الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
طرد الفرس من العراق
من محاضرات «الكنيسة والإسلام والسياسة» – 2012
إن منطق الأحداث ومسارها يقودان بالضرورة إلى تحالف الفرس والروم ضد توجهات العرب والمسلمين لتحرير العراق والشام، باعتبار أن ما ينجزه العرب والمسلمون في جبهة الشرق سيطول الغرب لا محالة، وأن قوة الإيمان بالله لن تترك للأعاجم من فرس وروم مواصلة استعباد العرب والمسلمين، ولا التحكم في ديار الجبهتين واحتكار النفوذ السياسي والديني والتجاري.
ولكن ذلك لم يكن قبل إنجاز الصفحة العسكرية التي بدأها الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وهو المعروف بتسامحه وطيبته وقوة إسلامه، عندما كتب إلى القائد خالد بن الوليد، بعد تأميره على حرب العراق، أن يدخلها من أسفلها (أي من الجنوب)، وكتب إلى القائد الآخر عياض بن غنم أن يدخلها من أعلاها (أي من جهة الغرب)، ثم يستبقا إلى الحيرة (العاصمة العربية للعراق)، فأيهما سبق فهو أمير على صاحبه. ثم قال: «إذا اجتمعتما في الحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه في الحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم: المدائن» (1)، وهي مقر الجيش الفارسي، على بعد 30 كم جنوب بغداد.
حقق القائد خالد بن الوليد نجاحات باهرة وهو يقود جيشه العربي في سبع معارك ضد الجيش الفارسي (2)، وذلك عن طريق تنفيذ إحاطة مزدوجة (مناورة التطويق) أو «كماشة» حول عاصمة العراق العربية (الحيرة)، ومن ثم تحويل الحيرة إلى قاعدة رئيسية للعمليات تمهيداً للاندفاع نحو مقر الجيش الفارسي في المدائن.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن القائد الموهوب خالد بن الوليد قد اختار غرب العراق مرحلةً أولى، بغية تجنب الاحتكاك الشديد مع الجيش الفارسي الذي يتمركز في القطاع الشرقي بين المدائن ومحافظة ديالى الحالية، حيث تكثر الأهوار والأنهار الداخلية والقبائل الموالية للفرس من دويلة المناذرة. وهو ما عمل على تشتيت الجهد الفارسي على طول الحدود الغربية، فضلاً عن استناد قاعدة الحركات الرئيسية إلى الصحراء لضمان المناورة، واستمرار تدفق المدد والاحتياطات والقوافل دون عوائق طبيعية (3).
أما رتل عياض بن غنم، المكلف بحماية الجناح الأيسر لرتل خالد بن الوليد من اتجاه أعالي نهر الفرات، فقد يكون تحركه قد اصطدم بحاميات رومية في دومة الجندل، وكانت فيها القبائل العربية المتنصرة مثل قبائل بهراء وكلب وغسان وإياد وتنوخ والضياغم مركز الثقل، وكان النصارى الذين أمدّوا أهل دومة الجندل بالقوة هم من العرب المحيطين بحصونها (4).
وهو ما جعل رموز الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية على حالهم، يراقبون بشيء من الخوف تطور سير المعارك العربية، وفي خلدهم أن كل عمل جماعي وحدوي إنما هو مجرد استيلاء وضم. ولكن الأمر في نظر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي تولى الخلافة عام 634م، أن الفتح العربي الإسلامي ليس مجرد موجة سامية جديدة تضاف إلى سابقاتها التي اندفعت خارج الجزيرة العربية بحثاً عن الماء والكلأ، بل يمثل الفتح حملاً لرسالة سماوية لكل الناس، وأن المسلمين سواسية وأمة واحدة، وليس مجرد امتداد لمفهوم السادة والعبيد الذي ساد منطقة النفوذين الفارسي والبيزنطي (5).
ويظهر ذلك في استماع الخليفة الجديد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو ممدد على فراش الموت، بحضور القائد العراقي المثنى بن حارثة الشيباني، إذ قال له: «اسمع يا عمر ما أقوله لك ثم اعمل به: إني لأرجو أن أموت يومي هذا، فإذا متُّ فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني… ولا تشغلنّكم مصيبة وإن عظمت… وإن فتح الله على أمراء الشام فاردد أهل العراق إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وأهل الضراوة منهم والجرأة عليهم» (6).
ولم يخالف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي حمله الرسول محمد ﷺ وتبنّاه الصديق، هذه الوصية، فمضى لإكمال تحرير أرضَي العراق والشام، وجهّز القائد المثنى بن حارثة الشيباني بأربعة آلاف مقاتل يتقدمهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، الذي أوصاه بحفظ اللسان وعدم إفشاء السر، «فإنها الحرب، والحرب تحتاج إلى الرجال الكيّسين» (7).
وعظمت مصيبة الفرس، وكسرى لا يزال ينتهز الفرصة لكسر شوكة الجيش العربي في معركة واحدة، فيما يجد القائد الرومي هرقل فرصة لكسب معركة الشام في معركة فاصلة مع الأرتال العربية الموجودة على أرض الشام (سورية)، وهي متباعدة وقليلة العدد.
التعجيل بنقل الجهد العسكري الإسلامي إلى بلاد الشام عام 636م
كان توقف رتل عياض بن غنم في دومة الجندل (منطقة عرعر على الحدود العراقية السعودية) ذا أثر سيئ على مجمل الخطة العامة لتحرير العراق من الوجود الفارسي.
ولصعوبة موقف أرتال القوة العربية في الشام، بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن العاص، رأى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألّا يكرر الخطأ الاستراتيجي المتمثل في نشر القوة العربية على ساحتي العراق والشام في آن واحد. وبدت خلاصة معارك التاريخ العسكري التي سبقت ظهور الإسلام، وخاصة معارك الفرس والروم التي جرت بين 602 و627م، حاضرة في ذهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «فإن من يريد أن يكون قوياً في كل مكان لن يكون قوياً في أي مكان». ولعلها الحكمة التي جعلت كل روافد المعرفة العسكرية تظهر بمفهوم أخلاقي عام لحرب لم تألفها جزيرة العرب سابقاً.
فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائده خالد بن الوليد بترك العراق لنجدة الأرتال العربية في الشام (سورية)، على أن يكون المثنى بن حارثة الشيباني هو البديل على جبهة العراق لحين وصول القائد الجديد أبي عبيد بن مسعود الثقفي (8).
ويُجمع الكتّاب العسكريون، محمود الدرة والفريق صالح مهدي عماش والجنرال الباكستاني أكرم، على أن وصول القائد خالد بن الوليد إلى بلاد الشام (سورية) قد أعطى ثقلاً متميزاً لخوض معركة اليرموك (آب 636م)، التي جمع فيها هرقل إمبراطور الروم جيشاً وصل تعداده إلى (50000) مقاتل بقيادة شقيقه ثيودوسيوس، لملاقاة جيش المسلمين المكوّن من (43000) مقاتل، في معركة حاسمة جنوب بحيرة طبرية (9).
ولعل المفارقة التي خشي منها إمبراطور الروم هرقل في هذه المعركة أنه كان قد استلم رسالة الرسول محمد ﷺ التي جاء فيها: «سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» (10). ولعل هرقل، الذي ما زال مزهواً بنصره التاريخي على الفرس في الحرب التي بدأها لاستعادة القسطنطينية في شتاء عام 621م، قد فهم سورة الروم في قرآن الإسلام، وفيها: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 1-5).
وقد تحقق ذلك، وبات في عقله أن الله أخبر به رسوله النبي محمداً ﷺ، فكيف الحال مع مقاتلة العرب المسلمين حاملي راية الإسلام، وهم يؤثرون الشهادة على الحياة ويهتفون: الله أكبر؟
وعند التقاء نهر اليرموك بنهر الأردن التحم الجيشان: الجيش العربي بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، والجيش الرومي بقيادة ثيودوسيوس شقيق هرقل. وما كاد النهار يبلغ آخره حتى حقق المسلمون نصراً حاسماً، وفرّت بقية جيش الروم، وأصبحت بلاد الشام جميعها مفتوحة أمام المسلمين (11).
ويذكر مؤرخ الكرسي الأنطاكي أسد رستم أن هرقل هو «الصليبي الأول»، نظراً للواجبات التي قام بها في الدفاع عن الدولة والكنيسة والدين (12).
وكان همّه الأكبر في كل حروبه ضد الفرس استرداد الصليب وإعادة نصبه في أورشليم، حتى تمكّن من ذلك في آذار 630م.
والواقع أن هرقل، الذي عاصر النبي محمداً ﷺ، لم يكن يتهم محمداً بكذب النبوة كما فعلت الكنيسة الغربية، بل كان كبيراً في أدبه وتعامله مع الرسالة النبوية؛ إذ قرأ رسالة النبي محمد ﷺ بتمعّن، وسأل عن أدق التفاصيل، واستدل من خلالها على علامات وأمارات لا تتوفر إلا في الأنبياء. وقد تبيّن لنا من خلال ما سبق ذكره من النصوص اقتناعه بصدق دعوة رسول الله ﷺ، بدليل قوله لأبي سفيان بن حرب: «ليغلبنّ على ما تحت قدميّ هاتين، ولوددتُ أني عنده فأغسل عن قدميه» (13). والجميل في ذلك كله أن هرقل أخذ المعلومات عن النبي محمد ﷺ والإسلام من فم رجل كان من ألدّ خصوم الإسلام آنذاك، هو أبو سفيان بن حرب، الذي أنطق الله لسانه بالحق والصدق، وأن هرقل لم يحتكر الحقيقة لنفسه، ولم يعمل على تشويهها، بل عرضها على قومه، فهزّت أبدان بعضهم، ونفّرت بعضهم من وجودهم في ديار العرب.
وبالعودة إلى طرد الفرس من أرض العراق، فقد كان كسرى المتمركز في مدائن العراق على اطلاع متواصل على إنجازات الجيش العربي في بلاد الشام. ولم يكن العراق دولة مستقلة، فهو أقل من ذلك، كما أنه لم يكن مجرد ولاية، فهو أكبر من ذلك، وجزؤه الغربي والجنوبي أرض عربية؛ إذ كان العرب معروفين في العراق منذ أيام حكم الملك البابلي نبوخذ نصر، الذي امتدت فترة حكمه (605-562 ق.م) (14).
ولعل المصيبة التي اختمرت في عقول قادة الفرس أن مقر القيادة العربية العليا في المدينة المنورة، ممثلاً بالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومستشاريه، قد قرر إعادة رتل القعقاع بن عمرو التميمي إلى العراق بعد انتهاء معركة اليرموك (آب 636م)، للمشاركة في المعركة الفاصلة التي يجهز لها العرب في العراق. ويظهر من سير الأحداث أن ما نطلق عليه اليوم «فن الحرب»، المكوّن من الاستراتيجية والعمليات والتعبئة، قد وجد طريقه السليم في التطبيق عبر المناورة بالقوات من جبهة إلى أخرى، نظراً لقوة جيش الخصم بقيادة رستم الفارسي، وضرورة حشد القوات في الوقت والمكان المناسبين، وهو ما أقدم عليه القائد العربي سعد بن أبي وقاص وهو يجهز قواته لمعركة القادسية الفاصلة عام 637م.
ولعل المفارقة التي ينبغي الإشارة إليها هي أن الحاكم الفارسي كسرى هو الوحيد الذي مزّق رسالة الرسول محمد ﷺ، دون هرقل عظيم الروم، والمنذر بن ساوى والي البحرين، والحارث الحميري ملك اليمن، وجيفر وعبد ملكَي عُمان، غير آبهٍ بالنبوة ولا بدين الإسلام الجديد؛ فقد كان كسرى ورستم على دين زرادشت، قبل تحولهما إلى الديانة المانوية والمزدكية، وجميعها لا تؤمن بالتوحيد، بل هي قائمة على عبادة الآلهة الممثلة بالكواكب وقوى الطبيعة (15).
ويروي لنا ابن كثير عن العلاء بن الزبير الكلابي يحدّث عن أبيه، قال: «رأيت غلبة فارس على الروم، ثم رأيت غلبة الروم على فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين على فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة» (16).
وهي لا تبتعد عن تقديم الدليل على نبوة الرسول محمد ﷺ، وأن الله تبارك وتعالى قد أبلغ رسوله أن النصر سيكون في بضع سنين. ويلاحظ هنا فرح قادة العرب المسلمين بنصر العدو الأقل قوة أو الأقل خطراً والأبعد مسافة (أي الروم)، ومتى غُلب الأخطر أو الأكبر، فإن عامل الزمن لقبول القبائل المختلفة دين الإسلام الجديد سيوفر عامل ردع إضافياً لجيش العرب، وعموده الفقري من أبناء القبائل العراقية، لقهر الجيوش الفارسية المجهزة جيداً في أي منازلة جديدة.
وهو ما حدث في معركة القادسية في الأول من حزيران عام 637م في سهل القادسية (المحافظة العراقية)، رغم حشد القائد الفارسي رستم أكثر من (120.000) مقاتل مقابل جيش سعد بن أبي وقاص الذي لا يتجاوز (35000) مقاتل، وكانت هزيمة منكرة لجيش رستم، الذي قُتل في معركة القادسية 637م (17).
ويذكر الكاتب فيليب حتي في كتابه «تاريخ العرب» (في طبعته العاشرة) أن الجيش الفارسي أصابه التمزق، وهرب الكثير من جنوده بعد معركة القادسية (حزيران 637م)، وأن كل مناطق غرب نهر دجلة أصبحت في عهدة الجيش العربي. وكحالة طبيعية لانكسار جيش الخصم، فقد استثمر القائد سعد بن أبي وقاص الحالة المعنوية العالية لعبور نهر دجلة بغية السيطرة على المدائن (مقر قيادة الجيش الفارسي)، وقد وجدوها خالية في اليوم الخامس من شهر حزيران عام 637م (18).
وكان وصف الكاتب فيليب حتي للجيش الفارسي الكبير بعد المعركة أنه أصيب بالهلع وفقدان السيطرة (The large Sasanid army dissolved in panic)، لتتجمع فلوله في مرتفعات جلولاء (قضاء عراقي) على بعد ستين كيلومتراً شرق العاصمة بغداد، حيث شعر القائد الفارسي يزدجرد الثالث بالمهانة الكبيرة وهو يخوض معركة رد اعتبار في نهاية عام 637م (19).
ويظهر من التداعيات التي أصابت قيادة الجيش أنه لا أمل يمكن أن يعوّلوا عليه إلا في خط دفاع أخير لخوض معركة نهاوند عام 641م، وكانت هذه المرة، كما أرادها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بقيادة العراقي النعمان بن مقرن المزني، الذي تمكن فيها من إلحاق الهزيمة بجيش يزدجرد الثالث، حتى أطلق المؤرخون العرب على معركة نهاوند «فتح الفتوح»، لأنها فتحت الباب لنشر الإسلام في آسيا الوسطى (20).
أما مصر، فهي البلد الثالث بعد بلاد الشام والعراق الذي التزم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطرد الروم منه، كما أراد الرسول محمد ﷺ، وهو لا ينطق عن الهوى.
وتبدو قصتها أن الإمبراطور الرومي هرقل أراد لأقباط مصر عام 628م أن يبقوا على تواصل مستمر مع عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية وكنائسها، غير أن تاريخ الصراع مع خصمها الإمبراطورية الفارسية، الذي استمر خمسة قرون، قد أتاح للفرس في أواخر أيامهم، وتحديداً في عام 631م، أن تكون مصر تحت حكم الملك كورش الفارسي، الذي عيّن الأسقف فاسيس، المعروف بالمقوقس، بطريركاً على كنيسة الإسكندرية (21).
فهما في عرف الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفرس والبيزنطيون، كما هم في بلاد الرافدين وبلاد الشام. وقد شاءت الأقدار أن يكون المحتل لمصر فارسياً وعلى رأس الكنيسة نصراني، وقد عانى شعب مصر من إذلال جباية الضرائب الثقيلة التي فرضتها كنيسة القسطنطينية عليهم لمعاونة النصارى العرب في معيشتهم في بلاد الشرق (22).
كانت تجربة القائد عمرو بن العاص، الذي اشترك في معركة اليرموك ضد الروم عام 636م في بلاد الشام، غنية في نتائجها العسكرية. غير أنه، في ضوء توجيه الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتطهير مصر من المحتلين الروم والفرس، وصلته معلومات عن حشد لجيش الروم في بابليون، وهو حصن منيع للدفاع شمال مدينة الفسطاط، بقيادة ثيودورس شقيق هرقل. وهو ما ألزم عمرو بن العاص بالتوقف في سهل الفيوم عام 639م بانتظار وصول قوة قوامها (5000) مقاتل بقيادة الزبير بن العوام، كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أمر بها، بغية الإسراع في طرد الروم نهائياً من أرض العرب (23).
وهو ما عمل به القائد عمرو بن العاص، الذي حاول استدراج عدوه للخروج من حصن بابليون، فهزم فرقة منهم في معركة عين شمس عام 639م (24)، مما جعل المقوقس أسقف الإسكندرية يسرع في طلب الدخول في مفاوضات مع العرب المسلمين، في الوقت الذي كان فيه القائد الرومي ثيودورس لا يزال ينتظر تعزيزات تصله عن طريق ميناء الإسكندرية.
وقد اعتبر الإمبراطور هرقل ذلك خيانة من المقوقس أسقف الإسكندرية، الذي انسجم مع طروحات عمرو بن العاص، الذي تمكن من تخطي حصن بابليون شمال مدينة الفسطاط والوصول إلى ميناء الإسكندرية، بغية منع أي تعزيزات بحرية رومية قد ترسلها كنيسة مدينة القسطنطينية (25).
أما حصن بابليون المحاصر، فقد عاد إليه عمرو بن العاص مرة أخرى عام 640م، وكان قائده النصراني مستعداً للتسليم بدون قتال (26). وقد أُجبر البيزنطيون، على لسان المقوقس، على دفع الجزية، دون المساس بكنائسهم وحياتهم الاجتماعية التي كانوا عليها، كما وصلت توجيهات الخليفة عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص في وقت مبكر (27).
بات صوت الأذان، «الله أكبر» والشهادة بأن محمداً رسول الله، يُسمع في كل جوامع بلاد الشام والعراق ومصر، على مسمع من النصارى العرب، والروم في القسطنطينية، وفي بلاد فارس وعاصمتهم الريّ (طهران حالياً). إلا أن مثل هذا الصوت لم يكن له أثر في جزيرتي قبرص ورودس في مياه البحر الأبيض المتوسط، لأسباب منها:
ضعف الأسطول العربي الإسلامي خلال تولي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة. والحق أن ركوب البحر كان بعيداً عن التفكير، وأن ما تحقق على الأرض هو غاية ما كان يطمح إليه الخليفتان أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وباستشهاد عمر بن الخطاب عام 644م، كان الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه (644-656م) عازماً على عدم حرمان والي الشام معاوية بن أبي سفيان من بناء أسطول بحري مؤلف من (200) سفينة لطرد الروم من مياه البحر المتوسط (28).
وفي آخر سنة من حكم الخليفة عثمان بن عفان بلغ الأسطول البحري قوته، وعلى قيادته القائد العربي عبد الله بن أبي سرح، وأصبح جاهزاً لخوض غمار معركة بحرية بين ساحل الشام وساحل مصر ضد الأسطول الرومي بقيادة قسطنطين الثاني، وسفنه ضعف سفن الأسطول الإسلامي. التحم الأسطولان، واقتربت السفن بعضها من بعض، وقاتل المسلمون من فوقها وكأنهم يقاتلون على البر، حتى أُطلق عليها اسم معركة «ذات الصواري» عام 655م (29)، وألحقوا هزيمة ساحقة بالأسطول البيزنطي بقيادة قسطنطين الثاني، وأصبحت جزيرتا قبرص ورودس ضمن الولايات الإسلامية (30). وعاد صوت «الله أكبر» يُسمع في القتال كما هو في المساجد، فيما باتت الكنائس التي بقيت تمارس صلواتها في الجزيرتين (قبرص ورودس) هي الأخرى تسمع النداء نفسه.
وفيها تساءل الروم: إلى أين يريد العرب المسلمون الوصول بعد أن طردونا من البر والبحر؟ وفي خلدهم أن دول الغرب المسيحي على الساحل الغربي للبحر المتوسط، إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، قد تطؤها أقدام الجيش العربي الإسلامي في وقت لاحق.
وبانتهاء حكم الخلافة الراشدة، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان على أيدي مجموعة من الخوارج، ومجيء الإمام علي بن أبي طالب (656-661م)، ظهرت الفتنة حول أحقية الخلافة بين الإمام علي رضي الله عنه ومعاوية، دون الخوض في تفاصيلها. والحق أن حكم الخلفاء الراشدين، الذي استمر من 632 إلى 661م، كان راشداً، ليس في تهيئة المقاتلين العرب لقتال الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية فحسب، وإنما لأن القيادات الميدانية التي تولّت قيادة الجيوش العربية الإسلامية قد تلقّت المبادئ الأساسية لخوض الحروب، وخاصة ما يتعلق منها بمراعاة الجانب الحضاري الإنساني الذي يتميز به دين الإسلام عن باقي توجهات الديانتين اليهودية والمسيحية، وهو ما نقلوه إلى أقرانهم (الصفوة) من قادة الميدان في العراق وبلاد الشام ومصر (31).
المصادر
الطبري، ج4، ص2022.
خاض القائد خالد بن الوليد معارك: الولجة، وذات السلاسل، والمذار، وبابل، والنمارق، والبويب، وكاظمة.
الطبري، ج4، ص2095.
المصدر نفسه، ص2095.
سليم شاكر الإمامي، المصدر السابق، ص171.
سيرة ابن هشام، ج4، ص106.
سليم شاكر الإمامي، المصدر السابق، ص172.
كان أسلوب المثنى بن حارثة الشيباني في إدارة القتال لا يختلف عن مهارة خالد بن الوليد؛ فهو، خلال قيادته للقوة العربية في العراق، قد تمكن من خوض معارك دفاعية ناجحة ضد الجيش الفارسي (المشاغلة والتعويق)، كما فهم من وصية الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نظراً لقلة القوة المتبقية لديه. وخلال معركة الجسر عام 634م، التي أدارها أبو عبيد بن مسعود الثقفي، تمكن المثنى بن حارثة الشيباني من إنقاذ الجيش العربي من هزيمة كبيرة. انظر: ابن عساكر، ج5، ص109.
Philip K. Hitti, History of the Arabs, Hong Kong, 1977, p. 152.
الأريسيون في صحيح الإمام مسلم، كتاب الجهاد، باب كتاب النبي محمد ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، ط2، مصر، مكتبة دار الفوائد ودار ابن رجب، 2006م، ص945. والأريسيون: هم الفلاحون والخدم والأكّارون، وقيل هم الموحدون من أتباع آريوس المصري الذين كانوا يعيشون في ظل إمبراطورية هرقل البيزنطية.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص43.
أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، مصر، مطبعة دار الفنون، بلا تاريخ، ص426.
إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، مصر، مكتبة الإيمان، ج4، ص630.
علي عبد الجليل علي، الحرب على العراق: رؤية توراتية يهودية، الأردن، دار أسامة، 2004م، ص116.
إبراهيم عبد الطالب، العراق (البلد العربي الذي نخره السياسيون) 1914-2003م، الأردن، دار جليس الزمان للنشر والتوزيع، 2010م، ص15.
ابن كثير، ج3، المصدر السابق، ص349.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص41.
Philip K. Hitti, op. cit., p. 155.
Philip K. Hitti, op. cit., p. 157.
حسن فاضل زعين وعبد الرحمن العاني، العداء الفارسي في عصر الرسالة الإسلامية والخلفاء الراشدين، بغداد، 1983م، ص146.
حسن فاضل زعين، المصدر السابق، ص146.
المصدر نفسه، ص147.
سليم شاكر الإمامي، المصدر السابق، ص171.
المصدر نفسه، ص172.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص40.
المصدر نفسه، ص40.
خلّد القائد عمرو بن العاص اسمه ببناء جامع لا يزال يحمل اسمه في الفسطاط (معسكر بابليون القديم) عام 641م.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص43.
كان معاوية بن أبي سفيان والياً على الشام في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعمل على بناء أسطول بحري يتألف من (200) سفينة، وكان تحت قيادة عبد الله بن أبي سرح. وفي موقع بحري بين ساحل الشام وساحل مصر واجه هذا الأسطول عام 655م أسطولاً رومياً يتألف من (450) سفينة يقوده قسطنطين الثاني. التحم الجيشان، واقتربت السفن بعضها من بعض، وقاتل المسلمون من فوقها وكأنهم يقاتلون على البر، وألحقوا هزيمة ساحقة بالأسطول البيزنطي، وأصبحت جزر قبرص ورودس وغيرها ضمن الولايات الإسلامية. انظر: هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص43.
هاني خيرو أبو غضيب، المصدر السابق، ص43.
إبراهيم عبد الطالب، انهيار جدار عرب المشرق، عمّان، 2008م، ص66-67.