الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تأسيس كوردستان السوفيتية

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تتفق كل المصادر على أن تأسيس منطقة الحكم الذاتي للكورد جاء بناءً على طلب لينين نفسه، إثر التغييرات الكبيرة التي حصلت في روسيا بعد ثورة أكتوبر عام 1917. فبعد الكثير من الاجتماعات والمحادثات المتواصلة بين الأطراف المعنية في أذربيجان وأرمينيا وروسيا، أرسل لينين برقية إلى نريمان نريمانوف، رئيس جمهورية أذربيجان، في العام 1923، يحثّه فيها على الاهتمام بشؤون الكورد في أذربيجان، فيقول: «إن حالة الشعب الكوردي في كوردستان سيئة جداً، وإن الشعب الكوردي هناك يفنى من الجوع ويكاد يندثر، لذلك يجب أن تقدموا لهم يد المساعدة».

ويتناول العالم الآثاري السوفيتي ي. بجيلينا، الذي زار المنطقة عام 1924، الحالة التعيسة للكورد في أذربيجان آنذاك، فيقول: «إن المهنة الرئيسة لكورد هذه المنطقة خلال نصف قرن هي الرعي والزراعة، وليست البستنة أو تربية النحل أو صناعة السجاد التي يمكن ملاحظتها في هذه المنطقة الكوردية ذات أهمية اقتصادية. والأرض الجبلية تفتقر إلى تربة كثيفة، فلا تعطي ناتجاً ذا أهمية من الحبوب أو الأعشاب أو الزهور، لذلك يشتري أهل المنطقة الحبوب من سهول قره باغ بثمن المواشي (أو نتاجها) التي يبيعونها، كذلك فإنهم يبادلون ما تصنعه أو تنتجه النساء في الصيف بالحنطة. وتتم حراثة الأرض بأبسط الوسائل وأكثرها بدائية، لذلك يكون ناتجها قليلاً جداً، وبسبب كون الأراضي غير ديمية فإنها تتعرض للكوارث الطبيعية، كما يحدث في سنوات الجفاف أو غزارة المطر، أو عند هطول المطر في أشهر الصيف حيث يتلف ما تم زرعه».

ثم يضيف العالم السوفيتي بجيلينا: «لا يبتعد الكورد، أينما كانوا، سواء في إيران أم تركيا أم الاتحاد السوفيتي، عن المناطق الجبلية، وقلّما يتواجدون في السهول. وحسب المعلومات التي توفرت لجولتنا في منطقة لاجين عام 1924، فإن عدد الكورد في منطقة كوردستان يبلغ حوالي 35-40 ألف نسمة. وتوجد هناك أيضاً قرى الأتراك الأذربيجانيين، حيث يُحتمل أن يصل تعدادهم إلى 9 آلاف نسمة، ولم يبقَ اليوم أثر للقرى الأرمنية في هذه المنطقة، مع العلم أنهم سكنوها حتى وقوع الحرب الداخلية خلال سنتي 1918-1919، حيث تركوها وهاجروا إلى منطقة زنكزور في أرمينيا، وذلك بعد حدوث تعقيدات في العلاقات القومية هناك».

إذن فإن إيعاز لينين إلى نريمان نريمانوف بتأسيس منطقة حكم ذاتي للكورد في أذربيجان لم يأتِ من منطلق إنساني فحسب، بل لا بد أنه أخذ بنظر الاعتبار الكثير من العوامل التاريخية والجغرافية للمنطقة التي كان الكورد فيها يشكلون نسبة كبيرة من مجموع الكورد الموجودين في الاتحاد السوفيتي السابق. وعلى ضوء برقية لينين قرر برلمان أذربيجان توحيد ست مقاطعات من مناطق أذربيجان التي كان سكانها من الكورد باسم منطقة الحكم الذاتي للكورد، وتُسمّى «كوردستان السوفيتية»، والمناطق الكوردية الست هي: قره قشلاق، وكل بازير، وكوتوله، وكوباتلين، وكرد كارص، ومراد خانلي.

ووقّع رئيس الجمهورية نريمانوف على القرار، وبذلك تأسست منطقة الحكم الذاتي اعتباراً من 7 تموز عام 1923، وشملت تلك المنطقة الكوردية الضيقة الممتدة من قره باغ إلى نهر آراس. ويبدو أن منطقة الحكم الذاتي الكوردية الفتية قد استأثرت باهتمام لينين، فها هو يكتب لنريمان نريمانوف قائلاً: «آمل أن يكون بنك أذربيجان الوليد أساساً متيناً للسياسة الاقتصادية الجديدة بيد عمال الجمهورية السوفيتية وفلاحيها، وتقديمه (40) مليوناً مساعدةً للجياع جنوب نهر الفولغا وكوردستان خير دليل على المضي قدماً تحت راية الكادحين الأممية الحمراء».

وتحسنت أوضاع الكورد في أذربيجان بعد إعلان منطقة الحكم الذاتي الكوردي، وانتقلت العاصمة من شوشه إلى لاجين بعد أشهر من الإعلان عن تأسيس المنطقة، وتشكلت المؤسسات الإدارية للدولة والنظام البرلماني في كوردستان، وانتُخب كوصي حجييف، وهو كوردي من سكان المنطقة الكوردية، أول رئيس للبرلمان وأول رئيس لكوردستان السوفيتية.

وتحققت الكثير من الإنجازات في ظل الحكومة الكوردية الفتية، وتمت تلبية احتياجات الكورد هناك تدريجياً، فافتُتحت المدارس الكوردية بمراحلها الثلاث، وطُبع العديد من الكتب المدرسية والعلمية والثقافية باللغة الكوردية.

يقول الشاعر والصحفي الكوردي المعروف علي عبد الرحمن (1920-1994): «دخلت المدرسة في منطقة شاوريكا في أذربيجان ودرست فيها باللغة الكوردية». ومُنح الكورد كل ما يتطلبه الحكم الذاتي، فظهرت جريدة باسم «كوردستان السوفيتية» باللغة الكوردية، وكانت تُبث برامج إذاعية باللغة الكوردية، وافتُتحت في شوشه دار المعلمين الكوردية، وأُسّس المسرح الكوردي هناك وتطور، واستطاع الكتّاب الكورد أن ينشروا كتاباتهم بلغتهم الكوردية، الأمر الذي أسعد الكورد في الاتحاد السوفيتي كثيراً. وهكذا ظهرت إلى الوجود شبه دولة كوردية أُديرت بانتظام ودقة، وتحققت آمال الكورد في هذا الجزء من كوردستان (السوفيتية).

جغرافية كوردستان السوفيتية وحدودها

تقول موسوعة «كييه» الفرنسية عن كوردستان: إنها مقاطعة كوردية في جمهورية أذربيجان السوفيتية، مساحتها (35340) كيلومتراً مربعاً، يقطنها 51.500 شخص، وعاصمتها قرية لاتشين.

حدود منطقة كوردستان السوفيتية

تمر حدود كوردستان السوفيتية من الشمال إلى الجنوب بالمناطق الآتية: كل بازار، ولاجين، وكوباتلين، وقسم من إقليم دجرنزار. وحدود شمال كوردستان عبارة عن سلسلة جبال مورفداكس، وتتحد في منطقة كاندرانسكي، ومحاذاة جبال كانكورو وألانكرزسكي ومنطقة نوربايزه في أرمينيا السوفيتية هي حدود كوردستان السوفيتية.

وفي الجنوب الغربي تمتد حدود كوردستان من منطقة أرورود رلكسكي وزنكزور في أرمينيا السوفيتية، وتستمر هذه الحدود في الجنوب الغربي بمحاذاة نهر «اكه را» إلى أن يصب فرع نهر ميخالييف في نهر «اكه را».

وحدود كوردستان السوفيتية من الجنوب الشرقي هي ناغورنو قره باغ، وبالذات في المناطق التي يصب فيها نهر ميخالييف في نهر «اكه را» قرب جبل موروفد كسلس.

والأقسام الجنوبية من كوردستان السوفيتية عبارة عن منطقة كوباتكسي على حدود منطقة نزمين، وتستمر بمحاذاة نهر آراس.

ويقسم ي. بجيلينا منطقة كوردستان السوفيتية إلى ثلاث مناطق جغرافية هي:

  • القسم الأول: أطراف نهر آراس، وهي منطقة سهلية ذات إنتاج زراعي جيد مثل الأرز والقطن، وتصلح في الشتاء مراعيَ للمواشي التي تنحدر من المشاتي القريبة.
  • القسم الثاني: سفوح الجبال، وتشمل العديد من المراعي والمراتع إلى جانب الأراضي الصالحة للزراعة.
  • القسم الثالث: الجبال، التي يبقى فيها القليل من السكان الكورد أثناء الشتاء، لكنها تتحول في الصيف إلى مصايف ومراعٍ لماشية المنطقة كلها.

ويتحدث بجيلينا عن سفوح الجبال التي قصدتها البعثة الآثارية في رحلتها إلى كوردستان السوفيتية عام 1924، فيقول إنها مظلمة، وفيها الكثير من الكهوف التي يُستخدم بعضها سكناً، وبعضها الآخر لإيواء الماشية. وتنقسم الكهوف التي يسكنها المواطنون الكورد في كوردستان السوفيتية إلى نوعين:

  1. البيوت الكهفية المحفورة: وتشمل:
    • أ. الكهوف السكنية المبنية عن طريق حفر الصخور الهشة، مثل تلك التي تنتشر في قرى عبداليان وكاريكاس وسندليار ومينكند، وعادة ما تكون هذه الكهوف صغيرة يعيش فيها الناس أو تُحشر فيها المواشي. ويقول بجيلينا: «إنه لم يلاحظ أبداً أن الأسر وحيواناتها يعيشون معاً في كهف واحد».
    • ب. الكهف الذي يُحفر فيه التراب الأصفر بشكل دائري، ثم تُغطّى الجدران بطبقة من الطين، وبعدها بصفوف من الحجارة الواحد فوق الآخر، أو يُبنى بجانبه جدار حجري سميك، ويُترك المجال لفتحة ضيقة تؤطَّر بإطار خشبي يُثبَّت فيه الباب، كما يُترك المجال للعديد من الفجوات الصغيرة التي تُستخدم نوافذ.
  2. البيوت الكهفية الطبيعية: وتنقسم إلى نوعين أيضاً:
    • أ. الكهف الشرخي: ويظهر على شكل شقّ عميق في الجبال، ارتفاعه مساوٍ لقامة الإنسان، وتُستخدم هذه الكهوف إسطبلات لإيواء المواشي في الشتاء، وتتسع لحوالي (1000-3000) رأس، وتنتشر في قرى فيزيليا بيرجاني وواشلو ومينكند وملا أحمدلو وبوزلو.
    • ب. الكهوف الواسعة: ولا تُستخدم لإيواء الحيوانات لسعتها وبرودتها، وتكثر بالقرب من قرى ملا أحمدلو وبوزلو وقرقشلاق.

وبالإضافة إلى الكهوف يستخدم الكورد في هذه المنطقة نوعاً آخر من المنازل يسمى «قوردام»، يُحفر في الأرض ويُستعمل مسكناً للأفراد. وهناك نوع آخر من البيوت قليل الشيوع على غرار البيوت القفقاسية يسمى «ساكلا»، ولا تختلف الـ«ساكلا» والـ«قوردام» والكهوف كثيراً من ناحية التنظيم والتهوية، ونلاحظ بيوت الـ«ساكلا» في قرى بيرجان ومينكند.

ومن المؤسف جداً أن كل هذه الجهود العظيمة والقرارات الحكيمة والتوصيات الشجاعة لزعيم الشيوعية العالمية لينين قد ذهبت أدراج الرياح بعد مرضه ووفاته وانتقال السلطة العليا إلى الزعيم السوفيتي الجديد ستالين. ففي عهد ستالين لم يُلغوا كوردستان الحمراء فحسب، بل حاربوا الكورد بشكل وحشي أيضاً. وقد تعاطف ستالين مع الرئيس التركي الجديد مصطفى كمال أتاتورك ذي الميول الطورانية (التركية)، ومع وعود أتاتورك بمنح روسيا امتيازات نفطية تركية لبناء اقتصادها المتدهور، إضافة إلى التأثير الشديد لأفكار رئيس الحكومة الأذربيجانية مير جعفر باقروف، الذي كان على صلات وثيقة بستالين وبجهاز (OGPU).

وكان لتحريض هؤلاء القادة اليد الطولى فيما حدث أخيراً للكورد في كوردستان السوفيتية الحمراء، وفيما صدر من قرارات؛ ففي عام 1929 قلّصت حكومة باكو كوردستان السوفيتية من «أويزد» (Uyezd) إلى «أوكروغ»، أي مقاطعة، وهي أدنى وحدة إقليمية بالنسبة إلى القوميات السوفيتية غير الروسية. وبعد ثماني سنوات اختفت كوردستان السوفيتية ذات الحكم الذاتي تماماً.

ولرغبة روسيا في تعزيز علاقات جيدة مع تركيا، رُحّل الكورد من أذربيجان وأرمينيا في عام 1937 بالذات، وفي عام 1944 أُرسل الكورد الجورجيون إلى مستعمرات خاصة في سيبيريا حيث وُطّنوا هناك، كما طوردوا في القفقاس ونخجوان على وجه الخصوص. وقد حشروا الكورد في عربات القطارات كالحيوانات، ورموا بهم في آسيا الوسطى، فمات الكثير منهم من شدة البرد ومن الجوع والمرض. وبعد رميهم في صحراء كازاخستان أسكنوهم في الخيام، وبالرغم من حفاوة الشعب الكازاخستاني الطيب في استقبال الكورد المرحّلين المهجّرين من مناطقهم الكوردية، فإنه كان يخاف من بطش الحكومة الشيوعية إن أظهر مشاعره تجاه الكورد. وكانت الأرض مغطاة بثلوج كثيفة، مما أدى إلى موت العديد من الأطفال المرضى والنساء والشيوخ الطاعنين في السن. وفي الربيع استدعوا كل الكورد الذين بلغوا الخامسة والعشرين من العمر، وأخذوهم جميعاً إلى مكان مجهول، ولم يُعرف مصيرهم إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث عُرف أن الحكومة السوفيتية قتلتهم ودفنتهم في مقابر جماعية بالقرب من مدينة شمكينت في جنوب كازاخستان.

وما أشبه الأمس البعيد باليوم! فالشيء نفسه جرى في كوردستان العراق في زمن النظام السابق، نظام البعث، في عمليات الأنفال والتهجير القسري والقتل الجماعي لهذا الشعب الأصيل المسلم الذي يعيش على أرضه منذ آلاف السنين.