الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

قراءة في تقرير ممثل الأمم المتحدة حول المادة (140) وجغرافية محافظة ديالى نموذجاً

من محاضرات «المادة (140) الدستورية»

يمثّل المحور الحدودي بين ديالى وبغداد أهميةً خاصة بالنسبة إلى العراق، ولا سيما من الناحيتين الجيوستراتيجية والعسكرية؛ إذ تقترب الحدود العراقية - الإيرانية في محافظة ديالى كثيراً من العاصمة العراقية بغداد. وتتميز المحافظة كذلك بأهميتها الاقتصادية، فهي تقوم على بحيرة من النفط تتجاوز في امتدادها الحدودَ العراقية إلى الجانب الإيراني، كما يمر عبرها طريق «خراسان» التاريخي الذي يصل بين بغداد وطهران.(1)

ومن الملاحظ أن المنطقة الحدودية بين خانقين ومندلي وبدرة كانت قد تحولت إلى الأراضي العراقية ضمن معاهدات عُقدت بين الطرفين العراقي والإيراني، ومن بينها معاهدة زهاو/أرضروم الأولى سنة 1639، وبروتوكولات الآستانة لتثبيت الحدود لسنة 1913(2).

ولعل أبرز ما خلّفته عمليات تخطيط الحدود هو تقسيم أرض كوردستان هذه، وهي تجزئة طالت الأرض والسكان معاً، بحيث فُصلت العشيرة الكوردية الواحدة، بل العائلة الكوردية الواحدة، بين العراق (العرب) وإيران (الفرس). ومع ذلك، لم يمنع هذا التقسيم استمرار العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين السكان الكورد على طرفي الحدود (العراق وإيران) حتى عهد قريب. وفي هذا الصدد أشار المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني(3) إلى أن «علاقات سكان هذه المناطق الكوردية من كوردستان مع نظرائهم الكورد في الجانب الآخر من الحدود (العراقية - الإيرانية) كانت أقوى من سكان وادي نهر دجلة في العراق العربي»، ومثل ذلك جاء في دراسة السيدين محمد هادي الدفتر وعبد الله حسن(4). ومن هنا أكد عباس العزاوي في كتابه «العراق بين احتلالين» «أنه لا وعورة الأرض والجبال المنيعة، ولا حرس الحدود (العراقية والإيرانية)، كانا باستطاعتهما وقف مثل تلك الحركات»(5)، أي حركات التواصل بين كورد الجانبين الإيراني والعراقي.

وفي ضوء تلك الأهمية، وبسبب العلاقات المتوترة بين الدولتين العراقية والإيرانية، سعت الحكومات العراقية جميعها، ومنذ بدايات تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921، إلى إعادة التكوين الديموغرافي لسكان المنطقة الكوردية (كوردستان) بدعوى تحقيق «الأمن القومي» للبلاد (العراق)، ومن مؤشرات ذلك:

أ- تشريع قانون الجنسية العراقية سنة 1925، الذي صنّف المجتمع العراقي (بجميع مكوناته) إلى تبعية عثمانية وأخرى إيرانية (فارسية)، فكان فرصةً لحملات التسفير (التهجير القسري) السيئة الصيت التي طالت آلاف العوائل الكوردية من سكان المنطقة الكوردية وسواها، وذلك على امتداد القرن الماضي منذ تشكيل الدولة العراقية سنة 1921. وقد ازدادت هذه الحملات في النصف الثاني منه، ولا سيما على إثر زيادة التوتر بين الدولتين العراقية والإيرانية، وخلال الأعوام 1980-1988.

ب- حملات التهجير والترحيل القسري للكورد التي شملت كافة الوحدات الإدارية في أقضية كفري وخانقين ومندلي، ولا سيما بعد سنة 1975. وقد أعدّت السلطات العراقية لهؤلاء المرحَّلين «مجمعات» سكن قسرية بالقرب من المدن الكبيرة، لتتمكن الحكومة العراقية ونظام حزب البعث السابق من مراقبتهم المستمرة والسيطرة عليهم، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم ومنطقة سكناهم الكوردية في كوردستان، أرض آبائهم وأجدادهم منذ القدم، بغية فك الارتباط بينهم وبين الأرض. فيما تم ترحيل كورد آخرين من المناطق الكوردية إلى محافظات وسط العراق وجنوبه (العربية).

ج- توطين العشائر والأسر العربية في أراضي الكورد المهجَّرين قسراً ومساكنهم: فقد شهدت أقضية كفري وخانقين ومندلي عمليات توطين للعشائر العربية، ولا سيما في ظل المشاريع الإروائية التي أقامتها السلطات العراقية لهم، مثل مشروع ري صدام، وري مندلي، وقناة بلاجو.

بالإضافة إلى عمليات نقل الموظفين والعمال العرب وأفراد الشرطة والأمن والقوات المسلحة إليها (المناطق الكوردية في كوردستان العراق)، الأمر الذي نتج عنه انخفاض مستمر للسكان الكورد في مناطقهم الكوردية، فيما أخذت نسب السكان العرب بالارتفاع في المناطق الكوردية الاستراتيجية، كما يبيّن الجدول الآتي:

جدول (1): نسب الكورد في المناطق الكوردية في المدة بين (1947-1977)(6)

المنطقة 1947 (%) 1957 (%) 1965 (%) 1977 (%)
قضاء خانقين 80.0 58.4 54.3 27.3
قضاء كفري 57.7 53.7 46.2 51.5
قضاء مندلي 50.0 20.0 29.7 1.0
محافظة ديالى 27.0 18.2 15.0 10.7

أما نسب السكان العرب فقد ارتفعت في محافظة ديالى من 79% إلى 88% خلال المدة بين سنتي 1957 و1977، وفي قضاء خانقين من 38% إلى 68% بين سنتي 1965 و1977. وفي قضاء مندلي كانت الزيادة في نسبة العرب عالية جداً، إذ ارتفعت من 66% إلى 98%، وفي قضاء كفري وصلت إلى 42%، وذلك في إحصاء سنة 1977. علماً بأن هذه الأرقام مستقاة من نتائج تعدادات سكان العراق الرسمية، وهي تعكس الآثار التي خلّفتها سياسة التعريب على التكوين القومي الكوردي لسكان المنطقة الكوردية في كوردستان العراق، مما يقتضي دراستها تباعاً.

قضاء كفري

قضاء كفري: وهو من الأقضية الأساسية التي تشكّل منها لواء كركوك (محافظة كركوك)، وكان يضم نواحي: قره تبه، وشيروانة، وطوز، إضافة إلى ناحية المركز. وعلى الرغم من الآثار التي تركتها سياسة التعريب في القضاء، فإن جميع تعدادات سكان العراق تشير إلى أن غالبية سكانه من الكورد، بل على مستوى النواحي أيضاً باستثناء ناحية قره تبه (انظر الجدول الآتي). وقد أكد «أدمونز» في تقريره للحكومة البريطانية سنة 1956 أن نسبة الكورد في قضاء كفري لا تقل عن 70%.

جدول (2): نسبة السكان الكورد في قضاء كفري (1947-1957)(7)

الناحية 1947 (%) 1957 (%)
مركز القضاء 70 60
ناحية بيباز 100 100
ناحية شيروانة 95 90
ناحية قره تبه 15 10
مجموع القضاء 57.7 53.7

لقد تعرّض سكان قضاء كفري، ولا سيما في القطاع الريفي، إلى حملات تهجير وترحيل قسري للكورد، وكذلك إلى حرق القرى والتجمعات السكنية الكوردية وتدميرها، وقد تجاوز عددها 80 قرية بين سنتي 1976 و1988(8). فيما تم توطين الآلاف من أبناء العشائر العربية محلَّ الكورد الذين تم ترحيلهم وتهجيرهم قسراً من أرضهم وأوطانهم، فارتفعت بذلك نسبة العرب في مركز القضاء من 8.7% إلى 11.2% بين سنتي 1965 و1977، وفي ناحية قره تبه ارتفعت نسبة العرب من 63.8% إلى نحو 83% خلال المدة نفسها.

أما ما جاء في أحد تقارير الأمم المتحدة من أن مدينة كفري «تركمانية» (ص4 من التقرير المذكور)، فهو بعيد عن الحقيقة؛ إذ تشهد نتائج تعدادات سكان العراق جميعها بأن نسبة الكورد كانت ولا تزال هي الغالبة في قضاء كفري، وقد أكد ذلك تعداد سنة 1977 الذي بلغت نسبة الكورد في ضوء نتائجه 70% من مجموع سكان قضاء كفري، كما ذكرنا.

قضاء خانقين

قضاء خانقين: ومثلما زعم التقرير تركمانية كفري، ادّعى ذلك أيضاً بالنسبة إلى مدينة خانقين (ص3 من التقرير)، وأن إحصاء سنة 1957 يؤكد ذلك، لغاياتٍ معروفة؛ مما يلقي ظلالاً كثيفة على الأسس التي قام عليها التقرير وعلى المحاورين الذين اعتمدهم. فالوثائق والمصادر، والبيانات والنتائج المدرجة في الإحصاءات والتقارير جميعاً، لا تدل بأي حال من الأحوال على أن مدينة خانقين تركمانية، وإنما هي كوردية.

وقد سبقت الإشارة إلى أن نتائج تعداد السكان لسنة 1947 أوضحت أن نسبة الكورد في قضاء خانقين تجاوزت 80%، وفي تعداد سنة 1977 لم تتجاوز نسبة التركمان في مركز القضاء 6% فقط! وجاءت هذه النسبة مطابقة لدراسة علمية ميدانية جرت سنة 1972، بلغت فيها نسب سكان مدينة خانقين: 91% للكورد، و6% للتركمان، و3% للعرب(9).

لقد جعل الموقعُ الجغرافي لمدينة خانقين الكوردية، وما تتميز به من أهمية على مستوى السَّوق العسكري والناحية الاقتصادية، منها هدفاً استراتيجياً للحكومات العراقية المتعاقبة في عمليات التعريب بكل الوسائل، بل كانت على امتداد القرن الماضي «مِحراراً» لقياس نمط العلاقات بين البلدين الجارين العراق وإيران من جهة، وبين الحكومات العراقية والكورد في كوردستان العراق من جهة أخرى. ومن بين الكثير من الوثائق التي تم العثور عليها بعد سقوط النظام السابق سنة 2003 مجموعةٌ تحثّ المسؤولين المحليين في مدينة خانقين وقضائها (من الحزبيين البعثيين والموظفين الرسميين) على ترقيق الوجود الكوردي في المنطقة، من بينها وثيقة برقم (25/363) في 24 آذار 1999، تقضي بضرورة تقليل نسبة الكورد في خانقين إلى 20% (انظر المرفق).

ويضم قضاء خانقين الكوردي أربع نواحٍ إضافة إلى ناحية المركز، هي: ميدان، وقورة تو، والسعدية، وجلولاء. وإذا تجاوزنا الناحيتين الأولى والثانية لكونهما خارج المنطقة الكوردية المتنازع عليها، فإن ناحية السعدية الكوردية تُعدّ إحدى أقدم التشكيلات الإدارية في القضاء، وكانت تسمى بـ«خسرو آباد» قبل أن تتحول إلى «قزلرباط»، ثم تُعرَّب إلى «السعدية».

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن غالبية سكان ناحية السعدية (خسرو آباد/قزلرباط) هم من الكورد أصلاً، قبل أن تتعرض إلى تداعيات سياسة التعريب من قبل الحكومات العراقية المتتالية. ففي دراسة المرحوم محمد أمين زكي(10) أن في قصبة «قزلرباط» (السعدية) حيَّين: أحدهما باسم «جولك» ويسكنه الكورد، والآخر «خالدي» ويضم الكورد والتركمان الذين استوطنوها في العهد العثماني. وأشار عبد الرزاق الحسني(11) إلى «أن سكانها يتكلمون الكوردية في أغلب الأوقات، شأنها شأن سكان مدينة خانقين الكوردية».

أما المستر ريج(12) فيقول: «إن سكان القصبة (السعدية/قزلرباط) يتكلمون الكوردية والتركية والفارسية، أما العربية فلا». وجاء في دراسة المستر ريج أيضاً(13) أنه بعد اجتيازه مرتفعات (جبال) حمرين لاحظ في سهل «الدشته» الممتد من تلك المرتفعات باتجاه قصبة السعدية انتشار أكواخ (بيوت) السورميرية والزركوش الكورد، وهما من قبائل الكلهور الكوردية، بالإضافة إلى عشائر كوردية أخرى مثل الدلو، وقره ويس، والجاف. علماً بأن عشائر الزركوش الكوردية المذكورة كانت تمثل 30% من مجموع سكان العشائر المتوطنة في ناحية السعدية، في ضوء نتائج تعدادَي السكان لسنتي 1947 و1957.

وفي دراسة لأحمد فوزي أن نسبة الكورد في ناحية السعدية بلغت 50% من مجموع السكان سنة 1947، فيما لم تتجاوز 20% سنة 1957، ونحو 5% فقط في ضوء نتائج تعداد 1977، مما يعكس بوضوح نتائج سياسة التعريب التي مارستها الحكومات العراقية المتتالية في المنطقة الكوردية، والتي أدت إلى تحجيم السكان الكورد فيها وتقليلهم.

أما جلولاء الكوردية فقد كانت قرية تابعة لناحية السعدية حتى سنة 1958، ثم أصبحت مركزاً لناحية باسمها. وقد جعلها موقعها الاستراتيجي القريب من الحدود العراقية - الإيرانية، وكونها البوابة لإقليم كوردستان العراق، هدفاً لتكثيف عمليات ترحيل الكورد وتهجيرهم قسراً منها، وتوطين العرب في القرى الكوردية وبناء المستوطنات العربية فيها، الأمر الذي أدى إلى ترقيق الوجود الكوردي فيها وتقليله. فبينما ورد في تقرير «أدمونز» أن نسبة الكورد في منطقة السعدية - جلولاء بلغت 50% من مجموع سكانها، كشفت نتائج إحصاء السكان لسنة 1977 عن انخفاض كبير في تلك النسبة، بحيث لم تتجاوز 20% مقابل 77% للسكان العرب في جلولاء الكوردية.

ومن الملاحظ أن «تقرير الأمم المتحدة» يعترف بجلاء بعمليات التهجير والترحيل القسري للكورد التي تعرضت لها ناحيتا السعدية وجلولاء الكورديتان، ولا سيما بعد إنشاء سد حمرين جنوب قصبة السعدية (ص12 من التقرير)، وبقيام الحكومة العراقية السابقة بتوطين العشائر العربية من وسط العراق وجنوبه لتحل محل الكورد (ص23 من التقرير). وورد في الصفحة نفسها أنه تم ترحيل وتهجير 90% من الموظفين الكورد في ناحية جلولاء قسراً إلى وسط العراق وجنوبه (العراق العربي)، واستُبدل بالموظفين الكورد موظفون عرب، وكذلك استُبدل بالضباط الكورد ضباطٌ عرب. وأشار التقرير إلى قرار مجلس قيادة الثورة في الحكومة العراقية المرقم (1496) لسنة 1981، السيئ الصيت، الذي أمر بترحيل جميع العائلات الكوردية من مدينة جلولاء وما حولها.

ومن الغريب أن يعمد تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى إثارة المسألة الطائفية! إذ ورد في ص31 من التقرير أن مدينة خانقين الكوردية «ستكون المدينة الشيعية الوحيدة في كوردستان حال انضمامها إلى الإقليم»! ومع أن الشيعة لا يمثلون غالبية سكان المدينة، فإن المسألة الطائفية لم تكن يوماً من الأيام عائقاً في العلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية، بل وحتى السياسية، للسكان في خانقين، أو بينهم وبين بقية سكان إقليم كوردستان، ولم نسمع بمشكلة أو حادث وقع لسبب طائفي! بل إن المشاركة الجماعية في الأعياد والمناسبات الدينية تبرهن على وحدة أبناء خانقين، ومساهمتهم جميعاً في مثل تلك المناسبات. كما أن حملات التسفير والتهجير القسري للكورد التي تعرض لها سكان خانقين لم تفرق بين طائفة وأخرى، أو بين مسلم وآخر. فأين هي إذن مخاوف «المجتمع الشيعي» كما يزعم تقرير بعثة الأمم المتحدة؟

ناحية مندلي

ناحية مندلي الكوردية: كانت مدينة مندلي الكوردية، في ضوء الدراسات التاريخية، جزءاً من الإمارات الكوردية: الحسنوية، والعيارية، والجاوانية، والبابانية(14). وجاء في كتاب «لونكريك»: «أن بلدروز، التي تقع على محطة نصف الطريق إلى مندلي، حيث يتخلّى (يبتعد) العرب فيها إلى اللور الكورد»(15). وأكد «مردوخي» أن مندلي من البلدان الكوردية، وكان سكانها يتكلمون الكوردية فقط(16)، وذلك قبل أن تزحف إليها العشائر العربية من الغرب والجنوب الغربي. وورد في «قاموس الأعلام» التركي (1891) أن الكورد يمثلون نصف سكان مدينة مندلي الكوردية(17)، وكانت المدينة تضم ثلاثة أحياء: أحدها كوردي بأكمله، والثاني تسكنه الكاكائية، وهي طائفة كوردية يتكلم أبناؤها الكوردية وقليلاً من الفارسية(18). وفي دراسة للمؤرخ عبد الرزاق الحسني أن سكان مندلي الكوردية يتخاطبون بالكوردية، وقلةٌ آخرون بالفارسية أو التركية، وقد يتفاهمون باللغة العربية ولكن برطانة شديدة(19).

لقد أورد المؤرخ الروزبياني معلومات مستقاة من وثيقة رسمية تشير إلى أن أهالي محلتي «قلعة بالي» و«جميل بك» يتكلمون اللغة الكوردية، وكذلك أبناء محلة «قلم حاجي» الكاكائية الكوردية، أما محلتا «بوياقي» و«السوق الكبير» فيتكلم أهلهما الكوردية والتركية والعربية، بينما يتكلم سكان محلة «النقيب» العربية والتركية (انظر الجدول أدناه)(20).

جدول (3): محلات (أحياء) مدينة مندلي بحسب اللغة (1947)

اسم المحلة الاسم الجديد عدد السكان اللغة والقومية
النقيب العروبة 808 خليط من التركمان والعرب
جميل بك البعث 3117 كورد يتكلمون اللورية (الكوردية)
قلعة بالي 14 رمضان 2079 كورد يتكلمون الكلهورية (الكوردية)
بوياقي الحرية 2018 خليط من الكورد والتركمان والعرب
السوق الكبير 17 تموز 1032 خليط من الكورد والتركمان والعرب
قلم حاجي 7 نيسان 694 كورد كاكائيون يتكلمون الكورانية (الكوردية)

ومن الجدول أعلاه يمكن القول إن 70% من سكان مدينة مندلي الكوردية يتكلمون الكوردية بلهجاتها: اللورية، والكلهورية، والكورانية، فيما يتحدث الآخرون بالعربية والتركية. بيد أن حملات التسفير والتهجير القسري من قبل الحكومات العراقية المتتالية التي طالت المنطقة الكوردية، ولا سيما في أثناء تصاعد الأزمات بين العراق والدولة الإيرانية، أو بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية في كوردستان، أدت إلى تغيّر شامل في التكوين القومي للسكان لصالح العرب. فعشائر «قره ولوس» الكوردية، التي كانت تنتشر بين مدينتي خانقين ومندلي الكورديتين، تم تهجيرها قسراً عن بكرة أبيها! وأسكنت الحكومة العراقية (وحزب البعث) السابقة محلَّها العربَ القادمين من وسط العراق العربي وجنوبه. كما تمتد القرى الكوردية جنوب مدينة مندلي، وأبرزها «دوشيخ» و«دور» الكورديتان، فيما يتجمع الكورد والتركمان في قصبة قزانية.

ومن بين العشائر العربية التي وطّنتها الحكومة (وحزب البعث) السابقة في مندلي الكوردية وأطرافها(21):

1- البوجواري، القادمة من سامراء وما حولها.

2- الساعدة، القادمة من محافظة ميسان.

3- الدهلكية، وكانت تتنقل بين سامراء وبلد.

4- الندا، وكانت تسكن تكريت وسامراء وبلد.

بالإضافة إلى الردينية والدلفية وغيرهما.

إلى جانب ذلك، تسبّب تصاعد أزمات المياه بين العراق وإيران في هجرة الآلاف من سكان مدينة مندلي والقرى المحيطة بها (ولا سيما الكورد)، دون أن تقوم الدولة العراقية بوضع حل لمشكلاتهم، بعد أن يبست بساتينهم ومزارعهم، وهلكت حيواناتهم. ففي أطروحة للدكتوراه أشار «زينل» إلى أن عدد النازحين بسبب أزمة المياه هذه بلغ 19810 نسمة بين سنتي 1957 و1965، و10710 نسمة بين سنتي 1965 و1970(22)، مما كان له أثره في انخفاض حجم سكان المنطقة، ولا سيما الكورد منهم.

ومع أن تقرير الأمم المتحدة أشار إلى معاناة سكان ناحية مندلي الكوردية نتيجة سياسة التمييز القومي وتهجير الكورد وترحيلهم قسراً منها، سواء من خلال مصادرة ممتلكاتهم، أو الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان، أو عبر هدم القرى والبيوت الكوردية وتهجير أهلها قسراً، بهدف إقامة حزام أمني على طول الحدود العراقية - الإيرانية، فإنه أهمل معاناة السكان الكورد جراء أزمات المياه والتهجير القسري لهم من أراضيهم وبيوتهم، وما عكسته من آثار على اتجاه حجم السكان في مندلي خلال النصف الأول من القرن الماضي.

وفي ضوء ما سبق، أخذت نسب الكورد في ناحية مندلي الكوردية تميل إلى الانخفاض لصالح السكان العرب القادمين، الذين أخذت الحكومات العراقية السابقة تشجعهم على الاستقرار فيها، من خلال توزيع الأراضي العائدة للكورد عليهم، وإقامة المشاريع لهم، ومن أهمها مشروع ري مندلي، وبناء القرى والمجمعات السكنية للعرب الوافدين إليها من وسط العراق العربي وجنوبه.

ففي دراسة لأحمد فوزي أشار إلى أن نسبة سكان الكورد في نواحي مركز مندلي وبلدروز وقزانية بلغت 50% من مجموع سكان كل منها، إلا أن نتائج إحصاء سنة 1977 كشفت عن نسبة للكورد تقل عن 1% مقابل 99% للسكان العرب!

ومع كل تلك المعاناة لسكان ناحية مندلي، يزعم تقرير الأمم المتحدة أن الغالبية الساحقة من الكورد الفيليين لا ترغب في الانضمام إلى حكومة الإقليم، أو أنهم يرغبون في منطقة «حكم ذاتي»، الأمر الذي يعكس ضحالة المعلومات التي استقاها التقرير من المحاورين؛ لأن المعروف عن الكورد الفيليين، ومنذ تأسيس الدولة العراقية في 23 آب 1921، أنهم كانوا يمثلون الحصن الأمامي للحركة التحررية الكوردية في العراق. وما حملات التسفير والترحيل القسري التي قامت بها الحكومة العراقية (وحزب البعث) السابقة، وتعرّض لها الكورد الفيليون من سكان المنطقة الكوردية ومنها مندلي، إلا لكونهم كورداً، ولتعاطفهم مع تلك الحركة والثورة الكوردية ومشاركتهم فيها. ولعل الطلب الذي تقدّم به مجلس ناحية مندلي الكوردية سنة 2006 إلى محافظة ديالى بضم الناحية إلى إقليم كوردستان أهمُّ دليل على توجهات سكانها من الكورد والفيليين، وهو عكس ما ذهب إليه تقرير الأمم المتحدة. وقد أكد تقرير الأمم المتحدة نفسه هذه التوجهات في (ص5/18) من التقرير، كما جاء في ص13 منه: «أن زعماء العشائر العربية والقادة المدنيين التركمان دعموا تلك التوجهات أيضاً»، باعتبارها، كما جاء في التقرير، «انعكاساً للروابط التاريخية والعشائرية والتجارية واللغوية في الإقليم».

وبعدُ، فلماذا يصرّ تقرير الأمم المتحدة على رفض هذه التوجهات لأهالي المنطقة من الكورد في مندلي الكوردية، والحيلولة دون تحقيق رغبات السكان الكورد في الناحية في الانضمام إلى إقليم كوردستان، فيما أيّد مطالب البعض من العشائر العربية في ناحية قراج في محافظة أربيل بإلحاقها بأي محافظة عربية مجاورة؟!

الدكتور عبد العزيز المفتي


الهوامش

(1) د. خليل إسماعيل محمد، المناطق المتنازع عليها، ص71-80.

(2) فلاح شاكر الأسود، الحدود العراقية - الإيرانية، ص60. وانظر كذلك: الدكتور عبد العزيز المفتي، موسوعة الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ، ج4، فصل4.

(3) العراق قديماً وحديثاً، ص182.

(4) العراق الشمالي، ص118.

(5) عباس العزاوي، العراق بين احتلالين، ص181.

(6) أحمد فوزي، خناجر وجبال، بيروت، 1961، ص39؛ محمود الدرة، القضية الكوردية، بيروت، 1963، ص108-109؛ شاكر خصباك، العراق الشمالي، بغداد، 1973، ص135.

(7) أحمد فوزي، المصدر السابق، ص38؛ محمود الدرة، المصدر السابق، ص209.

(8) Shorsh, M., Statistics Atrocities in Iraqi Kurdistan, pp. 33-34.

(9) خليل إسماعيل محمد، قضاء خانقين، دراسة في جغرافية السكان، ص226.

(10) محمد أمين زكي، تاريخ الكورد وكوردستان، 1961، ص30.

(11) عبد الرزاق الحسني، العراق قديماً وحديثاً، 1955، ص185.

(12) كلوديوس ج. ريج، رحلة ريج في العراق سنة 1820، 1951، ص285.

(13) المصدر نفسه، ص284.

(14) رحلة المستر ريج في العراق سنة 1820، ص110.

(15) أربعة قرون في تاريخ العراق الحديث، ص15.

(16) الروزبياني، مدن كوردية قديمة، ص89.

(17) الروزبياني، به ند (مندلي) في التاريخ، ص316.

(18) محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان، ص30.

(19) عبد الرزاق الحسني، ص183.

(20) الروزبياني، مدن كوردية قديمة، ص156-157.

(21) انظر: ثامر العامري، موسوعة العشائر العراقية، ص2-3.

(22) أكرم زينل، نمو السكان في العراق، ص771.