الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تذبذب السياسة البريطانية إزاء كوردستان
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
وعدت بريطانيا سكان بلاد الرافدين عامة بالحرية والاستقلال، وبتخليصهم من نفوذ الأتراك، وبمنحهم حق تقرير المصير، وأصدرت في هذا الشأن عدة بيانات، منها تصريح الجنرال مود، القائد الإنكليزي الذي احتل بغداد، لأهالي بغداد في 19 آذار/مارس سنة 1917، ثم التصريح الإنكليزي الفرنسي في 8 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1918، الذي أحيا الآمال الوطنية، وكان من أهم الوعود والتصريحات البريطانية الفرنسية بالاستقلال بسبب توقيته بعد انتهاء الحرب.
لكن بريطانيا سرعان ما تنكرت لهذه الوعود والتصريحات؛ فقد كتب أرنولد ولسن، الحاكم السياسي البريطاني في بغداد، إلى حكومته في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1918، أي بعد أسبوع واحد من التصريح الإنكليزي الفرنسي، أن دوره الرئيسي هو إعلان ما بين النهرين، وكانت تشمل ولايتي بغداد والبصرة، محميةً بريطانية تتمتع فيها جميع العناصر والطبقات بالحد الأدنى من الحرية والحكم الذاتي.
ثم ما لبثت بريطانيا أن عملت على إنشاء دولة كوردية مستقلة، وكان أبرز مظهر لهذه السياسة توقيعها على معاهدة سيفر في 10 آب/أغسطس سنة 1920، وقد دفعها إلى ذلك عداء الكماليين الأتراك لبريطانيا وتقربهم من الاتحاد السوفيتي، واندلاع ثورة 30 حزيران/يونيو 1920 في العراق الجديد ضد الاستعمار البريطاني.
ولكن بريطانيا سرعان ما بدأت تتراجع عن هذه السياسة بعد صمود الكماليين الأتراك وهزيمتهم لليونانيين وقضائهم على الدولة الأرمنية وتصميمهم على عدم منح أي حقوق قومية للأكراد. ثم عادت في كانون الأول/ديسمبر سنة 1922م فأعلنت، في بيان مشترك مع حكومة العراق الجديد التي كانت تحت الانتداب البريطاني آنذاك، تأييدها لتأليف حكومة كوردية للوقوف في وجه الأتراك. ثم عدلت في عام 1923م عن هذا المشروع، ووقعت مع تركيا معاهدة لوزان 1923م التي تجاهلت تماماً أي ذكر لموضوع الدولة الكوردية.
أما أسباب هذا التذبذب والاضطراب في السياسة البريطانية، فهي، إلى جانب تغير الظروف الدولية ومرونة بريطانيا في التكيف مع الأحداث المتغيرة، عدم وثوق ساسة الإمبراطورية بشخصية كوردية ذات نفوذ يُركن إليها في حراسة مصالح بريطانيا في كوردستان الغنية بالبترول.