الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عقد مؤتمر دولي لحل القضية الكوردية في منطقة الشرق الأوسط

من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023

تسعى الشعوب والأمم على وجه المعمورة إلى التمتع بحرياتها واستقلالها وبحقوقها الإنسانية الكاملة في جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والتعليمية والسياسية، وإلى المساهمة الفعلية في الانتخابات، وتقرير مصيرها السياسي، والتعبير عن آرائها ومعتقداتها بالطرق السلمية، مستهدفةً مصالحها الوطنية، لتعيش مع باقي الدول والشعوب بسلام وتتبادل معها المصالح المشتركة.

وفي المنطقة العربية كانت الشعوب العربية والكوردية والتركمانية وغيرها خاضعة للدولة العثمانية عدة قرون، وشهدت المنطقة حروباً وغزوات بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية، وكذلك بين الدول العربية.

ويعدّ الشعب الكوردي الشقيق رابع شعب في منطقة الشرق الأوسط من حيث عدد السكان بعد العرب والفرس والأتراك، إذ يتراوح عدد الأكراد ما بين أربعين وخمسين مليون نسمة، موزعين على خمس دول: العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا، إضافة إلى المهاجرين والمهجّرين إلى دول أوروبا والعالم أجمع.

وقد حُرم الأكراد من أبسط الحقوق الإنسانية في معظم الدول، وكذلك من الاشتراك والتمثيل في هيئة الأمم المتحدة، أو بمعنى آخر حُرموا من كيان مستقل يتمتعون فيه بحقوقهم الإنسانية كباقي الأمم، رغم محاولات سابقة في هذا الشأن موثقة بمعاهدات واتفاقات دولية.

ولشعبنا الكوردي الكريم تاريخه المشرق وثقافته العالية في الفنون والآداب والمعرفة كبقية شعوب المنطقة، وأكثرهم إخواننا في الدين والمواطنة، سنةً وشيعةً، في العراق.

وقد قدّم الأكراد آلاف الضحايا نتيجة السياسات الفاشية والعنصرية للأنظمة الرجعية الاستبدادية المتعاقبة في المنطقة، وتعرضوا مرات عديدة لعمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسري منذ أكثر من قرن. نذكر منها انتفاضات الشيخ سعيد بيران في الأعوام 1923–1925 في تركيا، التي راح ضحيتها أكثر من 45 ألف شهيد، وهُجّر فيها أكثر من مليوني كوردي، وأُحرقت قراهم وحقولهم؛ وانتفاضة درسيم عام 1936م، التي راح ضحيتها 50 ألف مواطن كوردي، وغيّر الأتراك بعدها اسم منطقة درسيم إلى «تونجيلي» (القبضة الحديدية)؛ وانتفاضة آرارات في الأعوام 1927–1930م، التي راح ضحيتها أكثر من 30 ألف كوردي، ودُمّرت فيها 4500 قرية كوردية. وفي العراق وقعت مجزرة حلبجة البشعة بالغازات السامة، التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف إنسان من الأطفال والنساء والشيوخ، وعمليات الأنفال سيئة الصيت، التي بلغ ضحاياها أكثر من مئة واثنين وثمانين ألف مواطنة ومواطن من الكورد.

وبعد الانتفاضة الشعبانية في آذار 1991، أي بعد تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي على يد قوات التحالف في 26 شباط 1991، وبعد الهجرة المليونية للأكراد الذين فرّوا مع عوائلهم وأطفالهم إلى أعالي الجبال، عقب مجزرة حلبجة التي هزّت ضمير العالم كله، استصدرت قوات التحالف، أمريكا وفرنسا وبريطانيا، قراراً من هيئة الأمم المتحدة بجعل المنطقة الواقعة شمال خط العرض 36 منطقة آمنة للشعب الكوردي جواً وأرضاً.

وقد زار وزير خارجية أمريكا آنذاك، السيد جيمس بيكر، الأكراد المهاجرين للاطلاع على مآسيهم التي فاقت تصورات العقل البشري.

وفي القرن الماضي قامت الحكومات التركية بعمليات تطهير عرقي وإبادة للأكراد، ورحّلتهم من مناطقهم ومزارعهم إلى المدن التركية لإجبارهم على التتريك، وتغيير أسمائهم وهويتهم، وطمس قوميتهم ووجودهم. وقد أدى ذلك إلى قيام الأكراد بانتفاضات وثورات ضد القهر والظلم والترحيل، ضد الدولتين الإيرانية والتركية، منذ عام 1880، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. ثورة الشيخ عبيد الله النهري سنة 1880م، وكانت أول ثورة كوردية ضد حاكم القاجار، وقد سُحقت بعنف، ونُفي الشيخ عبيد الله مع أسرته إلى مكة المكرمة، حيث وافاه الأجل في تشرين الأول/أكتوبر 1883م.
  2. ثورة بدرخان في السنتين 1842–1843م ضد الدولتين التركية والإيرانية، وقد لعب رجال الدين المسلمون دوراً مهماً فيها.
  3. ثورة هكاري وبوتان في السنوات 1853–1856م بقيادة يزدان شير، الذي حرر منطقتي هكاري وبوتان، وقد قُمعت هذه الثورة بمساعدة القوات الروسية.
  4. انتفاضة درسيم في السنتين 1877–1879م بقيادة رجال الدين.
  5. حركة بدليس سنة 1912م بقيادة الشيخ سليم والشيخ شهاب الدين النقشبندي، وكانت جمعية «هيوا» (هيفي: الأمل)، التي تأسست عام 1910م، هي الجهة الموجهة لتلك الحركة الثورية، التي قمعها الجيش التركي بقسوة بالغة بعد فترة قصيرة.
  6. ثورة عام 1917م، إذ انتفض الأكراد في مدن ديار بكر وخربوط والموصل وبوتان وماردين والسليمانية مطالبين بتوحيد مناطقهم تحت إدارة كوردية من أهالي المنطقة، لدرء ما يشبه الإبادة الجماعية، والتصدي لمعاهدة سايكس–بيكو–سازانوف عام 1916م، التي قُسّمت بموجبها مناطق الأكراد إلى خمسة أقسام.
  7. ثورة السليمانية في السنتين 1918–1919م، وتأسيس مملكة كوردستان في مدينة السليمانية بقيادة الشيخ محمود الحفيد، وسميت «ثورة الشيخ محمود الحفيد الأولى»، وقد قمعتها الحكومة البريطانية بعنف.
  8. ثورة الشيخ سعيد بيران في السنوات 1920–1925م بقيادة جمعية استقلال كوردستان.
  9. ثورة سمكو الشكاكي في السنوات 1921–1924م، التي اندلعت في كوردستان إيران وشملت كوردستان العراق أيضاً، وقد أخمدها رضا شاه بهلوي.
  10. ثورة الشيخ محمود الحفيد الثانية في السنتين 1922–1924م، إذ قاد بعد رجوعه من منفاه ثورة جديدة للمطالبة بالحرية والعدالة، وأعلن تشكيل الحكومة في 1/1/1923م، وكانت السليمانية عاصمة لها.
  11. انتفاضة جبال آرارات في السنوات 1927–1930م بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا، وسميت انتفاضة «آغري داغ»، وقد قمعتها قوات مصطفى كمال أتاتورك.
  12. انتفاضة البارزانيين سنة 1932م بقيادة الشيخ أحمد البارزاني ضد الإنكليز في العراق.
  13. انتفاضة درسيم سنة 1937م بقيادة سيد رضا.
  14. انتفاضة بارزان في السنوات 1943–1945م بقيادة الزعيم الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني.
  15. جمهورية كوردستان في مهاباد في السنتين 1946–1947م برئاسة القاضي محمد.
  16. ثورة كوردستان العراق في السنوات 1961–1975م، ويطلق عليها «ثورة أيلول» لاندلاعها في 11 أيلول 1961م، بقيادة الزعيم الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني. وتعدّ أكبر ثورة في تاريخ الشعب الكوردي المعاصر من حيث السعة والقدرة النضالية والسياسية والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد انتكست الثورة الكوردية بعد تفاهم العراق مع شاه إيران، وتوقيع صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي الاتفاقية المعقودة بينهما في الجزائر في 6 آذار 1975م، التي تنازل صدام بموجبها لشاه إيران عن السيادة العراقية على شط العرب، مقابل أن تتعاون إيران مع العراق للقضاء على الثورة الكوردية في منطقة كوردستان العراق، فحصلت النكسة. علماً بأن الأكراد جزء من الشعب العراقي.
  17. انتفاضة عام 1975 في كوردستان العراق.
  18. انتفاضة الأكراد في منطقة كوردستان العراق في أوائل آذار 1991م، التي أدت إلى تحرير المناطق الكوردية من بطش صدام حسين ونظامه الدموي، وإعلان الفيدرالية للمناطق الكوردية.

وبناءً على ما تقدم، فإن مشكلة الأكراد تعدّ من أصعب مشكلات منطقة الشرق الأوسط وأكثرها وحشية ودموية، وقد اقترفتها القوى الاستعمارية، فرنسا وبريطانيا وروسيا، بعد الحرب العالمية الأولى، بعدم تنفيذ وعودها للأكراد والأرمن بتأسيس الجمهوريتين الأرمنية والكوردية.

إننا نعدّ تقسيم الأكراد إلى خمسة أقسام جريمة فادحة ارتكبتها الدول العظمى، مخالفة لكل القيم الإنسانية والقوانين المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولم نسمع أو نقرأ أن شعباً قُسّم إلى خمسة أقسام بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ونضرب الأمثلة التالية:

قُسّمت ألمانيا إلى ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، وقُسّمت الهند إلى دولتين: باكستان والهند، وقُسّمت كوريا إلى قسمين: كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وقُسّم اليمن إلى دولتين: اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، وقُسّم إقليم كشمير إلى قسمين، أحدهما تابع للهند والآخر لباكستان، وهكذا.

إذن فإن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تقع على فرنسا وبريطانيا وروسيا، التي سببت هذه المصائب والويلات لشعوب المنطقة، وخاصة الشعب الكوردي والشعب الأرمني والشعب الفلسطيني.

لذا فمن واجب القوى العظمى المذكورة أعلاه أن تحل القضايا التي سببتها للشعوب والقوميات نتيجة أطماعها الاقتصادية على حساب شعوب المنطقة، وأن تثبت للعالم المتحضر أنها تسعى إلى إصلاح الأخطاء التي اقترفتها وتعديلها.

وقد أثبتت القيادة الكوردية الحكيمة، بزعامة السيدين مسعود البارزاني وجلال الطالباني، مقدرتها على إدارة شؤون شعبها الكوردي ومصالحه، وحمايته والذود عنه، مدة اثنتي عشرة سنة تقريباً، حتى سقوط النظام في بغداد في التاسع من نيسان 2003.

وبعد تشكيل مجلس الحكم العراقي المؤقت، أدى الأكراد، أعضاءً في مجلس الحكم وفي الحكومة العراقية الانتقالية والحكومات العراقية اللاحقة والحالية، دوراً في حكم العراق مع إخوانهم العرب.

وقد لفتت انتباهنا وانتباه الجميع في العراق والعالم تصريحات السادة مسعود البارزاني وجلال الطالباني والدكتور محمود عثمان ووزير خارجية العراق السيد هوشيار زيباري وغيرهم من القادة والسياسيين الأكراد بأنهم لا يريدون الانفصال في هذه المرحلة، وقد أكدوا ذلك مراراً. وصرّح السيد جلال الطالباني ذات مرة في الفضائية الكوردية بأن عراقية الأكراد أعرق من نهري دجلة والفرات.

أما الدكتور محمود عثمان فقد صرّح في إحدى الفضائيات العربية بأن القيادة الكوردية لا تريد الانفصال عن العراق، إلا أن بعض الإخوة الأكراد يفضلون الانفصال نتيجة المصائب التي حلت بهم.

ومن حقنا نحن الأكراد أن نحلم ونأمل بإنشاء دولة عراقية تقدمية تعددية فيدرالية تحترم كل القوميات والطوائف والأحزاب السياسية، بحيث لا يكون فرق بين عربي وكوردي وتركماني وآشوري وكلداني وصابئي ويزيدي وأرمني إلا بالتقوى والعمل الصالح والمواطنة الصالحة، إن شاء الله.

ومن حقنا نحن الأكراد أيضاً أن نحلم بدولة كوردية مستقلة إذا اتفقت دول الجوار على ذلك، فنحن شعب عريق، لنا حقوقنا وتاريخنا، وعلينا واجباتنا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن للقيادة الكوردية الحكيمة علاقات سياسية حسنة مع الدول العظمى، وقد أثبتت من خلال حكمها في منطقة كوردستان العراق أنها سعت وتسعى إلى تطبيق الحكم الديمقراطي التعددي، وذلك بتأسيس مؤسسات المجتمع المدني، وإعادة إعمار القرى والمدن والأرياف التي دمرها النظام العراقي السابق. والقيادة الكوردية قادرة على إقناع الدول العظمى الصديقة بعقد مؤتمر دولي يحل القضية الكوردية في الدول الخمس المذكورة أعلاه بالطرق السلمية والحوار الديمقراطي والمصالح المشتركة، لإيقاف النزيف الدموي المستمر للشعب الكوردي وبقية الشعوب المضطهدة في المنطقة.

لقد حان الوقت لعرض هذا الاقتراح على الأجلاء من القيادة الكوردية وعلى شعبنا الكوردي العزيز تذكيراً لهم، ولعل الذكرى تنفع المؤمنين، إن شاء الله.

ليس من مصلحة الأكراد في الظرف الراهن الانفصال عن الدول الخمس التي يتوزعون عليها، لأسباب يعرفها الجميع، إلا أنه يمكن حل المشكلة الكوردية بالطرق السلمية على النحو التالي:

  1. عقد اجتماع أو مؤتمر دولي يحضره ممثلو الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة، وممثلون من الصين واليابان، والمستشار الألماني، ورؤساء العراق وسوريا وتركيا وإيران وروسيا.
  2. أن يشرف على الاجتماع الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة.
  3. أن يشارك في هذا الاجتماع وفد رفيع المستوى من الزعماء الأكراد الممثلين للدول الخمس التي يتوزع فيها الأكراد.
  4. أن يُطلب من الدول الخمس المذكورة أعلاه منح الأكراد في كل دولة الاستقلال الذاتي لمنطقتهم، ويطلق عليها: منطقة كوردستان تركيا، ومنطقة كوردستان إيران، ومنطقة كوردستان العراق، ومنطقة كوردستان سوريا، ومنطقة كوردستان روسيا. وعلى هذه الدول تعيين وزراء أكراد في حكوماتها المركزية للمساهمة معاً في إدارة الدولة، ليندمج الأكراد ويشاركوا في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وليشعروا على الأقل بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى، لا كما أطلقت عليهم حكومات تركيا «أتراك الجبل»، وحكومات إيران «الفرس الجبليين».
  5. أن تخصص الحكومة المركزية في كل دولة ميزانية خاصة لمنطقة كوردستان فيها.
  6. تأسيس شرطة وجيش من الأكراد في منطقتهم.
  7. أن تؤسَّس في كل منطقة إدارة لكوردستان، تقوم هذه الإدارة أو القيادة بدورها بتشكيل وزارات أو مديريات حكومية داخل منطقة كوردستان لإدارة شؤون المنطقة (الإقليم).
  8. أن تبقى وزارات الخارجية والدفاع والمالية تابعة للحكومة المركزية في كل بلد.
  9. أن يتمتع الأكراد بكافة حقوقهم مواطنين من الدرجة الأولى في كل دولة، لأن هذا الشعور سيقضي على الحقد والبغضاء، وتعود العلاقات الإنسانية بين الأكراد والشعوب الأخرى.
  10. أن يُثبَّت في قرار الاجتماع ضمان أمن الأكراد وحمايتهم دولياً، أي لا يجوز للحكومة المركزية في أي من هذه الدول الخمس شنّ حرب على منطقة كوردستان لديها، كما فعل النظام العراقي سابقاً.
  11. بناء المشاريع الصناعية والزراعية والعمرانية وتشييدها في كل منطقة، وتوزيع فوائدها وإيراداتها بين منطقة كوردستان والحكومة المركزية.
  12. إعداد برامج سياحية وثقافية في منطقة كوردستان لتوطيد العلاقات الودية بين الحكومة المركزية والشعب الكوردي في كل دولة.
  13. إنشاء إذاعة وتلفزيون وفضائيات في كوردستان كل دولة من الدول الخمس، تبث برامجها بحرية تامة ودون رقابة مركزية.
  14. أن تناقَش في هذا الاجتماع كافة الأمور المتعلقة بحقوق الشعب الكوردي، كالتعليم، ووضع برامج المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعات ومناهجها، وإصدار الكتب الدراسية باللغة الكوردية.
  15. بناء مستشفيات ومستوصفات طبية كافية لكل منطقة كوردية.

وختاماً، نأمل أن يحظى هذا الاقتراح برضا الجميع، وأن يتحقق حلم الأكراد في نيل سيادتهم واستقلالهم بالطرق السلمية، والله ولي التوفيق.