الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تدهور العلاقات في المناطق الكوردية (كوردستان)
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
إن حالات إعادة الاصطفاف العلنية والسرية في المنطقة بدأت تُحدث تغييراً في توازن القوى بين حزب البعث والكورد لصالح بغداد، وكانت الحرب الكلامية التي اندلعت بين المعسكرين بعد تلك التطورات شديدة الأثر. فقد كان أمراً فريداً أن يتم الكشف، في ظل دولة فاشية ومنغلقة مثل العراق، عن حقائق مهمة، لسبب بسيط هو نشر الغسيل القذر للطرفين. لقد مرّ التراشق بين الطرفين بتغيرات عميقة، لأن قصتهما كانت تعكس تصادماً بين حركتين قوميتين، يمثل حزب البعث إحداهما والحزب الديمقراطي الكوردستاني الأخرى.
ومنذ تلك اللحظة فصاعداً أصبح التوجه الرئيسي في دعاية حزب البعث هو التفريق بوضوح بين الشعب الكوردي من جهة، والحزب الديمقراطي الكوردستاني (حدك) والملا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، بهدف إخراج الملا مصطفى البارزاني من السياسة؛ والسبب تحديداً أنهم كانوا يعتقدون أن الملا مصطفى البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني هما الروح التي تحرّك الحركة القومية الكوردية. أما الملا مصطفى البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، اللذان أصبحا في موقف دفاعي، فقد سعيا من ناحيتهما إلى إثبات أنهما والحركة القومية الكوردية متلازمون.
تأميم حقول نفط كركوك
في الأول من حزيران/يونيو 1972 أمّمت بغداد حقول نفط كركوك، موجهةً بذلك ضربة قوية إلى الكورد. وهذه الخطوة، التي أعدّت لها السلطات العراقية جيداً وبدعم من الاتحاد السوفيتي، سحبت البساط من تحت أقدام المطالب الكوردية بضمّ كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي (كوردستان العراق). إن تحويل ملكية الآبار النفطية الخمسة والخمسين في كركوك من شركة نفط العراق إلى الدولة العراقية وضع حداً للمطالب الكوردية في نفط كركوك. وكانت هناك دوافع استراتيجية وسياسية مختلفة وراء خطوة التأميم تلك، أهمها خلق أمر واقع محتوم فيما يتعلق بمسألة كركوك، وقد ظهر ذلك من حقيقة أن التأميم بدأ في كركوك ولم يشمل الموصل والبصرة إلا بعد ذلك.
والضربة الأخرى التي تلقّتها الحركة الكوردية كانت برنامج التقشف الذي تم تبنيه في أعقاب تأميم صناعة النفط، نتيجة لانخفاض عائدات النفط وصعوبة تسويق النفط المستخرج من كركوك. ولهذا فإن تخفيض ميزانية برامج التنمية بأكثر من 50% أصاب الكورد على الخصوص، لأنهم كانوا يحصلون على حصة الأسد من تلك البرامج. ولم يكن أقل خطورة من ذلك أن الحركة الكوردية قد فقدت أحد أهم عناصر ضغطها، ليس على النظام والحكومة العراقية فحسب، بل على الشركات الأجنبية أيضاً.
وقد ردّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني (حدك) على تأميم النفط بغضب محسوب؛ فهو من ناحية لا يمكنه أن ينتقد علناً عملاً يرمز إلى الوطنية العراقية، ومن ناحية أخرى لم يكن قادراً على تأييده، لأن تأميم النفط في كركوك أضرّ بالمصالح الكوردية الثابتة. وكان صمت الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتناقض بشكل صارخ مع التأييد الحماسي الذي أظهره الحزب الشيوعي العراقي، وتعبئته الجماهير لصالح سياسة التأميم العراقية.
بعد بضعة أيام من تأميم نفط كركوك بدأت أعمال الشغب في شنكال (سنجار)، التي يقطنها الكورد الإيزيديون، ثم انتشرت منها في نهاية الأمر حتى وصلت إلى كركوك والسليمانية. كان اندلاع أعمال الشغب عفوياً، وشمل مجموعات بائسة من الناس لم تكن تتصرف نيابة عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كما اتضح، ولكنها حظيت بتأييده فيما بعد لما قامت به. أما سبب أعمال الشغب فهو أن العشائر الإيزيدية، التي كانت تحصل على أموال مقابل حمايتها لشركة النفط، قد حُرمت من تلك الأموال بسبب سياسة تأميم نفط كركوك. يضاف إلى ذلك أن الحكومة شرعت، في اليوم نفسه الذي طُبّقت فيه سياسة التأميم في 1 حزيران 1972، في نزع سلاح الكورد الإيزيديين طبقاً لاتفاقية 11 آذار/مارس 1970.
وفي الوقت نفسه بدأ النظام بتوطين عشائر عربية في المنطقة الكوردية (كوردستان)، وهي الخطوة التي نتجت عنها مواجهات عنيفة بين العشائر الكوردية والعربية، وأدت إلى تدخل الجيش العراقي، فقصف المناطق الكوردية بطائرات القوة الجوية، كما أرسل الملا مصطفى البارزاني إمدادات عسكرية للدفاع عن العشائر الكوردية. وكان واضحاً أن فرقة عسكرية واحدة من الجيش العراقي قد شاركت في تلك الحوادث عام 1972. ولأول مرة منذ التوقيع على اتفاقية 11 آذار/مارس 1970 أُعلنت الأحكام العرفية لاستعادة النظام.
في خضم تلك التطورات ناشدت جريدة الثورة، الناطقة باسم الحكومة العراقية، السلطاتِ أن تقف بحزم ضد «المجموعات والجيوب التي لا تعمل لصالح المصالح الوطنية العليا، ولكنها تتصرف وكأن مصالحها الضيقة هي المهمة في حياة الوطن، في الوقت الذي يخوض فيه الوطن أصعب صراع في تاريخه». وفي تلميح إلى الصلة بين تأميم النفط والموقف المعادي «لحكومة إيران العميلة» وأعمال الشغب، دعت الجريدة إلى وضع المصلحة الوطنية العراقية فوق كل الاعتبارات الضيقة.
وعند التفكير فيما حدث يتضح لنا أن ردّ جريدة الثورة كان طلقة البداية للجدال الشديد والمطوّل مع الحركة الكوردية وجريدتها «التآخي». فقد كانت جريدة الثورة في طليعة وسائل الإعلام العراقية التي كانت تجلد الكورد، وقد عكس ذلك تطوراً سياسياً عميقاً، صاحبه تغير تدريجي في مواقف صدام حسين من مؤيد متحمس لاتفاقية 11 آذار 1970 إلى العمل ضدها، ومن تقديم الحزب الديمقراطي الكوردستاني شريكاً لحزب البعث إلى محاولة تحييده كلياً على الساحة السياسية. وحينما سُئل صدام حسين عن مزاعم الكورد بأن بغداد لم تكن ملتزمة بالاتفاقية صرّح بأن تأميم النفط أهم من أي شيء آخر، وقال: «نحن نرفض النهج الأناني عند حل المشاكل. ما يهمّ اليوم هو الوطن ككل».
لقد غيّر صدام حسين استراتيجيته لأنه استنفد كل الفوائد التي كان يجنيها من اتفاقية 11 آذار 1970. وفي الحقيقة أراد صدام حسين أن يكتسح الحزب والرأي العام، وقد فعل ذلك من خلال جريدة الثورة التي أصبح رئيس تحريرها، طارق عزيز، في النهاية الذراع اليمنى لصدام حسين. وعلى النقيض من ذلك لم يكن الرئيس أحمد حسن البكر منذ البداية متحمساً لاتفاقية 11 آذار 1970، إلا أنه حاول مع ذلك الحفاظ عليها.
البعد التاريخي للوجود الكوردي في محافظة نينوى
تمثل محافظة نينوى موقعاً استراتيجياً غاية في الأهمية، ليس لكونها حلقة وصل بين محافظات إقليم كوردستان العراق ومحافظات الوسط والجنوب العراقي فحسب، بل لأنها تعد أيضاً الجسر الذي يربط العراق بجارتيه سوريا وتركيا، كما أنها الأكثر أهمية في الإنتاج الزراعي والحيواني، وتقوم على بحيرة واسعة من النفط، إلى جانب أهميتها الإثنوغرافية، فهي ملتقى القوميات، وموطن للطوائف والأديان. وقد قال عنها قسطنطين زريق: «لقد جمع الله على أرضها مزيجاً من الطوائف والشعوب، قد لا تجد له مثيلاً في أية بقعة من بقاع الأرض».
وحينما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها كانت ولاية الموصل المشكلة الأكثر خطورة بين الدولة العثمانية والحكومة البريطانية المنتدبة على العراق، ولا تزال تركيا تنظر إلى ولاية الموصل جزءاً من ممتلكاتها، وامتداداً جغرافياً وتاريخياً لها. وبعد تشكيل الدولة العراقية سنة 1921، وفي ظل مصالح الحكومة البريطانية في المنطقة، أُلحقت ولاية الموصل بهذه الدولة، وقُسّمت وفقاً للتشكيلات الإدارية الجديدة إلى ألوية: أربيل، والسليمانية، ودهوك، وكركوك، وأجزاء من ديالى، ولواء الموصل. وكان هذا الأخير يضم يومها أقضية: الموصل، وسنجار، ودهوك، وزاخو، والعمادية، وعقرة (لاحظ الجدول التالي)، وهي باستثناء مدينة الموصل تضم أغلبية كوردية حتى الوقت الحاضر. إلا أن سياسة التعريب التي نفذتها الحكومات العراقية المتعاقبة على امتداد القرن الماضي أدت إلى تغير شامل في التكوين القومي لسكانها لصالح الأقلية العربية. ومن أبرز مشاريع التوطين العربي في المنطقة مشروع الجزيرة غرب مدينة الموصل، الذي بات يمثل جسراً لتعريب مدينة الموصل نفسها، فضلاً عن منطقة الجزيرة.
جدول رقم (1): لواء (سنجق) الموصل بحسب التشكيلات الإدارية في أواخر العهد العثماني
| القضاء | الناحية |
|---|---|
| الموصل | الشيخان |
| سنجار | تلعفر |
| دهوك | مزوري |
| زاخو | — |
| عقرة | الزيبار |
| العمادية | داودية، برواري بالا، برواري زير، ريكان، نيروه |
وتشير المصادر التاريخية إلى أن أهالي الموصل كانوا كورداً يتكلمون اللغة الكوردية، كما يعرفون أيضاً العربية والتركية والفارسية. وجاء في كتاب «بلدان الخلافة» لـ«لسترنج»: «أن جُلّ أهل الموصل في المئة الرابعة للهجرة (العاشر الميلادي) من الكورد». كما أكد «لونكريك» في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث» «أن الموصل كانت العاصمة الصيفية للجزيرة وقاعدة كوردستان الوسطى»، وأضاف: «أن منطقة الجزيرة كانت مجمعاً للكورد الجبليين والبدو العرب، إلا أن السيطرة كانت للكورد، كما كانت تجارة المنتوجات الرعوية بيد التجار الكورد المتوطنين فيها».
ومن جانب آخر أفرز التاريخ الحديث للعراق ظاهرة زحف عشائر شمر العربية إلى منطقة الجزيرة، ولا سيما خلال القرن السابع عشر الميلادي، كما ظهرت عشرات المستوطنات العربية في المنطقة بين سنتي (1850-1918) بين سنجار وتلعفر. وتواصلت عمليات توطين العرب بعد إنشاء شبكات النقل واستخراج النفط، إلى جانب ما أقامته السلطات العراقية من مستوطنات للعشائر العربية الرحّالة للفترة (1918-1942) في المثلث الممتد بين سنجار وتلعفر والحضر.
وفي النصف الثاني من القرن الماضي توسعت مثل تلك العمليات، إذ أقامت الحكومة العراقية بين سنتي (1951-1965) ما يزيد على (726) قرية وتجمعاً سكنياً غرب مدينة الموصل، واستمرت عمليات التوطين في منطقة غرب الموصل على قدم وساق بعد ذلك، وبكثافة أعلى.
وفي ضوء ما سبق شهدت منطقة الجزيرة ارتفاعاً غير مسبوق في نسب نمو سكان مناطق الأرياف، على خلاف اتجاهات نمو سكان القطاع الريفي في باقي مناطق الموصل؛ ففي أرياف قضاء البعاج بلغت نسبة نمو السكان (17%) سنوياً، وفي أرياف قضاء الحضر (3.4%) سنوياً، ونحو (2.4%) في أرياف قضاء تلعفر، فيما كانت نسب الزيادة تميل إلى الانخفاض في أرياف الوحدات الإدارية ذات الأغلبية الكوردية في المحافظة.
وبهدف الإسراع في سياسة تغيير التكوين القومي لسكان محافظة الموصل، عمدت الحكومة العراقية إلى تغيير شامل في تشكيلاتها الإدارية، إذ تم:
استقطاع الأقضية والنواحي الكوردية من محافظة الموصل، وتشكيل محافظة منها باسم محافظة دهوك سنة 1969، ضمت أقضية زاخو والعمادية وعقرة ودهوك.
تحويل قضاء الزيبار، الذي يشكل الكورد (100%) من سكانه، إلى محافظة أربيل.
التوسع في التشكيلات الإدارية في منطقة الجزيرة بعد عمليات التوطين التي أشرنا إليها، ومنها أقضية الحضر والبعاج والشرقاط.
هذا إلى جانب حملات الترحيل التي توسعت بعد اتفاقية الجزائر سنة 1975، وقد طالت هذه الحملات كافة الوحدات الإدارية ذات الكثافة الكوردية في السكان؛ ففي قضاء سنجار بلغت نسبة القرى التي شملتها حملات الترحيل نحو (43%) من مجموعها في محافظة الموصل، وتجاوزت (31%) في قضاء الشيخان، كما شملت أقضية تلعفر وعقرة وتلكيف (انظر الجدول رقم 2).
جدول رقم (2): القرى المرحّلة في محافظة نينوى
| القضاء | عدد القرى المرحّلة | % |
|---|---|---|
| سنجار | 146 | 42.8 |
| الشيخان | 106 | 31.1 |
| تلعفر | 39 | 11.4 |
| عقرة | 35 | 10.3 |
| تلكيف | 15 | 4.4 |
| المجموع | 341 | 100 |
ومن الملاحظ أن لجاناً كانت قد تشكلت لـ«هدم دور المرحّلين كافة» ونقل سجلات نفوسهم إلى خارج المحافظة، كما ورد في كتاب محافظة نينوى المرقم (1741) في نيسان 1990. وحدد كتاب آخر برقم (2868) في مايس 1994 محاور التعريب، ولا سيما محور الموصل – الشيخان، باعتباره، كما ورد فيه، «أحد المحاور الأساسية المشمولة بالتعريب وتكثيف التواجد العربي الدائم فيه». كما كشف كتاب المحافظة برقم (2334) في 24/11/1994، المرسل من قائمقاميات الشيخان وتلكيف ومخمور وناحية فايدة، عن المحاور الأخرى، مثل محور (مخمور – الموصل) و(مخمور – كوير – ديبكة)، وقضاء الشيخان، إضافة إلى ناحية فايدة التي هُيّئت لتوطين العشائر العربية فيها.
وتأسيساً على ما سبق، كشفت نتائج إحصاء السكان في العراق عن انخفاض مستمر في حجم السكان الكورد ونسبهم في محافظة نينوى، مقابل ارتفاع في نسب السكان العرب. ورغم ذلك، فإن انهيار النظام العنصري سنة 2003، وانتخابات البرلمان العراقي سنة 2005، وانتخابات مجالس المحافظات سنة 2009، كشفت عمق جذور الوجود الكوردي في المحافظة وفشل سياسة التعريب آنفة الذكر، وأظهرت أن الكورد لا يزالون يمثلون نسباً عالية في المناطق الممتدة من سنجار إلى مخمور.
التحالف الكوردي السني في العراق: إشكالية الممكن والمستحيل
في ظل ما يحدث في العراق المحتل اليوم من عدوان أمريكي مستمر على أهل العراق، من قتل واعتقال وتعذيب وتهجير وإشعال لنار الفتنة الداخلية، وفي ظل ما يقوم به الشيعة في العراق ضد السنة من تهجير وقتل واضطهاد، هل يمكن أن يتحد الأكراد والسنة في وجه الأمريكان والصهاينة، وفي وجه الشيعة الذين تمكنوا من العراق بعد احتلاله من قبل التحالف الأمريكي البريطاني؟
طرح محللون، منذ احتلال الأمريكان للعراق، بعض السيناريوهات المتوقعة لمستقبل العراق، تراوحت بين الفيدرالية والحرب الأهلية، وكان للسنة والأكراد بالطبع موقفهم من هذين السيناريوهين. وتهدف أمريكا إلى تحقيق الفيدرالية في العراق في إطار تحقيق مصالحها وترسيخ سيطرتها على الثروة والسلطة؛ فالشيعة يريدون الفيدرالية ليتمكنوا من السيطرة على العراق وحكمه، والأكراد يريدونها ليحققوا استقلالاً أكبر، إن لم يتمكنوا من الاستقلال التام لشعبهم الكوردي الذي تعرّض للإقصاء والتهميش والتهجير والإبادة الجماعية. وكلا السيناريوهين سيئ، ويدفع العراقيين، وعلماء السنة ومفكريهم بالتحديد، إلى البحث عن استراتيجية واضحة وبعيدة المدى لتحرير العراق من الاحتلال والحفاظ على وحدته.
ويرى محللون أنه من الصعب أن يحدث اتحاد كامل وشامل بين الأكراد والسنة، لأن الأكراد لهم أهدافهم الخاصة، كما أنهم ما زالوا يشعرون بأنهم اضطُهدوا خلال تاريخ العراق، ويحمّلون السنة بعض المسؤولية عن ذلك. إلا أنه ليس من المستحيل أن تجتمع إرادة الأكراد والسنة في بعض المواقف، خاصة أن غالبية الأكراد العراقيين مسلمون سنة. ففي آذار/مارس 2006 اتحد السنة والأكراد في موقفهم من ترشيح إبراهيم الجعفري رئيساً للحكومة العراقية الموالية للاحتلال، حينما اصطدمت مفاوضات تشكيل الحكومة آنذاك برفض كتلتين بارزتين تمثلان العرب السنة والأكراد لترشيح الجعفري، فيما جدد الائتلاف الشيعي تمسكه به. وصرّح محمود عثمان، عضو البرلمان العراقي عن قائمة التحالف الكوردستاني آنذاك، بأن الأكراد والسنة يؤكدون أن إبراهيم الجعفري غير مناسب، وأنهم لا يستطيعون تشكيل مجلس وزراء بالاشتراك معه لكونه غير حيادي (شيعي متعصب).
إذن من الممكن أن يمثل الأكراد والسنة في العراق ضغطاً سياسياً موحداً تجاه العديد من المواقف أو القوانين التي تهدف أمريكا إلى تمريرها عبر أذنابها في العراق. قد لا يكون ذلك اتحاداً سياسياً شاملاً ودائماً، ولكن من المؤكد أن الوضع السياسي العراقي الحالي يمهد لحالات توافق مشتركة بين الأكراد والسنة، وهو ما يعد صفعة شديدة في وجه الأمريكان والشيعة.
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الأكراد يجب أن يشاركوا في صنع القرار السياسي في بلادهم، سواء في العراق المحتل أو في إيران أو سوريا أو تركيا، ولذا يجب على الحكومات أن تحتوي الأكراد بذكاء سياسي واجتماعي، لأنهم أصحاب حق في مطالبهم بحقوقهم القومية الكوردية المشروعة، وأن تدرك هذه الدول أن سياسة تهميش الأكراد أو اضطهادهم ليست في صالحها، ولا في صالح الشعوب التي تهدف إلى رفع مستوى معيشتها وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد الملف حقيقة تاريخية واضحة، هي أنه لم يجر في العراق أي تمييز بين الشعبين العربي والكوردي، بل إن الموالين للنظام الملكي العراقي من الأكراد وصلوا إلى أعلى المراتب الرسمية (رؤساء ووزراء ومديرين)، في حين أن الأكراد المعارضين لهذا النظام تمتعوا بمراكز قيادية في الأحزاب العراقية المعارضة للملكية، وكانوا يعملون ضمن الحركة الوطنية العراقية ككل. كما أن العراق هو الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي اعترفت بالوجود الكوردي، وأن الدساتير والتشريعات العراقية تعترف جميعها بحقوق الشعب الكوردي، ولكن مع الأسف لم تكن الحكومات العراقية المتعاقبة تطبق ذلك.