الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

رياح التغيير: الحكم الذاتي الكوردي

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

بعد سنوات من القمع الوحشي الذي كاد يصل إلى الإبادة الجماعية، كان الكورد متلهفين جداً لملء الفراغ الذي خلّفته الحكومة المركزية ووضع أسس حكمهم الذاتي، وكانت الانتخابات الحرة نسبياً التي جرت لانتخاب البرلمان الكوردي في كوردستان في 19 أيار/مايو 1992 جزءاً من ذلك الطموح. فمن الناحية النظرية كان للكورد العراقيين مجلسهم المنتخب منذ 1974، ولكن على أرض الواقع كان كل أعضاء ذلك المجلس معيّنين من قبل الحكومة العراقية (البعثية). أما هذه المرة فقد تضافرت عوامل عدة لتجعل من الانتخابات انتخابات حقيقية: الفراغ الإداري الذي خلّفه النظام العراقي البعثي، والحاجة إلى ضمان حسن نية الغرب عن طريق إجراء انتخابات وفق ضوابط ديمقراطية، وتوافر المظلة العسكرية اللازمة لنجاح خطوة كهذه، وأخيراً حقيقة أن قضية الديمقراطية والانتخابات الحرة أيّدها عدد من التجمعات السياسية الكوردية، واعتبرها الضامن الوحيد ضد تكرار حالة البرلمان المعيّن من قبل الحكومة.

وتنافست ثمانية أحزاب على (105) مقاعد برلمانية في انتخابات كوردستان التي شهدها مراقبون دوليون، ووُصفت إجمالاً بأنها كانت «حرة ونزيهة». والأهم من ذلك أن الحزبين الكورديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكوردستاني (حدك) والاتحاد الوطني الكوردستاني (أوك)، هما وحدهما من فازا بالمقاعد. وبما أن النتائج كانت متقاربة - (50.22%) لـ(حدك) و(49.78%) لـ(أوك) - فقد قرر الحزبان تقسيم (100) مقعد بينهما بالتساوي، فيما أُعطيت المقاعد الخمسة المتبقية للأقلية المسيحية، وخُصّصت (4) منها للحركة الآشورية، ولم يُخصّص أي مقعد للأقلية التركمانية لأنهم، كما قال جلال الطالباني، كانوا خارج المنطقة التي يسيطر عليها الكورد. وبالتزامن مع انتخابات البرلمان أُجريت انتخابات لرئيس الإقليم، تقدّم فيها مسعود البارزاني بفارق ضئيل في الأصوات على المرشح المنافس الوحيد جلال الطالباني، لكن الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية لتحديد الفائز لم تجرِ، وبقي منصب الرئيس شاغراً ولم يُفعّل.

كانت الانتخابات في كوردستان ناقوس خطر ليس للنظام العراقي (البعثي) فحسب، بل للدول المجاورة أيضاً التي خشيت انتقال عدواها إلى كوردها. وسخر النظام العراقي وحزب البعث من تلك الانتخابات واصفاً إياها بـ«المهزلة»، وشجبها بوصفها مؤامرة لتقسيم العراق، وأعلن أنها «غير شرعية» و«غير دستورية»، بما أن المجلس التشريعي الكوردي الذي كان يرعاه النظام العراقي وحزب البعث لا يزال قائماً. وفي الحقيقة فإن الاسم الذي اختاره الكورد لمجلسهم التشريعي («المجلس الوطني الكوردستاني») كان كافياً ليفصح عن نيتهم تحويله إلى رمز للقومية الكوردية.

لقد كانت الانتخابات الكوردية مهمة من حيث إنها أضفت الشرعية على القيادة الكوردية، وألغت المجاميع الكوردية الصغيرة، وأصبحت أساساً تقوم عليه الإدارة الكوردية. وقد عقد المجلس الوطني الكوردستاني أولى جلساته في 4 حزيران/يونيو 1992، تلاها تشكيل الحكومة الكوردية. وأصبحت الكابينة الوزارية حرفياً حكومة المنطقة (الحكومة الإقليمية)، وقد تشكلت برئاسة فؤاد معصوم من (أوك)، وتألفت من خمسة عشر وزيراً، من ضمنهم وزير للشؤون العسكرية مكلف بشؤون الجيش الكوردي (البيشمركة) برئاسة الفريق كمال المفتي. وفيما بعد، في أيلول/سبتمبر 1992، عُيّن ثلاثة محافظين كورد للمحافظات الكوردية الثلاث: أربيل (عاصمة للحكومة) والسليمانية ودهوك.

وبالتزامن مع ذلك اتُّخذ عدد من الخطوات المهمة الأخرى؛ فقد أصبح دفع رواتب الموظفين من مسؤولية الحكومة الكوردية، وأُنشئت محكمة للاستئناف في تشرين الثاني/نوفمبر 1992 برئاسة المحامي كمال عارف حكمت، وتلقّى النظام التعليمي، الذي ظل مهملاً لسنوات، دفعة مهمة إلى الأمام حينما خُصّص 25% من الميزانية لهذا القطاع. وهكذا بدأت في نهاية 1992 (1100) مدرسة تعمل، لغة التعليم فيها هي اللغة الكوردية، بالإضافة إلى ثلاث جامعات وأكاديمية عسكرية في قلاجولان قرب السليمانية.

وعلى الصعيد السياسي، وبخلاف القيادة الفردية للملا مصطفى البارزاني في ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، ظهرت قيادة ثنائية من مسعود البارزاني وجلال الطالباني. ورغم أن أياً منهما لم تكن له مكانة الملا مصطفى البارزاني، فقد تمكنا معاً، إلى حد ما، من خلق فريق قيادي فاعل، على الأقل لفترة وجيزة. وكان الانطباع العام الذي ساد حينها هو التماسك المتزايد داخل الحركة القومية الكوردية أكثر مما كان قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ، وبداية اندماج وظهور حركة كوردية مركزية.

كانت إعادة صياغة أهداف القومية الكوردية من أهم فقرات جدول الأعمال السياسي بعد انتخابات برلمان كوردستان؛ فحتى فترة حرب الخليج كان الهدف المعلن للاتجاه الكوردي العام هو الحكم الذاتي، ولكن في 1992، وبعد مناقشات مطولة، رُفع ذلك الهدف إلى الفيدرالية. وهكذا عبّر قرار للمجلس الوطني الكوردستاني (البرلمان) في بداية تشرين الأول/أكتوبر 1992 عن إجماع كوردستان العراق «في تحديد مصيره وتعريف علاقته القانونية مع السلطة المركزية في العراق والبعث في هذه المرحلة من التاريخ على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني». وكان تبنّي الحركة الكوردية ككل لهذه الصيغة نتيجة تسوية بين جلال الطالباني، الذي كان يتزعم توجه كوردستان المستقلة منذ 1988، ومسعود البارزاني الأكثر اعتدالاً، الذي كان قد تبنى الحكم الذاتي هدفاً له. وبالفعل فإن خيار الفيدرالية كان تعبيراً عن سخط الكورد من صيغ الحكم الذاتي التي اتخذها النظام العراقي وحزب البعث غطاءً يقمعهم به.

وحالما رُفع شعار الفيدرالية أعلنت بغداد عداءها له لأنها اعتبرته عملاً انفصالياً، بينما اعتبرته دول الجوار صندوق البلايا الذي يهددها على عتبة دارها. وكان هذا التطور مقلقاً إلى درجة استدعت عقد اجتماع ثلاثي طارئ بين تركيا وسوريا وإيران في تشرين الثاني/نوفمبر 1992 بهدف كبح التطلعات الكوردية. أما الكورد، ومن منطلق معرفتهم بوجوب التحرك بحذر، فقد أصدروا بيانات غامضة تؤكد من ناحية نيتهم البقاء في إطار الدولة العراقية، ومن ناحية أخرى حقهم في تقرير المصير.

أما التطور الآخر الذي كان بمثابة قطيعة نهائية مع الماضي، فكان درجة الاعتراف الدولي التي حصل عليها الكورد. ففي الماضي لم يكن مسموحاً لزعيم أو مسؤول كوردي أن يلتقي المسؤولين الغربيين علناً، على أساس أن القضية الكوردية مشكلة إنسانية وليست سياسية، وبالطبع كان الغرب يختبئ خلف تلك الحجة مخافة أن يُغضب نظام البعث في العراق أو يُقلق تركيا وإيران. ولكن في 1992 أصبح جلال الطالباني ومسعود البارزاني والمسؤولون الكورد الآخرون أشخاصاً مرغوباً فيهم في عدد من العواصم الغربية، بما فيها لندن حيث عقدوا محادثات مع رئيس الوزراء جون ميجر في شباط/فبراير 1992، وباريس حيث التقوا الرئيس فرانسوا ميتران في آب/أغسطس، وواشنطن حيث التقوا في آب/أغسطس 1992 أيضاً وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر للتشاور، وذلك مع جماعات المعارضة العراقية. وبعبارة أخرى، كان ذلك التطور جملةً وتفصيلاً الباب العريض الذي فُتح أمام الزعماء الكورد نحو الإعلام الدولي، بما في ذلك الإعلام العربي. وجاء إجراء آخر في سياق ذلك التغيير في نيسان/أبريل 1992، مع بدء إذاعة صوت أمريكا بث برامج يومية باللغة الكوردية.

إلا أن الغرب ظل مع ذلك يتبنى مواقف غامضة إزاء الكورد. فهو، من خلال القوى الثلاث العظمى المتحالفة، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، كان بحاجة إلى الكورد لإبقاء نوع من الضغط على النظام العراقي وحزب البعث وزعزعته. وكان المقصود بالاستقبال الرسمي الذي يُمنح للمسؤولين الكورد توجيه رسالة إلى النظام العراقي وحزب البعث بأن الغرب قد تعهد بتقديم الدعم السياسي للمعارضة العراقية. وعلى سبيل المثال، ففي أعقاب اجتماع مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في 19 آب/أغسطس 1992 صرّح جلال الطالباني بأن الرئيس الفرنسي كان داعماً «لحقوق الشعب الكوردي في إطار فيدرالية في عراق ديمقراطي موحد». ومع ذلك فإن مصطلح «موحد» كان انعكاساً لمخاوف الغرب من تقسيم العراق، وكان السبب في استمراره بتقديم الدعم التقليدي للكورد القائم على أسس إنسانية فقط. وفي أعقاب زيارة زوجة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، بصحبة وزير الصحة الفرنسي برنارد كوشنير، إلى كوردستان في بداية تموز/يوليو 1992 - وهي الأولى من نوعها - حذّرت الحكومة الفرنسية من تفسير «هذه الزيارة الإنسانية» على أنها تمثل الموقف السياسي الرسمي لفرنسا. وفيما كانت تلك الضبابية بعيدة جداً عن طمأنة الكورد، فإن مجرد تحوّل النشاطات الكوردية في الخارج إلى نشاطات أكثر علانية، ونجاح الزعماء الكورد في كسر حاجز الصمت المتعلق بالكورد، كان إنجازاً في حد ذاته.

احتمالات هائلة ضد الحكم الذاتي الكوردي

ورغم أن تلك التطورات قد تبدو كبيرة، فإنها كانت في الوقت نفسه هشة. فعلى الصعيد الداخلي، ورغم أن الهوية القومية الكوردية قد تعززت بشكل كبير نتيجة سياسات نظام البعث القمعية في بغداد، وخاصةً في العقد الأخير، فإنها كانت في بعض الأحيان تغلب عليها ظلال الولاءات المحلية والقبلية. هذا بالإضافة إلى أن سنوات سياسة التعريب التي فرضها النظام كانت لها آثارها؛ فلكون العربية لغة التعليم السابقة في كوردستان ومفتاح التحرك الاجتماعي والسياسي، فإن اللغة الكوردية - الرمز الرئيسي للهوية القومية - لم تكن قد برزت بعد عاملاً للتوحيد. أما على الصعيد الاقتصادي فإن الحصار الداخلي الذي فرضته الحكومة كان قد أبرز الضعف الاقتصادي لكوردستان المحاطة باليابسة، واعتمادها الكلي على النظام في بغداد أو على دول الجوار. وكان بإمكان المعوقات الاقتصادية المتأصلة في هذا الموقع الجيوسياسي أن تُحبط أي تطلع نحو الاستقلال قد يضمره الكورد، وقد اعترف المسؤولون الكورد أنفسهم بأن مشكلة كوردستان الرئيسية كانت اقتصادية، وأن النظام في بغداد عرف جيداً كيف يزيدها سوءاً.

كما أن العلاقات المتدهورة مع حزب العمال الكوردستاني التركي (PKK) اليساري كانت مشكلة أخرى أظهرت المعضلات والمعوقات السياسية المعقدة التي كانت تواجه الكورد. ففي عام 1983 وقّع كل من (حدك) و(PKK) اتفاقاً للتعاون يهدف إلى محاربة كل من تركيا والعراق، وفي العام التالي اجتمع مسعود البارزاني وعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكوردستاني، في دمشق للمرة الأولى والأخيرة كما اتضح. إلا أن مصالحهما افترقت في تسعينيات القرن الماضي؛ فقد استغل حزب العمال الكوردستاني الفراغ الذي خلّفته بغداد في كوردستان العراق لإنشاء قواعد له في الجبال النائية قرب الحدود العراقية-الإيرانية-التركية، وهي مناطق كان الكورد العراقيون يفتقرون إلى القوة للتدخل فيها، أو لم يكن لهم فيها موطئ قدم. وقد استخدم (5000) عنصر من (PKK)، بدعم من النظام العراقي، تلك القواعد لشن الهجمات ضد تركيا وإضعاف الكورد العراقيين في الوقت نفسه. وأظهرت الوثائق السرية التي حصل عليها كورد العراق في 1991، بما لا يدع مجالاً للشك، تواطؤ (PKK) مع بغداد ضدهم. واتُّهم (PKK) بغلق الطرق الحيوية المؤدية إلى تركيا «لمنع وصول الإمدادات والمواد الغذائية إلى كوردستان العراق»، وبحسب الكورد العراقيين فإن ذلك العمل كان يرقى إلى مستوى حصار اقتصادي ثالث ضد كوردستان العراق، لا سيما أن تركيا كانت قد أصبحت شريان الحياة الاقتصادي الوحيد بالنسبة لهم.

لقد زاد هذا التطور من اعتماد كورد العراق على تركيا، وأرغمهم على قبول إملاءاتها، حتى على حساب الولاءات الكوردية. فبتحريض من تركيا شنت القوات الكوردية العراقية هجوماً واسع النطاق ضد حزب العمال الكوردستاني (PKK) في بداية تشرين الأول/أكتوبر 1992، بهدف إجباره على مغادرة المناطق الحدودية والتحرك نحو وسط كوردستان العراق.

إن هذا النمط المتمثل في استخدام إحدى الدول كوردَ دولة أخرى وسيلةً ضد كوردها وضد الدولة المنافسة، ومأزق المجاميع الكوردية المتمثل في الاضطرار إلى الاختيار بين مصلحتها الخاصة والمصالح القومية العليا، كان بمثابة القيد السياسي المتأصل الذي عمل ضد القضية الكوردية. لذا فإن العمليات عبر الحدود كانت سيفاً ذا حدين، إذ كانت تضر بالقضية الكوردية في العراق وتركيا، إضافةً إلى إضرارها بحكومتي البلدين.

ومن سخرية القدر أن تحقيق أهداف كورد العراق بدا مرهوناً بإفشال أهداف حزب العمال الكوردستاني (PKK). ويبدو من المعقول القول إن تزامن الهجوم على (PKK) مع إعلان كورد العراق تبنّي الفيدرالية كان بعيداً عن المصادفة؛ لأن كورد العراق، في سبيل الحصول على موافقة تركيا الضمنية على حكمهم الذاتي - وهي الفكرة التي أخافت تركيا مثل العراق إن لم يكن أكثر - كانوا على استعداد لدفع الثمن الوحيد الذي يرضي الحكومة التركية، وهو تحديداً التعاون معها في محاربة (PKK). وما دفع كورد العراق إلى ذلك كان رغبتهم في استعادة السيطرة على المناطق الحدودية النائية والقضاء على الوجود الموالي للعراق. إلا أن تلك العملية كلّفتهم ثمناً غالياً؛ فتحت ذريعة محاربة (PKK) اخترقت القوات التركية، التي قُدّر عددها بـ(15) ألف جندي، منطقة بلغت مساحتها (25) كيلومتراً مربعاً في شمال كوردستان في أواسط تشرين الأول/أكتوبر 1992، بما فيها المناطق التي عُرفت بتواجد قوات حزب العمال الكوردستاني فيها. واشتكى ناطق رسمي كوردي قائلاً: «نحن نشعر أن هذه القوات هي ضدنا وليست ضد (PKK)، وأنها تهدف إلى إنشاء نوع من أنواع التواجد التركي هنا».

وقد أوضحت هذه الحالة الموقف الإقليمي المعقد الذي كان الكورد يعملون في إطاره. فكما ذكرنا سابقاً، ظهرت تركيا مع نهاية حرب الخليج شريانَ الحياة الوحيد لكورد العراق، ومنحت جوازات سفر دبلوماسية لمسعود البارزاني وجلال الطالباني ليتمكنا من السفر إلى الخارج، وقد أشار مسعود البارزاني إلى أن تركيا كانت منفذ الكورد الوحيد إلى العالم الخارجي منذ 1991. وكان المسؤولون الكورد يصلون إلى المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى، بمن فيهم الرئيس ورئيس الوزراء. وكان الدافع التركي في هذا الشأن هو الرغبة في السيطرة على المنطقة الكوردية، ومنع وصول تأثيراتها إلى سكان تركيا من الكورد، والأهم من ذلك كله إحباط أي فكرة أو خطة لظهور كوردستان مستقلة في شمال العراق. فقد كان هذا الخوف بعينه هو الذي دعاها إلى عقد الاجتماع الثلاثي مع سوريا وإيران في تشرين الثاني/نوفمبر 1992. ولم يكن في استثناء حكومة العراق من ذلك الاجتماع أي عزاء للكورد، فبدلاً من مواجهة دولة واحدة - العراق - كان عليهم الآن مواجهة أربع دول.

ولم تكن فكرة دولة كوردية مستقلة مستساغة لدى الغرب أيضاً، وهو المقرر الآخر للمصير الكوردي. فرغم قلقه من مخططات صدام حسين، بما في ذلك تهديداته المستمرة ضد الكويت، فإن أكثر ما كان يقلق الحلفاء هو احتمال تقسيم العراق. فالإجماع الواسع المعارض لتغيير الحدود القائمة كان مدفوعاً بالخوف من حدوث فوضى جديدة في المنطقة، وبعدم الرغبة في معاداة دول أخرى فيها، إضافةً إلى الميل إلى النظر إلى الحدود الاستعمارية وكأنها شيء مقدس. وكان ذلك عقبة كأداء أخرى في طريق الكيان الكوردي، حيث لم تتجرأ أي دولة أو هيئة دولية على الاعتراف بالحكومة الكوردية أو إقامة علاقات دبلوماسية معها. هذا علاوةً على أن الدعم الاقتصادي والعسكري الضئيل الذي كان يتلقاه الكورد من الحلفاء كان مردّه موقف هؤلاء من حكومة العراق. وهكذا، ورغم كل إنجازاته، ظل الكيان الكوردي تحت رحمة العوامل الخارجية القوية.