية في جيش أكزركيس (أحشويرش) الأخميني الذي غزا الإغريق. ولا غرابة في ذلك، فقد أقام الأخمينيون دولتهم على قواعد مملكة ميديا الكوردية، وكان الميد الكورد شركاءهم في السلطة، على الأقل في المراحل الأولى، ولا سيما على الصعيد العسكري.

كما ذكر هيرودوت وجود بختيين (Pactyice) على حدود بلاد الهندوس، وقد علّق أرشاك سافراستيان على ذلك قائلًا: «وهذا البيان يوضح أن تبعثر القبائل الكوردية حتى الهند يجب أن يكون قد بدأ مع داريوس الأكبر». ومن الطبيعي لدولة إمبراطورية كالدولة الفارسية أن تستعين بالقوة القتالية الكوردية لغزو البلدان المجاورة، وكانت هذه عادة كل الإمبراطوريات التي حكمت كوردستان. ثم لا ننسى أن بلاد الهندوس كانت تشمل باكستان المعاصرة، أي إنها كانت تتاخم مناطق النفوذ الميدي الكوردي قديمًا.

ويؤكد المختصون في الشؤون الكوردية، أمثال مينورسكي وروسو والسير مالكولم وهاسل وشرف خان البدليسي، أن ولايات لورستان وكرمنشاه (كرمانشاه، قرميسين) وأردلان ومنطقة موكري (ساوجبلاغ = مهاباد) ونصف القسم الجنوبي من أذربيجان مناطق كوردية بحتة، كما أن القسم الأكبر من سكان قضاء خوي وأقضية سلماس وأورمية وماكو في أذربيجان كورد. وتوجد عشيرة كوردية كبيرة في إيالة طهران تُدعى بازوكي، كما توجد في منطقة همذان عشائر جوزكان (جوزقان) الكوردية، وفي مازندران عشيرة مودانلو الكوردية، وفي فارس (جنوب إيران) عشائر شوانكارو (شبانكاره) الكوردية.

وتوجد بعض القبائل الكوردية في بلوشستان؛ فثمة قبيلة الكورد في سنجان التابعة لمدينة خاش، وفي ناحية زابلي التابعة لمدينة سروان، ويقطن عدد منهم في مدينة شيستان. وكان هؤلاء الكورد يمتلكون المناطق الحدودية لبلوشستان منذ القديم، وقد بلغ عددهم سنة 1985 أكثر من ألف أسرة.

ومن أكبر القبائل الكوردية في بلوشستان قبيلة براخوئي، وتُسمّى بالبلوشية براهوئي، وطبقًا لإحصائية البروفيسور الروسي آندروف سنة 1980 يبلغ عدد هذه القبيلة حوالي نصف مليون نسمة، يسكن ثلثاهم في الجزء الباكستاني من بلوشستان، ويسكن ثلاثون ألفًا في بلوشستان إيران، وهم على المذهب السني الحنفي. وقد ذكر مردوخ الكوردستاني أن بين العشائر البلوشية عشيرتين باسم ماماسني (ممسني) تسكنان مرتفعات شرقي مدينة كازرون في فارس (جنوب إيران)، وتحملان لقب «رستمي» نسبة إلى البطل التاريخي رستم بن زال الذي ذكره الفردوسي في ملحمته «الشاهنامه». كما يسكن بعض الكورد في أفغانستان.

وذكر مينورسكي أن الكورد يسكنون في أرمينيا (مقاطعة يريفان) في الأقسام المتصلة بجبال أرارات، وفي منطقة زنگه زور وجوانشير في مقاطعة إليزابيتبول. وتعيش أقلية كوردية في خراسان (تتوزع اليوم بين شرق إيران وشمال أفغانستان)، وقد قدمت الفضائية الكوردية (Med TV) برنامجًا عنهم سنة 2002 فيما أذكر، وأجرت مقابلات مع بعض زعمائهم ومثقفيهم، كما عرضت مشاهد من تقاليدهم وأنماط حياتهم. وتوجد أقلية كوردية في الأقسام الشمالية من قزوين (أمبرلو) وحوالي شيراز في خوزستان، إذ أجبرهم الحاكم الإيراني نادر شاه على الهجرة قسرًا (1736–1747م).

وللكورد وجود في جمهورية أذربيجان وجمهورية جورجيا أيضًا، لسببين:

  • الأول أن جورجيا (وتُسمّى في الكتب الإسلامية القديمة غرزان أو جرزان أو غوزستان) تتاخم المناطق التي يسكنها الكورد في أذربيجان، أو كانوا يسكنونها. ونقول «كانوا» لأن السوفييت في عهد ستالين فرضوا التهجير القسري على بعض العشائر الكوردية في أذربيجان، وربما في أرمينيا.
  • والثاني أن بلاد فارس وكوردستان وجورجيا وأرمينيا كانت تابعة، قبل الإسلام، للإمبراطورية الفارسية في معظم الأحيان، وأخذت الدول الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي بمعظم التقسيمات الإدارية التي ورثتها عن الفرس. وأدى ذلك إلى أن شعوب المنطقة الممتدة بين بحر قزوين شرقًا، والبحر الأبيض المتوسط غربًا، وجبال القوقاز شمالًا، والخليج العربي (الفارسي) جنوبًا، كانت كثيرًا ما تتجاور وتتداخل وتتفاعل وتتعايش.

وثمة أسر كوردية هاجرت في عهود سابقة من مختلف مناطق كوردستان إلى مدن ومناطق داخل سوريا (دمشق، وحماة، وحمص، وجبال الساحل السوري)، وإلى الأردن وفلسطين ولبنان ومصر والسودان واليمن وشمال أفريقيا. وكانت هجراتهم إما لأن أجدادهم كانوا من المقاتلين خلال الحروب الفرنجية (الصليبية) في العهدين الزنكي والأيوبي، وإما لأنهم كانوا من الموظفين والمقاتلين في الدولة العثمانية، وإما طلبًا للعلم، وإما هربًا من الغزوات والقهر.

جغرافية كوردستان

من الخرائطيين القدماء الذين أشاروا إلى أرض كوردستان المؤرخ والجغرافي واللغوي الشهير محمود الكاشغري (1008–1102)، الذي ألّف كتاب «ديوان لغات الترك» ونشر فيه خريطة أشار فيها إلى كوردستان باسم «أرض الأكراد»، وجعل حدودها أرض العراقيين (عراق العجم) وأرض خراسان وأذربيجان والشام ومصر. ولا شك أن عبارة «أرض الأكراد» ترجمة حرفية لكلمة كوردستان، إذ إن لفظة «ستان» أو «استان» تعني في اللغة الفارسية بلادًا أو أرضًا.

وفي خريطة رسمها الرحالة والتاجر والمستكشف الهولندي يان هويغن فان لينسخوتن عام 1596 تظهر منطقة مكتوب عليها (Curdi) أسفل منطقة أرمينيا إلى الغرب من بحيرة وان، وأعتقد أنه يقصد بها أرض الكورد. وهذه من أقدم الخرائط التي يظهر فيها هذا الاسم. وقد دأبت كثير من الخرائط السابقة عليه، وحتى بعض اللاحقة، على تسمية أرض الكورد الواقعة بين نهري دجلة والفرات بالتسمية التاريخية المعروفة، وأقصد «ميزوبوتاميا»، وتعني بلاد ما بين النهرين.

ولعل هذه أول إشارة ظهرت في خرائط الأوربيين الذين اهتموا بالمنطقة وحاولوا رسم حدودها ومناطق توزع الأقوام فيها. ويمكننا القول إن اسم الكورد ظهر في الخرائط الأوربية منذ أكثر من أربعة قرون، وسنبقى عند هذه المعلومة إلى أن نكتشف المزيد في الخرائط القديمة التي أصبحت أثرية. أما اسم كوردستان، وطنًا كورديًا أو منطقة يسكنها الكورد، فيعود إلى عام 1680، أي إلى ما قبل ثلاثمئة وأربعين عامًا من الآن، عندما نشر الهولندي فريدريك دي فيت (1630–1706) خريطته التي رسم فيها بلاد العثمانيين وإيران وأرمينيا وجورجيا وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.

في خريطة فريدريك دي فيت هذه تظهر كوردستان بالحروف اللاتينية على الشكل التالي: (Churdistan)، وهو إملاء غريب نوعًا ما لم يُتداول كثيرًا، إذ شاع الاسم (Kurdistan) أو (Kurdestan) وحتى (Curdistan) في الخرائط التالية لخريطة دي فيت، كما عند الخرائطي الإنكليزي الشهير إيمانويل بوين (1714–1767).

كان الخرائطي إيمانويل بوين رسام خرائط رسميًا عند الملك الإنكليزي جورج الثاني، وكذلك عند الملك الفرنسي لويس الخامس عشر. وعلى الرغم من قدراته الكبيرة ومجهوداته الواسعة في سبيل تأمين خرائط لهذين الملكين تساعدهما على فتح بلدان جديدة واحتلالها، فقد مات فقيرًا، وورث عنه ابنه توماس الفقر وحب الخرائط.

وما يهمنا من أمر هذا العالم الجغرافي إيمانويل بوين أنه رسم خريطة للبلاد العثمانية ضمّنها كوردستان أيضًا، واللافت للانتباه أن حدود كوردستان في هذه الخريطة تختلف عن حدودها عند سلفه الهولندي فريدريك دي فيت.

نرى في خريطة إيمانويل بوين المرسومة عام 1680 أن كوردستان عبارة عن دائرة بيضوية الشكل تقريبًا تحيط ببحيرة أورمية من كل الجوانب، بينما كانت كوردستان في خريطة فريدريك دي فيت منزاحة إلى الغرب، وعبارة عن منطقة شاسعة تتوزع بين الحدود الغربية لبحيرة أورمية وحتى نهر دجلة الذي يفصلها عن ولاية ديار بكر وجنوبي بحيرة وان.

وفي عام 1711 رسم الفرنسي هنري شاتلان خريطة ضمّنها كوردستان بلفظ (Curdistan)، وحدودها تقريبًا هي الحدود نفسها لدى الإنكليزي إيمانويل بوين.

أما في الخريطة التي رسمها عالم الرياضيات ورسام الخرائط الفرنسي روبرت بون لبلاد فارس عام 1771، فتبدو ملامح كوردستان أكثر وضوحًا مما لدى سابقيه، فهي تضم ولاية شهرزور (كركوك) وولاية الموصل وحتى حدود همدان شرقًا. ونجد لدى هذا العالم روبرت بون خريطة أخرى رسمها بعد ستة عشر عامًا، وقد ظهرت فيها هذه المرة حدود كوردستان وقد وصلت إلى ملتقى نهري دجلة والزاب الصغير.

إن اختلاف حدود كوردستان جغرافيًا يعود، في رأيي، إلى اختلاف مصادر هؤلاء الرحالة والجغرافيين (الخرائطيين) ومعلوماتهم، إضافة إلى الغموض الذي كان يكتنف اسم الكورد وكوردستان: هل هو فقط المنطقة التي يوجد فيها الكورد؟ فمثلًا لم يضم جميع رسامي الخرائط ديار بكر ومناطق من جنوبي كوردستان إيران الحالية إلى حدود كوردستان التي رسموها، ولكن تلك المناطق بالتأكيد كانت تضم قبائل من الشعب الكوردي مستوطنة فيها منذ زمن قديم.

بالإضافة إلى ذلك فإن الولايات التي رسم أولئك الأوربيون حدودها لم تحمل الصبغة القومية، فهم يكتبون مثلًا ولاية ديار بكر أو الجزيرة أو أرضروم دون أن يحددوا القوميات التي تسكن فيها.

ونستطيع القول أيضًا إن معلومات أولئك الرحالة كانت مغلوطة وخاطئة أحيانًا، وتعتمد على التصور الجغرافي أو الخيال، دون أن يكون الرحالة قد زار المنطقة بالفعل وعاين حدودها والقوميات التي تعيش فيها، بل وصل الأمر بأحد مصوري الخرائط إلى أن رسم اليمن في وسط شبه الجزيرة العربية، على حدود ما يُعرف حاليًا بقطر والبحرين.

إن الأقسام العليا من نهر الفرات ومناطق وان (أرمينيا القديمة)، كما يقول ف. ف. مينورسكي في كتابه «الأكراد»، هي مهبط الأرض القديمة التي ظهر فيها الكورد، وإن الأقسام الجنوبية من طوروس وسواحل دجلة اليسرى (بوتان - خربوط - الزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكوردي في الأزمنة التاريخية القديمة. وعلى ذلك فإن وطن الكورد في فجر التاريخ هو الأقسام الشرقية البعيدة الجنوبية للمناطق الثلاث (السلاسل الجبلية العليا في أرمينيا، وكوردستان تركيا، وجبال فارس الغربية)، أي سلاسل جبال زاغروس وطوروس.

فجبال زاغروس في جنوب غرب إيران (كوردستان إيران) تمتد من فارس وشيراز جنوبًا حتى كرمنشاه وهمدان شمالًا، وجبال طوروس في جنوب تركيا تمتد من قيصرية ونهري سيحان وجيحان شرقًا إلى جبال أنطاليا غربًا، وبين زاغروس شرقًا وطوروس غربًا تقع سلسلة جبال كوردستان في شمال غرب إيران وكوردستان العراق. ولعل مثل هذا الوصف لأرض كوردستان يقرّبها إلينا كأنها عظام الظهر لهذا الوطن الذي يمتد على مرتفعات كبيرة فوق البلاد المحيطة به. لذلك تشمخ بعض قمم الجبال فوق المناطق المجاورة، مثل جبل أرارات الكبير الذي استقرت عليه سفينة نوح (عليه السلام)، ويصل ارتفاعه إلى 16,200 قدم، وجبل الجودي، وله المنزلة نفسها، ويصل ارتفاعه إلى 16,500 قدم، وجبل نمرود داغ ويرتفع إلى 10,400 قدم، وجبل سيبان الذي يتغنى به الجميع ويرتفع إلى نحو 11,330 قدمًا. وفي العراق جبل بيرة مكرون ويبلغ ارتفاعه 9,500 قدم، وكل هذه الجبال تغطيها الثلوج في أكثر فصول السنة.

وهكذا نرى أن الكورد يعيشون في الوقت الحاضر على أرض واسعة ضمن حدود كوردستان (تركيا وفارس والعراق وسوريا)، من مدينة مندلي في العراق حتى جبل أرارات، حيث تتعدى أرضهم حدود روسيا فتدخل قفقاسيا.

  1. في كوردستان بلاد فارس يسكن الكورد في جميع أقسام مقاطعتي كرمنشاه وكوردستان (سنندج) ومنطقة كاروس، وفي قسم من أذربيجان، وفي جميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد حاليًا) من جنوب بحيرة أورمية وغرب نهر تاتاو إلى حدود تركيا، وهم من السكان القدماء في الأقسام الجنوبية.

    أما في الأقسام الشرقية من بلاد فارس فقد كانت المنطقة تُسمّى «سلماس» وتشكل مقاطعة مستقلة، وكان الأرمن يطلقون عليها اسم «كورتجيا» بمعنى كوردستان.

    وهناك مناطق كوردية أخرى مستقلة متناثرة في خراسان (شاويلي)، وفي قزوين (أمبرلو)، وحوالي شيراز (كالون عبدو)، حيث هجّرهم الملك الفارسي نادر شاه من مدنهم قسرًا بين عامي 1736 و1747.

  2. في كوردستان تركيا يسكن الكورد بصورة أساسية في ولاية الموصل (كوردستان العراق الحالي)، وهي منطقة كوردية خالصة عدا مدينة الموصل العربية. أما في ولايتي وان وبتليس فللكورد أكثرية 60%، وهذا يتعلق بالأراضي الواسعة حول بحيرة وان التي تتوافر فيها المياه. ولكن الأكثرية الساحقة هم من الكورد في سنجق حكاري الذي يمتد إلى حدود كوردستان الفارسية، وكذلك في أقسام كثيرة أخرى. والكورد أكثر عددًا في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى، ومدينة الجزيرة تقع في ولاية ديار بكر على نهر دجلة في منطقة بوتان، وتُعدّ مهدًا للأمة الكوردية، ومنها توزع الكورد، وفيها ظهرت الحركة القومية الكوردية. أما منطقة درسيم التي تقع بين النهرين اللذين يشكلان الفرات، فالكورد فيها أكثر من غيرهم بثماني مرات. وفي أودية أرضروم والأقسام الجنوبية الشرقية يشكل الكورد الأكثرية الساحقة.

  3. في كوردستان سوريا يسكن الكورد في حلب أيضًا، وهناك مستعمرات كوردية متفرقة في سوريا حوالي جبال دمشق، وفيها أحياء كوردية، ويشكلون نسبة 10–12% من سكان سوريا.

عرف الجغرافيون الإغريق في أوائل القرون الميلادية، بصورة جيدة، مناطق «الكوردوئين» (الكورد)، وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة، ويسمّونها «فينيك». وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة «كوردوئين» وكلمة «كورجيا» (بلاد الأكراد) التي ذكرها الأرمن الأرشاكيون. وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كوردستان المركزية واقعة تحت حكم أسرة هايكان الأرمنية، وكانت مستقلة لا تدخل ضمن دولة الأخمينيين، ثم خضعت للإسكندر الكبير، وللأرمن الأرشاكيين، وللإسكندر بن مارك أنطوني وكليوباترا، وللبارثيين، وللرومان، وللساسانيين (أردشير وشابور)، وللأباطرة الرومان من غاليريوس إلى جوليات، وللساسانيين مرة أخرى، وللإمبراطورية البيزنطية (فيودوس)، وللعرب الذين غزوا الإمارات الأرمنية، وأخيرًا للأسرة الكوردية الأولى المستقلة، المروانية، التي حكمت من 990 إلى 1096م.

إذن نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكوردية (كوردستان)، حيث وقعت فيها غزوات كثيرة؛ ففي القرن الحادي عشر استولى السلاجقة على المنطقة، ثم اضطر الكورد إلى النضال ضد المغول، وفي القرن الثالث عشر ظهر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون)، وفي معركة جالديران سنة 1514م أصبح مصير الكورد وكوردستان مرتبطًا بالعثمانيين. وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة كوردستان بعد احتلالها بالمقرّب منه المؤرخ الحكيم إدريس، وهو من أبناء بتليس.

وبحسب «الشرفنامه» (لشرف خان البدليسي) كانت الضفة اليسرى الغربية من نهر الفرات، وجميع مناطق الضفة الشرقية من مرادسو تقريبًا، تحت حكم الإمارات الكوردية، وكانت إمارة بتليس أكبر الإمارات الكوردية، وأميرها هو مؤلف كتاب «الشرفنامه».

ونلاحظ عدم تمكن السلاطين العثمانيين من السيطرة على الإمارات الكوردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان العثماني محمود الثاني قرار السلطان سليم الأول بشأن الكورد، أي أراد احتلال كوردستان، وتم ذلك سنة 1834م حين قاد الحملة محمد رشيد باشا، وأصبح الكورد من مواطني الدولة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعليه قام الكورد بحركة قومية بين عامي 1843 و1846م بقيادة بدرخان باشا، وعلى أثرها أُسر بدرخان ونُفي إلى جزيرة كريت. وفي أيام حرب القرم ضد روسيا قام يزدان شير، ابن عم بدرخان، بالحرب في هكاري وبوتان سنة 1855م، واحتل بتليس والموصل، وانحدر جنوبًا حتى استولى على جميع الأراضي الواقعة بين وان وبغداد، ثم أسره العثمانيون بخدعتهم المعروفة.