الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
في ضوء مذكرات أينار فيرسن رئيس لجنة عصبة الأمم: الحقائق والأرقام تدحض الادعاءات والمزاعم
من محاضرات «الكورد والقضية الكوردية» – 2023
لم تتمكن بريطانيا وتركيا من التوصل إلى حل لما عُرف بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) خلال المداولات الكثيرة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. كما فشل الطرفان في وضع نهاية لهذه المعضلة أثناء مؤتمر لوزان (1922–1923)، ولم يسفر مؤتمر إسطنبول الذي عُقد للغرض نفسه في 19 مايس 1924 عن نتيجة تذكر في هذا المجال. عند ذلك قرر الطرفان المتنازعان، بموجب المادتين الثانية والثالثة من معاهدة لوزان 1923، رفع الأمر إلى مجلس عصبة الأمم لاتخاذ القرار النهائي بشأن مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق).
وقرر مجلس عصبة الأمم بدوره، في 30 أيلول 1924، تشكيل لجنة تحقيق خاصة بالمشكلة (لجنة تقصي الحقائق)، وإرسالها إلى ولاية الموصل (كوردستان العراق) لمعاينة الوضع على الأرض، وجمع المعلومات الضرورية عن جوانبها الاقتصادية والإثنية، ورفع تقريرها عن نتائج معاينتها وتحقيقاتها إلى المجلس. وجرى الاتفاق على أن يكون التقرير أساساً لقرار مجلس عصبة الأمم بشأن مصير ولاية الموصل (كوردستان العراق). وتم تثبيت أعضاء اللجنة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه 1924، وهم: الدبلوماسي السويدي أينار أف فيرسن (Einar af Wirsén)، ورئيس الوزراء الهنغاري السابق الكونت باول تيليكي (Count Paul Teleki)، والعقيد البلجيكي المتقاعد باوليس (Paulis).
لقد تم اختيار أعضاء اللجنة على أساس كفاءتهم وتجاربهم الكبيرة في مجالات عملهم ونشاطاتهم. فالسيد أينار فيرسن كان متخصصاً في شؤون البلقان، وكتب عن شعوبها وعن سياسات الدول العظمى إزاءها، كما كان على اطلاع واسع بشؤون الدولة العثمانية وشعوبها، فقد كتب عن الآثوريين ونشاط البعثات التبشيرية بينهم بعد أن زار مناطقهم. واشتهر فيما بعد بمذكراته «ذكرياتي من أيام الحرب والسلم» و«من البلقان إلى برلين». وكان حين اختياره لرئاسة اللجنة وزيراً مفوضاً لبلاده في برلين، ورئيساً لبعثاتها في بخارست وأثينا وبلغراد. أما باول تيليكي فقد درس القانون والعلوم السياسية والجغرافيا في جامعة بودابست، حيث شغل فيما بعد كرسي الأستاذية للجغرافيا فيها. كما أصبح منذ عام 1905 عضواً في البرلمان الهنغاري، وعُيّن مستشاراً جغرافياً لوفد بلاده أثناء مؤتمر السلام في باريس 1919، وتسنّم بعد ذلك حقيبة وزارة الخارجية. وشغل منصب رئيس الوزراء لفترتين، الأولى (1920–1921) والثانية (1939–1941). وكان توقيعه معاهدة برلين عام 1939 سبباً في انتحاره عام 1941، وذلك عندما أدرك أن ألمانيا الهتلرية ستجبر بلاده على المشاركة في الهجوم على يوغسلافيا. واشتهر بكتابه باللغة الإنجليزية «تطور هنغاريا وموقعها في التاريخ الأوروبي» (The Evolution of Hungary and Its Place in European History) الصادر عام 1923.
أما العقيد البلجيكي المتقاعد باوليس فقد خدم في الكونغو، وتراكمت لديه خبرة عملية واسعة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المستعمرات وبصيغ التعامل مع سكانها.
وهكذا ضمت لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم أناساً يمتلكون خبرات واسعة في التاريخ والجغرافيا والعلوم العسكرية، فضلاً عن العلوم السياسية والقانون والعلاقات الدولية. وكان تحت إمرتهم نخبة من المستشارين الأكفاء المتخصصين في الدراسات الشرقية والإثنوغرافيا والقانون والجغرافيا والعلاقات الدولية وغيرها، كالإيطالي رودولو (Roddolo) الذي عمل سفيراً لبلاده في أوسلو مدة قصيرة، والكونت بورتاليس (Pourtalès) السويسري، والمستشرق الهولندي كرامرز (Kramers).
وبعد فترة قصيرة من تسمية أعضائها بدأت لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم اجتماعاتها في جنيف، وقامت بجمع ودراسة الخرائط والمصادر التاريخية المتوفرة عن ولاية الموصل ذات الأغلبية الكوردية (كوردستان العراق) وتكويناتها الإثنية والدينية. كما زار أعضاء اللجنة كلاً من لندن وأنقرة، فاستقبلهم في لندن وزير الخارجية البريطاني تشامبرلين (Chamberlain) ووزير المستعمرات أميري (Amery)، واستقبلهم مصطفى كمال أتاتورك والعديد من المسؤولين الأتراك في إسطنبول وأنقرة، وذلك للتعرف على وجهات نظر الطرفين المتنازعين على ولاية الموصل (كوردستان العراق)، أي بريطانيا وتركيا. والغريب في الأمر أن الأطراف المختلفة لم تكن معنية كثيراً بالاستماع إلى سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق) وأغلبيتها الكوردية، ولا بمعرفة رغباتهم.
وبعد إكمال اللقاءات في أنقرة سافر أعضاء اللجنة إلى دمشق، ومنها إلى بغداد، حيث حلّوا ضيوفاً على المندوب السامي البريطاني في بغداد السير هنري دوبس (Henry Dobbs)، والتقوا بالملك فيصل الأول وبعض وزرائه، وغادروا بعد ذلك إلى مدينة الموصل، حيث بدؤوا زياراتهم إلى المدن والقصبات التابعة لولاية الموصل العثمانية السابقة، ولقاء الأعيان والوجهاء فيها. وحاولوا خلال تلك الزيارات واللقاءات الاستماع إلى وجهات نظر الوجهاء والأعيان المحليين، وجمع المعلومات الاقتصادية والإثنية والاجتماعية التي بدت لهم ضرورية لإنهاء مهمتهم.
لست هنا بصدد عرض نشاطات لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم وتقويمها، ولا طرائق عملها وجمعها للمعلومات ولقاءاتها بالسكان في ولاية الموصل، بل وددت الإشارة إلى ما تضمنته مذكرات السويدي أينار فيرسن، مقرر اللجنة (ويشار إليه في العادة بوصفه رئيساً للجنة)، من أرقام ومعطيات إحصائية عن التركيب الإثني لسكان ولاية الموصل (كوردستان العراق). ولا تخرج هذه الأرقام والمعطيات عن إطار التخمينات القائمة على أساس المعلومات التي جمعتها اللجنة خلال جولاتها المختلفة في المنطقة، فضلاً عن الأرقام والمعطيات الإحصائية التي قدمتها الأطراف المختلفة إلى اللجنة، وكذلك المعلومات المتوفرة في كتابات الرحالة الذين زاروا المنطقة والمستشرقين المهتمين بها. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن النقص يشوب هذه الأرقام جميعها، فقد كانت الدولة العثمانية أقرب إلى نمط كيانات العصور الوسطى منها إلى الدول الحديثة المعاصرة لها، وكان اهتمامها بالإحصاء والتخمين يقتصر على جمع الإتاوات والمجندين، لذلك كان الناس يتهربون من هذه العمليات، وتلجأ الدولة إلى التخمين والتقدير اللذين لا يمكن التعويل على نتائجهما كثيراً. ولعل من أكثر الأمثلة إثارة للسخرية في هذا المجال إشارة الأرقام التركية المقدمة إلى لجنة عصبة الأمم بشأن مشكلة ولاية الموصل إلى وجود (32960) تركياً في لواء السليمانية، الذي لم تتجاوز نسبة الأتراك فيه الصفر على مر التاريخ أبداً.
أشير إلى هذا الموضوع لأن هناك من يردد هذه الأيام أرقاماً فلكية عن عدد أبناء هذه الأقلية (الأتراك) أو تلك الفئة، لا يجمعها جامع مع المنطق والحقائق العلمية، ودون الاستناد إلى أية مصادر أو معطيات إحصائية رسمية، وهي متوفرة ويمكن للجميع الاستعانة بها والعودة إليها. وقد تخطى عدد من الكتّاب الهواة على صفحات الإنترنت كل الحدود المعقولة في هذا المجال، تدعمهم في ذلك فئة من الكتبة الشوفينيين الذين لا يهمهم من الأمر سوى زرع بذور الفتنة والفرقة بين أبناء المنطقة الواحدة لأهداف معروفة.
ويمكن الجزم بأن هذه المواقف لا علاقة لها بدعم حقوق هذه الفئة أو تلك، إذ لا يعقل أن يؤمن شخص بحقوق أقلية قومية ويقف ضد التطلعات القومية المشروعة لقومية أخرى.
يجب أن نؤمن بمبدأ إنساني بسيط، وهو أن الحقوق القومية والسياسية والثقافية والدينية والمذهبية للقوميات والجماعات يجب أن تكون حقاً للجميع، وأن يتمتعوا بحقوقهم الكاملة، مهما كانت أعدادهم ونسبهم وقِدمهم التاريخي، في العراق وفي غير العراق. ويجب أن يكون التركيز على هذا المبدأ، بدل الانشغال بالنسب والأرقام الفلكية، والبحث في بطون التاريخ عن أخبار وحكايات تدعم وجهة النظر هذه أو تلك. ومن المؤمل أن يجري في نهاية الأمر إحصاء نزيه، لكي يتمكن الجميع من التعبير دون خوف ووجل عن انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية الحقيقية التي حُرموا من التعبير عنها لعقود طويلة، وستعرف عند ذاك كل فئة عدد الأفراد الذين يشاركونها الدين أو المذهب أو اللغة أو القومية.
إن المعلومات التي نوردها هنا تضمنتها مذكرات أينار فيرسن، مقرر لجنة التحقيق الخاصة بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) التي شكلتها عصبة الأمم، وهي مذكرات باللغة السويدية تحمل عنوان «من البلقان إلى برلين»، نشرها عام 1943 في ستوكهولم في 340 صفحة. وقد خصص أينار فيرسن أربعة فصول من مذكراته هذه للحديث عن مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وعن ذكرياته وتدقيقاته أثناء عمله مقرراً للجنة تقصي الحقائق، وغطت الصفحات (107–163). وحملت الفصول عناوين: «تشكيل لجنة ولاية الموصل (كوردستان العراق)»، و«دخول مدينة الموصل»، و«التحقيقات في ولاية الموصل والأيزيدية»، و«جنيف».
تتضمن مذكرات أينار فيرسن معلومات غزيرة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في ولاية الموصل (كوردستان العراق) بُعيد الحرب العالمية الأولى، وعن أسباب الصراع على السيطرة عليها، وغير ذلك من الجوانب المهمة. والغريب أن هذه المذكرات لم تنل اهتمام الباحثين، ولم تُترجم إلا أخيراً.
وتكتسب تخمينات أينار فيرسن مصداقية أكبر إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه نشرها بعد تقاعده عن العمل، بل بعد زوال عصبة الأمم، ومرور عقدين من الزمن تقريباً على انتهاء مشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)؛ أي إنه كان في حلّ من التزامات العمل والوظيفة الرسمية التي تفرض على الإنسان إخفاء بعض القضايا المهمة والحساسة، أو السكوت عنها لعدم إثارة الآخرين.
كما أن مرور نحو عقدين من الزمن على وضع نهاية لمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وتطور العلاقات السياسية بين تركيا والعراق إلى مستوى التحالف في إطار الحلف الغربي ومحاربة الحركة القومية الكوردية، واختفاء عصبة الأمم من المسرح العالمي، تفرض علينا أن نعتقد أنه لم يكن من مصلحته، ولا من مصلحة أي من الأطراف الدولية، أن يتلاعب بالحقائق التاريخية والمعطيات الإحصائية. ولم تُستخدم المعلومات والبيانات الواردة في مذكرات أينار فيرسن هذه، على حد علمي، حتى الآن في الدراسات الخاصة بمشكلة ولاية الموصل والقضية الكوردية.
يشير أينار فيرسن في الصفحتين 159 و160 من مذكراته إلى التركيب القومي لسكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وهو ما سنركز عليه في هذا الموضوع. فقد بلغ عدد الكورد برأيه في لواء السليمانية (190.000) شخص، والعرب (75)، وكان هناك (1550) يهودياً أيضاً. أما بصدد لواء كركوك فقد أورد الأرقام التالية: الكورد أكثر من (46.000) شخص، والعرب حوالي (37.000)، أما التركمان فقد بلغ عددهم برأيه حوالي (56.000)، والمسيحيون حوالي (2500). وفي لواء أربيل كان يعيش أكثر من (170.000) كوردي، و(12.000) عربي، وأقل من (3000) تركماني، و(4000) مسيحي، وأقل من (3000) يهودي. أما في لواء الموصل فقد كان التركيب الإثني والديني والمذهبي للسكان، برأيه، أكثر تعقيداً وتشابكاً من المناطق الأخرى؛ إذ كان يسكن اللواء حوالي (120.000) من العرب، عاش منهم (74.000) في المدينة، كما كان هناك (56.000) من الكورد، بمن فيهم الكورد الأيزيديون، وحوالي (10.000) من التركمان، و(55.000) من المسيحيين، كان يعيش منهم (19.000) في المدينة، فضلاً عن (80.000) من اليهود، عاش نصفهم تقريباً في مدينة الموصل.
هذه هي الأرقام التي يوردها أينار فيرسن في مذكراته عن سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ويمكن تلخيص ما يُستنتج من هذه الأرقام والمعطيات فيما يلي:
- إن الكورد شكلوا أكثر من خمسة أثمان سكان ولاية الموصل، وسترتفع النسبة حتماً إلى أكثر من ستة أثمان إذا ما أضفنا إليهم أفراد القبائل الكوردية الرحّل المتهربة من دفع الضرائب وبعث المجندين إلى الخدمة في الجيش العثماني. وقد قدّر العديد من المستشرقين والمهتمين بالشؤون الكوردية والعراقية عدد أبناء تلك القبائل الكوردية في تلك الفترة بحوالي (170000) شخص.
- في الوقت الذي قدمت فيه الأطراف المختلفة أرقاماً رفعت من نسبة العرب في ولاية الموصل (كوردستان العراق) (من جانب الحكومتين البريطانية والعراقية مثلاً)، أو من نسبة التركمان (من جانب الحكومة التركية)، أو من نسبة المسيحيين (من جانب بريطانيا وحتى بعض أعضاء لجنة تقصي الحقائق)، لم يكن من مصلحة أي طرف رفع نسبة السكان الكورد، بل لجأت الأطراف كلها، كما يحدث في أيامنا هذه، إلى التقليل من نسبة الكورد.
- شكّل اليهود الفئة الثالثة في ولاية الموصل (كوردستان العراق) بعد الكورد والعرب، إذ بلغ عددهم (84550) شخصاً، وجاء بعدهم المسيحيون بطوائفهم المختلفة (61500)، بينما شكّل التركمان المجموعة الخامسة، وبلغ عددهم الكلي في ولاية الموصل (كوردستان العراق) وفق أرقام أينار فيرسن (39000) شخص فقط. فقد خلت السليمانية كلياً من التركمان، رغم الأرقام المثيرة للسخرية التي قدمها الجانب التركي وأشرنا إليها أعلاه. وفي لواء أربيل كانت نسبة التركمان واحداً ونصفاً بالمئة من السكان، بينما شكّل التركمان حوالي خُمس السكان في كركوك، وهي نسبة تطابقت إلى حد كبير مع نتائج إحصاء عام 1957؛ وللتذكير فقط نقول إن نسبة الذين عدّوا اللغة التركمانية لغتهم الأم بلغت 21% من مجموع سكان لواء كركوك بموجب ذلك الإحصاء.
وهكذا، وحسب الأرقام التي يوردها أينار فيرسن، شكّل التركمان نسبة 6% فقط من سكان ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وكان عدد الكورد يفوق عدد التركمان في الولاية بحوالي اثنتي عشرة مرة. لقد أعطى الجانب التركي أعلى الأرقام عن عدد التركمان في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، وكان (146.920) شخصاً، وهو أمر لم يصدقه حتى الأتراك أنفسهم، إذ عادوا وقدموا رقماً آخر هو (126.210). يبدو أنهم حذفوا عشرين ألفاً من تركمان السليمانية!
وبعد هجرة اليهود من العراق في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات أصبح المسيحيون يأتون في المرتبة الثالثة بعد العرب والكورد، وبخاصة إذا أضفنا إلى أعدادهم في ولاية الموصل (كوردستان العراق) أولئك الذين يعيشون في بغداد والمناطق الأخرى من العراق. ورغم هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين من العراق خلال العقود الماضية، يُعتقد أنهم لا يزالون يشكلون الفئة السكانية الثالثة بعد العرب والكورد. ومعروف أن التركمان تركزوا أصلاً في ولاية الموصل (كوردستان العراق) السابقة، وهاجر عدد كبير منهم خلال العقود الأخيرة إلى مدينة كركوك والعاصمة بغداد. لذلك أعتقد أن الزعم بأن التركمان يشكلون القومية الثالثة في العراق لا يستند إلى أسس راسخة، ولا تدعمه الحقائق والوقائع.
- بعكس ما يثار من ضجيج عن تعقيدات التنوع الإثني والديني في كركوك، لأسباب لا تخفى على اللبيب، فإن محافظة الموصل تعدّ أكثر تعقيداً وتشابكاً. ففي مدينة الموصل يعيش من الناحية القومية العرب والكورد والتركمان والكلدان والآثوريون والأرمن، أما من الناحية الدينية والمذهبية فيعيش هناك المسلمون السنة والشيعة، والمسيحيون من الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت والكنائس الشرقية المختلفة، فضلاً عن الأيزيديين والشبك (الكورد) وغيرهم. لماذا إذن هذا الصراخ في الصحافة ووسائل الإعلام العربية والتركية وغيرها حول كركوك، ولا يثير كل هذا التنوع الإثني والديني والمذهبي في الموصل القدر نفسه من الفضول؟! هل نشم رائحة كوبونات أم آبار النفط من وراء هذه الضجة المفتعلة، أم ماذا؟
- تختلف الأرقام الواردة في مذكرات أينار فيرسن عن الأرقام التي قدمتها الأطراف المختلفة، والتي تضمنها تقرير اللجنة إلى مجلس عصبة الأمم، وكان هو مقرراً لها.
وتبدو بيانات أينار فيرسن قريبة إلى حد ما من التقديرات التي قدمها الجانب البريطاني، ومع ذلك يبدو أنه لم يقتنع كلياً بتلك الأرقام التي قُدمت إلى مجلس عصبة الأمم، وإلا لكان التزم بها أو بإحداها وأعاد نشرها في مذكراته هذه. وقد ظهر هذا الموقف المتشكك بوضوح في التقرير المقدم إلى عصبة الأمم؛ ففي الوقت الذي كانت الأطراف المتصارعة على ولاية الموصل (كوردستان العراق) تطعن في تقديرات بعضها وحججه، كانت البعثة تشكك في دقة البيانات المقدمة من جميع الأطراف ومصداقيتها، إذ جاء في تقريرها المقدم إلى مجلس عصبة الأمم أنها «وجدت أن البيانات المقدمة من الأتراك، وكذلك المقدمة من الإنجليز، بل حتى بيانات الحكومة العراقية، غير دقيقة، وأن الحجج التي استندت إلى تلك الأرقام مشكوك فيها. فبينما تبالغ الحكومة التركية في عدد التركمان في ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فإن الحكومة البريطانية ترى أنهم لا يشكلون سوى 8% من سكان الولاية، في حين تقل نسبتهم في البيانات العراقية عن 5% من مجموع سكانها. وكذلك كان التباين كبيراً فيما يتعلق بنسبة العرب، التي تراوحت بين أقل من 9% في ضوء البيانات التركية، ونحو 24% في البيانات البريطانية، ونحو 21% في تقديرات الحكومة العراقية. بينما كان التباين أقل في التقديرات الخاصة بكورد ولاية الموصل (كوردستان العراق)، فقد كانت نسبتهم 56% من مجموع سكان الولاية وفق التقديرات التركية، و65% حسب البيانات العراقية، و58% حسب التقديرات البريطانية».
وتشكل بيانات أينار فيرسن مصدراً آخر من مصادر دراساتنا لمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق)، ولإلقاء الأضواء بصورة أوضح على التركيب الإثني للسكان آنذاك، الذي تعرض على مدى العقود الثمانية الماضية لتغييرات دراماتيكية كبيرة بفعل عوامل طبيعية وأخرى قسرية.
وقد نشر الأستاذ جرجيس فتح الله الفصل الخاص بمشكلة ولاية الموصل (كوردستان العراق) من مذكرات أينار فيرسن ضمن كتابه «يقظة الكورد» المطبوع في أربيل عام 2002، ولكنه أشار، سهواً كما يبدو، إلى أن هذا الفصل مقتبس من كتاب أينار فيرسن المعنون «ذكريات من الحرب والسلم».