الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تبدل المواقف البريطانية والأمريكية حول الكورد في كوردستان
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
«إن النزاع العرقي في تركيا هو بمثابة دعوة إلى الانعزال عن المجتمع الدولي، وإن عدم احتضانها حلاً سياسياً للمسألة الكوردية يحدّ بصورة خطيرة من حرية حركتها، بل يهدد علاقاتها بالغرب، وهي بالتالي لا يمكن أن تكون المصدر الاستراتيجي للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط» (1). فيما ذهب «غراهام فولر»، الخبير في مؤسسة راند الأمريكية للدراسات، إلى القول إنه يقترح قيام فيدرالية وحكم ذاتي يعترف بالاستقلال الثقافي للأكراد (2). ولكن أنقرة تعتقد أن لحزب العمال الكوردستاني (PKK) ممثلية في واشنطن يتولاها «قاني غولام»، الذي اجتمع مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية في نيسان 1993. وقد احتجت تركيا على مشاركة قاني غولام في الاجتماع، إلا أن الخارجية الأمريكية ردت قائلة إن قاني غولام ليس تابعاً لحزب العمال الكوردستاني، وإنه شارك في الاجتماع بصفة مترجم (3).
أما فيما يخص الموقف البريطاني من الحركة الكوردية في كوردستان تركيا، فإن المسؤولين في بريطانيا قد كرروا الدعوة إلى إقامة حكم ذاتي للأكراد في كوردستان تركيا. وفي هذا المجال دعا بعض الأعضاء في مجلس اللوردات البريطاني، في 29 تشرين الثاني 1993، إلى الضغط على تركيا لتأسيس دولة كوردية مستقلة في كوردستان تركيا (4)، وهو ما أثار دهشة الأتراك الذين تساءلوا بصراحة: أين كانت بريطانيا الإمبراطورية من حقوق الكورد على مدى قرن من الزمان؟ ووصف أحد أعضاء مجلس اللوردات البريطاني حزب العمال الكوردستاني بأنه يعمل لتحرير أكراد كوردستان تركيا من التذويب السياسي والعرقي الذي تمارسه أنقرة ضد الشعب الكوردي في كوردستان تركيا.
في حين عبّرت «ليندا تشوكر»، وزيرة المساعدات الخارجية البريطانية، في 27 نيسان 1994 عن قلقها الكبير من المعاملة التي يلقاها الأكراد في جنوب شرقي تركيا، أي في كوردستان تركيا (5)، وكأنها تريد إعادة بناء دولة كوردية كالتي قامت في كوردستان إيران (مهاباد) عام 1946، بعد فشل معاهدة سيفر المعقودة في 10 آب 1920. وكأن الأكراد والأرمن لا يزالون في انتظار دور بريطاني يعطيهم الحكم الذاتي في كوردستان العراق وكوردستان تركيا. وقد أزعج ذلك تركيا دولةً وشعباً، إذ رأت فيه عودة إلى عهد استعماري بريطاني كان قائماً في بداية الحرب العالمية الأولى، ولكن تركيا هذه المرة ليست مهزومة في حرب، بل هي قوية عسكرياً وصناعياً، وعضو في حلف شمال الأطلسي.
وعند مناقشة موضوع إعطاء حكم ذاتي للكورد في جنوب شرق تركيا (كوردستان تركيا)، عُقد اجتماع في المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان)، وتحدث فيه نجم الدين أربكان قائلاً: «إن بقاء هذه القوات الأجنبية في القواعد الأمريكية في جنوب شرق الأناضول يعد خرقاً لاستقلال ووحدة الأراضي التركية، لا سيما أن هذه القوات تهدف إلى إبقاء “أرمينيا الكبرى” داخل الأراضي التركية، وحماية المصالح الصهيونية ضد العرب والمسلمين في المنطقة. إن هذه القوات لم تأتِ إلى تركيا لحماية الأكراد في كوردستان العراق ومساعدتهم كما تدّعي، بل جاءت من أجل دعم الانفصاليين والإرهابيين في كوردستان تركيا وكوردستان العراق. وبهذا تكون الحكومة التركية قد وضعت البلاد تحت الاحتلال، إذ إن أمريكا ترفض الانسحاب من تركيا حتى لو طُلب منها ذلك» (6). وقد دفع ذلك نجم الدين أربكان إلى انتقاد سليمان ديميريل بالقول: «إنه في حالة تأسيس “إسرائيل” أخرى في المنطقة (كوردستان) بسبب قوات المطرقة المتأهبة، فإن من التزامات حزبه أن يحيل سليمان ديميريل إلى المحكمة العليا لمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى» (7).
والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية قد مارست ضغوطاً شديدة على تركيا لتجديد مدة بقاء قوة المطرقة المتأهبة. وخلال الزيارات التي قام بها تورغوت أوزال، رئيس الجمهورية التركية السابق، وسليمان ديميريل، رئيس الوزراء التركي، إلى واشنطن، أو الزيارات التي قام بها عدد من المسؤولين الغربيين إلى تركيا، ومن بينهم الرئيس الفرنسي ميتران ووزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد، كان الكلام المتناغم بينهم يشير إلى مليارات الدولارات للمشاريع الصناعية المزمع إقامتها في تركيا، فضلاً عن المساعدات الأمريكية التي قُدمت إلى تركيا في إطار القروض الثنائية، وقد بلغت (575) مليون دولار خلال عام 1993 (8)، أو من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتمويل بعض مشاريع الري والطاقة، ثمناً استثمارياً مقابل موافقة تركيا على تمديد بقاء قوات المطرقة المتأهبة المذكورة على أراضيها (9)، والنظر في إعطاء حكم ذاتي لكورد كوردستان تركيا (10).
المصادر
صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في 18 تشرين الثاني 1992.
صحيفة الجمهورية البغدادية الصادرة في 20 تشرين الثاني 1992.
سفارة جمهورية العراق في أنقرة، الملحقية الصحفية، 19 نيسان 1994.
صحيفة الصباح التركية الصادرة في 30 تشرين الثاني 1993.
صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في 28 نيسان 1994.
وزارة الخارجية العراقية، 15 حزيران 1994.
التقرير الاستراتيجي العربي، القاهرة، 1998، ص 201–202. وقد أوضح نجم الدين أربكان أن تلك القوات كان لها دور مهم في إيصال أسلحة مختلفة إلى أرمينيا، مقترحاً تشكيل قوة إسلامية مشتركة. أما بولند أجويد فقد قال أمام المجلس الوطني التركي الكبير: «إن قرار تمديد بقاء هذه القوات الأجنبية في جنوب الأناضول يعد إخلالاً بأسس الدستور التركي الخاصة باستقلال البلاد ووحدتها». انظر: سفارة جمهورية العراق، الملحقية الصحفية، 15 كانون الثاني 1993.
سالار أوسي ويوسف إبراهيم الجهماني، تركيا وأمريكا (من الأقطاب المتعددة إلى نظام القطب الواحد)، دمشق، دار حوران للطباعة والنشر والتوزيع، 2000م، ص 106.
صحيفة الثورة البغدادية الصادرة في 28 حزيران 1993.
المصدر نفسه.