الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تشكيل حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941م (الجزء الثالث)

من محاضرات «حركة مايس 1941» – 2012

3. العقيد الركن صلاح الدين الصباغ يدير سياسة البلاد

فقد مجلس الوزراء كيانه قوةً لها تأثير في مجرى الأحداث وإدارة شؤون البلاد، فقد تغلّب عليه العقداء الأربعة، وأخذوا يعملون ما يشاؤون من دون مشورة مجلس الوزراء ورئيسه رشيد عالي الكيلاني، أو رئيس أركان الجيش وكالةً الفريق أمين زكي. وأُسندت القيادة العليا إلى العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، ولم يكن لمجلس الوزراء علم أو رأي في الموضوع (37)، وبدأت القيادة العسكرية تتصرف على هواها، وتقوم بإجراءات غير عابئة بإرشادات رئاسة أركان الجيش وأوامرها (38)، وكان أخطرها إرسال القطعات العسكرية إلى الرمادي والفلوجة لتعسكر في التلول والكثبان الرملية القائمة حول معسكر سن الذبان البريطاني (39).

ولعل هناك من يسأل عن سرّ قوة العقداء الأربعة في إدارة البلاد. وحقيقة الأمر أن هذه المجموعة باتت متفقة ومتفاهمة حول الدور الوطني والقومي المطلوب أن تؤديه لتخليص البلاد من الاحتلال البريطاني، ولعل انقلاب الفريق الركن بكر صدقي عام 1936م قد شكّل صدمة لهم وهم لا يزالون في رتب صغيرة في ذلك الوقت. وكان تطور الأحداث خلال الحرب، واحتمال فوز دول المحور بها، باعثاً قوياً على أن يتحرر العراق وفلسطين وسوريا على أيديهم، وهو ما يجعلهم في مصافّ القادة العظام في التاريخ. يضاف إلى ذلك الشهامة والتقاليد العربية التي أثارها مفتي القدس محمد أمين الحسيني في نفوسهم، بسبب مشكلة تزايد اليهود في فلسطين، وأن بريطانيا، الدولة المحتلة للعراق، هي التي تآمرت على العرب بعد مؤازرتهم لها ضد الأتراك (المسلمين) خلال الحرب العالمية الأولى، وهي لا تحسب ولن تحسب للعرب حساباً في استقلالهم، وأن وعودهم كاذبة، وليست أكثر من وسيلة لاستمرار تمرير مصالحهم.

ظهر للعيان وبوضوح الطموح الشخصي للعقداء الأربعة لتسلم السلطة، على الرغم من أن رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني رجل سياسة وقانون، وهو رئيس الحكومة، وكان عليه ألّا يسكت ويضعف حيال العقداء الأربعة ويدعهم يتصرفون بهذا الشكل. وعلى الرغم من وطنية رشيد عالي الكيلاني، فإنه غضّ النظر عن هذه المخالفة وغيرها، ربما بسبب حبه للسلطة! وهناك قول آخر: إن السفير البريطاني في بغداد كورنواليس لم يقدّم أوراق اعتماده إلى الوصي الجديد الشريف شرف، بل ظل يماطل ويسوّف الأمر حتى كان ما كان (40).

4. مداولات القادة العسكريين البريطانيين حول الموقف

دبّت خلافات في الرأي حول السياسة البريطانية الواجب اتباعها تجاه العراق آنذاك. فعندما أصبح الجنرال أوكنلك القائد البريطاني العام في الهند في بداية عام 1941م، وهو الذي صار فيما بعد قائداً للقوات البريطانية في الشرق الأوسط في القاهرة بدلاً من الجنرال ويفل، قدّر فوراً أن العراق وإيران وحكومات الخليج العربي هي من أولى اهتماماته.

أما الجنرال ويفل فلم يكتم سراً من هذه الناحية لرغبته في التخلص من منصبه السابق.

أرسل الجنرال أوكنلك (41) رئيس أركانه الجنرال هتون (Hutton) (42)، وهو القائد المعيَّن لخطة سابين (Sabine) (43)، إلى القاهرة لعقد مؤتمر فيها في آذار 1941م مع القائد البريطاني في العراق وإيران الجنرال كوينان (44)، بغية تدارس الموقف المضطرب في العراق وانعكاساته على إيران.

كانت هيئة الأركان العامة في لندن تميل إلى التدخل المسلح السريع، وكذلك كانت وجهة نظر مدرسة الهند والقاهرة البريطانية، إذ كان هناك نائب الملك اللورد لينليثكو (Linlithgow) (45) والجنرال أوكنلك. إلا أن لندن أصرت على أن تقوم قيادة الشرق الأوسط بإنجاز ذلك العمل (46).

وطلبت هيئة الأركان البريطانية من الجنرال ويفل، في الحادي عشر من نيسان 1941م، إرسال قوة كبيرة من فلسطين عبر الصحراء إلى الحبانية.

وفي الهند ردّ اللورد لينليثكو نائب الملك بشدة بأن التأخير في الذهاب إلى البصرة يعني أن الميناء لا يمكن الاستيلاء عليه أبداً، وأن القافلة يجب أن يُسمح لها بالحركة فوراً. وأبحرت قافلة الهند من كراجي في الثاني عشر من نيسان 1941م، ونزلت في البصرة أولى القطعات المحمولة جواً (مفرزة من الكتيبة الملكية الخاصة بالملك). وفي الثامن عشر من نيسان 1941 كانت أولى الوحدات المحمولة جواً (من مجموعة جحفل لواء واحد) قد وصلت إلى البصرة دون مقاومة.

كانت وجهة نظر ونستون تشرشل حول التدخل العسكري مختلفة عن وجهة نظر قادته في الميدان، وكان الجنرال ويفل (Wavell) يرى أنه لا بد من السعي إلى الاتفاق مع الحكومة العراقية، إذ من المتعذر فتح جبهة عربية جديدة (47). فاحتدم الجدل بين القادة العسكريين البريطانيين حول أهمية العراق والمنطقة في ظل تلك الظروف المتوترة (48).

وحتى مع قرار الحرب، كان عدد من القادة البريطانيين يرون أن سلامة وحداتهم لكسب الحرب، التي قد تطول لسنين، هي الأساس، وهذا يعني عدم إهمال الدبلوماسية. فالصراع المعقد بين العواطف والأهداف، الذي تفرضه أحداث الماضي وتوقعات المستقبل، لا يجد له انعكاساً في تسرّع ونستون تشرشل بالقول عن رشيد عالي الكيلاني، وهو رئيس وزراء دولة مستقلة، إنه «عميل للألمان يتآمر مع أربعة من ضباط الجيش ضدنا» (49).

المصادر

  1. نفى رشيد عالي الكيلاني الكلام أعلاه كما ورد في كلام علي محمود الشيخ علي، ووفق مجريات الأحداث يؤيد الباحث كلام علي محمود الشيخ علي، وهذا ما أكده توفيق السويدي سابقاً. انظر: علي محمود الشيخ علي، مصدر سابق، ص 51–52.

  2. علي محمود الشيخ علي، مصدر سابق، ص 51.

  3. اتصلت الحكومة البريطانية بالحكومة الكيلانية الجديدة، إذ اعترفت بها، واتصل السفير كورنواليس برئيس الحكومة رشيد عالي الكيلاني، والتُقطت صور لهذا الاتصال الذي جرى بينهما ونُشرت في الصحف. ثم قال توفيق السويدي إن ضباط الجيش «لا يروق لهم أن يحصل هذا الاتفاق بين الحكومتين، وأثاروا الحفيظة على رئيس الحكومة متهمين إياه بأنه خان القضية الوطنية …»، وأضاف: «وبعد يومين أو ثلاثة أيام ذهب إلى رشيد عالي الكيلاني كلٌّ من صلاح الدين الصباغ ويونس السبعاوي، وأفهماه أن سياسة التفاهم مع بريطانيا سياسة لا يؤيدها الجيش … لذلك فهما يحذّرانه من الإقدام على عمل كهذا، وإذا استمر عليه فالجيش يتخذ ما من شأنه أن ينكّل به بكل قسوة». انظر: توفيق السويدي، مصدر سابق، ص 355.

  4. صحيفة البلاد، بغداد، في 1 مايس 1941.

  5. الجنرال أوكنلك (Sir Claude John Eyre Auchinleck): ولد عام 1884م، وخدم برتبة نقيب في الحرب العالمية الأولى في الجبهة التركية. وفي عام 1926 كان مميزاً بين أقرانه ضابطاً في الجيش الهندي. استُدعي إلى بريطانيا لقيادة الفيلق الرابع عام 1940، ثم صار قائداً للفيلق الخامس في القيادة الجنوبية، ثم قائداً للقيادة الجنوبية نفسها. ورُفّع إلى رتبة فريق أول (General) وأصبح القائد العام في الهند، ثم عُيّن في القاهرة بمنصب القائد العام في الشرق الأوسط بدلاً من الجنرال ويفل. انظر: Parish, Thomas, op. cit., p. 37; Carver, Field Marshal Sir Michael, The War Lords, London, Weidenfeld and Nicolson, 1976, pp. 260–261.

  6. الجنرال هتون (Lieut. General Tom J. Hutton): عندما نُقل الجنرال ويفل إلى الهند كان الجنرال هتون رئيس أركانه. أُرسل إلى بورما لاستلام القيادة هناك في أواخر شهر كانون الأول 1941، ووُضعت تحت قيادته قطعات متنوعة للدفاع عن مولمين (Moulmein) والتقدم إلى رانكون (Rangoon). وفي الخامس من آذار 1942 سلّم القيادة في بورما إلى الجنرال هارولد ألكسندر بقرار من تشرشل، ليس فقط لأن هتون كان يشك في عدم إمكانية احتلال رانكون، بل لأنه اقترح إرسال المواد التموينية إليها والإسراع في فتح طريق جبلي بين ماندلي (Mandalay) وطريق بورما إلى جنغكنك (Chungking). واقتنع الجنرال هارولد ألكسندر بوجهة نظر هتون، فأمر بإخلاء رانكون. كان هتون ضابطاً ذا عقلية استراتيجية وبُعد نظر واسع. انظر: Hart, B. H. Liddell, History of the Second World War, London, Pan Books Ltd., 4th ed., 1977, pp. 244–245.

  7. خطة سابين (Sabine): خطة عسكرية تقضي باحتلال ميناء البصرة وحماية آبار النفط والمنشآت في الجنوب الغربي من إيران والخليج العربي، وتنفذها ثلاث فرق هندية بسيطرة مقر الجيش في الهند مبدئياً. انظر: Connell, John, op. cit., pp. 429–430.

أما اسم Sabine فهو اسم إحدى القبائل القديمة التي سكنت سلسلة جبال الأبنين (Apennines) شمال شرق إيطاليا، وقد غزاهم الرومان عام 290 قبل الميلاد فاندمجوا معهم. انظر: Webster’s Third New International Dictionary, Chicago, Encyclopaedia Britannica Inc., Vol. I–III, 1976, Vol. III, p. 1995.

ومعنى سابين أيضاً نهر في الولايات المتحدة الأمريكية يمر بين ولايتي تكساس ولويزيانا، ويصب في بحيرة سابين (Sabine Lake) شمال مصبه في خليج المكسيك بقليل، وطوله 800 كيلومتر. انظر: Webster’s New World Dictionary of the American Language, New York, The World Publishing Company, 1966, p. 1280; The Times Atlas of the World, op. cit., p. 107.

ويعتقد الباحث أن الاسم Sabine مأخوذ من اسم نهر سابين، لا من اسم القبيلة القديمة، لأنهم لا يفهمون التاريخ، حتى تاريخهم، ولأن إرسال قواتهم إلى العراق كان كجريان النهر، سواء قبل الحرب أو بعدها.

  1. الجنرال كوينان (Sir Edward Pellew Quinan) (1884–1960م): ضابط برتبة جنرال في الجيش البريطاني، كان قائداً للقوات في العراق وإيران عام 1941–1942م، وقاد الجيش العاشر للمدة 1942–1943م، والجيش الشمالي في الهند عام 1943م، وأحيل على التقاعد في العام نفسه. انظر: Parish, Thomas, op. cit., p. 512.

  2. اللورد لينليثكو (Victor Alexander John Hope, Linlithgow) (1887–1952): في أثناء ولايته نائباً للملك في الهند (1936–1943) واجه صراعاً سياسياً داخلياً، وجماعة برلمانية معادية لمشاركة الهند في المساعي البريطانية للحرب. وجاءت شهرته من تعبئته الهند في الحرب، وذلك بتشكيل دائرة التموين الهندية في تشرين الأول 1944، التي تمكنت في السنتين الأوليين من تجنيد أكثر من مليون شخص لدعم قضايا التحالف. انظر: Parish, Thomas, op. cit., p. 269؛ وكذلك: Mason, David, op. cit., pp. 90–91.

  3. Connell, John, op. cit., pp. 430–432.

  4. لوكاز هيرزويز، مصدر سابق، ص 190؛ جهاد مجيد الدين، مصدر سابق، ص 48.

  5. كان الجنرال ويفل أكثر معرفة بمشاعر العرب وعواطفهم من الزعماء السياسيين والعسكريين في لندن، فلو أخذت بريطانيا بنصيحة ويفل، وكانت راغبة في بحث تسوية أنقرة، لوضعت نفسها في موضع أكثر قبولاً في نظر العراقيين. انظر: Connell, John, op. cit., pp. 430–432.

  6. إديث وإي. إف. بينروز، مصدر سابق، ج 1، ص 192.


أجزاء «تشكيل حكومة الدفاع الوطني في 3 نيسان 1941م» (3 أجزاء):

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني
  3. الجزء الثالث (هذا الجزء)

→ الجزء الثاني