الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

تنفيذ المادة (140) الدستورية هو الطريق الصحيح لترسيم الحدود الإدارية لإقليم كوردستان العراق

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

وضعت ثورة 14 تموز 1958 اللبنة الأساسية للاعتراف بالشعب الكوردي شريكاً في الوطن العراقي إلى جانب الشعب العربي في بناء العراق الجديد، وذلك بموجب المادة الثالثة من الدستور العراقي المؤقت لعام 1958، التي جاء فيها أن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». وقد أقرّ الدستور المؤقت الهويةَ القومية الكوردية، لكنه تجنّب ذكر اسم كوردستان وطناً قومياً للكورد، كما تجاهل تحديد الوحدات الإدارية الكوردية التي تتألف منها المنطقة الجغرافية لكوردستان، في محاولة محسوبة للتهرب من تحديد الوطن القومي للشعب الكوردي في العراق.

لقد استمرت «عقدة» ترسيم الحدود الإدارية لكوردستان العراق، وما زالت حتى اليوم تحول دون الوصول إلى حل عادل ونهائي للقضية الكوردية في العراق. بل إن مشروع قانون الإدارة اللامركزية الكوردية لسنة 1963 كان في الواقع محاولة لتجاوز كل ما من شأنه وضع حدود إدارية للمنطقة الكوردية في كوردستان العراق؛ إذ قسّم العراق إلى ألوية (محافظات) كبرى، من بينها لواء السليمانية الذي ضمّ إلى جانب السليمانية لوائي أربيل ودهوك، والأقضية الكوردية من لواء الموصل آنذاك. فلا غرابة أن نجد هذه «العقدة» تأخذ طريقها إلى القيادات في بغداد حتى بعد سقوط النظام العراقي السابق في 9 نيسان 2003، حين طُرحت «فدرالية المحافظات» للحيلولة دون تثبيت النظام الفدرالي لإقليم كوردستان العراق.

ويمكن القول إن اتفاقية 11 آذار 1970 طرحت لأول مرة مصطلح «كوردستان» على الصعيد الرسمي للدولة العراقية منذ تأسيسها في 23 آب 1921، إذ دعت في البند (14) إلى «توحيد المحافظات الكوردية والوحدات الإدارية الكوردية التي تقطنها أكثرية كوردية وفقاً للإحصاء الذي يجري ضماناً لتمتعه بالحكم الذاتي». كما جاء في قانون الحكم الذاتي لمنطقة كوردستان العراق رقم (33) لسنة 1974: «تتحدد المنطقة الكوردية حيث يكون الأكراد بها هم غالبية سكانها، ويثبت الإحصاء العام حدود المنطقة الكوردية وفقاً لما جاء في بيان 11 آذار 1970».

ومع تأجيل الإحصاء «المزعوم» لم تتجاوز منطقة الحكم الذاتي لكوردستان العراق حدود المحافظات الثلاث: دهوك وأربيل والسليمانية، التي أُلحق بها قضاءا جمجمال وكلار بعد اقتطاعهما من محافظة كركوك لتقليل عدد الكورد فيها. وهذا يعني أن أكثر من نصف مساحة المنطقة الكوردية بقي خارج الإدارة الكوردية (الحكم الذاتي)، كما بقي كذلك بعد تحرير كوردستان سنة 1991، وأصبحت هذه المناطق الكوردية «المتنازع عليها» خارج إدارة إقليم كوردستان.

واستمر السكان الكورد في تلك المناطق المتنازع عليها محرومين من الحرية والعدالة والمساواة، يعانون في ظل النظام العنصري شتى أنواع القهر والاضطهاد. فما حقيقة المنطقة الكوردية المتنازع عليها؟ ولماذا كل هذا الإصرار على تأجيل البتّ في الحل النهائي لمصيرها؟

يتمثل البعد الاستراتيجي للمنطقة الكوردية المتنازع عليها في الشريط الممتد من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، بدءاً من قضاء سنجار/شنكال في محافظة نينوى، مروراً بمحافظة كركوك، وانتهاءً بقضاء بدرة في محافظة واسط. وهو شريط يضم أكثر من نصف مساحة إقليم كوردستان ومثلها من سكانه الكورد. وتمثل هذه المنطقة مراكز تسويق غاية في الأهمية لمنتجات المنطقة الجبلية (كوردستان) من جهة، ومنتجات السهول والبوادي من جهة أخرى، ناهيك عن أهميتها الزراعية، إذ كانت حتى عهد قريب «سلة غذاء» العراق. كما تحتوي على أحواض نفطية كانت ولا تزال القاعدة الأساس لاقتصاد العراق، سواء في عين زالة في محافظة نينوى، أو آبار كركوك في محافظة كركوك، أو في المنطقة الواقعة بين خانقين ومندلي.

وإلى جانب ما سبق، تتميز المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) بما يأتي:

1- أهميتها في الموارد المائية بنوعيها السطحية والجوفية، مما شجّع على نمط التوزيع المنتشر للمراكز الاستيطانية.

2- أهمية موقعها الجغرافي المجاور للحدود العراقية-السورية والحدود العراقية-الإيرانية، وقد اكتسب هذا الموقع أهمية استراتيجية، لا سيما بالنسبة إلى الجوار الإيراني، إذ تقترب الحدود الإيرانية كثيراً من العاصمة العراقية بغداد.

3- الأهمية الديموغرافية؛ فالمنطقة الكوردية (كوردستان العراق) تُعدّ «متحفاً إثنولوجياً» في تعدد القوميات وتنوع الطوائف والأديان: فإلى جانب الكورد الذين يمثلون أغلبية سكانها يعيش فيها التركمان والعرب والكلدان والأرمن، كما تضم المسيحيين والكورد الإيزيديين إلى جانب الأغلبية المسلمة.

فلا غرو أن تسعى الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ عهد مبكر من تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921، إلى تنفيذ سياسة التعريب السيئة الصيت، بهدف ترقيق الوجود الكوردي وتقليله في المنطقة الكوردية (كوردستان العراق) للتحكم بها والسيطرة عليها. وقد جرى ذلك على مراحل، لكلٍّ منها خصائصها وأساليبها التي تتناسب مع الظروف السياسية والاقتصادية للعراق آنذاك.

ولقد قُدّر لسكان المناطق الجنوبية من الإقليم (كوردستان العراق) أن يكون لهم النصيب الأكبر من سياسة التعريب هذه، لا لكونها الأقرب إلى العاصمة بغداد فحسب، بل للميزات التي سبقت الإشارة إليها أيضاً. فكانت حملات الترحيل والتهجير القسري للكورد، وعمليات الأنفال السيئة الصيت، واستخدام كافة الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً، وسائلَ للإبادة الجماعية والتطهير العرقي للسكان الكورد وهم في مناطقهم الأصلية (كوردستان العراق) التي يقطنونها منذ آلاف السنين.

وتأسيساً على ذلك، أخذت المناطق الكوردية المتنازع عليها من كوردستان العراق تفقد الكثير من سماتها القومية الكوردية، ناهيك عن تكوينها الديموغرافي، ولا سيما من خلال زرعها بالمستوطنين العرب، الأمر الذي زاد من تعقيد مشكلات الوصول إلى حل عادل ومناسب لإلحاقها بإقليم كوردستان العراق. فجاءت المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، ثم المادة (140) من الدستور العراقي الجديد، حلاً «وسطاً» يرضي كافة الأطراف المعنية بالمنطقة الكوردية، على أمل أن يُحسم به أمر تبعيتها إلى الإقليم (كوردستان) من عدمه.

ومع تزايد حماس المعنيين بتنفيذ المادة (140) للوصول إلى حل عادل ونهائي للمنطقة الكوردية المتنازع عليها، تتزايد الصعوبات وتتعقد المشكلات في طريق الحل؛ إذ تعمد القوى المعادية والعنصرية لدى بعض القيادات في حكم العراق الجديد إلى خلق ظروف أمنية غير مناسبة، ويتزايد تدخل دول الجوار للحيلولة دون تطبيق المادة في المستقبل. وتزداد بذلك مسؤولية القيادة الكوردية تجاه سكان المنطقة الكوردية، لأنها تتصل بمستقبل القضية الكوردية في كوردستان العراق، ولأن تنفيذ المادة يؤدي لأول مرة إلى ترسيم الحدود الجغرافية-الإدارية لإقليم كوردستان العراق.

الدكتور عبد العزيز المفتي