الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تجدّد الكفاح من أجل الحكم الذاتي
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
وجّهت حرب 1974–1975 ضربة قاسية إلى الحركة القومية الكوردية، لكنها لم تكن الضربة القاصمة التي أرادها النظام وحكومات العراق، وخشيتها الحركة نفسها. وقد عكس الملا مصطفى البارزاني تلك المخاوف حين أعلن في أيار / مايو 1975، أثناء وجوده في إيران، أن «الحرب من أجل الحكم الذاتي قد وصلت إلى نهايتها ولن يتم استئنافها مرة أخرى». إلا أنه أعرب في مناسبة أخرى عن أمله في أن يستأنف من يأتي بعده نضال الشعب الكوردي.
وبالفعل انتهى الهدوء الذي فرضه النظام العراقي والبعث على كوردستان بعد عام واحد فقط من انتهاء القتال، وبدأت الحركة الكوردية تعيد تنظيم صفوفها من موقع الإحساس بالضآلة في مواجهة حزب البعث. فقد كانت حكومة العراق والبعث تحكم كوردستان بيد من حديد من خلال أذرعها المتعددة المتمثلة في الجيش والشرطة والإدارة. وفي الحقيقة كان عدد قليل من البيشمركة وأعضاء (حدك) قد تصالحوا مع حزب البعث. أما الحزبان الكورديان المنشقان، وهما (حدك – المنشق) الموالي لحزب البعث والحزب الثوري الكوردستاني، فقد أصبحا عميلين للبعث بكل ما للكلمة من معنى.
كان السكان الكورد يشعرون بإحباط كبير من النضال القومي الكوردي ومن عدم أهلية القيادة الكوردية؛ فالقيادة كانت، قبل كل شيء، ممزقة، ولم تكن هناك حركة مركزية تقود الصراع، بل مجموعات متباعدة منهمكة كلها في صراع داخلي مرير فيما بينها. ولكن عاملين مهمين لا يمكن الاستغناء عنهما جعلا النضال مستمراً: الاندفاع الكوردي لتقويض الحكومة المركزية، والتورط الأجنبي.
بدأت أعمال القمع التي مارسها النظام العراقي والبعث ضد السكان الكورد ترتد على بغداد. ففي أوائل عام 1976 اندلعت اشتباكات عفوية بين المواطنين الكورد وقوات الجيش والشرطة العراقية على خلفية الترحيل القسري للسكان الكورد. ومن المحتمل جداً أن اشتباكات من هذا القبيل، اشتدت بمرور الزمن، هي التي دفعت الحكومة العراقية إلى وقف سياسة الترحيل في تموز / يوليو من ذلك العام.
وفي ظل ذلك المناخ السائد بدأت المجاميع السياسية المصممة على استئناف النضال الكوردي إعادة تنظيم صفوفها، وأولى المجاميع التي قامت بذلك مجموعة جلال الطالباني، الاتحاد الوطني الكوردستاني (أوك)، وهي الجماعة التي أعلن راديو دمشق تأسيسها في تموز / يوليو 1975. لم يلعب جلال الطالباني دوراً محورياً في الحرب السابقة، ولم يكن مشتركاً في الحلف الفاشل مع إيران وما نجم عنه؛ ولهذا كان بإمكانه أن يتنصل من المسؤولية عن النكسة، وأن يستغل الفراغ السياسي الناجم عنها لتحقيق حلمه بقيادة الحركة الكوردية، وهو حلم لم يكن ليتحقق ما دام الملا مصطفى البارزاني مسيطراً على مسرح الأحداث في كوردستان.
كان مقر الاتحاد الوطني الكوردستاني في دمشق، حيث قدّم نفسه على أنه حزب ذو أيديولوجية يسارية راديكالية. ورغم أنه كان ينتقد (حدك) لسياساته «اليمينية» و«العشائرية» التي أدت إلى انهيار الثورة، فإنه كان ينشد في الواقع تحقيق أهداف (حدك) نفسها: تدمير نظام حزب البعث الدكتاتوري، وإنشاء نظام ديمقراطي حرّ في العراق، وتنفيذ «الحكم الذاتي الحقيقي للكورد في كوردستان».
ولأسباب متعددة كان موقف (حدك) أدقّ وأحرج من موقف (أوك): صاعقة النكسة التي لطّخته، والانتقاد الداخلي الشديد، واختفاء الملا مصطفى البارزاني من المشهد بما مثّله من غياب مؤقت للراعي، وتشتت قيادة الحزب وأعضائه في إيران وأرجاء العراق وأوروبا، والنزاع الداخلي حول السبيل الذي ينبغي اتباعه. ولهذا فليس من العجب أن ينقسم (حدك) في المراحل الأولى من إعادة التنظيم إلى عدة فصائل، أهمها (حدك – القيادة المؤقتة) بقيادة نجلَي الملا مصطفى البارزاني إدريس ومسعود البارزاني، و(حدك – اللجنة التحضيرية) بقيادة محمود عثمان.
إن إدريس ومسعود البارزاني، اللذين رافقا الملا مصطفى البارزاني خلال مسيرته السياسية والتحقا به في المنفى بإيران في أعقاب انهيار التمرد عام 1975، عادا إلى العراق بعد فترة قصيرة وحاولا السير على خطى والدهما. وكان مسعود البارزاني أنشط الاثنين، وقائداً بطبعه؛ ففي السادسة عشرة من عمره ترك الدراسة وانضم إلى قوات البيشمركة، وبعد سن العشرين أصبح مسؤولاً عن الباراستن.
أما أوضاع الحزب في بداية عام 1976 فقد شرع المهاجرون ومؤيدو الملا مصطفى البارزاني في أوروبا في إعادة التنظيم لصالح القيادة المؤقتة، التي أصبحت في النهاية الفصيل المهيمن على (حدك). وبمرور الوقت نما دور الجالية الكوردية في حشد الدعم الغربي للقضية الكوردية. واعترافاً منها بالأخطاء السابقة تعهدت القيادة المؤقتة لـ(حدك) بدمقرطة الإجراءات الحزبية، والاشتراك مع جهود الكورد في الدول الأخرى، لتحقيق حكم ذاتي حقيقي في إطار العراق. وأكملت المجموعة المراحل الأولى لذلك المشروع في تشرين الثاني / نوفمبر 1979، حين عقدت المؤتمر التاسع للحزب في مدينة رضائية بإيران وتبنّت تسمية (حدك). وقد حدد المؤتمر الإستراتيجية الجديدة للحزب واختار إدريس البارزاني رئيساً له، والواقع أن إدريس قاد الحزب بالاشتراك مع مسعود البارزاني.
وبالتوازي مع تلك المحاولات وإعادة التنظيم خارج العراق، شرع (أوك) و(حدك) بقيادة إدريس ومسعود البارزاني في تعزيز مواقعهما في كوردستان نفسها. وقد تقدّم (أوك) في تلك الجهود، وتمكّن بعد فترة من تعزيز سيطرته على منطقة السليمانية، وهي منطقة نشاط جلال الطالباني التقليدية. وظهر (حدك) على المسرح في مرحلة لاحقة، بعد أن أعاد تنظيم نفسه في منطقة بادينان. وسعى الأخوان إدريس ومسعود البارزاني إلى استعادة قيادة الشعب الكوردي بأكمله، لكنهما فشلا في تكرار إنجازات والدهما الملا مصطفى البارزاني. وتوفي إدريس البارزاني إثر نوبة قلبية عام 1987 عن اثنين وأربعين عاماً، في حين استمر مسعود البارزاني، الذي يصغره بعامين، في الاحتفاظ بالسلطة.
ومع ذلك كان على مسعود البارزاني أن يتحمل وجود معسكر مناوئ بقيادة جلال الطالباني لم يتمكن من احتوائه أو هزيمته أبداً. ونتيجة لذلك انقسمت كوردستان العراق عقب وفاة الملا مصطفى البارزاني إلى معسكرين: على رأس أحدهما القيادة التقليدية للبارزانيين، بينما تزعّم جلال الطالباني المعسكر الأكثر ثقافةً وحضرية. إن فشل الحرب الكوردية في 1974–1975، والقيادة الباهتة لنجلَي الملا مصطفى البارزاني، وظروف ما بعد الحرب الصعبة في كوردستان، والطلب المُلحّ على ظهور قيادة جديدة، كلها مهّدت السبيل لبروز معسكر جلال الطالباني. وقد دار الصراع بين المعسكرين على عدة جبهات، وجلب معه صراعاً بين الأجيال كان معسكر جلال الطالباني يمثل فيه، بصورة عامة، الجيل الأصغر سناً.
بدأ (حدك) و(أوك) حرب عصابات ضيقة النطاق، وبمرور الزمن ادّعى كلاهما تحقيق نجاحات باهرة، وإن كان التحقق منها صعباً. وكانت لذلك نتائج كارثية على الكورد، تمثلت في صراع على السلطة نشب بين (حدك) و(أوك)، وبينهما وبين بقايا الأحزاب الكوردية الأخرى. ففي سنوات إعادة التنظيم الأولى أُولي الجهد الأكبر لتصفية الحسابات بين الأحزاب نفسها، بدلاً من توجيهه إلى النضال ضد النظام العراقي وحزب البعث.
ورغم خبرتهما السابقة أُجبر الحزبان على الاعتماد على دعم القوى الخارجية، الأمر الذي أسهم في الواقع إسهاماً كبيراً في إعادة إحياء الحركة الكوردية. فمع الانسحاب المؤقت لإيران من المشهد أسرعت سوريا إلى استخدام الورقة الكوردية لضرب بغداد. ففي كانون الثاني / يناير 1975، حين كانت الحرب لا تزال مستعرة في كوردستان، اتهمت بغداد دمشق بشكل غير مباشر بتقديم الدعم للكورد. وبسبب المشاكل الثنائية التي ذكرناها فيما سبق، ازداد حجم ذلك الدعم مع التدهور المتزايد للعلاقات بين البلدين. ومنحت دمشق الملجأ والدعم المالي لمجموعة جلال الطالباني، كما دعمت جهودها الدعائية، وقد مكّن ذلك الدعم جلال الطالباني من دخول العراق وتعزيز مواقعه هناك.
ولكن الدعم السوري كان فيه عيب واحد: كان يتغير تبعاً لتغيّر طبيعة العلاقات بين العراق وسوريا. ولهذا فحين بدأت دمشق وبغداد محادثات المصالحة في كانون الأول / ديسمبر 1977 – كانون الثاني / يناير 1978، أمرت دمشق جلال الطالباني بإيقاف نشاطاته والدخول في حوار مباشر مع حكومة بغداد. ولكن مع عدم تمخّض الحوار بين بغداد ودمشق عن أي نتيجة، وعودة العلاقات إلى التوتر مرة أخرى، استُؤنف الدعم السوري لجلال الطالباني بكامل قوته.
كانت تركيا ملتزمة بدقة كبيرة باتفاقياتها الأمنية مع العراق، مانعةً قدر الإمكان أي نشاط لكورد العراق على أراضيها. وقد اتبعت تركيا هذه السياسة بسبب علاقاتها الجيدة عموماً مع العراق، وكذلك لخشيتها من امتداد تأثير النشاطات الكوردية إلى كورد تركيا. ولكن رغم ذلك، كانت تركيا، لدى حدوث خلافات كبيرة بينها وبين العراق، كما حدث عام 1976 بسبب مديونية تركيا النفطية لبغداد، تتغاضى تماماً عن النشاطات الكوردية التي كانت تجري خلف حدودها. وقد امتنع كل من العراق وتركيا عن استخدام الورقة الكوردية ضد الآخر، وهو ما يفسر التعاون الوثيق بين (حدك) ومجموعات المعارضة الكوردية التركية في تلك الفترة. وكان هذا هو الواقع عقب ظهور حزب العمال الكوردستاني (ب ك ك) PKK في تركيا ونشاطاته المعادية لتركيا، التي بدأت عام 1984.
أما إيران، فقد نفّذ الشاه، ما دام في السلطة، بدقة كبيرة ما ترتب على إيران من اتفاقية الجزائر (آذار 1975)، وأحجم عن تقديم الدعم للكورد ضد الحكومة العراقية. ولكن نقطة التحول حدثت حين تسلّم آية الله الخميني السلطة وأقام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في شباط / فبراير 1979، فتغيّرت موازين القوى بين العراق وإيران بين ليلة وضحاها. سعى آية الله الخميني في البداية إلى زعزعة النظام العراقي البعثي «الملحد» عن طريق من كان يعدّهم حلفاءه الطبيعيين، وهم بالتحديد شيعة العراق. لكنه سرعان ما أدرك أن جاذبيته بالنسبة إليهم، أياً كانت، يصعب ترجمتها إلى عمل سياسي بسبب الضعف الكبير للشيعة في العراق. ولهذا تحوّل آية الله الخميني، مثل سلفه، نحو الكورد بهدف زعزعة النظام العراقي وحزب البعث، وذلك رغم التناقض المتأصل بين إيران الشيعية والكورد السنة، وكذلك بين النظرة الدينية الإيرانية إلى العالم والحركة القومية الكوردية العلمانية إلى حد ما. وكان بروز هذا التحالف محيّراً أيضاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الكورد الإيرانيين كانوا حينها قد حملوا السلاح في وجه الجمهورية الإسلامية.
وفي تحدٍّ واضح لاتفاقية الجزائر 1975 شرع الخميني في تحريض الكورد العراقيين ضد حكومتهم، وكانت المجموعة الكوردية التي اختيرت لتقوم بذلك هي (حدك) بقيادة نجلَي الملا مصطفى البارزاني إدريس ومسعود. ففي تشرين الثاني / نوفمبر 1979 سمحت إيران لـ(حدك) بأن يعقد مؤتمره التاسع على الأرض الإيرانية، وفي شباط / فبراير 1980 بدأت إذاعة طهران بثّ تقارير باسم (حدك)، وفي نيسان / أبريل 1980 بثّت الإذاعة برقيةً من الحزب يؤيد فيها الثورة الإسلامية. وفي أيار / مايو التالي استأنفت إذاعة صوت كوردستان العراق السرية، التي كانت الوسيلة الرئيسية لحشد الكورد، بثّ برامجها، برعاية إيرانية كما يبدو، بعد توقف دام خمس سنوات.
تمثّل ردّ فعل حكومة العراق وحزب البعث الأول في استغلال الورقة الكوردية أيضاً، لتحقيق هدف مزدوج: تهدئة الكورد العراقيين غير المولعين بالقتال، وتحريض الكورد الإيرانيين ضد حكومتهم. ففي كانون الأول / ديسمبر 1979 أعلنت بغداد صدور قانون المجلس التشريعي، وهو نسخة منقحة من قانون المجلس التشريعي الصادر عام 1974، تأسس بموجبه مجلس تشريعي منتخب للكورد. وقدّم النظام العراقي وحزب البعث هذه الخطوة على أنها قفزة كبيرة إلى الأمام لتحقيق طموحات الكورد في الحكم الذاتي، لأنه، للمرة الأولى منذ 1974، سيُنتخب المجلس التشريعي الكوردي ولن تعيّن الحكومة العراقية وحزب البعث أعضاءه. إلا أن المعارضة الكوردية كانت رغم ذلك متشككة جداً حيال النوايا الحقيقية للنظام العراقي وحزب البعث:
- أولاً، وقبل كل شيء، كانت صياغة قانون المجلس التشريعي صياغة إشكالية، إذ تفادت ذكر مصطلحات حساسة من قبيل: الكورد وكوردستان، واستخدمت عوضاً عنها مصطلحات بديلة من قبيل: سكان منطقة الحكم الذاتي.
- ثانياً، بما أن المجلس التشريعي يمكن عقده وحلّه بمرسوم جمهوري، فقد كان في الواقع صنيعة بيد الرئيس العراقي صدام حسين. والأسوأ من ذلك أنه تعيّن أن يكون أعضاء المجلس من البعثيين، وأن يقسم كل منهم لدى تسلّمه مهام منصبه على الالتزام بمبادئ ثورة 17–30 تموز / يوليو 1968 البعثية.
أما الخطوة الثانية التي قامت بها حكومة بغداد فكانت تقديم الدعم للكورد الإيرانيين الذين تورطوا في الثورة بعد هدوء نسبي استمر ثلاثين عاماً. ولم يقتصر دعم بغداد لهم على الدعم المادي والعسكري، بل مضت إلى حد الاتفاق معهم على «تحرير كوردستان إيران» لتحقيق «الاستقلال». ولكن، كما تبيّن فيما بعد، لم تكن الحرب بالوكالة التي كان العراق وإيران يخوضانها سوى مرحلة فاصلة سبقت الحرب المباشرة والشاملة التي اندلعت بينهما في 22 أيلول / سبتمبر 1980.