الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
صراع في كوردستان على الزعامة والقيادة الكوردية
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
شكّلت الظروف التي وُلد فيها الحزب الديمقراطي الكوردستاني نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الكوردية؛ فقد عمل في ظروف بالغة الدقة والحساسية وهو يكافح حكومة نوري السعيد باشا، وهو من أصل كوردي، والمحتلَّ البريطاني لنيل الحكم الذاتي في الفترة 1943-1945. والواقع الذي فرض نفسه على ولادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن أبرز رموزه، الملا مصطفى البارزاني، كان مشاركاً في ولادة أول جمهورية كوردية (مهاباد) على أرض كوردستان إيران عام 1946، وأن سبب خروج الملا مصطفى البارزاني من العراق يعود إلى عمليات الخداع التي مارسها الساسة البريطانيون تجاه الكورد، بعد أن تكررت الوعود التي قدّمها السفير البريطاني في بغداد كورنواليس وهو يتحدث مع الملا مصطفى البارزاني في ظروف الحرب العالمية الثانية.
ولعل السؤال الذي طرحه الكثيرون هو عن نشأة الحزب (البارتي) وصاحب فكرة ولادته. ويمكن القول إن الأكثرية باتت متفقة على أن حمزة عبد الله، أحد الرموز القيادية الكوردية، هو من بلور الفكرة على أرض جمهورية مهاباد الكوردية عام 1946، نظراً لوجود كثير من المثقفين الكورد الذين رافقوا الملا مصطفى البارزاني في رحلته إلى شمال إيران. وكانت فكرة مرحّباً بها من قبل الملا مصطفى البارزاني، إذ وجد فيها وسيلة جديدة وجيدة لتطوير الحركة الكوردية، ولمزيد من السيطرة والقوة والزعامة، خاصة بعد أن تأكد لديه أنه سيكون قائد الحزب منذ لحظة تأسيسه. فازداد نشاط حمزة عبد الله والملا مصطفى البارزاني ومجموعة المثقفين والضباط الكورد لاتخاذ بعض الخطوات العملية في اتجاه تأسيس حزب كوردي.
إلا أن القاضي محمد، رئيس الجمهورية الكوردية في إيران (مهاباد)، اعتبر تشكيل حزب سياسي كوردي من قبل الكورد العراقيين بمثابة استفزاز لا مبرر له في تلك الظروف لكل من العراق وإيران، وقال للملا مصطفى البارزاني وحمزة عبد الله: «يوجد حزب كوردي واحد في مهاباد، وبإمكانكما العمل في صفوفه، وهو حزبنا الحزب الديمقراطي الكوردي، أما غيره فلا نقبل».
ونتيجة لذلك قرر الملا مصطفى البارزاني وجماعته نقل نشاط تشكيل الحزب الديمقراطي الكوردي إلى العراق، فأوفد حمزة عبد الله لهذا الغرض إلى داخل العراق (كوردستان العراق)، وخوّله اتخاذ ما يراه مناسباً من الإجراءات لإخراج الحزب الديمقراطي الكوردي إلى حيز الوجود عبر التفاوض مع الأحزاب والمنظمات والجمعيات الكوردية الأخرى في كوردستان العراق. وحال وصول حمزة عبد الله إلى العراق متسللاً، اجتمع مع ممثلي حزب «شورش»، وهو جناح كوردي للحزب الشيوعي العراقي أراد له قادته أن يكون حزباً شيوعياً خاصاً بالكورد، واجتمع كذلك مع ممثلي حزب «رزكاري كورد».
تأسس حزب شورش سنة 1944، وتأسس حزب رزكاري كورد سنة 1945. وقد وافقت معظم التنظيمات السياسية الكوردية التي التقى بها حمزة عبد الله على الخطوة العامة لفكرة اتحادها تحت راية حزب سياسي كوردي واحد هو «الحزب الديمقراطي الكوردي»، الذي تغيّر اسمه فيما بعد إلى «الحزب الديمقراطي الكوردستاني»، والذي عقد مؤتمره التأسيسي الأول في بغداد سراً بتاريخ 16 آب 1946، وانتُخبت فيه لجنة مركزية برئاسة الملا مصطفى البارزاني الذي كان في إيران آنذاك، وسكرتيرها حمزة عبد الله، وتقرر إصدار جريدة شهرية باسم الحزب. ودعا الحزب في مقدمة منهاجه إلى «عراق حرّ مستقل متحرر من يد الاستعمار والتبعية السياسية والاقتصادية»، تكون فيه السلطة بيد ممثلي الشعب الحقيقيين، كما دعا إلى إقامة نظام اتحادي في العراق أساسه اتحاد العرب والكورد والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات. ولم يتطرق الحزب الديمقراطي الكوردي في برنامجه إلى أي مضمون اقتصادي أو اجتماعي، ولم ترد فيه أي فكرة عن نوعية العلاقة بين العرب والكورد العراقيين.