الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تشكيل حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941م (الجزء الأول)
من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2012
تأكد رشيد عالي الكيلاني من انتقال الوصي عبد الإله من بغداد إلى البصرة صباح يوم الثالث من نيسان 1941م، وهو ما جعل القادة العسكريين (العقداء الأربعة) يتخذون قرارهم النهائي بتشكيل «حكومة الدفاع الوطني» (1) برئاسة رشيد عالي الكيلاني، وضمّت في عضويتها العقداء الأربعة، والفريق أمين زكي رئيس أركان الجيش وكالةً، وعلي محمود الشيخ علي، ويونس السبعاوي (2). وأصبح الوضع الدستوري مربكاً بهروب الوصي عبد الإله، وصار لا بد من النظر في أمره إذا ما رفض الرجوع عن غيّه وبقي مصراً على وضعه المخزي في أحضان البريطانيين. وذهبت رئاسة أركان الجيش (الفريق أمين زكي) إلى أبعد من ذلك، فاعتقلت الموالين للوصي عبد الإله ونحّتهم عن مراكزهم (3). ويؤيد الباحث مسعى رئاسة أركان الجيش والفريق أمين زكي، بعد أن وصلت الأمور إلى الهاوية، وصار كل طرف يسعى إلى قتل الطرف الآخر أو التخلص منه بكل وسيلة.
قامت حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941 بتأليف مجلس أعلى للدفاع (4) برئاسة رشيد عالي الكيلاني (5)، وتدارست تطور الموقف، فقدّمت على الفور مذكرة إلى الحكومة البريطانية تؤكد فيها ضرورة احترام نصوص معاهدة 1930، وعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية، واحترام الحقوق الدولية، وأن تشجيع بريطانيا الوصي عبد الإله على إحداث القلاقل والثورات يُعدّ تدخلاً شائناً في أمور البلاد الداخلية، لا تقرّه الأصول الدولية ولا معاهدة 1930 المعقودة بين البلدين. وعلى الصعيد العسكري، أمر مجلس الدفاع الأعلى بإرسال قوة إضافية لتعزيز حامية البصرة، لقمع أي حركة من حركات العصيان قد يثيرها عملاء بريطانيا هناك (6).
ويعتقد الباحث أن القوة الرئيسية أصبحت بيد مجلس الدفاع الأعلى، وكان بإمكان رئاسة أركان الجيش، التي أرسلت قوة إلى حامية البصرة، أن تعزل أي قوة بريطانية عن ميناء البصرة، وكان عدم القيام بذلك الخطأ الأكبر الذي قاد فيما بعد إلى احتلال العراق مرة أخرى.
طلب رشيد عالي الكيلاني من متصرف (محافظ) بغداد جلال خالد، ومدير الشرطة العام حسام الدين جمعة (7)، أن يتلقيا أوامره هو، وألّا ينفذا رأي الكتلة العسكرية (العقداء الأربعة) في بغداد، ريثما يتخذ التدابير الدستورية لإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية (8). وأُعدّت مسودة بيان أُرسلت إلى رئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي سلمان وهو في داره فوقّعه، وأُعلن من إذاعة بغداد مساء اليوم نفسه، 3 نيسان 1941. وبعد ساعة من إذاعة البيان تحدث رشيد عالي الكيلاني بصفته رئيساً لحكومة الدفاع الوطني، التي لم تضم وزراء، بل أوعز رئيس الحكومة إلى المديرين العامين في الوزارات بتمشية الأمور. أما وزارة الدفاع فوقعت مسؤوليتها الرسمية على عاتق رئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي سلمان. وقد ورد ذلك في نص حديث رشيد عالي الكيلاني من دار الإذاعة العراقية في الساعة التاسعة من مساء يوم الثالث من نيسان 1941م، ضمن منهاج حكومة الدفاع الوطني (9).
اعتبرت حكومة ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا) ما أقدمت عليه مجموعة العقداء الأربعة والكيلاني بمثابة الخطوة الأكثر خطورة نحو الارتماء في أحضان الألمان، الذين كانوا ينافسون البريطانيين على نفط العراق (10).
وطلب ونستون تشرشل من وزير الهند البريطاني في الثامن من نيسان 1941 أن يحوّل إلى البصرة قوةً مؤلفة من لواء مشاة وكتيبة مدفعية كانت مكلفة بالذهاب إلى الملايو (11)، وأن تتبعها قوات أخرى بأقصى سرعة ممكنة (12). وفي العاشر من نيسان 1941م أبلغ السفير البريطاني في بغداد كورنواليس السلطات العراقية «بأن قوة بريطانية ستدخل المياه الإقليمية للعراق خلال الثماني والأربعين ساعة، وذلك للحصول على موافقة الحكومة العراقية على نزول هذه القوات في البصرة» (13).
قرر مجلس الدفاع الأعلى السماح للقوات البريطانية بالنزول في البصرة وفق الشروط المتفق عليها سابقاً، وهي: أن تقوم بريطانيا بتسريع حركة القوات من البصرة إلى الرطبة، وألّا تكون القوات في حالة العبور أكثر من جحفل لواء واحد (14)، وأن يُخبَر عنها في وقت مناسب قبل وصولها، وألّا يُسمح لأي قوات جديدة بالنزول إلا بعد مغادرة القوات الموجودة الأراضي العراقية.
اعتبرت بريطانيا شروط حكومة الدفاع الوطني العراقية تعقيدات غير متطابقة مع روح المعاهدة العراقية–البريطانية لعام 1930م ونصها، وهدد ونستون تشرشل باستعمال القوة لضمان إنزال القوات البريطانية في البصرة، كما بيّن أن حق المطالبة بتعهد من هذا القبيل لا يمكن الاعتراف به لحكومة اغتصبت هي نفسها الحكم نتيجة انقلاب عسكري، وهضمت في مملكة العراق الحقوق البريطانية المنصوص عليها في معاهدة 1930، وطالب سفيره في بغداد كينهان كورنواليس بعدم التورط في إعطاء أي إيضاحات (15).
المصادر
يقول سامي القيسي: «… وبعد قيام الجيش بخطوة جريئة بتشكيل حكومة تتولى المسؤولية عُرفت باسم حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941، تم نقل الوصي ومرافقيه … من الحبانية إلى القاعدة البريطانية في الشعيبة …». صحيفة المشرق، بغداد، في 23 حزيران 2005.
صلاح الدين الصباغ، مصدر سابق، ص 225–226.
جرى اعتقال صالح جبر (متصرف البصرة) ونقله إلى بغداد، وفصل تحسين علي متصرف (محافظ) الموصل، وتوفيق محسن أبو طبيخ، ورايح العطية، وجُلب الأول توفيق محسن أبو طبيخ مخفوراً خوفاً من قيامه بتحريض العشائر. وأُبعد الشريف فواز والشريف حسين إلى شرق الأردن لأنهما جاسوسان للبريطانيين في البلاط، وفُصل مدير التشريفات في البلاط باقر سرجك، وعُيّن نوري السعيد وزيراً مفوضاً للعراق في الولايات المتحدة، وأُسندت وظائف مماثلة خارج العراق لكل من جميل المدفعي وعلي جودت الأيوبي، وأُبعد حكمت بابان لأنه خطيب البريطانيين في المجلس. انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية لحركة مايس لسنة 1941م التحررية، ج1، مصدر سابق، ص 169.
صحيفة الاستقلال، بغداد، في 8 نيسان 1941.
رجاء حسين حسني الخطاب، مصدر سابق، ص 237–238. أصدر رئيس الحكومة رشيد عالي الكيلاني التعليمات التالية:
- إسقاط وصاية عبد الإله لإخلاله بالدستور، وتركه الحكم، والتجائه إلى قوة أجنبية، وتهديده أمن البلاد ووحدة الجيش.
- سيطرة الجيش على الموقف الداخلي، وتخويل رئاسة أركان الجيش إصدار الأوامر.
- قطع اتصالات الوصي عبد الإله في البصرة، سواء باستعمال الهاتف أو البرق أو الطابعة.
- ثم وُجّهت الدعوة إلى مجلس الأمة لمناقشة تغيّب الوصي عبد الإله عن واجباته.
- على إثر ذلك تحرك لواء المشاة الثاني ولواء مدفعية الصحراء الأول، وهما من قطعات الفرقة الأولى، وعسكرا في منطقة البصرة. وأُوفد إلى البصرة للإشراف على تنفيذ هذه القرارات ضابطان، هما الرئيس الأول (الرائد) الركن محمود الدرة من دائرة الحركات، والرئيس الأول (الرائد) الركن محمد حسين الطريحي ضابط ركن مدفعية الفرقة الثالثة. وبعد أن وصل الضابطان إلى البصرة وأشرفا على تنفيذ مقررات مجلس الدفاع الأعلى، رفع الرئيس الأول الركن محمد حسين الطريحي تقريراً مفصلاً إلى قائده، قائد الفرقة الثالثة العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، ونسخة منه إلى حكومة الدفاع الوطني (رشيد عالي الكيلاني). وجاء في التقرير ما اقترحه لمجابهة الطوارئ:
- زيادة القوة بلواء مشاة آخر ولواء مدفعية، وبضع آليات، ورفّ طائرات.
- إكمال نقص اللواء من الأسلحة والضباط والجنود.
- جمع اللواء الثاني في محل مركزي، واستدعاء فوج آخر من منطقة التنومة (شرق شط العرب).
- إرسال ضابط استخبارات قدير يُعتمد عليه، ومزوّد بالمال، للقيام بأعمال مضادة لحرب العصابات التي يقوم بها البريطانيون.
- إرسال ضابط ركن قدير من بغداد يعلم بالغاية من الحركة لإرشادهم فقط، واقترح أن يكون الرئيس الأول الركن محمود الدرة.
- جعل القيادة مركزية في البصرة بيد آمر الحامية.
- تبديل ضابط ركن شط العرب (يونس شليمون التياري) بضابط آخر قدير، واقترح أن يكون الملازم فخري عمر، وربط القيادة بحامية البصرة بصورة من الصور.
- عدم إجراء أي تعديل في قيادة حامية البصرة، لأن وضعها دقيق، وأي عمل قد يؤدي إلى حوادث غير محمودة العواقب في الوقت الحاضر.
- القيام بمظاهرة عسكرية داخل البصرة لتقوية معنويات الأهالي والجيش أيضاً.
انظر: عبد الجبار العمر، من وثائق مايس 1941، مجلة آفاق عربية، بغداد، ع 3، 1979، ص 11.
كان متصرف لواء بغداد جلال خالد ومدير الشرطة العام حسام الدين جمعة قد عرضا على طه الهاشمي سيطرة الجيش على قصر الرحاب (مكان سكن العائلة المالكة). انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، مصدر سابق، ص 170.
جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953، ص 41.
وزارة الدفاع والمقر العام، تاريخ القوات العراقية المسلحة، بغداد، الدار العربية، ط 1، ج 1–5، 1991، ج 3، ص 121. وكذلك: عبد الزهرة مكطوف يوخان الجوراني، الحياة البرلمانية في العراق 1939–1945: دراسة تاريخية، بغداد، ص 79–80.
كانت سياسة رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني: عدم توريط البلاد في أخطار الحرب، والقيام بأداء رسالتها القومية، والمحافظة على تعهداتها الدولية، ولا سيما المعاهدة العراقية–البريطانية لعام 1930، والاستمرار في تنفيذ أحكامها بروح الود والصداقة، والدوام على تقوية الروابط الحسنة مع الدول العربية المجاورة. واستمرت حكومة الدفاع الوطني في العمل خلال المدة 3–10 نيسان 1941م. انظر: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة مايس السنة 1941 التحررية. وكذلك: ستيفن همسلي لونكريك، مصدر سابق، ج 2، ص 465–466.
الملايو (Malaya): شبه جزيرة تقع في جنوب شرق آسيا، بين تايلاند شمالاً وسنغافورة جنوباً، ودين الدولة الإسلام. عملت قواتها العسكرية قواتٍ لحراسة القوافل في المحيطين الهندي والأطلسي عام 1939–1940، كما عملت في جبل طارق عام 1941، ومن نهاية عام 1941 إلى عام 1943 عملت في الأسطول البحري الوطني. قامت حكومة الملايو بعمليات «طوارئ الملايو» (Malayan Emergency) ضد تمرد الشيوعيين في المدة 1948–1960، وانتهى التمرد مع إعلان استقلال الملايو عام 1957 اتحاداً فدرالياً في الكومنولث البريطاني. وتأسست الدولة الماليزية من الملايو وسنغافورة وساراواك وصباح في عام 1963، وفي عام 1965 أصبحت سنغافورة جمهورية مستقلة. انظر: The New Encyclopaedia Britannica, Micropaedia, London, Vol. I–X, 1979, Vol. VI, p. 527؛ The New Encyclopaedia Britannica, Macropaedia, op. cit., Vol. 11, p. 265؛ وكذلك: The Times Atlas of the World, London, Times Newspapers Ltd, 1968, Plate 18.
عبد الرزاق الحسني، الحرب العراقية–البريطانية في مايس 1941، بغداد، 1982، ص 3.
وزارة الدفاع والمقر العام، مصدر سابق، ج 3، ص 127–128. وكذلك: ونستون تشرشل، مذكرات ونستون تشرشل، ترجمة العميد محمد شلبي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، جزءان، 1970، ج 2، ص 143. وكذلك: جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953م، مصدر سابق، ص 48.
جحفل لواء المشاة يتألف عادةً من مقر اللواء وثلاثة أفواج مشاة مع عناصر إسناده وخدماته، مثل: مدفعية الميدان، ومدفعية مقاومة الطائرات، وسرية هندسة عسكرية، ومعمل ميدان، وسرية تموين ونقل، ووحدة ميدان طبية (الباحث).
جعفر عباس حميدي، التطورات السياسية في العراق 1941–1953، ص 48–49، نقلاً عن: الحكومة العراقية، الكتاب الأبيض، مصدر سابق، ص 23.
أجزاء «تشكيل حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941م» (3 أجزاء):
- الجزء الأول (هذا الجزء)
- الجزء الثاني
- الجزء الثالث