الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
حقيقة كركوك في الوثائق الحكومية وتاريخ كركوك الكوردية وجغرافيتها
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
كانت مدينة كركوك الكوردية مركز منطقة «باكرما ـ بيت كرماي» التي كانت تمتد من نهر دجلة غرباً إلى سلسلة جبل بازيان (جبل لارب) وسلسلة جبل سكَرمه (جبل شنعار) شرقاً، وذلك بطول 158 كم، ومن نهر ديالى جنوباً إلى نهر الزاب الصغير شمالاً. وكانت المدينة فوق تل أثري كبير مساحته (200) أو (250) ألف متر مربع.
وقد ورد اسمها بصيغة «أرابخا» (Arrapha) في الكتابات المسمارية، ومنها ما ورد في (51) كتابة مسمارية من منتصف الألف الثاني قبل الميلاد عُثر عليها صدفة في القلعة عام 1923، وأُطلق الاسم في عهد الحكومة العراقية على حي العمال بصيغة محرّفة هي «آرفا ـ عرفة». وفي بعض المصادر الإغريقية جاء اسمها بصيغة «اريخيوس»، وذكرها المؤرخ اليوناني بلوتارخ (نحو 50–125م) باسم «كوركورا»، بينما ذكرها بطليموس (نحو 90–168م) باسم «كورخورا». وفي المصادر الآرامية جاءت باسم «كرخا د بيت سلوخ» و«كرخ سلوخ»، أي مدينة السلوقيين، إذ إن سلوقس (311–281 ق.م)، مؤسس الدولة السلوقية في القسم الآسيوي من إمبراطورية الإسكندر المقدوني، بنى سوراً للقلعة وأنشأ فيها عمارات. وقد اهتم بإعمارها الملك الآشوري آشور بانيبال. أما المصادر الإسلامية فذكرتها باسم «كرخيني».
ولعل أقدم ذكر للاسم الحالي «كركوك» كان من قبل المؤرخ الفارسي علي اليزدي في كتابه «ظفر نامه»، وذلك في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي). ويرى طه باقر وفؤاد سفر احتمال كون الاسم الحالي (كركوك) مشتقاً من «كرخ سلوخ»، مع احتمال صلته بكلمة «كركر»، وهو اسم بقعة النار الملتهبة خارج مدينة كركوك (1)، وهما يقصدان «كَوركَور ـ بابا كَوركَور» الذي يطلقه الأكراد على الجزء النفطي، وعلى ضريح لأحد الصالحين هناك أيضاً يقع بجانب القسم الغربي من المدينة حالياً. وقد أطلق الأكراد هذا الاسم على هذا الجزء لأن النار كانت تشتعل فيه من الغازات النفطية منذ أزمان.
وقد ذكر الغياثي اسم «كركوك» في القرن الخامس عشر، على ما في ص 189 من «تاريخ الغياثي» بتحقيق طارق نافع الحمداني، ولعل الغياثي أخذ الاسم من المؤرخ الفارسي علي اليزدي، ويُحتمل أن الاسم استقر وشاع في القرن المذكور. ويرى الدكتور جمال رشيد أن الاسم الحالي جاء من «كوركورا» أي «كَوركَورا» الذي ذكره بلوتارخ، وأن الميديين الكورد أضافوا إليه اللاحقة الزاكَروسية (ak-uk) فأصبح «كوركورك»، ثم تحول إلى «كركوك»، ولا علاقة له بالصيغة الآرامية (2). وأضاف أن اسم كركوك في أواسط الألف الثاني ق.م كان «ديمتو كرخي شيلواخو»، أي قلعة مدينة بني شيلوا.
لقد أُطلق اسم «بيت كرماي» و«باكرما» على منطقة كركوك في المصادر السريانية المسيحية، وفي المصادر العربية بالدرجة الثانية، وكذلك «باجرما» و«باجرمق» تعريباً لباكرما في المصادر العربية. وبهذا الخصوص جاء في المصادر الأخيرة أن «جرمق» كانوا قوماً سكنوا منطقة الجزيرة الكوردية. وفي دائرة المعارف الإسلامية أنه يُظن أن اسم باجرما مشتق من «كرمكان» الذي كان يطلق على هذا الإقليم في لغة فارس الوسطى، وهذه الصيغة نفسها مشتقة من اسم «كرمو» (GURUMU)، وهو اسم قوم رُحَّل من الكورد ورد ذكره في النقوش المسمارية، لذا سُمّيت باكرما وبيت كرماي، أي موطن كَرمو.
وفي «تاريخ الموصل» (ج1 ص22) لسعيد الديوه جي، وكما في مصادر أخرى، أن الجرامقة من الفرس أو الكورد، وقد أجلى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور سنة 145هـ/762م الجرامقة من الفرس أو الأكراد في المنطقة، على ما جاء في «تاريخ ميخائيل الكبير» (3). فجرمق إذن هو تعريب «كَرمو» الكوردي. ولهذا أرى أن الاسم الكوردي «كَرميان ـ كَه رميان»، الذي يطلقه الأكراد اسماً جغرافياً على منطقة كركوك، جاء من باكرما وكَرمو، وليس من «كَه رم» بمعنى الحار، أي المنطقة الحارة التي هي عكس لفظ «كويستان ـ زوزان» الذي يطلق على المناطق الباردة، أي المعتدلة صيفاً، والتي كانت القبائل الكوردية الرحّل تذهب إليها بمواشيها صيفاً؛ وإلا فلماذا لا يستعمل الأكراد دوماً اسم «كَه رميان» اسماً جغرافياً للسهول الكوردية الحارة المتاخمة لمنطقة كركوك أيضاً، مثل سهول أربيل ومخمور؟
وأخيراً، فإن كون كركوك مركزاً للمنطقة الكوردية كان قبل العهد الإسلامي، أو قبل العهد العباسي على أقل تقدير، لأن مركزها في العهد العباسي كان دقوقا، ما عدا فترة الإمارة القفجاقية.
تاريخ كركوك الكوردية وجغرافيتها في الماضي والحاضر
كثيراً ما تردد صفحات الإنترنت وبعض الصحف العربية والتركية، فضلاً عن القنوات الفضائية العربية، أخباراً وتقارير صحفية مشوهة وبعيدة عن الواقع عن كركوك المدينة والمحافظة. وكثيراً ما تتجاوز هذه التقارير الأوضاع الحالية التي تعيش في ظلها المحافظة لتتناول الجوانب التاريخية والسكانية والثقافية المتعلقة بهذه المنطقة الكوردية (كركوك).
يبدو أن قدر سكان هذه المحافظة (كركوك)، الذين عانوا الأمرّين على أيدي الحكومات العراقية المتعاقبة السابقة، عدا بعض الصالحين منها، وحكومة حزب البعث خلال العقود الأربعة الماضية، يأبى أن يتركهم وشأنهم دون أن يريهم (نعم!) حكومة حزب البعث ورفاقها من الجزارين (عدا الخيّرين) القادمين من أشد زوايا التاريخ عتمة. ولعل من أغرب الأمور أن تحيط بهذه الكائنات الخرافية شلّة من الأفّاقين والمغامرين السياسيين ممن يزعمون أنهم يناضلون من أجل حقوق هذه الفئة أو تلك من المكونات الرئيسية لسكان كركوك. ويعمل هؤلاء، إلى جانب قيامهم بتوفير الدعم اللوجستي للإرهابيين، على صعيد آخر، هو نشر الأخبار الملفقة والتحليلات السطحية الساذجة في وسائل الإعلام العربية المستعدة دوماً لنشر كل ما هو غير واقعي وغير عقلاني عن العراق عموماً والكورد على وجه الخصوص.
لقد حاولت جهات عديدة، داخلية وخارجية، زرع بذور الفتنة بين سكان هذه المحافظة الكوردية (كركوك)، ولعبت القنوات الفضائية الشوفينية والطائفية دوراً تحريضياً كبيراً في تعقيد أوضاع المدينة وبث الأخبار الملفقة والتقارير الصحفية البعيدة عن الواقع. ومن المفرح حقاً أن هذه المخططات الشريرة اصطدمت بجدار متين من روح التسامح والتسامي التي تطبّع بها سكان كركوك الأصليون جميعاً وتربّوا عليها.
ولعل من أكثر القضايا التي أُثيرت حولها المزاعم الكثيرة، ونُشرت بصددها الأخبار والتقارير الملفقة، مأساة الكورد المرحَّلين من المدينة أو المحافظة على أيدي سلطات حكومة العراق ونظام حزب البعث السابق، وعودة بعض هؤلاء المرحَّلين إليها بعد سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003. فمن مزاعم عن تكريد مدينة كركوك الكوردية والتحكم بالإدارة فيها، إلى الحديث عن وجود مخططات لدى القيادات الكوردية لدفع عشرات الآلاف من الكورد من غير أبناء المدينة والمحافظة إليها، وشراء الأراضي والعقارات، بل وصل الخيال بالبعض إلى الحديث عن جلب عدد كبير من الكورد من البلدان المجاورة للسكن في كركوك (4).
ولكن حبل الكذب قصير، كما يقول المثل المأثور، إذ أظهرت الحقائق على الأرض أن عدداً صغيراً جداً من المرحَّلين الكورد عادوا إلى كركوك، ويعيشون حياة بائسة تحت الخيام لا يحسدهم عليها أحد. وأظهرت الإحصائيات المنشورة في أكثر من موقع أن الموظفين الكورد لا يزالون يشكلون نسبة صغيرة جداً في الدوائر والمؤسسات الرسمية في كركوك. والأنكى من ذلك أن التعيينات متوقفة في كركوك نفسها، في حين ترسل الوزارات العراقية بصورة مستمرة قوائم بالموظفين الجدد من غير أبناء المحافظة للعمل في دوائرها. ويحق للكورد أن يشكّوا في نوايا الدوائر الحكومية التي تنفذ مثل هذه السياسات (التعريب). لقد دشّن البريطانيون أسس هذه السياسة في العشرينيات من القرن الماضي، وسارت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة، لتصل إلى سياسة التطهير العرقي للكورد في كركوك على أيدي حكومة العراق السابقة ونظام حزب البعث. فهل يعني هذا أن حكامنا الجدد يمارسون السياسة نفسها، ولكن بأسلوب آخر بعيد عن العنف والأساليب القسرية؟
بقيت ردود فعل القيادات الكوردية على هذه التصرفات الحكومية في إطار التصريحات الصحفية التي تهدف إلى تهدئة الأمور، ووصل بها الأمر إلى أن تجامل القوى القومية غير الديمقراطية في العراق، وتتخلى حتى عن تسمية سياسات حكومة العراق (حزب البعث) بأسمائها الحقيقية. فبدلاً من التمسك بمبدأ إزالة آثار سياسات التهجير القسري والتطهير العرقي والتعريب، وافقت على تعبير «تطبيع الأوضاع» المطاطي، الذي لا يعبر أبداً عن حجم الجرائم التي ارتكبها النظام السابق والحكومات السابقة، وخاصة في حكم نظام حزب البعث، ضد كورد كركوك والمناطق الكوردستانية الأخرى. والغريب أن شخصاً كعلي حسن المجيد لم يكن يتردد في تسمية تلك السياسات بالتعريب في ندوات موسعة لكوادر حزب البعث الحاكم ومسؤولي الأمن والجيش في كركوك.
أعود إلى موضوع المرحَّلين والمهجَّرين قسراً من الكورد من كركوك. هناك أطنان من الوثائق الحكومية التي تُظهر حقيقة هذه المأساة الإنسانية، وهناك المئات من القوانين والقرارات الصادرة عما كان يسمى «مجلس قيادة الثورة»، المنشورة في جريدة الوقائع العراقية الرسمية، والتي توضح بشكل لا لبس فيه حجم هذه الكارثة. لذلك فإن لجوء البعض إلى نشر المزاعم بصدد المرحَّلين والمهجَّرين الكورد هنا وهناك لن يستطيع أن يغير شيئاً من الحقيقة.
كان بإمكان القيادات الكوردية تبنّي فكرة فتح مراكز متخصصة لجمع الوثائق المتعلقة بسياسات التعريب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والتهجير القسري في كوردستان العراق وأرشفتها ودراستها، لكن هذه القيادات انشغلت بدلاً من ذلك، كما هو ديدن القيادات السياسية في الشرق الأوسط، بتنظيم المهرجانات والمؤتمرات الإعلامية الصاخبة التي لم تُسفر عن شيء يذكر.
لقد وقعت عيناي مرات عديدة، وتطرّق إلى سمعي أيضاً، على بعض الأرقام عن المرحَّلين والمهجَّرين قسراً والمسفَّرين الكورد، يبثها هنا وهناك أناس ينتمون إلى بعض الدكاكين السياسية التي ظهرت بعد سقوط نظام صدام حسين؛ فمنهم من حدد الرقم بأكثر من عشرة آلاف شخص بقليل، ومنهم من تكرّم علينا بعدة آلاف أخرى، وكالعادة لا يستندون في مزاعمهم إلى أية معطيات إحصائية أو وثائق رسمية. ولا بد أن هؤلاء ليسوا على علم بأن (779) قرية وقصبة كوردية تابعة لمحافظة كركوك الكوردية جرى تدميرها وإزالتها وفق الوثائق الحكومية الرسمية، وأصبح سكانها الكورد بين مرحَّل ومهجَّر قسراً إلى خارج المحافظة، أو مؤنفَل، أو ساكن في القبور الجماعية. كما أنهم يعرفون حتماً أن سياسات الترحيل والتهجير القسري للكورد من كركوك الكوردية على يد حزب البعث بدأت منذ عام 1963 ولم تتوقف إلا في 9 نيسان من عام 2003. ولا يمكنني حتى أن أتصور أن أحداً من هؤلاء لا يعرف شخصياً عدداً من الكورد الذين جرى ترحيلهم وتهجيرهم قسراً أمام عينيه. والغريب في الأمر أن هؤلاء لا يترددون، عندما يتعلق الأمر بغير الكورد، في الحديث عن ترحيل آلاف المواطنين من قرية واحدة فقط.
لست ممن يؤمنون بأن مثل هذا الكلام يمكن أن يعيد هؤلاء الإخوة إلى تحكيم عقولهم وضمائرهم عندما يتحدثون عن مثل هذه الأمور، لأنهم يقومون بنشر هذه المزاعم بدوافع سياسية، وخدمةً لقوى إقليمية يتلقون منها، لقاء عملهم هذا، الدعم المادي والمعنوي. لذلك فإن العودة إلى الوثائق الحكومية الرسمية هي الأفضل، لتتحدث عن نفسها وتدحض تلك المزاعم وتظهر الحقائق لمن يود حقاً الاطلاع عليها. ومن المؤسف ألّا تدرك هذه الفئة من الإخوة أنها، بتعاملها بهذه الطريقة الظالمة مع مآسي المنكوبين من الشعب الكوردي وآلامهم، لا يمكن إلا أن تثير نقمة الأخيرين وغضبهم، وتتسبب في إحداث شروخ عميقة بين أبناء المدينة الواحدة، ستحتاج الأجيال القادمة إلى سنين طويلة لردمها وإزالة آثارها.
سنشير إلى وثيقة واحدة تغطي فترة شهرين من عام 1998، وتُظهر أن عدد المرحَّلين والمهجَّرين قسراً من كورد كركوك خلال تلك الفترة القصيرة يتجاوز الرقم الذي يشير إليه هؤلاء. تشير الوثيقة الصادرة من ديوان محافظة التأميم تحت عدد (301433) وبتاريخ 12/1/1998 إلى كتاب ديوان الرئاسة الخاص بالتقسيمات الجغرافية وقطاعاتها وقوانين السكن، كما تشير إلى الظروف الأمنية البالغة الأهمية والموقع الجغرافي المهم لكركوك، وتطالب مؤسسات الدولة العراقية وحزب البعث في كركوك بالتطبيق الحرفي لفقرات كتاب ديوان الرئاسة المذكور.
ويبدو أن كتاب ديوان الرئاسة قد نص على التعليمات الواجب تنفيذها في التعامل مع المواطنين الكورد من أبناء محافظة كركوك الكوردية، مثل: حجز شخص من كل عائلة كوردية مرحَّلة، وحجز دورهم وبطاقاتهم التموينية، وكذلك قسائم الاشتراكات في الدوائر الرسمية. ونصت الوثيقة على ضرورة إعلام مسؤولي أمن المنطقة وحزب البعث للقطاع المشمول ومختار المنطقة بكتب رسمية، مع اتباع النظام المنصوص عليه في كتاب ديوان الرئاسة. وأُرسلت نسخ من الكتاب إلى المحافظة (كركوك)، ومسؤول أمن المنطقة، ومختار المنطقة، والمسؤول الحزبي (لحزب البعث) فيها (راجع الجزء العاشر من موسوعتنا «الأكراد: حقائق ووقائع عبر التاريخ»).
والأهم من هذا وذاك أن الوثيقة تورد معلومات مفصلة عن هذه الوجبة من المرحَّلين الكورد من كركوك خلال الفترة من 15/4/1998 إلى 15/6/1998، البالغ عددهم (1468) عائلة، مع ذكر عدد العوائل المرحَّلة من كل حي من أحياء المدينة. وبحسابات بسيطة لعدد أفراد هذه المجموعة، مع أخذ حجم العائلة الكوردية بنظر الاعتبار، سنجد أن عدد أفراد هذه الوجبة وحدها يتجاوز الأرقام التي تتداولها تلك الجهات المشبوهة.
وتشير الوثيقة إلى الأحياء الكوردية التي جرى ترحيل هؤلاء الكورد منها، والتي تسميها «القواطع»، وهي تسمية نابعة من عسكرة المجتمع التي فرضتها حكومة حزب البعث السابقة على البلاد، فحوّلت الأحياء إلى قواطع عسكرية، والمواطنين إلى مجندين في صفوف القطعات العسكرية أو عناصر في صفوف القوى المعادية لها.
لقد جرى ترحيل هؤلاء الكورد من الأحياء الكوردية (القواطع) التالية:
- حي العسكري (2): 143 عائلة.
- طريق بغداد: 12 عائلة.
- حي الإسكان: 150 عائلة. (جرى بناء هذا الحي في عهد عبد الكريم قاسم لإسكان العمال وصغار الموظفين، وتحوّل إلى حي كبير سكنه الكورد بالدرجة الأساسية.)
- الحرية: 234 عائلة.
- المصلى: 3 عوائل.
- القورية: 32 عائلة.
- الشورجة: 321 عائلة.
- الأندلس: 401 عائلة. (لقد تذكّر حزب البعث في كركوك فقدان العرب للأندلس، وأراد أن يعوّض ذلك بإطلاق اسم الأندلس على حي رحيم ئاوا الكوردي.)
- إمام قاسم (1): 74 عائلة.
- إمام قاسم (2): 66 عائلة.
- آخي حسين: عائلتان.
- صاري كهية: 22 عائلة.
- حي الخضراء: عائلتان.
- حي العسكري (1): 6 عوائل.
تُظهر هذه الوثيقة بجلاء المديات المرعبة لسياسات الترحيل والتهجير القسري لنظام البعث بحق الكورد في كركوك وغيرها، ولا يمكن للمزاعم التي تتداولها تلك التجمعات السياسية ووسائل الإعلام المعادية لتطلعات الكورد المشروعة أن تحجب الحقائق عن الناس.
وكانت سياسات الترحيل والتطهير العرقي والتهجير القسري يومية تقريباً على مدى سنوات الحكم السابق لحزب البعث. فقد ورد في برقية سرية وفورية صادرة من وزارة الداخلية / الاستخبارات بعدد (18640) بتاريخ 22/6/2001 إلى محافظة التأميم / الاستخبارات ما نصه:
«تنسّب قيامكم بالإشراف المباشر على عمليات الترحيل في المحافظة، وبالأخص العوائل الكوردية التي عليها مؤشر أمني فقط، وإرسال موقف يومي بكل حالة ترحيل ليتسنى لنا عرضها أمام السيد الوزير المحترم. للتنفيذ وبكل دقة وإعلامنا إجراءاتكم. انتهت. المرسل: هادي جوحي / الداخلية. المستلم: محمد عباس / التأميم. الوقت: 1650. الوسيلة: السايكروفون المجفر».
أرادت وزارة الداخلية أن تشرف الاستخبارات دون غيرها على ترحيل العوائل الكوردية التي عليها «مؤشرات أمنية» وتهجيرها، وبإطلاع مباشر من وزير الداخلية شخصياً.
وتشير وثيقة حكومية أخرى (عدد 589 بتاريخ 16/8/1997)، مذيّلة بتوقيع الفريق الأول الركن إياد فتيح خليفة الراوي (محافظ التأميم)، إلى حصول موافقة نائب رئيس الجمهورية ورئيس لجنة شؤون الشمال طه ياسين رمضان على تسجيل الدور المبيّنة أرقامها وأسماء أصحابها المرحَّلين الكورد بأسماء المستفيدين (العرب الوافدين من وسط العراق وجنوبه إلى كركوك). وتتضمن القائمة المرفقة بهذا الكتاب الرسمي أسماء (29) كوردياً مرحَّلاً، مع أرقام الدور المسجلة بأسمائهم، وأسماء الوافدين العرب القادمين لتعريب كركوك الذين وُزِّعت عليهم هذه البيوت الكوردية دون أي وجه حق (5).
ووصل الأمر بحزب البعث والنظام السابق إلى منع استخدام اللغة الكوردية واللغات المحلية الأخرى في كركوك؛ فقد أصدرت محافظة كركوك تعليماتها تحت رقم (145) م ع بتاريخ 21 أيلول 1999، استناداً إلى توجيهات ديوان الرئاسة المبلَّغة إليها بالكتاب السري للغاية المرقم (13721) في 8 آب 1998، وكتاب مجلس الوزراء / هيئة التخطيط والمتابعة 4/5/14302، حول ما سمّتها «الأوضاع الشاذة في مدارس محافظة التأميم»، ومن أجل «إزالة بعض الظواهر السلبية لنجاح العملية التربوية على المسالك القومية، وتوحيد الصفوف، وعدم فسح المجال للأجنبي بالتدخل من الثغرات الضيقة للتدخل والتلاعب بذقون الجيل الصاعد بالشعارات العنصرية».
والمقصود بالأوضاع الشاذة هنا هو حديث التلاميذ فيما بينهم، خلال الفرص بين الدروس، بالكوردية أو التركمانية أو السريانية. ولم تجد سلطات حزب البعث في كركوك أية عنصرية في منع الأطفال الصغار من التحدث بلغاتهم، ولا في تطبيقها أسوأ أشكال سياسات التطهير العرقي ضد الكورد وغيرهم في محافظة كركوك، بينما اعتبرت نزوع الأطفال الصغار الطبيعي إلى التحدث بلغاتهم الأم تمسكاً بالشعارات العنصرية.
ومن هنا ألزمت محافظة كركوك الكوردية المدارس بتطبيق التعليمات التالية:
أ- يُمنع منعاً باتاً استعمال اللغات المحلية (الكوردية والتركمانية والآثورية والكلدانية) من قبل الهيئة التعليمية والتدريسية لإلقاء المحاضرات أو مفردات الجمل المستعصية بغير اللغة العربية أثناء الدوام الرسمي.
ب- يُمنع منعاً باتاً استعمال اللغات المشار إليها أعلاه في الفقرة أولاً من كتابنا من قبل الهيئة التعليمية والتدريسية مع الطلبة في فترة الاستراحة.
ج- يُمنع منعاً باتاً استخدام اللغات المحلية (الكوردية والتركمانية) عدا العربية من قبل طلاب المدارس فيما بينهم (6).
وظل النظام السابق مستمراً، حتى يوم سقوطه، في التخطيط لتطهير محافظة كركوك من الكورد كلياً؛ فقد طلب محافظ كركوك اللواء الركن نوفل إسماعيل خضر، استناداً إلى كتاب الشؤون الأمنية بوزارة الداخلية المرقم (563) في 10 كانون الثاني 2000، «إرسال قائمة بأسماء (300) عائلة كوردية وتركمانية من الساكنين في حدود مركز المحافظة بغية ترحيلهم خلال عام 2000»، وحدد المحافظ الفئات المشمولة بهذا القرار العنصري، وفق التوجيهات المركزية، بما يلي:
أ- المواطنون الكورد والتركمان الذين امتنعوا عن تصحيح قومياتهم إلى العربية، مع التركيز على الذين لهم ممتلكات خاصة كالدور والعقارات.
ب- المواطنون الذين لهم أقارب من الدرجة الأولى والثانية في صفوف الحركات التخريبية (الكوردية والتركمانية) في منطقة الحكم الذاتي، باستثناء العناصر الخاصة الموجهة والمرسلة من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمخابراتية لأداء واجبات ومهمات خاصة في صفوف الحركات التخريبية.
ج- المواطنون الذين لهم أقارب من الدرجة الأولى غادروا العراق بعد أحداث عام 1991.
وأجملت دائرة الشؤون الداخلية في محافظة كركوك، في كتاب لها إلى المكتب الخاص / الديوان تحت رقم 9/9/713 في 24/1/2000، ما سمّته «الخطة الخمسية للترحيل» قائلة: «نود أن نعلم سيادتكم الموقر بتنفيذ الخطة الخمسية الصادرة من وزارة الداخلية ـ الشؤون الأمنية، والتعديلات اللاحقة بالخطة، والخاصة بترحيل المواطنين الكورد من غير العرب إلى خارج المحافظة، ومن خلال (35) وجبة خلال خمسة أعوام ابتداءً من 1/1/1995 لغاية 31/12/1999». وتضمن الجدول الملحق بهذا الكتاب عدد الذين جرى ترحيلهم من كركوك خلال سبعة أشهر من عام 1999، الذي بلغ حوالي (500) شخص. وهكذا تجسدت النتائج الباهرة لخطط حزب البعث الخمسية في قوائم المرحَّلين والمهجَّرين قسراً من موطنهم الأصلي (كركوك)، بدلاً من شق الطرق وبناء المصانع والمدارس والمستشفيات.
وتضمنت قائمة الأوامر القراقوشية للنظام والحكومة السابقة وحزب البعث منع الكورد من ممارسة النشاط الاقتصادي؛ فقد حصرت وزارة التجارة «مزاولة التجارة حصراً على أبناء القومية العربية ـ المتميزين ـ وفق الشروط الخاصة». وخوّل قرار مجلس قيادة الثورة المرقم (76) والمؤرخ 7 شباط 2000 مدير شركة نفط الشمال بإحالة «المنتسبين من أبناء الأقليات الغير عربية ـ الكورد والتركمان ـ إلى التقاعد لما تستوجبه الظروف الأمنية». والغريب أن هذا الأمر شمل حتى الذين أقدموا على «تصحيح» قومياتهم من الكوردية إلى العربية على ضوء التوجيهات المركزية، ويحمل القرار توقيع صدام حسين (7).
إن من يطّلع على الوثائق المنشورة حتى الآن عن سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري في كركوك وغيرها يُصاب بالغثيان من سياسة التمييز العنصري التي انتهجتها حكومة صدام حسين وحزب البعث ضد المواطنين الكورد عموماً، وكورد كركوك على وجه الخصوص.
فقد استثنى صدام حسين السكان الكورد وأبناء القوميات الأخرى، التركمان والآثوريين، في كركوك وغيرها حتى من إعانات الرعاية الاجتماعية، لأنها لم تشمل «العوائل الغير العربية والمشمولة بتصحيح القومية».
ومن المؤسف حقاً أن نرى، بعد كل هذا، من بين العراقيين من يتطوع للدفاع عن هذا الظلم التاريخي من خلال الزعم بأن من حق المواطن أن يعيش ويسكن أينما يرغب في العراق. وهذه كلمة حق يراد بها باطل؛ فلا يمكن دعوة الناس إلى القبول بالظلم عبر الحديث عن الأخوّة والمواطنة. إن العدالة تقضي بإعادة الحقوق إلى أصحابها، ومن ثم دعوة الناس إلى التصافي والمحبة.
المصادر
- طه باقر وفؤاد سفر، المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة ـ المرحلة الرابعة، ص 7–8، وقد أخذنا منه معظم معلوماتنا المذكورة؛ انظر: الأستاذ عبد الرقيب يوسف، المصدر السابق، ص 280.
- الدكتور جمال رشيد، كركوك في العصور القديمة، ص 42 وص 35.
- نقل ذلك من «تاريخ ميخائيل الكبير» الأب يوحنا جولاع في مقال له منشور في مجلة مجمع اللغة السريانية ببغداد، المجلد الثالث، سنة 1976.
- د. جبار قادر، قضايا كوردية معاصرة، دار ئاراس للطباعة والنشر، أربيل، العراق.
- يمكن الاطلاع على الصور الأصلية لهذه الوثائق وعشرات غيرها في كتاب شورش حاجي، تعريب كركوك في ثنايا ثمانين وثيقة، دار الحكمة، لندن، 2004 (باللغة الكوردية)، وقد نشر الباحث صوراً مستنسخة عن هذه الوثائق بلغتها الأصلية، أي العربية.
- انظر نص هذه التعليمات وعشرات القرارات الحكومية الأخرى في كتيّب: التطهير العرقي (تغيير القومية) للكورد والتركمان في كركوك ـ 50 وثيقة، إعداد المحامي طارق جمباز، ط3، أربيل، 2004، ص 43.
- للاطلاع على هذه الوثائق وعشرات غيرها انظر: المصدر السابق نفسه، ص 53، 64، 67–71.